الرئيسية / Non classé / الفلسفة الجزائرية في البرنامج الدراسي

الفلسفة الجزائرية في البرنامج الدراسي

عمر بوساحة – الجزائر*

تعالج الفلسفة كما هو معروف قضايا إنسانية عامة، وهي إن لامست الخصوصيات الثقافية فمن أجل توضيح ما لهذه الخصوصيات من تقاطعات مع ما هو إنساني عام. لذلك يصعب في الفلسفة إلا على سبيل المجاز الكلام عن فلسفة جزائرية أو تونسية أو غيرهما، ذلك لأن الفيلسوف حينما يكتب فهو يكتب عن الإنسان أينما كان وكيفما كانت ثقافته. فحينما تكلم ديكارت الفرنسي مثلا عن المعرفة فقد تكلم عن المعرفة بعامة، وحين تكلم كانط الألماني عن الأخلاق فقد تكلم عن الاخلاق الكونية. ولما تكلم سارتر عن الحرية تكلم عنها كأساس لماهية الانسان أينما وجد. وهكذا هي السمات التي تميز الفلسفة عن كثير من فروع المعرفة الأخرى حتى وان تقاطعت مع بعض هذه الفروع.
يتضمن المجهود الفلسفي الجزائري وإن اختلفت مواقفنا وأحكامنا حوله، قضايا كثيرة إنسانية حتى وإن كان الكثير منها يشير إلى اشكالات ثقافية في الفضاء الحضاري الذي ننتمي إليه. فحينما تكلم مالك بن نبي عن الحضارة فقد تكلم عن الحضارة بوجه عام، وحين تكلم عبد الله شريط على قضايا التنمية والتربية والتعليم، فقد عالجها ضمن إطارها الإنساني العام. والأمر نفسه ينطبق على محمد أركون، فقد تكلم عن إبستيمولوجيا قراءة التراث الإنساني الذي يعتبر الإسلامي جزء لا يتجزأ منه. ولما تكلم كريبع النبهاني عن الجمال فإن حديثه لم يختلف عن أي فيلسوف آخر في مسائل هذا العلم. هكذا هو النص الفلسفي الجزائري، نص يعالج إشكالات وموضوعات نجدها حاضرة في نصوص الكثير من فلاسفة هذا العالم.
غير أن المتصفح للكتاب المدرسي في الجزائر قلَ ما يجد الإشارة إلى هذه النصوص الجزائرية. فباستثناء بعض النصوص لمالك بن نبي في البرنامج المخصص لطلبة المرحلة الثانوية، تغيب الإشارة نهائيا إلى كريبع النبهاني وعبدالله شريط ومحمد أركون وأسماء كثيرة أخرى، سواء من رواد هذا الجيل أو الأجيال التي تلت. وكأنك في أرض صحراء لم تنبت شيئا. وقد يكون هذا التغييب غير المبرر من العوامل التي جعلت المتمدرس الجزائري يتساءل دوما عن حقيقة وجود فلسفة وفلاسفة جزائريين، على الرغم من وجود هذه القامات التي ذكرناها وكثيرا منها لم نذكر. وقد يكون من الأسباب كذلك التي جعلت الطالب الجزائري بتصورنا لا يولي كثير الإهتمام بمادة الفلسفة لأنه لم يتعرَف على باحثين وفلاسفة من مجتمعه قد كتبوا فيها فيحببونها إليه.
حينما يدرس الطالب نظرية الدولة الحديثة مثلا، لا يقدم له البرنامج المعتمد إسهامات عبدالله شريط في الموضوع، الذي قدم دراسة لتاريخ الفكر السياسي في الإسلام ولنظرية الدولة في الفكرالفلسفي الراهن. وحين يدرس التلميذ التراث لا يجد في البرنامج ما انجزه
أركون، الذي يقدم له الأقكار بشكل أوضح، لقرب المعطيات التي يسدخدمها من واقع وتاريخ المتمدرس، الشيء نفسه بالنسبة لفكر الأنسنة ومناهج العلوم الإنسانية المعاصرة. وقس على هذا ما انجز في الفكر الأجتماعي لدى عبدالمجيد مزيان وعلي الكنز، وفلسفة الجمال عند النبهاني وآخرون.
فالتعرَف على مفكري بلده والتعاطي معهم من خلال نصوصهم يزيد من تقريب عقل المتمدرس إلى مادة الفلسفة، فيزيده ذلك فهما وحبا لها أكثر. لا نريد من تدريس المادة التقوقع على فكرنا ونصوصنا كما قد يتبادر إلى ذهن البعض، فالفلسفة لا تنتعش إلاَ في فضاء إنساني عام. ولكننا نريد من خلال ما ذكر، التنبيه ونحن بصدد الإصلاحات الجارية، ونتيجة للوضع غير المريح الذي هي عليه هذه المادة، إلى أن الإهتمام بالنصوص الفلسفية الجزائرية واعتمادها ضمن البرنامج الدراسي قد يساعد على تقديها بصورة أحسن للمتمدرس وتحسين وضعيتها ودورها المعرفي الذي لا يزال يراوح مكانه إن لم نقل إنه تراجع عن ما كان عليه.

  • عمر بوساحة: رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية.

شاهد أيضاً

مارك كريبون: فلاسفة المستقبــــل

ترجمة: الحسن علاج يفترض كل لقاء اختبارا خاصا لعلاقتين فريدتين للزمن .  لكل واحد طريقته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *