الرئيسية / منتخبات / عامة / مطرقة إبراهيم – 1 / 2 / 3

مطرقة إبراهيم – 1 / 2 / 3

إبراهيم الفتاحي – مراكش المغرب

1 – 

يرافقني هذا السؤال منذ ربع قرن تقريبا، وبالضبط عندما كنت أقرأ كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس الحنفي، ومفاده لماذا كل الأنبياء من عرقين اثنين فقط؟ إما عبرانيون أو عرب؟ ولماذا العبرانيون هم الغالبية الساحقة؟

في صغري كنت أستعيذ بالله ظنا مني أنها وساوس الشيطان ليعيدني إلى ظلمات الجهل بعد النور الذي ولدت به ومعه من أبوين مسلمين مؤمنين مقلدين تابعين بسيطين لم يجرؤا على السؤال؟ والآن أعيد طرح هذا السؤال موقنا أنه صوت العقل الذي في أعماقي ولا دخل للشيطان فيه، ولربما يكون مخرجي إلى النور الحقيقي بدل الظلمة التي عشت فيها الجزء الأوفر من سني عمري متوهما أنها نور لعوار أصاب بصيرتي فغشى بصري، ليقتات قلبي المسكين على سعادة موهومة خالها الحقيقة الدامغة، حتى ظننت لحين من الدهر أنني الناجي وما دوني ينتظره العذاب الأليم، وزعمت نفسي المريضة أن عضو جماعة هي خير أمة أخرجت للناس، تماما كما يتوهم شخص آخر في مكان ما من هذه الدنيا أن تعلقه بالصليب يجعل منه عضو جماعة هي ملح الأرض، وكما يتوهم آخر في صقع من أصقاع الدنيا أنه عضو جماعة هي شعب الله المختار، وتستمر سلسلة الأوهام ومطارق العقل قليلة مفلولة.

لماذا توسط عرقان فقط في رقعة جغرافية معينة بين الإنسان والله؟ لماذا لم يبعث الله أنبياء في الصين والهند وإفريقيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا؟ هل هناك مانع؟ أم هناك نقص في هؤلاء؟ لماذا حق لبني إسرائيل وحدهم أن يروا معجزات موسى وعزير ثم على باقي الأقوام تصديقهم إذ هم يحكونها؟ لماذا حق للعرب وحدهم أن يكحلوا أبصارهم بناقة صالح وريح هود ويشنفوا أسماعهم بمعجزة القرآن وعلى بقية الأقوام تصديقهم إذ هميحكون عنها؟ لماذا تسييد عرقين متناحرين هم العرب والعبرانيون على الروح البشرية؟

سينبري كثيرون ليبرروا هذا الإختيار بالإرادة الإلهية التي تنوي خلفها حكمة بالغة لا يعلمها إلا هو، أقول: ما قيمة حكمة لا يعلمها إلا هو؟ فهي بهذا مجهول لا قيمة له، كمن يضربك ويقول إنه لمصلحتك دون أن يبين لك هذه المصلحة، والحقيقة أنه يضربك لحقد دفين تجاهك أو لسادية هو يخفيها.

هل النبوة تقليد آرامي للإجابة عن أسئلة الوجود والأخلاق والسياسة والمجتمع؟ مثلما الحكمة عند الآسيويين والفلسفة في حوض الأبيض المتوسط، والسحر عند الأفارقة والهنود الحمر. ربما
عصي هذا السؤال أليس كذلك؟ بلى، لأن العصي الحقيقي هو ضربات المطرقة على رؤوس غلبتها الأوهام واستندت إلى جدارها حتى صارت عظام جمامها جزءا من الجدار
حي على السؤال.

2 – عمر بن الخطاب يحرق الكتب
ذكر العديد من المؤرخين منهم ابن النديم وحاجي خليفة وابن خلدون أن المسلمين لما غزوا بلاد الأقباط وهي مصر الحالية وكانوا يسمونها الفسطاط كانت للإسكندرية مكتبة عظيمة بآلاف الكتب والتي جمعت على مدى قرون من شتى صنوف المعرفة، فكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يستفتيه في أمرها، فرد عليه الخليفة يأمر بحرقها، ومبرره في ذلك أنه إن كان فيها هداية فقد أغنى الله المسلمين بما هو أهدى منها وهو القرآن، وإن كان فيها شر ففي حرقها كفاية منها، فوزعها ابن العاص على حمامات الإسكندرية يحرقونها، وقيل أن حرقها استغرق ستة أشهر. تتكرر الحكاية بعد معركتي القادسية والنهراوين وسقوط الإمبراطورية الفارسية وغزو بلاد الفرس ونهاية امبراطورية عظيمة حكمت قرابة الألف عام، فقد كان في المدائن عاصمتهم مكتبة عظيمة أنشأها كسرى أنوشروان وهو جد يزدجر آخر كسرى، لأن أنوشروان كان يلقب بكسرى الفيلسوف مولع بالمعرفة ويشجعها، وكانت عاصمته محج العلماء والفلاسفة، وحينما أغلق الإمبراطور الروماني جوستينيان مدارس الفلسفة وطرد الفلاسفة أرسل إليهم يدعوهم إلى بلاده فاستقبلهم وأكرمهم وأعلى من شأنهم. حين دخل العرب فقتلوا ونهبوا وسبوا احتاروا في أمر الكتب ما يفعلون بها، فكتب القائد سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب في شأنها، فأمره بإتلافها بالمبرر نفسه الذي كان مع كتب الإسكندرية، فألقوها في الماء.
إن الذي فعل هذا هو صحابي مقرب وخريج مباشر للمدرسة النبوية، وفعله هذا سيكون قد أخر البشرية قرونا ولا يختلف عن فعل هولاكو بمكتبة بغداد، نعم إنه مثل فعل هولاكو الذي يدمره التاريخ الإسلامي كمجرم همجي، ولكنهم يصمون آذاننا أن الاسلام دين العلم والمعرفة ويأمر بطلب العلم ولو في الصين، ومن المهد إلى اللحد. فلماذا لم يطبق عمر بن الخطاب هذا المبدأ وهو العارف بروح الإسلام وتعتبر اجتهاداته من مصادر التشريع؟

3 – أساطير التميز العمري
إن شخصية عمر بن الخطاب من أكثر الشخصيات التي أضفى عليها الثرات الإسلامي هالة ميثولوجية، وحاول تغليفها بطابع المعقولية حتى تتقبلها البنيات الذهنية للأجيال المتلاحقة من المسلمين دون أي تفكيك وتمحيص، وذلك خلافا للهالة المضفاة على علي بن أبي طالب، والتي تجاوزت حدود المعقول خصوصا في الموروث الشيعي الذي يعتبره وصي النبي. ورغم الإشتغال الكبير للماكينة الأموية لتقزيم علي بن أبي طالب في التاريخ والإجتهاد في محو بطولاته ووزنه العلمي والسياسي لصالح عمر بن الخطاب، لأن عثمان كان ضعيفا في القيادتين السياسية والعسكرية، ولم يستطع التزوير الممنهج رفعه إلى مستوى التميز، إلا أن التاريخ ظل يذكره كمحارب بطل وكقائد مظلوم وكعالم حصيف الرأي، وهو ما لم يكن لعمر منه حظ.
عندما يتحدث العرب عن محاربيهم الأبطال قبل الإسلام وبعده، فإنك تجد أسماء كثيرة مثل عنترة بن شداد وحنظلة بن هانئ والحارث بن عباد وعمرو بن ود العامري ومعد يكرب الزبيدي وحمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن رواحة وخالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب والمثنى بن حارثة والزبير بن العوام ومصعب بن الزبير ومحمد بن الحنفية وقطري بن الفجاءة ومسلمة بن عبد الملك وغيرهم كثير، لكنك لا تجد ذكرا لعمر بن الخطاب في هذه البطولات رغم أن المرويات صورته دائما شخصا قويا يهابه الجميع حتى الشيطان يتجنب ملاقاته، فإن جاء من طريق ذهب هذا الشيطان من طريق غيرها، وأنه الوحيد الذي جهر بإسلامه منذ اليوم الأول، بل كان يطوف على بيوت سادة مكة ليعلمهم بإسلامه في تحد لم يقم به حتى حمزة نفسه والذي كان فارس قريش بلا منازع، وهاجر الجميع سرا إلى يثرب تحت جنح الظلام أو على حين غفلة من أهل مكة إلا عمر فقد تحدى الجميع بهجرته مغادرا أمام الملأ ولا أحد من قريش يجرؤ على منعه، ومع ذلك فإن هذه البسالة منقطعة النظير ليس لها ذكر خاص في المعارك الكبرى، ففي بدر كان التميز لعلي وحمزة وآخرين، منهم شخصيات لم تكن من علية القوم ولا ممن يوصفون بالبطولة مثل ابن مسعود الذي قتل أبا الحكم زعيم قريش، بل حتى بلال بن رباح كان له نصيب من الذكر وهو قاتل أمية بن خلف سيده السابق الذي عذبه ونكل به.
هكذا في كل المعارك الإسلامية مثل أحد وحنين والخندق وخيبر، لم يكن هذا الشخص المهيب القوي في المقدمة ولم يكن بطلا، فكيف شحنوا أذهاننا بكل هذه الأساطير حوله؟ وكيف جعلوا أجيالا متلاحقة عبر قرون تصدق هذه الشجاعة وتلك القوة العمرية؟
أما عن عدل عمر ورفضه الظلم والعدوان فتلك حكاية أخرى، ولعل شهرة هذا العدل قد طبقت الآفاق عبر قرون طويلة، وعلمونا صغارا أن عمر أعدل الحكام، ورسخوا في أذهاننا رفضه الاستعباد مستشهدين بقولته الشهيرة “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” وانتصاره لرجل من العامة على ابن القائد الكبير عمرو بن العاص واليه على مصر، لكن هذا القول الطنان لا يوجد له مقابل في الواقع، فقد كانت المدينة في عهده تعج بالعبيد والجواري من أبناء الفرس الذين سبتهم الجيوش العربية في غزوهم للإمبراطورية الساسانية، وتضاعف عدد الأرقاء عشرات المرات في عهده، وصار الحفاة الرعاء من أعراب الجزيرة يمتلكون الجواري والعبيد والضياع في العراق والشام، بعدما كانوا يعيشون شظف العيش في الصحراء، أوليس أولئك من الناس الذين ولدتهم أمهاتم أحرارا ويستحقون الحرية؟ فلماذا لم يحررهم عمر العادل حتى وقد اعتنقوا الإسلام جميعا؟
لقد كان عمر بن الخطاب المفتتح الفعلي للتاريخ الدموي في الإسلام، وكان هذا الافتتاح من بلاد الفرس، حيث اتسع النهب والسبي والإستعباد، فبأي حق يسبى الأبرياء من الناس والأطفال حتى وإن كانوا أبناء المحاربين؟ ولماذا لم يتم تحريرهم حتى بعد إسلامهم؟ وبأي حق تم تقسيم البشر إلى العرب أهل السيادة وإلى موالي يخضعون لهم؟
عندما قام جنكيز خان المغولي بهذا اعتبر بربرية وهمجية وعدوانا، ولكن عندما قام به العرب اعتبر فتحا عظيما ومفخرة، وإعلاء لكلمة الله ونشرا لدينه، مع العلم أن من يريد نشر الدعوة يرسل الدعاة وليس المحاربين المتعطشين للغنائم من الذهب والفضة والجواري الحسان، فأي منطق هذا، بل وأي ذهنية هذه التي صدقت أكذوبة الفتح، وتناقلت الهمجية باعتبارها فتحا مبينا ونشرا لدعوة الحق.
لقد أفقدنا التزوير الممنهج أبسط شروط الإنسانية، وهي اعتبار استعباد الأطفال جريمة وليس بطولة.
إن التزوير يفضحه التناقض، ومن تجليات هذا التناقض رحمة عمر وشدة بكائه خوفا من الله، وخوفا من هول المسئولية حتى على بغلة تتعثر في أقصى الأرض، وأذكركم بحكايته مع أم الأيتام التي علمونا إياها شعرا ونثرا في طفولتنا عن ذاك العدل الأسطوري، حيث وجد الأرملة تلهي صغارها الجياع بقدر من الماء فوق النار حتى يناموا، وكيف هب عمر لنجدتها وجاءها بالطعام وطهاه بنفسه، يالها من رحمة تستحق التقدير والإحترام، خصوصا من الحاكم، لكنها رحمة كانت لتكون حقيقية لو أنها شملت مئات الأطفال الأرقاء من أبناء فارس وفي المدينة نفسها، أطفال أخذوا قسرا من أمهاتهم بعد قتل آبائهم وبيعوا في الأسواق، أوليسوا أبرياء؟ وأي شريعة هذه التي تفرق الأطفال عن أمهاتهم وتستعبدهم ومع ذلك تبقى أفضل الشرائع؟ وأي حاكم يفعل هذا ومع ذلك يوصف بأعدل الحكام؟
لم يكن أبو لؤلؤة قاتل عمر بن الخطاب مجرما ملعونا وشيطانا متخفيا وحاقدا وناقما كما صوره لنا تاريخ التزوير، رغم أننا مبدئيا ضد الاغتيال، ولكنه كان رجلا عاديا مؤمنا بأهورامزدا الاله الواحد في الديانة الزرادشتية التي اقتبس منها الاسلام الصلاة والوضوء والزكاة والصوم، وكان حرفيا يتقن الكثير من الأعمال، وتم أسره واستعباده رغم أنه لم يكن محاربا، كان قلبه يتمزق لحال أبناء قومه، ولحال الأطفال من بني جلدته، الذين كانوا يملأون المدينة وتحولوا من أعزة مكرمين إلى أذلة مملوكين، بينما أبناء العرب يعيشون البذخ والسيادة، فدفعته آلامه إلى الانتقام بالطريقة التي يقدر بها، وهي مباغتة خليفة من غزوا بلاده وقتله، وكذلك كان.
إن مواجهة التزوير الممنهج للتاريخ ونسف الأساطير المؤسسة للهيمنة، وتحرير العقول هو طريقنا نحو الحرية الحقيقية التي نصبو إليها، وتحضرنا رهين بكسر الأغلال التي تقيدنا، وأول الأغلال هي دكتاتورية الماضي التي تعوق حركة التاريخ.

 

شاهد أيضاً

في الحكمة والحاكم والمحكوم

عبد السلام مسعودي – كاتب تونسي  e: editor@madaratthakafia.com -1- الحكمة تعيش بين حكم العقل والتحكم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *