الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / في الحاجة الى -الفلسفة التطبيقية-

في الحاجة الى -الفلسفة التطبيقية-

تفروت لحسن – المغرب

يبدو أن عنوان هذا المقال “الفلسفة التطبيقية”، يندرج ضمن ما يصطلح عليه المناطقة بالعبارة المتناقضة، إذ من المتعارف عليه أن الفلسفة كخطاب مجرد تنتمي إلى مجال النظر في مقابل التطبيق المحسوب على مجال العمل . وإذا صح أن مصدر هذا الحكم راجع للعادة المكتسبة من التعليم الفلسفي التقليدي، حيث تتم نسبة كل خطاب فلسفي إلى مجال الفكر المجرد، إلى التنظير المطلق، فانه من الممكن رفع التناقض السابق.

بل يمكن قبول الجمع بين المتناقضين (الفلسفة والتطبيق) خاصة إذا علمنا أن كبار دعاة النظر دعوا إلى هجران الفلسفة النظرية العقيمة واعتماد فلسفة عملية. هذا ما يجسده ديكارت في الجزء السادس من مؤلفه مقال في المنهج بقوله : “بدلا من الفلسفة النظرية التي تعلم في المدارس لابد من اعتماد فلسفة عملية”.

ورغم هذا المستند، فان ما نقصده بالتطبيق في مجال التداول الفلسفي، يتجاوز ما يعرف ب”الفلسفة العملية”. فهذه الأخيرة رغم تحررها من سلطة العقل الخالص فإنها بقيت حبيسة ظلاله ؛ فهي لم تقم سوى باستبدال المفاهيم التقليدية للخطاب الميتافزيقي وكل ما يتعلق بالماوراء ك”الحقيقة” ، “الخير”،”الروح”…بمفاهيم اكثر إنسانية . فالفلسفة العملية لم تعمل سوى على الانزلاق من عالم المثل إلى عالم الأخلاق والسياسة، لذلك بقيت مقيدة بتصورات مجردة في تناولها لمفاهيمها كالحرية والسعادة والواجب…

والحق أن المعنى الذي نسنده للتطبيق يتيح لكل اهتمام فلسفي إمكانية التحرر من المجردات المقررة في فلسفات الما وراء، تلك المفاهيم التي استبدت بتاريخ الفلسفة، والإنعتاق من سلطة الأخلاق العملية الموسومة بالطابع المثالي.

هكذا يتوجه فعل السؤال في الفلسفة التطبيقية نحو الأشياء التي ظلت في عرف تاريخ الفلسفة التقليدي غير ذات قيمة ولا ذات معنى.

الفلسفة التطبيقية ،إذن،تقلب التقسيم الأفلاطوني للعالم وللأشياء، لتعود لتفكك عمق السطح،عمق الأشياء البسيطة، ولكن الجوهرية للحياة. إنها تمنح الإنسان فرص وأشكال الانشغال بالذات والولع بها، تدعوه لان ينظر في ذاته وحول ذاته.

الفلسفة التطبيقية، بهذا المعنى،هي أسلوب للحياة وطريقة للعيش،على شاكلة الطرق التي كان الإغريق يحيونها بفلسفتهم ويعيشونها بتفلسفهم. إنها تلك الفلسفة المفعمة بالحياة، الفلسفة المحايثة التي تتحرر من التقاليد السكولائية للقرون الوسطى وآثارها في فعل التفلسف في الفترة الحديثة .

فمنذ سقراط وأفلاطون، مرورا بالعصور الوسطى، ووصولا إلى العصر الحديث، تم إبعاد كل طابع تطبيقي للفلسفة باعتبار التطبيق يقلل من شانها ويناقض طبيعتها، حيث يجعلها تنتمي إلى عالم الظاهر المحسوس، عالم العامة والرعاع . هكذا أنتصر المثال والمتعالي واستبد آهل النظر بالاشتغال الفلسفي حتى القرن 19.

وبالفعل،أصبحنا تجد في الفترة المعاصرة صيحات فلسفية متعددة تدعو إلى اعتماد الفلسفة كمنهج في العيش وطريقة للحياة . فهذا hadot يدعو إلى إحياء الفلسفات الحية ما قيل سقراط وما بعده، والاستفادة من أفكارها وتجاربها التي تعاملت بها مع الحياة. وليختلف الأمر عند “ميشيل فوكو” في تناوله لمختلف أشكال الانشغال بالذات والرياضة الروحية الضرورية لهم الذات.

وإذا كنا لا نشك في أن منطوق مثل هذه الدعاوى يحيل، دون جهد في التأويل، إلى ما ندعوه بالفلسفة التطبيقية، فإننا نضيف أن المفهوم يحيل إلى ما يعرف اليوم بفلسفة القرب. هذه الفلسفة التي يتلخص مضمونها في الدعوة لمجاورة الأشياء القريبة والقريبة جدا. بمعنى أن نفكر في المحايث، في الأشياء التي نلامسها، أن نقيم بجانب الفرن. وهكذا، فعوضا من التيه في عوالم ألما وراء والاقتصار على النظر في أشكال المتعالي والاهتمام بالأشياء البعيدة والبعيدة جدا، تحتم الفلسفة التطبيقية على فيلسوف الحياة أن يغير مكان إقامته، أن يقيم في هذا العالم، كانسان بين الناس، لا أن يهرب من الواقع ويحتمي في برجه العاجي، داخل قلاع الميتافيزيقا . بهذا المعنى ينعت مثلا تيتشه أفلاطون بالجبان لهروبه من الواقع ، كما يصف سقراط بعدو الحياة لأنه اعتبرها، لحظة محاكمته، مرضا عضالا، بل ولا قيمة لها.

الاشتغال بالأشياء القريبة، كالأمور العادية واليومية، يجعل الفلسفة تخالف أبواق الميتافيزيقا، فتفتح بذلك السبل للتساؤل عن الحياة كما نحياها. وكل ذلك لهدف أصيل هو خدمة هذه الحياة، هنا وألان .

هنا تتغير المقاربة، فيصبح السؤال البسيط إشكالا فلسفيا بامتياز، وتغدو الأشياء التي تم تهميشها وإقصاؤها من طرف الميتافيزيقا ذات أولوية، ولذا فمواضيع مثل التغذية، اللباس، المناخ…تصبح ذات أهمية إن لم تكن هي صلب الاهتمام الفلسفي، طبعا في الفلسفة التطبيقية .

الفلسفة التطبيقية، وفق هذا التصور، تقتضي قلب المعادلة، تغيير العادة التي ظلت الفلسفة التقليدية ترهتنا داخلها. فبدلا من الحديث عن المثاليات والمطلقات، يصبح التفلسف متعلقا بكل لحظة من اللحظات الحميمة التي تهم الكائن في كينونته، في وجوده، وحتى في غرائزه الأكثر عمقا. من يصبح الحديث عن مفاهيم الفلسفة التقليدية مجرد حديث عن المطلقات، علما أن كل مطلق وكل مثالية هي أشكال مرضية نابعة من غرائز مريضة .

لا عجب، إذن، أن نجد اليوم انتشارا واسعا للفلسفة التطبيقية في الغرب . ففي فرنسا مثلا تمثل أعمال بيير أضو hadot، وتجربة ميشيل اونفري بحق هذا الاهتمام الفلسفي التطبيقي، أو الفلسفة كما نحيا بها.

صحيح أننا نصادف في تاريخ الفلسفة – من عهد الإغريق إلى اليوم – إشارات لعدة مواضيع تحسب على الفلسفة التطبيقية، كما نشتم نفحات لهذا التطبيق عند كبار الفلاسفة المحسوبون على أهل النظر. ومن ذلك مثلا : التسلية واللهو عند باسكال، مكر العقل مع هيجل، إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض عند ماركس أو عالم الحياة مع هوسرل …لكن اعتماد الفلسفة التطبيقية معناه اعتبار الفلسفات كمختبرات تجريبية تتم فيها صياغة مجموعة من الوصفات المعتمدة في تدبير الحياة، ” فمدرسة الفليلسوف هي عيادة طبية ” كما يقول إبكتيت.

وإذا كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه هو الذي يجسد بشكل صريح هذا التوجه التطبيقي في الفلسفة المعاصرة ،فإننا – للآسف – مازلنا لم نهتم بهذا الجانب المهم والحي من فلسفته. فلاعجب إذا علمنا أن نيتشه يطرح أزمة الإنسان المعاصر بالاستناد إلى مسائل تبدو بسيطة ولكنها جوهرية. فهو يرهن مستقبل الإنسانية مثلا بالتغذية، بل انه يخصص جزا هاما من سيرته الفكرية “هذا هو الإنسان”للفلسفة التطبيقية . ومن ذلك قوله : “قد يسألني سائل لم هذا الكلام عن هذه الأشياء الصغيرة والتافهة حسب الأحكام المتعارفة، وسيقال لي أنني لا افعل بهذا سوى الإساءة لنفسي، خاصة والحال أنني مؤهل حسب رأيهم للانخراط في مهمات كبرى. جوابي هو: إن هذه الأشياء الصغيرة من غذاء وأمكنة واستجمام، أي مجمل دقائق الولع بالذات، لهي في كل الأحوال أهم من كل ما ظل إلى حد الآن يؤخذ على انه مهم . من هنا ينبغي إعادة المنهج “. وهذا التصريح يمثل قلبا واضحا للميثافزيقا عامة وللأفلاطونية خاصة. فهو ينتقد الفيلسوف الذي لم تكن له آذانا صاغية للحياة ، الفيلسوف المثالي الذي ينكر موسيقى الحياة، الذي ينتقم من الحياة .

استنادا لهذه النظرة التطبيقية، تصبح للأشياء التي ظلت الإنسانية تثمنها على أنها حقائق مجرد خيالات وأوهام، وبعبارة أوضح، تصبح مجرد أكاذيب طالعة من عمق الغرائز السيئة لطبائع مريضة. فالمفاهيم التي وظفتها الميتافيزيقا نتج عنها تزوير كل مسائل السياسة والنظام الاجتماعي والتربية، حيث تم تكريس الرعاع كعظماء، وتعلم الناس إبداء الاحتقار تجاه الأشياء الصغيرة، الأشياء الجوهرية للحياة .

هكذا تصبح المفاهيم التي قدستها الميتافيزيقا مجرد أوثان وجب تحطيمها ، تعريضها لضربات المطرقة . فالفلاسفة المثاليون لم يعملوا سوى على إعادة إنتاج مومياء أفكار، أفكار محنطة ،بل إن الحياة ماتت بين أيدهم وتحت أقلامهم . فهؤلاء الفلاسفة الذين ادعوا ترجيهم للعقل بإبعادهم للظاهر ، للأشياء البسيطة لم يعملوا سوى على نفي الذات ، ذاتهم طبعا . ومن تم عملوا عيى نكران الحياة والانتقام منها . هذا شان سقراط الذي اعتبر الحياة لا قيمة لها إن لم نكن مجرد مرض عضال . وهو نفس الموقف الذي يجسده أفلاطون الطي يتلخص جبنه في هروبه من الواقع بابتداعه لعالم المثل .

لم يتوقف إنكار الحياة على الفلسفات التقليدية، بل انتقل إلى الفترة المعاصرة ليعم الثقافة بشكل عام . ويتضح ذلك في ظهور فئة أشباه المثقفين وعلى رأسهم، خدام الدولة، الموظفون في الفلسفة، أولئك الذين جعلوا من درس الفلسفة مجالا للارتزاق، للبحث عن لقمة العيش، الذين حاولوا خلق قيم جديدة محاربين الفن باعتباره الحياة نفسها. أن عصابة هؤلاء الأشباه لم تعمل بقيمها الجديدة سوى على معاداة الحياة بالتقرب لأهل السلطة بالثناء والمدح. إنها لم تعمل وبتشيعها لأراء الدولة ومذاهبها سوى على الإساءة للحياة.

الفلسفة النظرية، إذن، بمختلف أشكالها وأصنافها، تقليدية أوحديثة أو معاصرة، هي السبب في نفي ونكران الحياة. بل إنها هي المسؤولة عن تعاسة الإنسان وبؤسه ومعاناته وأمراضه. فغياب الفلسفة التطبيقية وعدم التداول في الأمور التي تهم الإنسان بشكل مباشر نتج عنه تدمير الإنسان. هذا ما يوضحه مثلا نيتشه بقوله :” الجهل بالأمور اليومية التافهة وعدم امتلاك عينين تبصران جيدا، هو ما يجعل من الأرض بالنسبة لكثير من الناس حقلا من التعاسة. لا تقولن أن السبب هو اللامعقولية الإنسانية، فعلى العكس من ذلك هناك ما يفوق الكفاية من العقل، ولكننا نوجهه وجهة خاطئة، نتكلف تحويله عن هذه الأشياء التافهة الحميمة للغاية . فالقساوسة والأساتذة واستبداد المثاليين الرائع بمن فيهم ، الأفظاظ والرقيقون، يقنعون الطفل بان المهم شيء آخر:خلاص الروح، خدمة الدولة، تقدم العلم والامتياز والثروة . وهي وسائل لخدمة الإنسانية بآسرها. أما حاجات الفرد وهمومه طيلة الأربع وعشرين ساعة فهي محتقرة وغير مهمة “.

فغياب الفلسفة التطبيقية يستلزم بالنسبة للإنسان سحق ذاته، قتل غرائزه، ومن تم فتل كل ما هو جيل في الحياة, والسبب هو بالنسبة للناس :” عدم معرفتهم لما ينفعهم أو يضرهم في تنظيم حياتهم في تقسيم الأيام، في معاشرتهم للناس وفي اختيار من يعاشرون في العمل ووقت الفراغ في الأمر والطاعة في الإحساس الذي تثيره الطبيعة والأحاسيس التي تثيرها الفن في الغذاء والنوم والتفكير”.

وإذا كنا لا نجادل في فضل نيتشه على الفلسفة وعلى ممارستها، فان ذلك راجع في الظاهر لقلبه للمثاليات والمطلقات وهدمه للأوثان بمختلف ألوانها. ولكن راجع في العمق إلى إبعاده لكل المحددات الميتافزيقية وإبدالها بما هو تطبيقي، بما هو جوهري في الحياة الإنسانية. واليوم نعرف الآثار التي نجمت عن هذه الفلسفة التطبيقية في الغرب، حيث نجد ما بعرف بالفلسفة الشعبية – تجربة ميشيل أو نفري – التي تدين في جوهرها للتوجه التطبيقي كما تأسس عند نيتشه . تضاف إليها مختلف الأشكال التي تجعل من الراهن واليومي والعادي مواضيع فلسفية بامتياز.

إن استحضار مثل هذه الشواهد على الفلسفية التطبيقية يولد في ذهننا التساؤل عن حظ التجربة الفلسفية العربية من هذا الاهتمام . فكيف نظر التأليف الفلسفي العربي للقضايا التطبيقية : العادية البسيطة والراهنة اليومية ؟

قبل مقاربة هذا الإشكال، نشير إلى أن قلة من المهتمين بالفلسفة في التداول العربي بدأت توجه اهتمامها في السنوات الأخيرة نحو الراهن . حيث أصبح النقاش يدور- في إطار ندوات – حول وموضوع “راهن الفلسفة” أو”الفلسفة والراهن “. بل أصبحت بعض الكتابات توجه اهتمامها لموضوع اليومي ضد الأيديولوجية والخطاب الإعلامي والإشهار. ورغم هذه اليقظة الفلسفية العربية الضحلة ، فان مقاربة السؤال السابق تقتضي الرجوع قليلا إلى التفلسف في مجاله التداولي العربي الإسلامي في المشرق والمغرب، مع الفارابي وابن سينا، مع ابن باحة وابن طفيل وابن رشد مثلا .فكيف تعامل هؤلاء مع القضايا التطبيقية ، مع اليومي والعادي ؟

إذا صح أن التأليف الفلسفي العربي القديم وطن مجموعة من الإشكاليات والمفاهيم التي تأصلت عند اليونان، خاصة أفلاطون وارسطو، دون الإغريق ما قبل سقراط ، فانه من الطبيعي أن تنعكس معالم الأفلاطونية والارسطية على الممارسة العربية. ولما كان هم اليونان هو الحقيقة (ارسطو) والعالم الحق أفلاطون، فان الطابع النظري المجرد لهذه الفلسفات ساهم في سيادة التنظير وغياب التطبيق عند العرب . وهكذا نجد أن المفاهيم التي استأثرت بالاهتمام متفلسفة العرب مرتبطة بالماوراء مع تلقيحها بنفحة الشريعة. هذا في الوقت الذي نجد فيه القضايا الإنسانية مغيبة بدعوى انتمائها إلى عالم العامة. هذا الجمهور الذي لا يفهم الفلسفة، طبعا الفلسفة النظرية .

يتطلب التدليل على هذا الحكم حججا مفصلة لا يسعنا المقام لبسطها، لكن سنخصص بعض الإشارات التي يمكن أن تعضد تصورنا. ومن ذلك مثلا :

– يبدو أن كتاب” تدبير المتوحد” لابوبكرابن باجة يتعلق بالتوجه نحو الراهن. وبالفعل، فابن باجة يحاول أن يجيب عن سؤال أساسي هو: كيف يمكن للفيلسوف أن يعيش في المدينة الجاهلة ؟

لكن المشكل هو في الإجابة عن هذا السؤال. ففي الاقتراح الذي ننتظر فيه من ابن باجة أن يقيم بين الناس ويعيش مشاكلهم، نجده يدعوا الفيلسوف إلى اعتزال الناس ما أمكنه، وان لا يصطحب سوى ذوي السير. وألا دهى أن ابن باجة يعمل على احتقار كل أشكال التدبير المرتبط بالجسد باعتبارها تنتمي للحس المشترك. ولصالح انتصاره للصور الروحانية الخاصة يعتبر كل ما لا ينتمي للعقل والنظر تدبيرا بهيميا ف”كل من كان غرضه غرضا بهيميا ، كان جري إنسانيته وجري البهيمة واحد . فهو إنسان قد استبطن بهيمة أو هو بهيمة مفرده “. هنا يتضح ان ابن باجة بقي حبيس التصور النظري للممارسة الفلسفية .

–     تمثل قصة حي ابن يقضان نموذجا لنكران الحياة وقتل لكل ما هو غريزي في الإنسان. ففي الوقت الذي كان يفترض فيه أن يهتم ابن طفيل، مؤلف القصة، بالمأساة الإنسانية لحي كصبي، بالوضع البشري، تم رميه بمبررات الشرع والعرف – علما أن موضوع الأطفال المتخلى عنهم يمكن أن يمثل موضوعا فلسفيا -. وعوض أن بتناول المؤلف قضايا الزواج والحب – زواج يقضان – ضدا على التقاليد مع استحضار عامل الأمومة في القصة، نجد ابن طفيل يجتهد في جعل بطله يتماهى مع المثال . ومند سبع سنوات ينخرط البطل في البحث عن الروح ويبدأ في التخلي عن إنسانيته يوما بعد آخر، فلم يعد همه سوى القرب للخالق بمقاس ابن طفيل. والأكثر من كل ذلك يلاحظ أن حيا بدأ في تعذيب نفسه واحتقار جسده غرائزه لدرجة جعلت منه مذنبا كبيرا بمجرد أن اكتشف أن قضاء حاجة بيولوجية تعتبر نقصا إنسانيا وجبت تغطيته بالزيادة في التعبد. وحتى “اسال” الذي سيهجر رغبة في مزيد من التعبد يشهد على الهروب من الواقع ، انه نوع من الأفلاطونية في ثوب عربي .

يتضح إذن إن ابن طفيل يحدد مكان الإقامة الذي ينبغي أن بحضي به الفيلسوف . عليه أن يقيم في الأعلى خدمة للمثل خدمة للمثل الزهدية حتى ولو كان ذلك على حساب إنسانيته وطفولته .

– ينتصر ابن رشد في مدخل مؤلفه “فصل المقال ” إلى اعتماد النطروالاعتبار، رافعا تعاطيهما إلى مرتبة الضرورة الشرعية. لكنه في نفس الوقف يحذر من مغبة إخراج الحكمة للجمهوركما فعل بعض أراذل الناس .لذا وجب أن يكون التفلسف شأنا للخاصة وخاصة الخاصة. أما العامة فينبغي أن نخاطبهم حسب عقولهم ومرتبتهم . وبحكم كون التفلسف بقي حكرا على الخاصة، فان المفاهيم التي اعتمدها ابن رشد، مثلا العقل أو البرهان أو النظر، لم تكن إلا آلات أو علوم وسيلية للخوض في المجردات باعتبارها مقاصد كالسببية وقدم العالم إشكالية الخلق…هذا في الوقت الذي بقيت المجربات أو لتقل المحسوسات مغيبة عنده فقط لآتها شان العامة .

إذا كان شان فلاسفة المغرب، فان ذلك هو نتيجة لما ورثوه من فلاسفة المشرق. فمثلا المدينة الفاضلة للفارابي بحكم طابعها الطوباوي لا تختلف عن التصور الأفلاطوني لسياسة الجمهورية . وإذا كانت هذه الكتابات الفلسفية ذات النفحة المثالية قد اخفت بعض المعالم التطبيقية للفكر العربي، فان ذلك لن يمنعنا من الاعتراف بان هذا الفكر شهد تداولا للقضايا التطبيقية. فكتابات ابو حيان التوحيدي تسير في هذا الاتجاه، ورسالة ابن حزم في مسالة الحب أو ما يعرف بطوق الحمامة هي الأخرى تجسد هذا الادعاء، وتقس الحكم يسري على رباعيات عمر الخيام …لكن، للأسف، تبقى مثل هذه الكتابات مبعدة عن حقل التداول الفلسفي العربي، أو على الآفل عند المتعاطين له اليوم .

نفترض انه من الممكن الاعتراض علينا بالقول بأن المجتمعات العربية اليوم أصبح لها الوعي الكامل بالحاجة للفلسفة التطبيقية ، ولذلك فهي تحاول أن تستغل إمكانات التدريس الفلسفي لجعل المضامين الفلسفية والمناهج في خدمة الحياة ، حياة طالب الفلسفة. فهل يحقق تدريس الفلسفة العربي اوالمعرب رهان الفلسفة التطبيقية ؟والى أي حد يمكن الإقرار بكون هذا الدرس يخدم الإنسان في راهنه ؟

يصعب الجواب عن هذه التساؤلات بصيغة التعميم ، لان الأنظمة التعليمية في البلدان العربية تتباين وتختلف , لهذا سنتوقف عند نموذج يدعي انه استفاد من التجربة الفرنسية المعاصرة. بتعلق الأمر بتدريس الفلسفة في المغرب كما هو معمول به منذ 2007. فإلى أي حد يستجيب الدرس الفلسفي المغربي لمقتضيات الفلسفة التطبيقية ؟

يلاحظ أن المغرب يعرف مزيدا من الإقبال على تدريس الفلسفة على نطاق واسع منذ 2003. حيث أن مشروع إصلاح منظومة التربية والتكوين استوجب تعميم تدريس الفلسفة على مختلف مراحل التعليم الثانوي، مع فتح مسالك للتدريس بعدة جامعات. ولفهم هذه الظاهرة نستحضر قولة ابيقورية قديمة مفادها ، انه “لا يجب أن نتظاهر بالتفلسف، بل أن تفلسف فعليا, فنحن مضطرين لا إلي الظهور في صحة جيدة، ولكن أن نكون فعلا في صحة جيدة “، وانطلاقا من هذا القول تعاد صياغة التساؤل السابق كما يلي : هل المغرب يدرس فعلا الفلسفة أم أن الأمر لا يعدوان يكون مجرد تظاهر بالتفلسف ؟ وما هي القيمة المضافة التي أضافتها المؤسسة للفلسفة ؟ والى أي حد يخدم هذا التعميم الإنسان وقيمه الإيجابية ؟

صحيح أن التوجيهات التربوية-2007- المنظمة لتدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي تشير إلى أنها تنتظر من هذا التدريس أن” يعمل على تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل، وعلى التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف والآراء والمعلومات …فتعليم الفلسفة هو تكوين وتربية مشروع مواطن كوني متحرر ومستقل ومسؤول، يرتقي بشخصيته وبتاريخه الخاص المحدودين في الزمان والمكان إلى مرتبة الكرامة الإنسانية ” .

وسعيا منها لبلورة هذا التصور تم توظيف ما استجد في السوق البيداغوجبة – الفرنسية خاصة – من معارف كالمقاربة بالكفايات وبيداغوجيا الإدماج وتوظيف تقنية الوضعية المشكلة …كما تم التنويع في اختيار المجزوءات والمفاهيم .كل ذلك بهدف تحقيق مبادئ اختيار المنهاج . فإلى أي حد تحقق هذا الطموح ؟

يكفي لمعرفة مآل الدرس الفلسفي أن نفحص بجدية مصير المنهاج الدراسي للفلسفة بعد نهاية التعليم الثانوي. وبمجرد ما تسال المتعلم المتخرج من هذه المنظومة عن انعكاسات التعليم الفلسفي على شخصيته حتى تصطدم بواقع معاكس لما يدعيه القائمون على تدريس الفلسفة. هنا نلاحظ أن الدوغما والدوكسا مازالت حاضرة. ويكفي لتسال المتعلم عن ماهية الحرية أو الواجب … حتى تواجه بمسكوكات جاهزة تبين ما قاله هذا الفيلسوف وكيف عارضه آخر. وفي أحسن الحالات يمكن للمتعلم أن يسرد عليك حجج هذا الفيلسوف في تعارض مع آخر. وهذه كلها معارف تنمحي من الذاكرة بفعل عامل الزمن وبحكم استحالة إعمالها في الحياة اليومية . ولذا تكون نتيجة هذا التعليم الفلسفي كمن ينفخ في غير فحم أو كمن يخط على الماء . فلا أثر ولا مفعول لدرس الفلسفة في هذا الواقع، بل إن الدرس يقع في تكريس الوثوقية وبادئ الرأي رغم ادعائه محاربتهما .فما سبب ذلك ؟

إذا كان يظهر أن عناوين المفاهيم والمحاور المعتمدة في تدريس الفلسفة لما علاقة براهن المتعلم الإنسان وبحياته، فان مضامين الدرس الفلسفي تبقى في عمقها بعيدة عن تحقيق ذلك. إنها تقارب القضايا الفلسفية من زوايا نظرية محضة ومجردة .

ربما سيعترض علينا بأن الدرس الفلسفي يعتمد في مقارباته الديداكتيكية لكل مفهوم على تقنيات الوضعية المشكلة باعتبارها عوالم معيشية مفترضة. بل إن درس الفلسفة يعتمد بيداغوجية الإدماج ،حيث يتم إكساب المتعلم مجموعة من الكفايات الأساسية : الاستدلال،الاستشكال،التواصل،التفكير…من اجل توظيفها في وضعيات جديدة. في الحياة العملية المستقبلية للمتعلم . ولرفع هذا الاعتراض نشير إلى هذا الطموح يصح على مستوى النظر. أما اعتماد الوضعية المشكل فلا ضرورة له . فالفلسفة كلها إشكاليات ووضعيات مشاكل . فلا داعي للتكلف لخلق وضعيات وهمية ومتخيلة. وهذا لا يتأتى ألا بتغيير النظرة لعلاقة الفلسفة بالإنسان . بتغيير تعريفنا للفلسفة ذاتها. بتجاوز الفلسفة النظرية واعتماد فلسفة تطبيقية. فالفلسفة كما تعاش، الفلسفة كما نحياها هي ما يجب أن يستند له تدريس الفلسفة . وعوض تركيز اهتمامنا على تدريب المتعلم على اجترار مواقف فلسفية مقطوعة الوصال، ندفعه أن يفكر ويفعل انطلاقا من القضايا المعيشة، المسائل الراهنة. وهنا سيظهر فضل اعتماد مقتضيات الفلسفة التطبيقية . وهنا ستظهر حاجتنا إليها. والمجتمعات العربية ما أحوجها للفلسفة التي بها نحيا.

الحوار المتمدن.

شاهد أيضاً

المعنى خلف الفلسفة

سمية منيف العتيبي حين يقول جون لوك في كتابة “مقالة في الفهم الإنساني” أن الوعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *