الرئيسية / منتخبات / عامة / مطرقة إبراهيم: 5 – تخليدا لذكرى الجعد بن درهم

مطرقة إبراهيم: 5 – تخليدا لذكرى الجعد بن درهم

إبراهيم الفتاحي – مراكش المغرب

في كل عيد أضحى أتذكر الجريمة الشنعاء التي غلفها تاريخ التطرف البغيض والتسلط المقيت باسم الدين ضد رجل كل ذنبه أنه استعمل عقله، وحاول الاستمتاع بنعمة التفكير والتعبير، رغم أن تفكيره كلامي انطلق من يقينيات ومسلمات مشتركة مع المجرم الذي حكم عليه بالموت وذبحه بطريقة بشعة يوم عيد الأضحى وفي المصلى وأمام الناس، ولكم أن تتخيلوا ما صحب هذه الجريمة النكراء من التكبير والتهليل، وما رافقها من سعادة وارتياح لدى جموع “المؤمنين” الرعاع “التقاة” الدهماء الغيورين على دينهم حماة “الله” من العبث بصفاته التي لا يفهمونها أصلا، حتى يكاد الناظر يجزم أن لكل واحد إله في ذهنه يعبده، لا يتفقون إلا في الطقوس.

ضحية هذه الجريمة النكراء هو المتكلم الجعد بن درهم، والمجرم هو خالد بن عبد الله القسري، أمير بني أمية على العراق في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، الذي غادر بدوره الدنيا بيدين ملطختين بدماء متكلم كبير هو غيلان بن مسلم الدمشقي، وفي نفس السنة التي ذبح فيها الجعد بن درهم وهي 106 هجرية، لكن غيلان كان قبل عيد الأضحى.

يروي المؤرخون منهم ابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن نباتة المصري في سرح العيون، وابن كثير في البداية والنهاية، وأحمد أمين في ضحى الإسلام، أن خالدا القسري أتي بالعالم المتكلم الجعد بن درهم مكبلا، وصلى بالناس صلاة العيد، وخطب فيهم، وأنهى خطبته بقوله:
“ضحوا تَقَبَّل الله ضحاياكم؛ فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، ثم نزل وأخذ السكين وذبحه في المُصَلَّى أمام الناس.

أثنى الكثير من مشايخ الإرهاب عبر تاريخ الإسلام على المجرم خالد القسري وباركوا فعله الشنيع ومنهم ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم ومدحه بأبيات قال فيها:
ولذا ضحى بجعد خالد القس ري يوم ذبـــائح القــربان إذ قـال ليس إبـراهيم خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك مـن أخي قربـان
وفي العصر الحديث نجد شيخ الوهابية الراحل عبد العزيز بن باز يقول عن تلك الجريمة:
“ولا شك أن هذه الضحية أفضل وأعظم أجرا من الضحايا؛ لأن هذه فيها قطع لدابر الفتنة والشر والفساد، ثوابها أعظم من ثواب الضحية، وإن كانت الضحايا سنة الرسول -عليه الصلاة والسلام- لكن قتل هذا الرجل فيه قطع لدابر الفتنة”، كما أثنى على ذلك الشيخ السلفي الأزهري محمد سعيد رسلان، ومحاضراته في هذا الشأن موجودة على اليوتوب.

هكذا بكل بساطة تحتفي البنية الذهنية الإرهابية بجريمة شنعاء من رجل كل ذنبه أنه استعمل عقله في تأويل القرآن الذي يؤمن به وعبر عن رأيه، لم يشهر سيفا في وجه أحد لإكراهه على اتباعه، بل لم يكن المسكين حتى معارضا سياسيا مثلما كان عمرو بن عبيد وغيلان بن مسلم، وكان جبريا خالصا رغم قوله بنفي الصفات وبخلق القرآن، وكانت الجبرية هي الإيديولوجيا التي استد إليها الإستبداد الأموي منذ معاوية بن أبي سفيان حتى مروان بن محمد آخر خلفائهم الذي كان الجعد بن درهم نفسه أستاذه ومؤدبه حتى لقب بمروان الجعدي.

إن أغرب المتناقضات التي تفور من بين ثنايا كتب التاريخ هو أن خالدا القسري كان يوصف بالزندقة والظلم، وقد هدد أن يهدم الكعبة حجرا حجرا إن أمره خليفته بذلك وكأن ربه هو الخليفة وليس رب البيت، والأدهى من ذلك أنه مشارك في جريمة قتل العالم المفسر سعيد بن جبير تلميذ ابن عباس، وإن الذين يثنون على قتل القسري لابن درهم هم أنفسهم من ينوحون على قتل ابن جبير ويلعنون الحجاج بن يوسف على جريمته، كيف ذلك؟

كان سعيد بن جبير عالم الكوفة حينما ولى عليها عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي، فعاث الأخير قتلا في المعارضين وكان هددهم من أول يوم في خطبته الشهيرة، والحادثة معروفة في كتب التاريخ، فدعا إليه ابن جبير ليوليه القضاء فرفض، وطلب منه أن يكون من بطانته فقبل، وكانت غاية ابن جبير في قبول المنصب هي دفع سيف الحجاج على من استطاع، وحينما عجز عن ذلك فر منه هاربا والتحق بابن الأشعث وسانده في ثورته على الحجاج، لكن هزيمة ابن الأشعث وإخفاق ثورته، جعلت ابن جبير يهرب إلى مكة ومكث متخفيا في شعابها لأكثر من عشر سنين، وحينما عين الوليد بن عبد الملك الحجاج على مكة قبض عليه وأرسله للحجاج فقتله، حتى أن الحجاج نفسه قال حين جاؤوه به أنه كان يعرف مكانه كل هذه السنوات وتغاضى عنه حتى لا يزهق روحه، وكان قد أقسم أن يقتله إن قبض عليه، وفعلا قتل الحجاج ابن جبير الذي قدمه له خالد القسري قاتل الجعد بن درهم، فكيف يهلل هؤلاء الشيوخ لمجرم كان السبب في قتل واحد من أكبر شيوخهم الذي لا تخلوا كتب أي منهم من اسمه وأقواله في تفسير القرآن، وهو من التابعين الكبار فقط لأنه قتل رجلا يخالفهم الرأي؟

إن الذين يصدحون اليوم أمام جرائم داعش وغيرها بالقول إنهم لا يمثلون الإسلام وإن الإسلام بريء منهم، عليهم أن يتبرأوا من ابن تيمية وابن القيم وابن باز وغيرهم من دعاة الإرهاب الديني، إرهاب ظل يتغذى من كتبهم وفتاويهم صانعة الروح الداعشية ضد الحضارة والإنسانية.

مات ابن درهم ولكن ذكره سيبقى خالدا كعالم متكلم اجتهد بعقله وعبر عن رأيه سواء أصاب أو أخطأ، وسواء أتفقنا معه أو اختلفنا، وسيبقى ذكره كمظلوم تسلط عليه مجرم حقود وذبحه يوم عيد الأضحى كما يذبح الخروف، فسال دمه وجف، لكن أفكاره لم تجف أبدا، وستبقى لعنة المظلوم ابن درهم تسود ذكر القسري وذكر خليفته هشام بن عبد الملك وكل من أثنى من شيوخ الإرهاب على هذا الظلم الفظيع والجرم الشنيع، وسيبقى الجعد رمزا لمن تمسك بحقه في التفكير والتعبير دون أن يكفر أحدا أو يدعو لقتل أحد أو قتاله، لكنه دفع حياته ثمنا لذلك، وماذهبت حياة الجعد هباء، إذ عرف التاريخ وسيعرف الكثير من الأحرار ممن لا يتنازلون عن حقوق الإنسان رغم الإرهاب…

من أرشيف ابراهيم الفتاحي

مطرقة إبراهيم – 1 / 2 / 3

مطرقة إبراهيم (4): فواتح السور القرآنية

شاهد أيضاً

جورج أورويل: مراكش

جورج أورويل ترجمة: علي لّطيف  بينما تجاوزت الجثة المكان ، غادر الذباب طاولة المطعم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *