الرئيسية / منتخبات / عامة / سقط اللوى: اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/1

سقط اللوى: اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/1

بقلم: هادي معزوز

.. بعد أن اقترب موعد المغادرة آثرت كتابة نعيي بنفسي، أو بالأحرى كتابة رسالة وداع، أو نص اعتراف، أو مجرد هذيان لشخص عاش أكثر من نصف القرن الماضي، وها هو اليوم يصارع البقاء في هاته الألفية الثالثة.. شاهد أنا على جملة من التحولات دون التمكن من تدوينها على غرار الكُتَّاب الكبار، لكن قوة باتت تسكنني اليوم هي من أجبرتني على اقتراف هذا الفعل.. على البوح بما بقي عالقا بين ثنايا ذاكرة تتذكر كل شيء دون التمكن من التعبير عليه بشدة..

اسمي فلان بن فلان، ولدت في ثلاثينيات القرن الفائت بمدينة الدار البيضاء، المدينة التي كانت بالكاد تبحث لنفسها عن موطئ قدم، تصارع الوجود من أجل البقاء، وتصارع التاريخ من أجل التدوين، وكمثل أقراني كان الكُتابُ أول فضاء قصدته كرهاً لتعلم القرآن ترتيلا واستظهارا وتفسيرا.. لم يكن الأمر سهلا بالنسبة لي، إذ لازلت أتذكر صوت “الفقيه” صاحب اللحية البيضاء الطويلة، ممسكا عصاه التي لا تقل طولا عن لحيته، يلوح بها متوعدا أو منفذا لوعيده، أو كأداة لنش الذباب الذي كان يفوق كل سكان العالم داخل المسيد.. كان الفقيه بالنسبة لي جمعا بين نقيضين لا يمكن أن يجتمعان، فقد مثل لي الشخص القاسي الذي كنت أفرح ما إن يعلن نهاية الدرس، كما كان لي نموذجا من خلال تقليدي له في مشيته وطريقة كلامه، على العموم تمنيت في تلك الحقبة من حياتي أن أصبح فقيها مثله، عالما عارفا بأمور الدين والدنيا، أضرب الأطفال دونما توبيخ من أولياء أمورهم، بل إن الآباء كانوا يطلبون منه ضرب أبناءهم، أما أنا فلا أكاد أضرب صبيا ما، حتى تأتي والدته إلى بيتنا تشتكي ما اقترفته في حق ابنها، لينطلق مسلسل عقاب طويل المدى.. كان العالم بالنسبة لي غير عادل بتاتا: لماذا أعاقب على فعل يقوم بمثله هذا الفقيه دون أن يستطيع أحد معاقبته؟ كنت أعتقد بداية أن الفقيه هو الله، لأن الله يعاقبنا دون أن يتدخل أبواك في ذلك، بل إنهم يسلمون بالأمر جملة وتفصيلا، على العموم بقيت أتساءل دون التمكن من جواب يشفي فضولي..

كنت حينها ألخص العالم في البيت و”المسيد” والحي الصغير، كنت أعتقد أن هاته الفضاءات هي الوحيدة الموجودة، وما عداها فهو مجرد محض خيال يصنعه الكبار لإخافتنا.. عالم بارد جدا نقوم فيه بنفس الطقس كل يوم دون أن نعرف أن الإنسان نحث مفهوما اسمه الملل، والذي يعني تلك اللحظة التي نملك فيها فائضا من الوقت دون التمكن من ملئه، لم أكن أيضا أعرف أن هذا اليوم اسمه السبت والآخر اسمه الأحد، ثم الاثنين فالثلاثاء.. في مقابل ذلك كان العالم تحتنا يغلي بأحداث كبيرة علي: نهاية الحرب العالمية الأولى/ سطوع نجم النازية بألمانيا/ انفراد ستالين بالاتحاد السوفياتي/ مراقبة الأمريكيون للوضع العالمي/ كواليس تأسيس دولة إسرائيل..

في أحد الأيام وبينما كنت جالسا رفقة أسرتي خلال ليلة من ليالي ذلك الصيف الحارق والبعيد، سمعت والدي يقول لوالدتي: ــ لقد كبر الصبي وحان موعد إدخاله المدرسة.. تظاهرت بعدم الاكثرات لكن بين دواخلي ألف سؤال وسؤال حول هذه “المدرسة” التي سمعت عنها كثيرا دون معرفة فحواها.. هل سنكون أمام فقيه جديد؟ هل سنستظهر ما بقي من القرآن؟

لم تكن المدرسة بالنسبة لي فضاءً للتعلم فقط، بقدر ما شكلت مرحلة غيرت مجرى حياتي: نجلس فوق الطاولات بدل الأرض/ أمامنا سبورة كبيرة/ لا نملك لوحة كبيرة وإنما “كناشا” وريشة إضافة إلى الحبر/ ندرس أشياء أخرى غير التي تعلمناها عند “الفقيه”، حينها تيقنت أن العالم لا تلخصه الأسرة والمسيد.. بدا لي أكبر مما يتصور، ومعه أصبح “الفقيه” العجوز شخصية تستحق الرثاء والشفقة.

المدرسة أيضا فضاء للحرية، جعلتني أشعر بجسدي الصغير لأول مرة، أشعر بأنني حر، عقلي أيضا بدأ يكتسب أشياء جديدة دخيلة على ثقافتي لكنها تبدو ممتعة جدا، كالحساب واللغة الفرنسية والأناشيد.. كان أساتذتي يختلفون تماما عن “الفقيه”، كلهم فرنسيون ما عدا أستاذ اللغة العربية، يلبسون لباسا جميلا وجذابا، يضعون عطرا يقربنا أكثر إليهم، بفضلهم تمكنت من اكتشاف العالم الجديد، وبفضلهم أيضا غيرت حلمي حيث لم أعد أريد أن أصبح “فقيها” بقدر ما تمنيت أن أسير على خطاهم، أي أصبح مدرسا فرنسيا يلبس البذلات العصرية ويضع عطرا فاخرا يثير إعجاب الناس.

لا أعلم لماذا أكثر أصدقاء والدي من تعليقاتهم فور التحاقي بالمدرسة، كان أغلبهم ينتقد هذا القرار الذي اتخذه والدي: ــ لا يجب لابنك أن يدرس علوم المستعمر الكافر/ لماذا لم يعد يرتدي الجلباب/ لم نعد نسمعه يرتل القرآن خلال الليل/ لقد أصبح ابنك يستعمل بعض العبارات الفرنسية.. كان والدي يجيبهم بابتسامة خافتة ثم يغير الموضوع..

لازال ذلك اليوم عالقا بذاكرتي، حين سمعت والدي يتكلم إلى والدتي بلغة غير معهودة فيه وهو الهادئ دوما: ــ يبدو أن الحرب ستندلع بين الألمان من جهة، وفرنسا وإنجلترا من الجهة الثانية، لأن هتلر يوشك على الدخول إلى تراب بولونيا، مما سيكلف بلدنا خسائر كبيرة، وسيعطل المطالبة بالاستقلال وعمل الحركة الوطنية.. على العموم تظاهرت بعدم الاكثرات مرة أخرى، بيد أن ذاكرتي حفظت هاته المصطلحات الجديدة، وبالفعل فبعد مرور ردح من الزمن، وبينما كنا على عادتنا أمام الفصل الدراسي خلال صباح يوم بارد، إذ بأستاذ اللغة الفرنسية يقول لنا بنبرة جد غاضبة: ــ ستنتهي الدراسة مؤقتا لأسباب خارجية، يمكنكم الانصراف الآن.

ثم حدث ما تنبأ به والدي، حيث انقضت أيام الدراسة، وبتنا في عطالة تامة، لم تشملنا نحن الصغار فقط، وإنما هيمنت على الكبار أيضا، صار غذاؤنا متواضعا جدا، وصار معه والدي أكثر توترا من ذي قبل.. ثم استمر هذا المشهد الذي جعلني أكتسب مصطلحات جديدة دون معرفة معانيها من قبيل: النازية  وهملر ورومل وستالين وروزفلت وتشرشل ومستعمرات إفريقيا..

عل العموم كان هذا هو قدر جيل بأكلمه، حيث أخذت على عاتقي مهمة الحديث باسمه، أي مهمة تصوير واعتراف لما عايشه من تناقضات وأحلام وهجرات متواصلة إن على مستوى الذاكرة المثقوبة، أو بناء على كلمات رسمت لنفسها حدودا شاسعة الأطراف فباتت ميسما وتاريخا لصيقا بنا من المستحيل إقباره..

شاهد أيضاً

تعثر التفلسف في نظر طه عبد الرحمن: نقد وتوثيق

حسن العلوي   تأتي هذه المقالة في سياق الحوار الذي دشناه مع فكر طه عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *