Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / عامة / ابن  رشد  في مواجهة تكفير التفكير

ابن  رشد  في مواجهة تكفير التفكير

حفيظ بوبكر – المغرب

من أرشيف الكاتب:

حضور المرأة في الخطاب الرشدي

نكبة ابن رشد

لقد كانت الفلسفة في العالم العربي الإسلامي عامة، مضطرة للعيش في الهوامش، حيث وجدت نفسها في قفص الاتهام وفي موقع الدفاع عن النفس أمام الاتهامات المضللة التي سعت جاهدة لإقبار الفكر الفلسفي، ولا غرابة في هذه الوضعية التي تعيشها الفلسفة، في مجتمع يعرف سطوة الفقهاء الذين يُحرّمون كل ما هو جميل كما قال ابن رشد. و السؤال الذي سيوجه موضوعنا هذا هو: كيف السبيل إلى مجتمع لا تُعيق فيه السلطة الدينية الفكر الفلسفي ؟

واقع الحال أن التضييق على الفلسفة لم يكن من جانب الفقهاء لوحدهم، بل كان للفلسفة أعداء لها محاربون، وهم الذين ينتمون إلى نفس البيت الفلسفي. و الحق أن الفلسفة بريئة منهم حسب ابن رشد، ويصور لنا هذا الأخير ما وصلت إليه الفلسفة مع هؤلاء القوم قائلا : ” و من هذا النوع من الناس تظهر فئة السفسطائيين القائمين على أمر هذه المدن (الأندلس)، ممن يعرضون عن كل ما هو جميل كالفلسفة”[1]

أمام هذا الوضع، يبدو أنه من رجاحة العقل أن يختار الفيلسوف الانعزال، ليتقي الشبهات ويحمي نفسه من العداوة و أن يقف إزاء عالم المدينة موقف اللامبالاة والاحتقار. فهل سيسلك ابن رشد هذا الاتجاه أم أنه سيثور على الوضع القائم قصد إعادة الأمور إلى نصابها ؟

إن خصوم الفلسفة يتحيّنون الفرص للإساءة إليها، سالكين في ذلك سبلا متعددة. و قد ذهب فيلسوفنا أبعد ما يمكن الذهاب إليه في تناوله لهذه المسألة، حيث ندد واستنكر سلوكات المشتغلين بها في عصره الذين يفتقرون في نظره إلى الفضائل العلمية و الخلقية، وهم بأفعالهم وسلوكاتهم يسيئون للفلسفة أكثر من غيرهم، و السبب في ذلك، يكمن في كونهم أكثر ميلا إلى الشهوات والجور والظلم، وهم بذلك لا يسدون أدنى منفعة لهذه المدن. فالمدينة التي تنبذ الفلسفة لا يمكنها إلاّ أن تكون مدينة ضالة، يكون فيها التسلّط سيّد الموقف، و تكون حالة الفيلسوف فيها حالة يندى لها الجبين فهو ” بمنزلة إنسان وقع بين وحوش ضارية فلا هو قادر على أن يشاركها فسادها و لا هو قادر على أن يأمن على نفسه منها “[2] .

مما لا شك فيه، أن ابن رشد يرصد وضعية الفيلسوف في المدن الضالة بأنها وضعية يكون فيها، أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن ينخرط مع أهلها في فسادهم و هو ما يفقده صفة الفيلسوف و إما أن يواجه الشرور والوضع القائم متطلعا إلى تغيير الوضع نحو الأفضل، و حينها سيفتح على نفسه أبواب الجحيم لأن أصحاب النفوذ سيُضايقونه و يضيقون عليه الخناق . و فيلسوفنا اختار الخيار الثاني و تحمل تبعاته التي كانت نكبته إحداها .

يربط ابن رشد بين ما وصلت إليه الفلسفة والفلاسفة من تقهقر واضطهاد، داخل المدينة الإسلامية مع ما استشرى من فساد في دواليب الدولة. و بالمثل يربط صلاح المدينة بصلاح حال الفلسفة وأحوال الفلاسفة؛ ذلك أن المدينة الفاضلة لن تقوم لها قائمة ما لم يتم إعادة الاعتبار للفيلسوف بوصفه الحريص على صلاحها و الحارس لها من كل خطر يروّج له السفسطائيون. و مما تجد الإشارة إليه هو أن طرح وضعية الفيلسوف للنقاش تجد أصلها في كتاب ” الجمهورية “، إلا أن ابن رشد لم يتقيد بالنص الأصلي، حيث وظف إشارات تدل على أنه كان يسلط الضوء على واقعه  وزمانه، و من تلك الإشارات قوله “زماننا هذا ” و “هذه المدن “، فهو بهذا ينتزع الآراء السياسية من تربتها اليونانية ليُعيد غرسها في تربة إسلامية أصيلة، أي أننا إزاء محاولات لتبيئة السياسة عندنا .

توجد الفلسفة إذن، في وضعية ارتجالية غريبة، فهي ضحية لنوع من اللامبالاة من جهة السياسيين وعُرضة في نفس الآن لأغاليط  تأتي من داخلها نفسها . قلنا السياسيين لأن ابن رشد وظف  وهو يُشخّص وضعية الفيلسوف في مدينته عبارة يُستشف منها أنه كان يتحدث عن وضعيته هو، و عن رأيه في الأوضاع زمن المنصور بالتحديد، حيث قال : ” و إذا اتفق و نشأ في هذه المدن فيلسوف حقيقي، كان بمنزلة إنسان وقع بين وحوش ضارية “[3]

سيكون على أحدهم إذن، تبديد الأوهام وفضح الأغاليط، وهذا هو الدور الذي اضطلع به فيلسوف قرطبة، حيث بيّن الخطورة التي يُشكلها هذا الموقف من الفلسفة والفلاسفة. و لأجل ذلك دخل في مواجهة شاملة مع مدينته  ومكوناتها  بدون استثناء، سواء مع الفقهاء أو مع  المتكلمين، أو السلطة الحاكمة، حيث انتقد ما سمّاه بـ ” وحداني التسلط “، أما عامة الناس فقد نظر إليهم على قدر أفهامهم، مُعتَبِرا إياهم قاصرين على إدراك ما هو برهاني وذلك راجع إلى جهلهم بالقضايا التي تثيرها الفلسفة، و بالتالي سيكون من الأرجح منعهم عن الخوض في ما لا يفقهون فيه شيئا . حيث يقول :  “وأما الجمهور الذين لا يقدرون على أكثر من الأقاويل الخطابية، ففرضهم إمرارها على ظاهرها، و لا يجوز أن يعلموا ذلك التأويل أصلا “[4]  .

كانت وضعية المدينة حينها وضعية منحطة، كما كان الجو العام مضطربا. و ككل فيلسوف أصيل حاول ابن رشد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ففهِم أن هذا الإنقاذ يستدعي منه أولا صيانة موقع الفيلسوف الذي سيقوم بهذه المهمة، بل يمكننا أن نتجرأ فنقول بأن كل ما قام به ابن رشد من نقد شامل لمدينته إنما جاء من أجل الإبقاء على الفيلسوف الذي شكل الآمل الوحيد المتبقي لهذه المدينة، فهو نقد للمدينة من أجل مصلحتها لا غير، لأن الفيلسوف ضروري لتحرير المدينة من جهلها . وهكذا جاء نقده لأنظمة الحكم في بلده منسجما مع رؤيته الإصلاحية، التي جعلت من القضاء على الجهل المدخل الأساسي نحو الإصلاح  ذلك أن الأنظمة الجاهلة  ” تنتعش حيث يرتع الجهل  وتتفشى الرذيلة باعتبارها مصدرا لكل الرذائل “[5] و قد كان متيقنا من أن تنزيل الفلسفة المنزلة التي تستحقها في المدينة، لن يتم ما دام الفقهاء و المتسلطون يمتلكون سلاح الدين ويوظفونه في معاركهم الأيديولوجية وفي ” التأكيد على حقيقة وُلدت كاملة الأوصاف، و هي حقيقة العالم بكل قضاياه الوجودية، والإنسانية و السياسية “[6]. من هنا سيعمد فيلسوفنا إلى نقد المتسلطين وتجريد الفقهاء من أعز أسلحتهم ألا وهو الدين. بل إنه سيعمل على ردم تلك الهوة السحيقة التي اختُلِقت بين الفلسفة والشريعة، من طرف أعداء الفلسفة، لأن هؤلاء على علم بأن السبيل للسيطرة على الجمهور (العامة) الذين يشكلون الجزء الأكبر من المجتمع لن يكون سهلا، إلا إذا جعلوا من الدين أداة لهم في تحقيق ذلك، و هذا إنما يوجد في المدن الضالة، حيث لا يعرف حال الفلسفة استقرارا بل هو متذبذب لأنها ” مرتبطة بإدارة الحكام، فهي تتطور أو تضمر و تموت بحسب ما تقتضيه مشيئتهم، أما أوسع الناس فكانوا في غُربة عنها بل في معاداة لها، جراء الجهل المتفشي بينهم و إحكام الفقهاء قبضتهم عليهم “[7] .

بناء على ما سبق ذكره، سيخوض ابن رشد غمار تجربة التصحيح الفلسفي  وهو التصحيح الذي يقوم على بُعدين اثنين يُكمل أحدهما الآخر؛ البعد الأول و هو الذي سيرتدي فيه فيلسوفنا لباس القاضي في الفلسفة، الذي سيحكم بالعدل بين الغزالي وخصمه ابن سينا، بعد البت في القضايا الخلافية بينهما دونما انحيازٍ لأي طرف، لأنه ” من العدل كما يقول الحكيم أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه، أعني أن يُجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه، وأن يقبل منهم من الحجج النوع الذي يقبله لنفسه ” [8].

هكذا إذن،سيكشف فيلسوف الغرب الإسلامي الانحرافات والإنزلاقات التي وقع فيها ابن سينا. و بالمثل سيُبيّن تهافت اعتراضات الغزالي على الفلاسفة. أما البُعد الثاني، فهو بُعد الفيلسوف الأصيل الذي سيضطلع بمهمة تنقية الإرث الفلسفي الأرسطي مما لحقه من أغاليط  مبتدعة.

هذين البُعدين سيستثمرهما ابن رشد في تحقيق مبتغاه، الذي هو فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، كبديل لما دأب عليه فلاسفة المشرق الإسلامي، الذين سلكوا سبيل الدمج و التلفيق بين الحكمة والشريعة .

من المعلوم أن ابن رشد يتمتع  بسلطة معرفية رمزية داخل المجتمع الأندلسي خاصة، و هو ما سيؤهله إلى الترافع دفاعا عن الفلسفة والفيلسوف، والهدف المُعلن هنا، هو تصحيح الشريعة و الفلسفة معا من كل ما هو دخيل عنهما، وهي مهمة أعلن عنها بالقول: ” و أما نحن فإنا نبين الأمور التي حركت الفلاسفة إلى اعتقاد هذه الأشياء في المبدأ الأول، وسائر الموجودات، ومقدار ما انتهت إليه من ذلك، العقول الإنسانية والشكوك الواقعة في ذلك . و نبين أيضا الطرق التي حرّكت المتكلمين من أهل الإسلام إلى ما حركتهم إليه من الاعتقاد في المبدأ الأول و في سائر الموجودات و الشكوك الداخلة عليهم في ذلك”[9].  و حسبنا هنا في البداية، أن نركز على النقد الذي وجهه أبو الوليد للمتكلمين الذين أوّلوا النص فزاغوا و انحرفوا عن الصواب.

لقد ألقى ابن رشد على عاتقه مهمة إرجاع الأمور إلى سابق عهدها، و هكذا بيّن أن غاية الشريعة والحكمة واحدة وهي بلوغ الحق في ذاته؛ لكن السبيل إلى ذلك يختلف لأن الحكمة تَبلغ الحق سالكة طريق البرهان في حين أن الشريعة تصل إلى ذلك عن طريق الفطرة والإيمان، و يقول في هذا  الصدد:       “وإذا كانت هذه الشريعة حقا و داعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له “[10] .و قد رفض فيلسوفنا التأويلات المعقدة التي أقحمها المتكلمون في الشريعة، فتسببوا في الفتن، حيث يقول : ” أما ما يقوله المتكلمون من أهل ملتنا في هذا الشأن من أن الخير و الشر لا يُتصوران في حق الله تعالى، بل جميع أفعاله خير فهذا قول سفسطائي بيّن السقوط بنفسه، لأنه لو كان ذلك كذلك، لما كان لكل من الخير والشر طبيعة تخصه، بل يكون الخير و الشر بالوضع و الاتفاق “[11]  وهذا النقد الذي يتوجه به ابن رشد للمتكلمين، جاء نتيجة لما تشكله  تأويلات هؤلاء من خطر على الجمهور.و من هنا سيعمل على تحديد مراتب الناس حسب أفهامهم، فبيّن أن معرفة صناعة البرهان هي أقصى ما يمكن بلوغه ضمن هذه المراتب، و هي مرتبة تخص العلماء الذين حباهم الله بالتأويل، أما الجمهور فينبغي له الاعتقاد في ظاهر الشرع  فقط، والمتكلمون هم أدنى مرتبة من العلماء لأنهم يعتمدون أقاويل جدلية و لا يملكون صناعة البرهان . وهنا يتضح لنا أن فيلسوف الغرب الإسلامي، يرسم الحدود للمتكلمين، حيث نزع منهم شرعية التأويل ومنحها لأهلها وهم العلماء، الذين يحظون بمكانة رفيعة عنده، حيث يقول متحدثا عن فضلهم و مكانتهم : ” إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وأي حاكمٍ أعظم من الذي يحكم على الوجود بأنه كذا و كذا أو ليس كذا و كذا ؟ و هؤلاء هم العلماء الذين خصّهم الله بالتأويل “[12] .

إن المدينة الفاضلة تتهددها الأقاويل الجدلية، لأنها تنتج كل ما هو ضار لها، أضف إلى ذلك، أن الجدل كان يُوَظّف من طرف هؤلاء المتكلمين لأغراض غير نافعة و مغايرة تماما للحق، حيث اتهمهم ابن رشد بتمزيق الشرع  وخلق حالة من الفوضى بين الناس، الذين انقسموا على إثر هذه التأويلات إلى فرق متعددة، كل فرقة منها تؤيد موقفا كلاميا معينا وتعتقد أنها تمثل “الفرقة الناجية”، الأمر الذي يفرض ضرورة تخليص المدينة من هؤلاء، و يعلل ابن رشد موقفه هذا من المتكلمين، بحجم الفساد الذي ألحقوه بالشريعة تحت ذريعة التأويل و باسم الدفاع عن العقيدة، حيث قال : ” و أنت إذا تأملت في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن  هذا المثال صحيح ” ، وهذا ليس بغريب ما دام الهاجس الأساسي حسب الجابري ( ..) هو تجاوز المزالق الخطيرة التي أدت إليها التأويلات الكلامية، و ما ترتب عنها من نزعات تكفيرية كانت لها آثار دينية و سياسية خطيرة “[13]. كما ” يعتقد الجابري أن التأويلات الكلامية للعقائد الدينية لم تكن في نظر ابن رشد من أجل حفظ عقيدة المسلمين، بل من أجل أغراض سياسية تسترت بالعقيدة الإسلامية، الأمر الذي سبب فوضى مجتمعية تمثلت في مختلف ألوان التفرقة التي مزّقت الأمة الإسلامية إلى فرق و شِيَع متصارعة و متحاربة، يُكفر بعضها بعضا، و تدعي كل واحدة منها أنها تُمثل الفرقة الناجية، الأمر الذي أحدث خللا في علاقة الدين بالمجتمع “[14]

إن هذا التشدد الذي يُظهره ابن رشد تجاه المتكلمين ليس غريبا، ما دام هؤلاء قد أوّلوا النصوص على هواهم ووفق مقاييس تخدمهم، فسلكوا في ذلك طُرقا ملتوية تخدم إيديولوجية  كل  فرقة من الفرق. وحتى تعود الأمور إلى نصابها، تدخل ابن رشد الفقيه ليُحصّن الشريعة من التأويلات المُضرة بالجمهور، ويضمن علاقة تعايش بين الفلسفة والدين. ونعتقد أن هذا المستوى من الطرح الفلسفي هو ما ميز الرشدية  كفلسفة و كمذهب فلسفي، بل كطريقة فلسفية في تناول مشكلات العصر، خصوصا مشكلة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة. والتناول الرشدي لهذه المسألة يجعله معاصرا لنا بشكل أو بآخر، إذ ” تكفي الإشارة إلى الموقف ذاته (…) للمفكر ألان دولبيرا الذي يعتقد بصلاحية الترتيب الرشدي للعلاقة بين الدين والمجتمع بالنسبة لكل المجتمعات المعاصرة، وليس فقط المجتمعات العربية ( الإسلامية)، وهو ذات التصور الذي نجده عند محمد أركون حينما يعتقد أن  راهنية الفلسفة الرشدية  تتمثل في كونها سلاحا فعالا يمكن توظيفه للحد من هيمنة التيارات ” الأصولية ” ” المتزمتة ” و المنغلقة ” [15].، وهو الطرح الذي يسايره  “ البخاري حماتة” أيضا حيث أكد على أن الرشدية ستفيدنا في عصرنا الحالي الذي يعيش مختلف أشكال التطرف  والتمزق، إضافة إلى إشادته بالطريقة التي تناول بها ابن رشد هذه المسألة حيث قال : ” هكذا راح ابن رشد يفحص وبشجاعة فكرية نادرة تلك العلاقة التي تربط بين الشريعة الإسلامية وبين الحكمة ليكتشف في النهاية أنه ما يكاد يتوقف عند الشريعة حتى يجد نفسه مدفوعا من طرفها نحو الحكمة، أو عند الحكمة حتى يجد نفسه مدفوعا من طرفها كذلك نحو الشريعة، وأنه لا يكاد يعتقد أنه قد أمسك بتعارض بين معطيات كل منهما خاصة تلك المتعلقة بالإنسان وبالكون، حتى يجدها قد عادتا، وبسرعة، إلى التوافق والانسجام” [16]. ويشير إلى أهمية استعادة الروح الرشدية عندنا اليوم قائلا : ” (…) وذلك كان هدف تلك المواجهة الفكرية الرائعة ( التي ما أحوجنا اليوم إلى عمق طروحاتها  وسماحة أسلوبها، ونبل أهدافها) التي تصدى فيها ابن رشد للإمام الغزالي، مواجهة بين مشروع ثقافي يرى أن عودة الأمة العربية الإسلامية إلى مجدها الغابر إنما تمر حتما عن طريق التفتح الواعي على الآخر، وبين مشروع ثقافي لا يرى سبيلا لمثل تلك العودة إلا بالانغلاق عليه وعلى المفاسد التي يحملها فكره باالنسبة لكل من الملة والأمة” [17]

وهكذا نكون قد تناولنا بشكل مختصر جدا، الطريقة التي تعامل بها فيلسوفنا مع الانحرافات التي وقع فيها المتكلمون. و لنا الآن أن نسلط الضوء على المشكلة الثانية المتعلقة بالحكمة؛ لنبين الطريقة التي سلكها في نقد ما جاء به كل من الغزالي و ابن سينا بأوجز الطرق وأسهلها .

مما لا شك فيه أن المآزق التي سقط فيها الغزالي و ابن سينا، لم تكن حسب ابن رشد بالهينة، لهذا لم يتردد في تحميل الغزالي المسؤولية تجاه ما أصاب الفلسفة من تشويش حيث يقول : ” و أما قوله : [وإنما غرضنا أن نشوش دعاويهم] (أي الفلاسفة) فإنه لا يليق هذا الغرض به، و هي هفوة من هفوات العالِم، فإن العالِم بما هو عالم، إنما قصده طلب الحق،لا إيقاع الشكوك وتحيير العقول [18]، و  لهذا فالخطأ الذي وقع فيه الغزالي و لم يتسامح معه ابن رشد فيه، هو تصريحه بالحكمة للجمهور، و كشفه لأسرار الحكمة و الحكماء، و الحال أن هؤلاء يفتقدون إلى الفطرة الفائقة، كما أنهم ليسوا من أهل البرهان  و لهذا يقول عنه : ” (..) أعني إذا صرح به للجمهور كان شنيعا و قبيحا في بادئ الرأي “[19]. وعلى هذا الأساس فإن ما قام به الغزالي على درجة كبيرة من الخطورة، أعني تصريحه بالحكمة للجمهور، و هو أمر يفوق في خطورته تكفيره للفلاسفة، لأن ذلك سيُخرج الجمهور عن ظاهر الشرع  ليتخندق في متاهات التأويل، و هو بهذا يكون قد أساء للدين كما أساء للفلسفة . و في مقابل هذا، يرى فيلسوفنا أن الصواب هو عدم التصريح بها للجمهور . أمَا و قد وقع التصريح بها فإنه من الأجدر أن يعلم الجمهور الذي يرى الحكمة مخالفة للشريعة؛ عليه أن – يعلم – أنها ليست كذلك، لأن الحكمة و الشريعة اثنتان بالعدد واحد بالماهية. و قد ذهب فيلسوفنا أبعد من هذا فوصف كتاب الغزالي ” تهافت الفلاسفة ” بأنه ” كتاب التهافت بإطلاق، لا تهافت الفلاسفة، لأن الذي يُفيد الناظر هو أنه تهافت”[20]؛ والسبب في رأي ابن رشد هذا؛هو ما أدى إليه كتاب تهافت التهافت من تشكيك في مصداقية الحكمة، وتشويش على الفلاسفة، و هذا كله لا يليق بالعلم و العلماء. وتجدر الإشارة إلى أنه قد سبق للغزالي أن مهد لكتابه التهافت، في كتاب مقاصد الفلاسفة الذي قال فيه : ” و سيتضح في كتاب ( التهافت ) بُطلان ما ينبغي أن يعتقد بطلانه “[21]

من هذا المنطلق، أكد ابن رشد على الدور الذي يجب أن يقوم به العلماء، حيث يقع على عاتقهم نهي العامة عن كتب البرهان، لأن هذه الكتب لها أهلها و لا ينبغي أن تصل إلى العامة فيقعوا في العنف والعنف المضاد. و تبعا لذلك، اتهم فيلسوف قرطبة، حجة الإسلام، بإتباع سبيل السفسطة، و ابتغاء مرضات أهل زمانه ومداهنتهم، والتستر بغطاء الدفاع عن الدين، وكشف الحق، حيث قال : ” فإثباته بمثل هذه الأقاويل السفسطائية قبيح . فإنه يظن به أنه ممن لا يذهب على ذلك و إنما أراد بذلك مداهنة أهل زمانه، و هو بعيد من خلق القاصدين لإظهار الحق “[22].  ولهذا أرجع سبب تكفير حجة الإسلام للفلاسفة إلى عدم التزامه بالبرهان، بل إنه لم يتردد في وصفه بالشر و الجهل، حيث قال : ” و كما أن من يظن هذه الظنون في المصنوعات، هو جاهل بالمصنوعات و بالصانع، وإنما عنده فيها ظنون غير صادقة “[23] و في الوقت ذاته، لم يستثني ابن سينا، الذي سلك طريق المتكلمين و أخذ منهم إشكالاتهم ، فأساء بذلك إلى الفلسفة و الدين، تماما كما فعل الغزالي، حيث قال في معرض رده على الغزالي : ” هذا القول هو جواب ابن سينا في هذه المسألة عن الفلاسفة وهو قول سفسطائي “[24] ؛ كما زلزل ابن رشد الأسس التي قامت عليها السينوية، حيث بيّن أنها فلسفة تقوم على أسس خاطئة، معللا ذلك بأن ابن سينا و هو يضع اللبنات الأولى لفلسفته، قد كان منتشيا بعلم الكلام، و هو ما جعله يغير من معالم المذهب الذي درج عليه الفلاسفة الأوائل و على رأسهم أرسطو، لأنه و قع في الخلط بين الفلسفة  وعلم الكلام، ” نعم، لقد كان من بين أغراض ابن رشد الرئيسية بيان تهافت الفلاسفة باستثناء أرسطو، الذي يقول عنه  أن مذهبه أشد المذاهب إقناعا و أثبتها حجة “[25] .

اعتمد ابن رشد في رده على الغزالي على منظومة متكاملة من الملاحظات التي سجلها على اعتراضاته على الفلاسفة  كما يقول الجابري؛ و منها أنه وقع في الخلط بين مواقفهم، فادعى أنه يرد على أرسطو، و الحال أنه عمّم ما قال به ابن سينا على جميع الفلاسفة، ومن تم أصدر حكما بتكفير الجميع في مجموعة من القضايا التي لم تكن موضع نقاش عند الفلاسفة القدامى، بقدر ما كانت مطروحة للنقاش عند علماء الكلام المسلمين، وهو ما يعني أن الغزالي قد بنى نقده على أسس غير صحيحة، حيث انتقد الفلاسفة بآراء جدلية أخذها عن المتكلمين. و من هنا نفهم سبب النقد الذي وجهه فيلسوفنا للشيخ الرئيس . إنه نقد موجه إلى الأصل الذي اعتمده حجة الإسلام و هو السبب نفسه في وصفه للغزالي بأنه لم يبلغ درجة عليا في قراءة الحكمة، لأنه لم يتحمل عناء العودة إلى أرسطو و قراءته دون وساطات حيث يقول : ” و سبب ذلك (الخطأ الذي وقع فيه الغزالي) أنه لم ينظر الرجل إلا في كتب ابن سينا، فلحقه القصور في الحكمة من هذه الجهة “[26].  و يقول كذلك، واصفا ما أسفر عنه عدم فهم الفارابي و ابن سينا لمقاصد الفلاسفة الأوائل  وما تسببوا فيه من تأليب للعامة على الفلاسفة : ” و العجب كل العجب، كيف خفي هذا على أبي نصر و ابن سينا لأنهما، أول من قال هذه الخرافات فقلدوهما الناس ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة “[27] . كما حاول ابن رشد تبرئة ذمة الفلاسفة مما هو منسوب إليهم قائلا : ” و هذه كلها خرافات و أقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين و هي كلها أمور دخيلة في الفلسفة ليست جارية على أصولهم (الفلاسفة)، و كلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة الإقناع الخطابي، فضلا عن الجدلي “[28]  وقد أرجع أحد الدارسين سبب دفاع ابن رشد عن الأرسطية، إلى ما يكنه فيلسوف قرطبة من إعجاب للمعلم الأول، وهو “علي الشنوفي “ في مقال له عنونه بـ ”  صدى ابن رشد في أوروبا الغربية القروسطية” حيث قال : ” لقد كان إعجاب ابن رشد بالفلسفة اليونانية الأرسطية عظيما، إلى حد أنه اعتبرها مقياسا تعرض عليه سائر الحقائق أو الأفكار في سائر الأزمان. و هذا الإعجاب ربما كان سببا لحرصه على متابعة ما أدخله الفارابي وابن سينا على فلسفة أرسطو من تغيير، ونقده لهما لأجل ذلك”[29]، وهذا القول يحتاج إلى مزيد من التدقيق، إذ أن إعجاب ابن رشد بالفلسفة الأرسطية لم يأتي من فراغ، فكلنا يتفق على أن أرسطو شكل قمة ما وصل إليه الفكر اليوناني.

إن هذه الصورة القاتمة، التي رسمها الغزالي للفلاسفة، لم يتقبلها منه فيلسوف قرطبة و قاضي قضاتها، فأكد أن تكفير الفلاسفة خطأ شرعي، ما دام الأمر يتعلق بقضايا اجتهادية يُصيب فيها المرء أو يُخطئ  ولا تستوجب التكفير، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، يرى ابن رشد بعد كل هذا أن الفلسفة الأرسطية قد تعرضت للتحريف و التشويه؛ و هو ما يستدعي إزالة الغموض و رفع القلق عن عبارات معلم الإنسانية جمعاء، قصد ترتيب العلاقة بين الحكمة و الشريعة، مع ضمان استقلالية كل حقل على حدة . و تقول باحثة اسبانية مهتمة بالمتن الرشدي  وهي ” مايسة إدويا ”  في مقال لها يمكننا أن نترجمه كما يلي : الفلسفة و الدين عند ابن رشد، تقول : ” في محاولته لإعادة الأرسطية إلى أصلها، عمِل ابن رشد في كتابه تهافت التهافت على نسف كل الآراء التي تشوه الأرسطية “[30] ، و أضافت في نفس المقال : ” دافع ابن رشد عن الفلاسفة ضد هجومات الغزالي، مركّزا جهده على بلوغ الحق و الدعوة إلى أن الفلسفة لا تُشكّل أي خطر على الإسلام “[31]. فما الطريقة التي اعتمدها فيلسوفنا في ترتيب العلاقة بين حقلين حسّاسين جدا دونما إخلال بخصوصية كل حقل ؟

بعد كل التحريفات والتحويرات التي أصابت الفلسفة الأرسطية و أخرجتها عن أصولها الأولى، تدخل ابن رشد ليُعيدها سيرتها الأولى، فتولى مهمة التصحيح و التنقيح بطلب من الأمير الموحدي أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن؛ و يقول الجابري بهذا الخصوص : ( … ) تذكر مصادرنا أن طبيبه ( أي طبيب عبد المؤمن ) الفيلسوف الشهير ابن طفيل قال لابن رشد : ” سمعت أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطو، أو عبارة المترجمين عنه ، ويذكر غموض أغراضه و يقول : لو وقع لهذه الكتب من يلخصها و يُقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا، لقرّب مأخذها على الناس “[32] ، وهذه الواقعة التي يحكيها لنا الجابري نقلا عن (مصادره الخاصة) تعرضت لانتقادات آخرها تلك التي أدلى بها الباحث المغربي محمد مزوز في إحدى الندوات التي أُقيمت حول أعمال الجابري قبل أيام من الآن *.  و في انتظار دراسة تثبت مزاعم الباحث مزوز لا يسعنا إلا أن نساير الجابري الذي قال بأن ابن طفيل كان حينها كثير المشاغل و قد تقدمت به السن فاقترح على صديقه ابن رشد أن يتولى تلك المهمة . و من هنا سيعمل فيلسوفنا على إعادة الفكر الأرسطي إلى إطاره السليم . وإنها لمهمة جليلة نفذها فيلسوفنا على امتداد مشروعه الفلسفي، لأن هذا المشروع إنما جاء لتصحيح الشريعة و الفلسفة على حد سواء.

تناول الشارح الأكبر، المتن الأرسطي ككل موحد و ذو أصول محددة؛ منبها إلى ضرورة النظر إلى فلسفة المعلم الأول في كليتها و شموليتها، و من هذا المنطلق، عمل على تخليص المنظومة الأرسطية من ما اعتراها من تحريفات على يد الشراح و في مقدمتهم ابن سينا، كما عمل ابن رشد على سد الثغرات التي تركها أرسطو مفتوحة على تأويلات عدة، كالوجود و العقل والاتصال، و هي قضايا كانت مجالا لتأويلات عدة خرجت بالفكر الأرسطي عما اقتضاه مذهبه، فتدخل ليس كمجرد شارح بل كفيلسوف أصيل له مواقفه الفلسفية الخاصة به وهو ما نجده في كلام لـ  Roger Baconاستحضره الباحث الاسباني سيرجيو رودريغيز لوبيز في مقال له يمكننا ترجمته على النحو الآتي : ابن رشد و تأثيره في الفكر الأوروبي “، حيث قال روجر : ” بعد ابن سينا، جاء ابن رشد، رجل العلم و المعرفة، الذي صحح مذاهب السابقين، و أضاف أشياء كثيرة، فهو مصحح في بعض الأشياء و مُتمّمٌ في كثير من الأشياء ” [33]. وهكذا فقد تصدى للتغيير الذي لحق الفلسفة، سواء عند المتكلمين المسلمين الذين مزجوا بين قضايا الدين و قضايا الفلسفة، أو عند الشراح القدامى الذين حرّفوا الأقاويل الأرسطية عن مواضعها و جعلوها غامضة مبهمة  – تصدى لهذا التغيير – من خلال عمله على شرحها و تبسيطها بأسلوب سهل يرفع عنها القلق من جهة و يرتب العلاقة بينها و بين الملة الإسلامية من جهة ثانية . فكيف ذلك ؟

يشكل فيلسوفنا استثناء بين أقرانه من الفلاسفة، حيث جمع بين علوم الدين وعلوم الفلسفة، و قد ألف فيها جميعا، ليس كملخص فحسب، بل كفقيه مجتهد و فيلسوف أصيل حيث يقول الجابري في هذا الصدد: ” إن ابن رشد درس دراسة تخصص كلا من العلوم الدينية و العلوم الفلسفية، وقد ألف فيها جميعا (…) لا تأليف عارض وملخص فحسب بل أيضا تأليف مجتهد. وذلك على العكس من الفلاسفة الإسلاميين الآخرين كالكندي والفارابي و ابن سينا. فليس فيما ألف هؤلاء ما يشير إلى جمعهم بين علوم الدين   وعلوم الفلسفة ” [34]، و يضيف مفسرا سبب الجمع بين دراسة علوم الدين و علوم الفلسفة قائلا : ” و يبدو أن الجمع بين المنقول و المعقول كان قد صار منهجا مفضلا في الدراسة زمن ابن رشد، أو على الأقل كانت المعرفة بـ ” المنقول ” شرطا في اكتساب الشرعية للخوض في العلوم الفلسفية “[35].

تجنّد الفقيه ابن رشد للدفاع عن الفلسفة  وعلومها، أو بتعبير أدق، وظف السلطة العلمية الرمزية التي يتمتع بها كفقيه، ليمنح الشرعية للفلسفة من داخل الشريعة الإسلامية. و من هنا حرص على التقريب بين الحقلين معا، وهو تقريب و تباعد في الآن نفسه، ذلك أنه سيُذوّب التعارض الظاهر بين الحكمة  والشريعة مؤكدا على وحدة الغاية واختلاف طرق بلوغها، فحدد مجموعة من الأمور التي تشترك فيها الفلسفة مع الدين، حيث يقول : ” إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات و اعتبارها من جهة دلالتها على الصانع […] و كان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات و حث على ذلك، فبيّن أن ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع  وإما مندوب إليه ” [36].

إن الشرع  قد دعا إلى وجوب النظر، وهذا الأخير يتم باستخدام القياس الذي هو البرهان، و هنا يُسجل ابن رشد ملاحظة وجيهة مفادها أنه قد يعترض أحدهم قائلا : إن القياس بِدعة ما لم يكن في الصدر الأول في الإسلام، إلا أن مثل هذه الاعتراضات مرفوضة، و السبب يُفصح عنه ابن رشد بقوله : ” و ليس لقائل أن يقول : إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، إذ لم يكن في الصدر الأول، فإن النظر أيضا في القياس الفقهي ، و أنواعه هو شيء استُنبط بعد الصدر الأول و ليس يُرى أنه بدعة، فكذلك يجب أن يُعتقد في النظر في القياس العقلي ” [37].

يستمر فيلسوف قرطبة في إضفاء الشرعية على الفلسفة، مؤكدا على ضرورة النظر في كتب القدماء، دونما اكتراث لاشتراكهم لنا في الملة من عدمه، فنقبل منهم ما يوافق الحق و ننبه إلى ما يخالفه، يقول : ” إذا كان هذا هكذا، فقد يجب علينا إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في  الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن  ننظر في الذي قالوه من ذلك، و ما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم و سُررنا به، و شكرناهم عليه، و ما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه، و حذرنا منه و عذرناهم “[38]

يشير فيلسوفنا في هذا القول، إلى ضرورة الأخذ عن القدماء الذين سبقونا، لأنه من غير الممكن حسب أبي الوليد أن يدّعي أحدا كائنا ما كان أنه مكتفٍ بذاته، في استنباط جميع ما يحتاجه من العلوم، ويقول: ” وأن يستعين في ذلك (المتقدم بالمتأخر) حتى تكمل المعرفة به، فإنه عسير – أو غير ممكن – أن يقف واحد من الناس من تلقائه  وابتداء على جميع ما يحتاج إليه من ذلك “[39] .

إن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، و من حاول منع ذلك فقد ” صد الناس عن الباب الذي دعا الشرع منه الناس إلى معرفة الله  وهو باب النظر المؤدي إلى معرفته حق المعرفة، و ذلك غاية في الجهل والبعد عن الله تعالى ” [40].

يرى ابن رشد أن هذا التضييق الذي طال الفلسفة لم يأتي من فراغ، بل إنه من المؤكد أن الأفكار الفلسفية قد أفسدت بعض الشباب و جعلت بعض الفلاسفة ينحرفون، و لا ينبغي أن يُفهم من هذا أن الفلسفة هي السبب لأن هذا لحقها بالعَرَض لا بالذات، فهي بريئة من كل هذا، بل السبب في ذلك هو نقص فطرة هؤلاء أو أن شهوتهم فعلت بهم ما فعلت، أو غيرها من الأسباب، التي يُحددها بالتفصيل في قوله : ” و ليس يلزم من أنه إن غوى غاوٍ بالنظر فيها و زلَّ زالٌّ، إما من قِبلِ نقص فطرته  وإما من قبل سوء ترتيب نظره فيها، أو من قِبل غلبة شهواته عليه، أو أنه لم يجد معلما يُرشده إلى فهم ما فيها، أو من قبل اجتماع هذه الأسباب فيه، أو أكثر من واحد منها، أن نمنعها عن الذي هو أهل للنظر فيها. فإن هذا النحو من الضرر الداخل من قِبلها لحقها بالعرض لا بالذات “[41] ، و ليس هذا فقط بل ساق لنا مثالا يُبيّن فيه أن الوقوع فريسة للزلل ليس مرده النظر الفلسفي كما أن هذا الزلل ليس خاصا بالفلسفة فقط، بل يقع حتى في مجالات فكرية أخرى، حيث قال : ” فكم من فقيه كان الفقه سببا لقلة تورعه و خوضه في الدنيا، بل أكثر الفقهاء هكذا نجدهم “[42]. و نستحضر هنا مثالا  آخر يُبرّئ به ابن رشد الفلسفة من الشبهة ويشجع على الإقبال على الفلسفة وهو مثال العسل الذي لا تخفى علينا منافعه  الصحية العديدة  كـ :” التسخين ” و ” التقطيع ” و الحصر ” و هذه المنافع داخلة في ما يسمى بالأفعال الثواني ” و ” يعتمد عليه (العسل) ابن رشد لإظهار منفعة الفلسفة “[43]، و يضيف فؤاد بن أحمد في كتابه تمثيلات  واستعارات ابن رشد (من منطق البرهان إلى منطق الجدل) قائلا : ” و مع أن هذه المنافع ظاهرة للجميع أو لأغلب الناس فإنه قد يعرض عند تناول مادة العسل أن يكون مفعولها مضادا للمقصود ( … ) لكن هذا ليس مبررا للطعن في المشروعية الصحية للعسل إذ أن حصول ضرر بالعرض لأحد المرضى ليس يجب أن يحملنا على أن نأخذ ذلك مبررا للقول بأن العسل غير مفيد بالذات لصحة المريض ( …) فإذا ظهر أن العسل نافع بالذات لبدن المريض لاسترجاع صحته، فإن الفلسفة مثلها  مثل العسل نافعة لاسترجاع اعتدال النفس نفعا بالذات “[44] . و إن الأمر لكذلك  حقّا، لكن ما العمل ؟

يحدد ابن رشد مجموعة من الشروط التي ينبغي توفرها في المرء حتى يكون أهلا للنظر الفلسفي، وهي ذكاء الفطرة ثم العدالة الشرعية و الفضيلة العلمية و الخلقية.

ننتهي إذن، إلى القول بأن الفيلسوف ابن رشد قد تمكن من رفع الخلاف بين الفلسفة و الدين بما يضمنُ عدم التصادم بينهما، كما تمكن من الخروج من شرنقة هذه الإشكالية، و هو ما سيُمهد له الطريق لتشييد مدينة السعادة، التي يتزامل فيها العقل والنقل و تتجاور فيها الفلسفة مع الدين . و إذا كنا نحن اليوم ما نزال نتخندق في نفس الإشكالية التي اختصر علينا ابن رشد الطريق لتجاوزها منذ قرون، فإنه من الضروري أن نطرح سؤالا عريضا، و نحن بسؤالنا هذا لا نعني أبدا أن مسألة التجاوز مستحيلة بل هي

ممكنة.  والسؤال هو : هل يبقى أمر تجاوز هذه الإشكالية  رهينا بقيام المدينة الفاضلة عندنا ؟

المراجع والمصادر المعتمدة:

—- الضروري في السياسة: ( مختصر كتاب السياسة لأفلاطون )، نقله عن العِبرية إلى العربية أحمد شحلان، مع مدخل و مُقدمة تحليلية و شروح للمشرف على المشروع، محمد عابد الجابري، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 1998 م . ( سلسلة التراث الفلسفي العربي . مؤلفات ابن رشد، 4 )، الطبعة الأولى .

—- ابن رشد: تهافت التهافت، القسم الأول، تحقيق سُليمان دنيا، الطبعة الأولى، دار المعارف، 1964 م.

—- ابن رشد: ” فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال “، دراسة وتحقيق، محمد عمارة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع و الترجمة، الطبعة الأولى، 2012 م.

—- الغزالي: مقاصد الفلاسفة، حققه و قدم له محمود بيجو، الطبعة الأولى، 1426 هـ / 2000 م .

—- محمد عابد الجابري: ابن رشد: سيرة و فكر، دراسة و نصوص، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998 م، الطبعة الأولى .

—- محمد عابد الجابري: المثقفون في الحضارة العربية : محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد، بيروت، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1995 م .

—- فريد العليبي: رؤية ابن رشد السياسية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 ، (سلسلة أطروحات الدكتوراه،64).

—- ابن رشد فيلسوف الشرق والغرب( في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته)،المجلد الثاني، راجعه وأعده للنشر، مقداد عرفة منسية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم – منشورات المجمع الثقافي، الطبعة الأولى، تونس، 1999 .

—- فؤاد بن أحمد: تمثيلات و استعارات ابن رشد، (من منطق البرهان إلى منطق الخطابة)، الطبعة الأولى، 2012، منشورات ضفاف – بيروت – لبنان . منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة – الجزائر . دار الأمان- 4- زنقة المامونية– الرباط – مقابل وزارة العدل.

—- عبد الكريم غريب وعبد الهادي مفتاح: في الحاجة إلى ابن رشد، منشورات عالم

التربية، الطبعة الأولى، 2010 م.

— مقالات:

1- باللغة العربية:

— عبد النبي الحري: ” مدى الحاجة إلى استرجاع ابن رشد في الإصلاح الديني المعاصر”، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.WWW.MOMINOUN.COM

2- باللغة الإسبانية:

— “ FILOSOFIO Y RELEGION EN AVERROES ” ; IDOIA MAIZA ; ANALES del Seminario de HISTORIA DE LA FILOSOFIA ; 1998 ; NUM 15 ; PGS – 169- 168 ; SERVICIO DE PUBLICACIONES ; UNIVERSIDAD COMPALUTENS ; MADRID ·

— AVERROES Y SU INFLUENCIA EN EL PENSAMIENTO EUROPEO ; SERGIO RODRIGUEZ LOPEZ ; TEMAS PARA LA EDUCACION : Revista digital para profesionales de la enseñanza ; n 3 ; julio 2009 · Federacion de Enseñanza de C C · O O – De Andalucia ·

  1. – ابن رشد: الضروري في السياسة ( مختصر كتاب السياسة لأفلاطون )، ص 141.[1]
  2. – المصدر نفسه ، ص ن .                                                                      [2]
  3. – المصدر نفسه ، ص ن.                                                                                                                   [3]
  4. – ابن رشد: فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال، تحقيق محمد عمارة، دار السلام للطباعة والنشر ص 83 .[4]
  5. – عبد الهادي مفتاح و عبد الكريم غريب: في الحاجة إلى ابن رشد، منشورات عالم التربية، ص 145 .                        [5]
  6. – المرجع نفسه ، ص 13 .                                                                                                                 [6]
  7. – العليبي : رؤية ابن رشد السياسية ، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت- سلسلة أطروحات الدكتوراه، 64 . ص 252 .  [7]
  8. – ابن رشد : تهافت التهافت ، تحقيق سليمان دنيا ، القسم الأول ( 1964 ) ، ص 369 .                                              [8]
  9. – المصدر نفسه ، ص 345 .                                                                                                                [9]
  10. –  ابن رشد:فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من  الاتصال  ، تحقيق محمد عمارة ، ص 49 .                                [10]
  11.   – ابن رشد: الضروري في السياسة (مختصر جمهورية أفلاطون)،ص 88-89.                                                                     [11]
  12. – المصدر نفسه ، ص 22 .                                                                                                                   [12]
  13. – الحري عبد النبي : مدى الحاجة إلى استرجاع ابن رشد في الإصلاح الديني المعاصر،  منشورات مؤمنون بلا حدود ، ص 12 .             [13]
  14. – نفس المقال ، ص 13 .                                                                                                                                   [14]
  15. – نفس المقال ، ص 14 .                                        [15]
  16.  181- ابن رشد فيلسوف الشرق والغرب ( في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته)،المجلد الثاني، راجعه وأعده للنشر، مقداد عرفة منسية (الجامعة التونسية)،الطبعة الأولى، 1999 – المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم-  منشورات المجمع الثقافي،ص 705 .
  17. -المرجع نفسه، ص 708- 707.                                                                                                                           [17]
  18. – ابن رشد: تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا ( القسم الأول )، ص 413 .[18]
  19. – المصدر نفسه ، ص 342 .                                                       [19]
  20. – المصدر نفسه ، ص 122 .                                                       [20]
  21. – الغزالي : مقاصد الفلاسفة ، حققه و قدم له محمود بيجو ، الطبعة 1 ، ص 11[21]
  22. – المصدر نفسه ، ص 93 -94 .                                                    [22]
  23. – المصدر نفسه ، ص 118 .                                                        [23]
  24. * يعلن ابن  رشد عن غرضه من كتابه تهافت التهافت ( انتصارا للروح العلمية و تأسيسا لأخلاقيات الحوار ) مع مدخل و مقدمة تحليلية و شروح للمشرف على المشروع محمد عابد الجابري – بيروت – مركز دراسات الوحدة العربية ، 1998 (سلسلة التراث الفلسفي العربي ) مؤلفات ابن رشد 3 ، الطبعة الأولى .– يعلن – قائلا : ”  فإن الغرض في هذا القول أن نبين مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب التهافت لأبي حامد في التصديق و الإقناع ، و قصور أكثرها عن مرتبة اليقين و البرهان ”  ص  105 .
  25. – ابن رشد: تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا ( القسم الأول ) ص 273 .                                                                         [24]
  26. – العلوي جمال الدين : الغزالي و الخطاب الفلسفي في الغرب الإسلامي، ص 33 .                                                                   [25]
  27. – ابن رشد: تهافت التهافت، ص 409.                                                                                                                     [26]
  28. – المصدر نفسه ، ص 398 .                                                                                                                                [27]
  29. – المصدر نفسه ، ص ن .                                                                                                                                   [28]
  30. ابن رشد فيلسوف الشرق والغرب( في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته)،المجلد الثاني،راجعه وأعده للنشر، مقداد عرفة منسية،ط 1 ،ص 303 .[29]
  31.                                                                [30]– Idoia Maiza : filosofia y relegion en Averroes ; – UNED ; p 171 
  32.  – نفس المقال ، ص ن .                                                                                                                                  [31]
  33. – الجابري محمد عابد : المثقفون في الحضارة العربية– محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد – ، ص 121 .                                       [32]
  34. *ندوة دولية بمدينة الجديدة حول:قراءات في مشروع محمد عابد الجابري ، 13 و 14 أبريل 2017 . مداخلة الدكتور محمد مزوز بعنوان: نظام البرهان عند الجابري : هل هو انشغال فردي أم إستراتيجية ثقافية ؟ ألقيت يوم الجمعة 14 أبريل 2017 . 
  35. [33]AVERROES Y SU INFLUENCIA EN EL PENSAMIENTO EUROPEO : SERGIO RODRIGUEZ LOPEZ ; P 6
  36. – الجابري : ابن رشد سيرة و فكر ( دراسة و نصوص ) ، ص 33 .                                                                           [34]
  37. – المرجع نفسه ، ص ن .                                                                                                                           [35]
  38. – ابن رشد: فصل المقال ، تحقيق محمد عمارة ، ص 35 .                                                    [36]
  39. – المصدر نفسه ، ص 39 .                                                                                       [37]
  40. – المصدر نفسه ، ص 43 .                                                                                        [38]
  41. – المصدر نفسه ، ص 40 .                                                                                         [39]
  42. – المصدر نفسه ، ص 44 .                                                                                           [40]
  43. – المصدر نفسه ، ص 45 .                                                                                          [41]
  44. – المصدر نفسه ، ص 46 .                                                                                          [42]
  45. – فؤاد بن أحمد : تمثيلات و استعارات ابن رشد ( من منطق البرهان إلى منطق الخطابة )، بيروت ص 59 .[43]
  46. – المرجع نفسه، ص 59 – 60 .                                                                                    [44]

 

شاهد أيضاً

في أسباب تراجع الحضارة العربية الاسلامية وفشل نهضتها: سؤال فوكو / جواب الجابري

محمد ازويتة إنجاز: محمد ازويتة  سئل فوكو في إحدى حواراته عن موضوع  العلاقة بين العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *