المقعد

كرسي الكاتب متعدد: في المقهى، في الحانة، في المدرسة، في حافلة النقل العمومي، في سيارته، في الإدارة العمومية، في حديقة الحي… ففي كل مكان ثمة كرسي للكاتب.

رغم أن الحانة فضاء عام لكل من يرغب في احتساء نوع من أنواع الخمر، فهي في الآن ذاته فضاء خاص، يُنظر إليها من طرف أولئك الذين ضيعوا فرصة اكتشاف سر الخمر، بكونها مرتع السكارى والمدمنين، كما يَنظُر إليها جيرانها بمن فيهم السكارى فضاءً مزعجاً يثير حنقهم خاصة حينما يزورهم ضيوف من العائلة، بحيث يحرصون على عدم تقرب الأطفال والِّنساء إليها. ولكن هل يعتقد الجيران أن المرأة والطفل لا يحمل فضول الاكتشاف؟ بكل الطرق والوسائل سيلجون دروب الخمارة للتجول فيها ولو على الأقل تخيِّيلاً: لا أستطيع أن أتخيل تمثل المرأة والطفل للحانة، ولا كيف تشكلت أو الدافع غير الفضول؟

الحانة مكان مفضل لدى البعض ومقيت لدى البعض الآخر. يجتمع فيه كل المتناقضات: الصخب، الفراغ الممل، اللَّغو، الموت البطيء والحياة المُنتظرة من بعيد.

للكاتب حانته الخاصة وأمكنته المفضلة، فمثلما يعشق شرب البُّن في مقهى معين، فهو يعشق أيضا شرب الخمرة في فضاء محدد. غير أن حانة الكاتب تظل رغم كل شيء محكومة بطقوس لا يعرفها غيره، بل تكاد تكون سراً من أسراره الخاصة، فلماذا يهوى الجلوس على ذاك الكرسي تحديداً دون سواه؟

أغلب الظَّن أنه كرسي يحتكر مجال الرؤية داخل الحانة، كرسي يتيح له إمكانيَّة مراقبة كل ما يحدث والاستباق إلى ما سيحدث، يحذِّق في النَّاس ويصنف ويميِّز بين الصالح والطالح وفق معاييره، ويختار في الرفقة ما يشبع فضوله.

كرسي الكاتب في الحانة: كرسي يعشق الصمت المُطبق، وفي صخب السكارى يستمتع بالإنصات، يسرق كلمة هنا وهناك.. وخبراً أو حدثاً من هاته الطاولة أو تلك: بعيدةً كانت أو قريبة، يدع أذنيه في رحلة مرحة لالتقاط مختلف الموجات والنبرات الصوتيَّة التي تصخب المكان. إنه كرسي مُقدس.

موسيقى الكاتب تتألف من ضجر العالم وبؤس أهله المكدس في حضيرة بشرية (zoo humain بتعبير بيتر سلوتردايك في قواعد لحضيرة بشرية: يقصد ما بعد الإنسانية) طمعاً في الاستباق إلى تخطي جدار التوحش المدني المقيت نحو عالم آخر ممكن وضروري.

طاولة الكاتب لا يشترط فيها أن تكون مملؤة بالكؤوس أو القنينات ليُظهر تباهيه كسكير محترف أو كشخصيته من نوع راقٍ. يكفي لطاولته أن تحوي مرمدة وصحن صغير من الزيتون أو سلاطة أصيلة بخل ملون. ولكنه يحرص على أن تكون مؤهلة لأخذ ورق وقلم ليخط بعض الأفكار اللِّعينة.

كرسي الكاتب متفرد لا يحتمل أكثر من جثة، ولا يطيق أصحاب اللَّغو وخاصة من طينة الثرثارين الذين يطلقون العِنان للسانهم وكأنهم محرك رانجروفير، أو حاملة الأحجار الثقيلة. إنه: كرسي يستمتع بصاحبه كما يستمتع به صاحبه.

يدرك الكاتب أن الكرسي عزيز جداً حينما يحتله شخص أخر أو حينما يستمع إليه وهو يشتكي من تعفن مؤخرة وقعت عليه أو غير مألوفة، فيشتكي: رائحتها نتنة، قل لهذه المؤخرة أن تمسح حثالتها قبل أن تجلس علي، أخبرها أنها غير مرغوب فيها لأن فتيان طفولتها قد أوقعوا بها وتركوا داخلها كل حيواناتِهم المنوية، قل لها: تباً لك وللذين يعشقون المؤخرات فهم لا يميزون بين البهيمة وأنثى البشر.

المؤخرات أكثر عشقاً من الأنوثة، والأثداء في المرتبة الثانيَّة وإن خيروني سأختار الثدي بعظمته وروعته وجماليته حينما يهتز رويداً رويداً، حينما يناديني بكل شغفٍ لأنه يفهم أني أعشقه وأحبه سبعة وعشرون حباً.

كرسي الكاتب يبتسم: يبتسم للجميع ولكن ابتسامته لصاحبه مميزة ولا نظير لها. نابعة من القلب الخالص، وكلُّه شوق أن يضع الكاتب مؤخرته عليه.

حسناً: ألا يعشق الكرسي مؤخرة الكاتب أكثر منه؟ ألا يبتسم له فقط تودداً لمؤخرته؟

ضمن نفس السلسلة:

ظل الكاتب

أثر الكاتب

عزلة الكاتب

فرح الكاتب

خطاب الكاتب

كرسي الكاتب

ألم الكاتب

The Author’s Chair 

THE AUTHOR’S SPEECH

شاهد أيضاً

جاك دريدا .. كيف يعيش فيلسوف التفكيك موته؟

فتحي المسكيني (مقال منشور بجريدة الشرق الأوسط، 12 أكتوبر 2004) مات جاك دريدا. هو يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *