الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / سقط اللوى: اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/3

سقط اللوى: اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/3

هادي معزوز – المغرب

… وقفت وحيدا أتأمل هذا العالم العاصف بكل شيء محتمل.. بكل شيء ممكن حدوثه حتى المستحيل منه، خاصة وأن الحياة علمتني قاعدة مهمة: من الصعب التنطع والخروج عن كل ما فرض علينا. هل بإمكاني أن أعيش كل لحظات حياتي دون استثناء؟ تساءلت في نفسي ثم أغلقت الموضوع مباشرة لهول تحمله، تناولت سيجارة ثم همت في رحاب أفق لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد.. دون العثور على الخيط الناظم لمسار حياتي، صحيح أني لم أفقد أي شيء، لكني أضفت إلى زادي أشياء أخرى حيث تبددت تلك الغيوم التي كانت تحجب ما حصل وما يحصل.

كان المغرب يعيش على أنقاض دائرة مفرغة: خروج فرنسا من الباب ودخولها من النافذة/ نقص حاد في الأطر/ ارتفاع نسبة الأمية والجهل والهجرة الداخلية../ لكن إرادة أخرى كان لها حلما تسعى لتحقيقه، فالناس رغم بساطتهم كانوا يعقدون الأمل على بداية عهد جديد يقطعون من خلاله مع كل هذا الإحباط الذي ألم بهم.. وبدوري وجدتني أنا الأخر بدون فصول تذكر.. بدون حلم منبثق من الحياة.. وبدون أنيس يلعب دور الصدى الذي يمتص الصدمات..

وكان المغرب أيضا يغلي ويعيش صراعا ثاويا بين عديد القوى، كل قوة ترى في نفسها الأحق بقيادة سفينة بلد خرج لتوه من براثن الاحتلال.. في نقاشي مع الأصدقاء كنت دوما أقرأ الأمور بواقعية مفرطة يعتقدونها تشاؤما: لم أكن متفقا بتاتا مع تلك الفكرة التي تقول أن المغرب فعلا بلد مستقل، حيث لازالت جل ثغوره الجنوبية وجزره محتلة احتلالا مباشرا، فيما تمكنت فرنسا من بسط مخالبها اقتصاديا وثقافيا.. حاولت قراءة الأمور من زاوية فلسفية متتبعا منطق التاريخ الذي لا يأبه للناس فيوهمهم بأنهم صانعوه، في حين أن له مكرا يفوق المكر نفسه، لهذا كان من المجحف الاعتقاد بأننا شعب حر وفاعل.. لسبب بسيط يكمن في أننا لم نعش حروبا كنا فيها أصحاب القرار.. لم نعرف ثورة على غرار ما وقع في أوربا.. لم نؤسس لإصلاح ديني يرسم حدود ما نحن عليه، ويفتح أعيننا أمام ما نجهله.. لم نمر من الوعي الساذج ثم الشقي كي نصل إلى الوعي المطلق.. كنا نريد قطع المسافات في سرعة جد قصيرة، والمشكل الأكبر هو أننا لما وعينا بذلك وجدنا أنفسنا أمام صدمة كبيرة والتي ليست سوى صدمة الحداثة..

قررت أن أصبح أستاذا في إحدى الجامعات المغربية، وهو ما حصل بعد مرور ثلاث سنوات من وضع طلبي، نحن الآن في ستينات القرن العظيم، كل شيء يغلي سواء على المستوى الخارجي وآثار الحرب الباردة بين المعسكرين، أو على المستوى الداخلي بين القصر وقيادات الحزبين الكبيرين.. وبما أني كنت متفرغا تماما أعد أيام بطالتي وأنغمس في كتب هيجل فقد كنت أعمل على فهم الأمور بعيدا عن أي انتماء إيديولوجي، كنت أنتقد القصر لحفاظه على عقليته المخزنية الضاربة في عمق القرون الوسطى، والتي تؤمن بالأمر وتنفيذه دون الجرأة على الرفض أو الانتقاد، مما جعل من الذين يحيطون به متملقين بشكل مرضي، كما جعل من بنيته بنية جامدة تماما.. على النقيض من ذلك لم يكن اليسار المغربي متمكنا بالشكل الكافي من قراءة واقعه باحترافية الكبار، لأنه ببساطة لم يكن سوى يسارا تابعا إما للاتحاد السوفييتي، أو للحزب الاشتراكي الفرنسي، أو لتجارب شخصية سواء مع ماوتسي تونع، أو غيفارا، أو تروتسكي.. لازلت أتذكر لحظة إصدار الاختيار الثوري للمهدي بن بركة، وكيف كان له نصيبا من الجرأة في إعادة قراءة اتفاقية إكس ليبان، خاصة وأنه كان من بين المشاركين فيها، قراءة أعادتنا مرة أخرى إلى نقطة الصفر بغض النظر عن الممارسات التي طبعت كواليسها حيث اختار البعض التسوق وشراء الهدايا بدل الحسم في مصير أمة بأكملها..

مرت عديد القرارات تحت مياه راكدة دون إثارة أي انتباه، تنازل من تنازل، وهاجر من هاجر، وبقي آخرون على رأيهم، وإن كان يقض مضجع القصر، فقد شكل هو الآخر قوة توازن بقدر ما جنبتنا السقوط في النمطية بقدر ما أخرنا ثلاثين سنة إلى الوراء، كنا في حاجة إلى شخص له أذن صاغية وحكمة متبصرة، له من القدرة الكبيرة على امتصاص كل الصدمات وتجاهل كل الاستفزازات.. لكن هاته الصفات لم تتوفر في القوتين معا، إلى أن حدث ما حدث خلال أواسط الستينات، كنت حينها في عامي الأول بالجامعة عندما اتصل بي أحد الأصدقاء من مدينة الدارالبيضاء، يقول أن مسيرات تلاميذية خرجت من رحم ثانويات محمد الخامس، ومولاي عبد الله، وشوقي.. يطالبون فيها التلاميذ بإعادة النظر في أحد القرارات الوزارية لتلبس بعدئذ لباس العصيان وهو ما نجم عنه تدخل عنيف في حق المتظاهرين، وصل إلى القتل بكل برودة دم، كان حدثا مهما في حياتي جعلني أتأكد مما كنت أخبر به أصدقائي وأن النظام يحفر قبره بنفسه، إذ بدل إعادة قراءة الأمور والتوفر على إرادة التغيير، لم يستطع “المخزن” التفاعل مع مظاهرة مشروعة وكان هذا بمثابة شوط خسره القصر مما أجج الصراع مرة أخرى بين القوتين..

في نفس السنة، وتحديدا في تلك الليلة الباردة، اتصل بي أحد الأصدقاء الفرنسيين حيث أخبرني على عجل باختطاف غامض للمهدي بن بركة من أمام مقهى ليب، تقبلت الأمر ببرودة مجرم محترف خارج لتوه من مسرح الجريمة لأني توقعت حدوث هذا الأمر منذ القطيعة المطلقة بينه وبين القصر، خاصة وأن الرجل كانت له اهتمامات على الصعيد العالمي إذ جعله هذا الأمر محط نظر من طرف كبريات أجهزة المخابرات العالمية، مما كان سيكلف المغرب الموالي للمعسكر الغربي خسائر دبلوماسية فادحة، كما كان سيؤثر على عديد الدول إبان مؤتمر القارات الثلاث، راسما بذلك لقوة ثالثة غير موالية للمعسكرين وإن كانت متعاطفة مع الإتحاد السوفياتي في كل حال من الأحوال.

ثم انتهت ستينات القرن العظيم بحدث ظل راسخا في ذاكرتي والذي ليس إلا مظاهرات 1968 بفرنسا، والتي من خلالها غيرت انتمائي واهتمامي من فلسفة هيجل إلى البنيوية حيث رأيت ولمست فيها المنهج القوي والقادر على قراءة التاريخ والواقع بصفة عامة، كان هذا كافيا لترتيب نفسي وكان أيضا مهما لاتخاذ جملة من القرارات الشخصية.

قطعت مدة طويلة في التدريس من خلالها تمكنت من الاحتكاك بشباب اليوم، كان أغلبهم متحمسا لدراسة الفلسفة سواء من خلال تدخلاتهم أو البحوث التي يقدمونها، لكنهم كانوا في نفس الوقت يفتقدون لحس الإبداع إضافة إلى سوء التوجيه، مما جعلهم عرضة للانقطاع فور حصولهم على شهادة الإجازة إلا فئة قليلة قررت إكمال المغامرة، صحيح أن هناك تفسيرات بنيوية لذلك، لكن هل يمكن التسليم بأن الإنسان مجرد أداة طيعة في يد قوى خفية؟ قطعا نعم.

كانت محاولتي الانقلاب اللتان عرفهما مغرب بداية السبعينات بمثابة محطة مهمة من تاريخ القرن الماضي، جعلتني أوقن تماما أن إرادة التغيير بعيدة عنا كل البعد، وأن “المخزن” واقف على المياه في حين كان يعتقد أن له أوتادا ضاربة في أعماق الأرض، هل كان يجب أن ينجح؟ كان الأمر سيكلفنا خسائر أكثر فداحة.. وفي نفس السياق كان على القصر أن يجلس مع نفسه لكنه لم يقم بذلك ولم يعترف بفشله فكان هذا أمارة وعلامة على الرجوع إلى الوراء دون أثر إيجابي يذكر..

بدأت أحس باقتراب نهاية القرن الذي ولدت فيه، ومعه وجدتني على مقربة من قرن مجهول جدا، من الصعب أن نعيش في قرنين متناقضين/متكاملين، كان الأمر بمثابة حمل ثقيل علي، بدت لي سنة 2000 بمثابة ثورة على كل شيء، تأملت هذا الرقم مليا فألفيته لغزا غامضا وفي نفس الوقت نشاطا عبثيا، لكني لم أستطع في نفس الآن لجم فضولي، كنت أحاول الإنعتاق من هذا القرن، ثم تجددت هذه الرغبة عندما قرأت في إحدى الجرائد قبول دخول الاتحاد الاشتراكي إلى الحكومة رفقة وزير كانوا يعتبرون الجلوس إلى جانبه بمثابة خيانة عظمى، بدت لي نهاية القرن غامضة إلى حد السخرية، فكان هذا إيذانا على بداية مسلسل طويل سيء الإخراج..

من أرشيف هادي معزوز:

سقط اللوى: 1 – مقدمات لثقافة في ظلام التاريخ

سقط اللوى: 2 – في الحاجة إلى الاصلاح الديني

سقط اللوى: 3 – حول مفهوم العدم

سقط اللوى: 4 – عالمنا البارد والبدائي جدا

اعترافات رجل مضى ويمضي 1 / 4 

اعترافات رجل مضى ويمضي 2 / 4

اعترافات رجل مضى ويمضي 3 / 4

اعترافات رجل مضى ويمضي 4 / 4

شاهد أيضاً

جورج أورويل: مراكش

جورج أورويل ترجمة: علي لّطيف  بينما تجاوزت الجثة المكان ، غادر الذباب طاولة المطعم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *