الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / قيمة الدرس الإبستمولوجي

قيمة الدرس الإبستمولوجي

خالد بولعلام

تمــهيـــــــــــــد:

يمكننا القول بداية أن عزل الأفكار عن سياقها النظري والإشكالي يفقدها طابعها المتميز وقوتها الحجاجية وأهميتها الفلسفية. كما أن القراءة الإبستمولوجية، في نظرنا ، وحدها تمكننا من فهم الدلالات الحقيقية للأفكار والتصورات الفلسفية. لذلك سنحاول في هذا المقال تناول أهم التحولات التي طالت العقل والعقلانية في إطار تاريخ تطور المعرفة العلمية، واستثمار دلالاتها الفلسفية، وجني ثمارها القيمية والأخلاقية.

إن العلم ليس نسقاً منغلقاً على ذاته، بقدر ما هو نسق متفاعل، و فاعل في كل الأنساق النظرية العلمية بتعبير “توماس كون”(1922_1996): فالعلم ليس مجرد قضايا معزولة، ولا نظريات مستقلة بعضها عن البعض، بل هو إطار نظري له أسسه الفلسفية ومسلماته ومناهجه التي تبنتها الجماعة العلمية، واعتمدته لتحديد مدلولات الوضع البشري في كليته، وحل مشكلاته المطروحة. هذا الإطار سماه كون ب”البراديغم”. كما أن رؤية “بيير دوهيم” (1861_1916) تقوم على أن قضايا العلم لا تواجه الوقائع معزولة، أو يتم التحقق منها واحدة بواحدة كما زعم الوضيعون المناطقة، بل إن ما يواجه التجربة هو نسق المعارف البشرية بأكمله. ومركز هذا النسق هو العلم.

انطلاقا من ذلك يمكن القول أنه مع كل صيرورة علمية، تضطر الفلسفة إلى التخلص من كل ما قد يعتريها من تحجر، متمثل فيما تعتبره مبادئ قبلية وثابتة. وكل رؤية جديدة للعالم تحتم علينا مراجعة دلالات المفاهيم والأسس الفلسفية، بل ضرورة إبداع مفاهيم ووضع أسس جديدة تلائم المعرفة العلمية المتحولة باستمرار. ولتأكيد هذه الفرضية وتوضيحها، سننطلق من استعراض مختصر للثورة الكوبرنيكية، كلحظة علمية شكلت قطيعة مع الرؤية القديمة للعالم، وأسست لرؤية جديدة له . كما سنعرج على أهم التطورات العلمية المعاصرة وذلك لإبراز انعكاساتهما وآثارهما داخل المتن الفلسفي الحديث ثم المعاصر.

  • الدلالة الفلسفية للكوبرنيكية :

إن مضمون نظرية “كوبرنيك” (1543_1473) قائم على فرضية أساسها مبادلة الموقع بين الأرض والشمس، بغاية حل مجموعة من المشكلات الفلكية ذات الطابع الرياضي الصرف، غير أن هذا القلب لم يكن مجرد عمل تقني محض، بل اتضح فيما بعد أنه أسس لثورة علمية وثقافية هائلة الأبعاد(01) . بإزاحتها للأرض من مركز العالم وتحريكها حول الشمس زعزعت الكوبرنيكية[1] أساس العلم التقليدي الأرسطي، فانهار أساس المعرفة المطلقة، إذ أن مركزية الأرض وفرت لقرون طويلة الأساس الثابت للمراقبة والملاحظة وجعلت رؤية الإنسان للعالم رؤية مطلقة.(02) وفي موقع كهذا كان من الممكن بناء معرفة كلية ومطلقة، فمن الأرض الثابتة يمكن للإنسان إدراك الكائنات وتراتبها.

لقد زعزعت الكوبرنيكية أساس هذا المحور عندما بينت رياضيا وتجريبياً هشاشة أسسه. فالإنجازات العلمية مع غاليلي (1564_1642م)، وبعده نيوتن (1642_1727م)، فتحت المكان على اللاتناهي، ليتبين لنا أن العالم شاسع جدا وينحو نحو اللاتناهي. فحصل تحول عميق في رؤية العالم، من مفهوم الكوسموس[2] إلى مفهوم الكون.  لقد أصبحت هذه النظرية هامة للغاية ليس فقط لأنها شكلت أساسا لعلم جديد، بل لأنها حطمت بعض الأفكار التي كانت سائدة وخلخلت التصور الكنسي للعالم. ويمكن القول بأن كوبيرنيك قد ساهم في نشأة علم متحرر من الأيدولوجيات والعقائد الدينية،  اذ أثرت نظريته على نظرة الإنسان بالنسبة لوضع الأرض في هذا الكون. وبهذا لم يعد الإنسان سيداً وذو صفة مركزية في الكون بقدر ما أصبح جزءا منه.

لا شك أن الكون بشساعته ولاتناهيه لا مركز له، بمعنى أنه لا وجود لنقطة ثابتة في الكون يمكن اعتبارها مرجعاً للملاحظة. يقول كانط(1724_1804م):” عندما لم يفلح كوبرنيك في تفسير حركات السماء، بالتسليم بأن كافة الكواكب تدور حول الملاحظ، حاول أن يتبين ما إذا كان سيفلح في ذلك، إن هو حرك الملاحظ وترك بالمقابل الكواكب ثابتة”(03).نفهم من قول كانط أن الأساس أو المركز الجديد للمعرفة الحديثة هو الذات المفكرة، وهو ما تمخضت عنه قبل ذلك تجربة  الشك الديكارتية.  يتضح إذاً أن أولى الثمار الفلسفية للثورة الكوبرنيكية تكمن في تأسيس “براديغم الذات”. حيث أصبحت الذات المفكرة مصدراً للمعرفة، كما أن نظام الأشياء في الطبيعة صار خاضعاً لنظام وبنية العقل. وبلغة كانط إن العقل هو ما يضفي النظام على الطبيعة. فقد بين أن قوانين الطبيعة هي نفسها قوانين ملكة الفهم، على نحو تكون به منظمة وفق ترابط عقلاني، بمعنى خاضعة لقوانين الفهم(04).

لقد كان كانط هو المعبر عن الاكتمال الفلسفي  داخل النسق النيوتوني، فمقدمة الطبعة الثانية لكتاب “نقد العقل الخالص ” شاهدة على الاعجاب الكانطي الشديد بالفيزياء  النيوتونية ،وفي الوقت ذاته أعلن كانط فشل الميتافيزيقا ،فبحث لها عن أساس جديد في علم عصره ، هذا الأساس كان هو العلم النيوتوني والهندسة الأقليدية، وهذا بدا واضحا في طرحه للسؤال المشهور: كيف تكون الرياضيات و الفيزياء ممكنتين؟ وكان جواب كانط هو أن موضوعات هذين العلمين لا تعتمد على التجربة و لا على الحس ، بل هي موضوعات قبلية يفرضها العقل على الطبيعة. من ثم غدت الفيزياء النيوتونية بالنسبة لكانط هي الفيزياء الوحيدة الممكنة. و هذا ما يظهر من خلال دفاعه الفلسفي عن المطلقات النيوتونية، حيث يسرد في كتابه “لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما ” أدلة مفصلة على قبلية المكان و الزمان ، فهما حدسان قبليان ، و هي الصفات نفسها التي أعطاها نيوتن للمكان و الزمان بأنهما مطلقان و يوجدان دون أية علاقة مع أي شيء خارجي ،في حين الأشياء لا توجد الا بهما و فيهما . هكذا جعلت فلسفة ديكارت وكانط من العقل أساساً لبناء المعرفة الحديثة، والعقل الحديث عقل إنساني  محايث  للتاريخ ومتحرر من أي سلطة. كما أنه قادر على دراسة و فهم الطبيعة، و هو ما يتضح داخل فيزياء غاليلي التي أكدت على أن الطبيعة تجري طبقاً لقوانين يمكن صياغتها رياضياً.

كتب غاليلي في كتابه المسمى “ساجياتوري” عام 1623:”توجد الفلسفة في هذا الكتاب الكبير، كتاب الكون، وهو مفتوح لنا باستمرار. ولكن لا يمكننا فهم الكتاب إذا لم نعرف اللغة التي كتب بها ولم نحاول تعلم الحروف المستخدمة في كتابته. إنه مكتوب بلغة الرياضيات ولغتها هي الدوائر، والمثلثات وأشكالٌ أخرى هندسية، وبدونها فلا يستطيع الإنسان فهم حتى كلمة واحدة من الطبيعة والكون، وبدونها يضل الإنسان في دهليزٍ كبيرٍ مظلم.” يتضح من كلام غاليلي أن العلم الحديث أصبح مهتما بالصورة الأولى للظاهرة ومعتمدا على أدبيات تمجد الطبيعة(05). هذا يعني أن العقل ينشغل بتلك الصورة و يعتمد على صيغ فلسفية تمجد الطبيعة و تؤمن بوحدة  العلم. بعد ذلك أضاف العقل الى التجربة الفزيائية الرسوم الهندسية مستندا الى فلسفة البساطة ،فانكب على دراسة و فهم الطبيعة و كشف قوانينها و تحريرها من كل النزعات الاحيائية و الميثولوجية.  فالمادةالتي يتكون العالم منها لا تتضمن خصائص أخرى غير تلك البادية للحدس العقلي ،أي الامتداد، لذا يجب تصورها على نحو يفهمه و يقره العقل الطبيعي النير، ذلك العقل الذي يهتدي بالمبادئ الرياضية (6).ففي تطور العلم الحديث تأكدت قدرة المنهج الرياضي على تحليل العالم الفيزيائي ، وهي القدرة التي كان الاغريق قد اكتشفوها في أبحاثهم الفلسفية. غير أن الجمع بين هذا المنهج الرياضي و بين استخدام التجارب، و اتخاذ الاثنين معا للصواب، كان ينطوي على أكثر من تأكيد لهذه القدرة ، اذ كان يعني مضاعفتها بحيث تؤدي الى نجاح أضخم بكثير من كل ما تحقق من قبل. فمصدر قوة العلم الحديث هو اختراع المنهج الفرضي الاستنباطي ، وهو المنهج الذي يضع تفسيرا في صورة فرض رياضي يمكن استنباط الوقائع الملاحظة منه(07).

لقد وضع غاليلي مبدأين أصبحا، لفترة طويلة، موجهين للعلم الحديث. الأول :هو ضرورة الاعتماد على الملاحظة لا على أي سلطة أخرى عند وضع القضايا و الفروض عن الطبيعة. الثاني :أنه بالإمكان فهم العمليات  الطبيعية فهما أفضل اذا تم  تقديمها في مصطلحات رياضية. يتضح  أن غاليلي جعل من الرياضيات العمود الفقري للمعرفة العلمية، لأن كتاب الطبيعة لا تتيسر قراءته الا من منظور رياضي، و أن هدف العلم ليس وصف الطبيعة بل تكميمها ،أي تحويلها الى صيغ رياضية تتخذ صورة قوانين طابعها الدقة و اليقين. من ثم كان لابد لأي حادث داخل الطبيعة أن يكون محكوما بقوانين العقل التي تتطابق مع قوانين الفيزياء. فقد أجرى غاليلي أبحاثا معمقة حول الخصائص الأساسية للحركة ،والتي فتحت الفيزياء  على مجال جديد من العقلانية(8). ان هذه النظرة الى الطبيعة كانت لها انعكاسات كبيرة على تطور العقلانية الحديثة.

أهم نتائج تطور العقلانية داخل العصر الحديث :

لعل أهم ثمار العقلانية الحديثة تكمن بداية في انتقال العقل من الانصياع لسلطة الكنيسة إلى التحرر الفكري، باعتباره حسب ديكارت أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وبالتالي راهن المشروع الديكارتي على وضع أسس لمنهج قادر على قيادة العقل نحو الحقيقة، وتحريره من أية وصاية أو سلطة خارجية. وهو ما عبر عنه كانط بقوله: ” تجرأ على استخدام فهمك الخاص. هذا إذاً هو شعار الأنوار”.(09) فإدراك العقل لذاته وللواقع ومحاولة الإمساك به، ورفضه لكل معارف الكنيسة، باعتبارها مزرعة للأفكار المقدسة، هو إقصاء لكل المعارف والأفكار المسلم بها دون تدخل الفكر في تحليلها وفهمها واستيعابها.  فالأنا المفكر هو أساس  كل معرفة، وكل معرفة رهينة به، والكوجيتو هو المبدأ الأول لها. فالتعقل إذاً شرط قبلي للمعارف.(10) تحقيقاً لذلك الشرط تبنى ديكارت منهجاً عقلانياً قائماً على الشك من أجل البلوغ للحقيقة. لقد أعطت فلسفة ديكارت للعقل دلالة ذاتية، فشكلت الذات المفكرة  المحدد الدلالي و المنهجي للمعرفة الحديثة. فقد علم ديكارت الناس رفض غوامض الفلسفة المدرسية، و أن يفكروا واثقين من أن كل ما يبدو بديهيا بذاته في نور العقل الواضح يجب أن يكون صحيحا. واخترع اسلوبا بقي لمدة قرنين الناقل الطبيعي للفكر الفرنسي (11).

ان السمة الأساسية للحداثة ، بتعبير بودريار، هي ظهور الفرد بوعيه المستقل ،مما شكل ثورة على الفكر المدرسي ،اذ جعلت الفلسفة الديكارتية من العقل الانساني أساسا لكل ذات و لكل معرفة. فأساس فلسفة ديكارت يختلف اختلافا جذريا عن مثيله لدى الفلاسفة اليونانيين القدماء. فنقطة الانطلاق هنا ليست مبدأ أوليا أو جوهريا، بل هو محاولة لمعرفة أولية. لقد أدرك ديكارت أن ما نعرفه عن عقولنا أكثر يقينا مما نعرفه عن عالمنا الخارجي(12). هكذا  هيمن العقل ،  من ديكارت حتى هيجل(1770_1831م) ،مروراً بكانط ،على تاريخ الفكر الحديث. مما جعل منه عقلاً محايثاً للتاريخ الإنساني.  فما هو التغيير الذي سيلحق مفهوم العقل داخل البراديغم العلمي المعاصر؟

  • ضرورة انفتاح العقل الفلسفي على مستجدات الواقع العلمي :

دُشن القرن العشرون، كما هو معروف بتغيرات علمية جذرية متمثلة في الكشف  عن عالم غريب وعجيب، تكاد ظواهره أن تكون سحرية، عالم يناقض كلياً حسنا المشترك، إنه العالم “اللامتناهي في الصغر”، عالم الجزيئات الدقيقة. ومن أهم النظريات الفزيائية المعاصرة التي كشفت عن قوانين العالم الميكرو فزيائي، النظرية الفزيائية الكبيرة المعروفة بالميكانيكا الكوانطية. والتي دشنت الميكروفزياء بالقول أن للضوء هوية (طبيعة) مزدوجة: موجية متصلة وجزيئية منفصلة. والقول بازدواجية طبيعة الضوء معناه سقوط أهم مبادئ المنطق الأرسطي المتمثل في مبدأ عدم التناقض القائل بأنه لا يمكن الجمع بين القضية ونقيضها، وأن الشيء يظل هو نفسه دائماً. فطبقا لمبدأ التكامل الذي وضعه بوهر(1885_1962)  سنة 1927 :فان الموجات و الجزيئات مفاهيم مجردة وضعت لترجمة النتائج المحصل عليها في التجارب الى أشكال يفهمها عقلنا و حدسنا العادي. لهذا فهي مفاهيم غير متناقضة بل متكاملة، فنستخدم تارة مفهوم الموجة، وتارة أخرى مفهوم الجزيء، بحسب الحالات المدروسة، بمعنى أننا نستخدم المفهوم الأنسب في كل حالة لفهمنا نحن. من هنا فبحسب طريقة الحساب او بحسب أدوات التجربة و الملاحظة يمكن لنسق كوانطي محدد أن تكون له مظاهر مختلفة، و أحيانا متناقضة.

ومع ظهور مبدأ الارتياب ( اللايقين أواللاتحدد) مع هايزنبرغ (1901_1976م) والقاضي بأنه يصعب تحديد موقع وسرعة الإلكترون في نفس الوقت، إنهار مفهوم اليقين التقليدي. فتبين أن الإنسان لا يستطيع معرفة كل شيء بدقة، وإنما هناك معطيات ومقادير ليس بمقدوره قياسها. وهذه الحقيقة الطبيعية تخضع للمعادلة التي يتحكم فيها ثابت بلانك hحسب المعادلة الشهيرة التالية: ∆ Px ∆x≈h ، و∆ Px تعني عدم التأكد في كمية الحركة، بينما∆x تعني عدم التأكد من الموقع. أما hفهو رمز ثابت بلانك الشهير. كما أن هايزنبرغ ،وغيره من مؤسسي الكوانتيك ،أوضح أن تدخل العالم بالتجربة يغير لا محالة من حركات الجزيئات و أوضاعها، بحيث لا نعود نلاحظ عالم الذرة كما هو ، بل عالم الذرة الذي غيرته تجاربنا وأدواتنا. لهذا فكل تجاربنا و قياساتنا لا تكشف عن الواقع الموضوعي للظواهر ، بقدر ما تمثل امكانية واحدة من امكانيات متعددة يمكن أن يكون عليها الواقع. بهذا المعنى فالواقع مرتبط بنا و بدرجة تطور معارفنا و بالطريقة التي ننظر بها اليه ، بحيث ان هذا الواقع يتغير مع الزمن.

من ناحية أخرى ،ومنذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر كشف المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية  عن تلقائية حركات الجسيمات الغازية، مما أدى إلى سقوط مفهومي الحتمية والسببية كمبدأين مطلقين للعلم الكلاسيكي. في حين إن نظرية النسبية مع أينشتاين (1879_1955) جعلت من المكان والزمان مفهومين فزيائيين نسبيين يتغيران بتغير السرعة، مما يعني انهيار مفهومي الزمان والمكان كإطارين قبليين ومطلقين داخل فزياء نيوتن و في  فلسفة كانط. فقد انتهى بوهر الى أنه يستحيل علينا أن نحتفظ في المجال الذري بالتمثلات الزمانية و المكانية التي كانت أساس دراسة الظواهر في الطبيعة وتفسيرها.

إضافة إلى ذلك، فإن اكتشاف المنطق الرمزي القائل بأن كل نسق منطقي قائم على أوليات، ليس نسقاً بديهياً مطلقاً، وظهور الهندسات اللاأوقليدية كأنساق قائمة على مبدأ التناسق المنطقي، أدى إلى سقوط مبدأ البداهة الديكارتي، الذي ظل كابحاً لكل رغبة في الحجاج والاستدلال. إن العلم بعدما حصله من تطورات لم يعد مجرد ظاهرة ثقافية مهيمن عليها من طرف اتجاه فلسفي محدد، أو انتاجا من انتاجات الفكر بامكان الفيلسوف أن يستوعبه داخل قبول أكمل معنى و أوسع مقصدا، بل ان ترشيد العلم المعاصر يفرض الاقرار بضرورة وضع فلسفة بعيدة عن الحقيقة بمعايير الفلاسفة، تسعى بحركية جدلية مطردة الى طرد الفلسفة الكلاسيكية من مواقع كانت تحتلها. لهذا كانت الحاجة الى البدء بتأسيس فلسفة العلوم التي من شأنها أن تظفر لنا في أية شروط ذاتية وموضوعية معا بأن توصل الأسس العامة الى النتائج الخاصة، ومع هذه الجدليات تولد الأسس الجديدة(13).  لقد عملت فزياء الكم على تغيير نظرتنا للعالم ، و أثبتت أن العقلانية الكلاسيكية واحدة فقط من جملة عقلانيات متعددة. هكذا فالصيرورة العلمية للقرن العشرين، فرضت ضرورة مراجعة دلالة مفهوم “العقل” داخل الفلسفة المعاصرة، فكيف تمت تلك المراجعة؟

  • من العقلانية الكلاسيكية إلى العقلانية المعاصرة:انهيار العقل الثابت :

لقد شكلت الثورات العلمية المعاصرة لا سيما في حقل الفيزياء و الرياضيات انقلابا ضخما و منعطفا حاسما على مستوى الفكر العلمي و الفلسفي على حد سواء، فقد اضطر العلماء الى مراجعة مبادئ و مفاهيم العلم الكلاسيكي ، كما فرضت على الفلاسفة اعادة النظر في المفاهيم و التصورات الفلسفية التي كانت حاضنة لأفكار ذلك العلم. فأولى النتائج الفلسفية للمستجدات العلمية للقرن العشرين انهيار العقل كبنية ثابتة قبلية، باعتباره جوهراً متعالياً مطبوعاً بالصرامة والانغلاق يعتمد مبادئا منطقية (أرسطو)، وأفكارا فطرية (ديكارت)و مفاهيما قبلية (كانط).  فتكوّن معنى جديد للعقل باعتباره مجموع قواعد تتغير وتتجدد، وبالتالي تجاوزنا العقلانية الخالصة والمطلقة نحو عقلانية تجريبية منفتحة على الواقع وعلى نتائج العلم. تتضمن هذه العقلانية الجديدة التي بشر بها باشلار مفاهيم النسبية والاحتمال  واللايقين .  فالمستجدات العلمية المعاصرة قفزت بنا فلسفياً من العقل، كجوهر ثابت قائم على اليقين المطلق، إلى العقل كمجموعة من القواعد التي تعبر عن النشاط والفاعلية المرتبطة بالممارسة العلمية و نتائجها. اذ أكد غاستون باشلار على تميز العقل العلمي الجديد ببنية منفتحة متغيرة. إنه ليس جوهرا، فهو طاقة فكرية أو فعالية تفكر وتنتج المعرفة، وهو يشهد نموا وتغيرا بفعل عملية التفكير وإنتاج المعرفة، مما يشير إلى وجود تفاعل بين العقل وبين المعرفة التي تتولد عنه.  ومن ثم لم يعد من الممكن القول بأن العقل وعاء يشتمل على مضامين وأفكار أولية، ويتشكل من مقولات قبلية.
إن هذا المفهوم الجديد للعقل نتج عن الثورة العلمية المعاصرة، ما بين القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي أنجزت مجموعة من الاكتشافات التي أدت إلى إعادة النظر في ما كان سائدا من مفاهيم وتصورات ومناهج. ففي حقل الرياضيات تحطمت فكرة البداهة التي تقوم على الإقرار بوجود أفكار واضحة بذاتها، واستبدلت بها الأوليات التي ليست أكثر من فرضيات يختارها الرياضي من بين فرضيات كثيرة ممكنة، ويستنتج منها قضايا رياضية يشترط فيها ألا تكون مناقضة لهذه الفرضيات حفاظا على الانسجام الداخلي للنسق الرياضي. هكذا انفتح العقل في الرياضيات المعاصرة على جملة من النقائض التي لم تكن مقبولة في الرياضيات الكلاسيكية(كإعادة النظر في مسلمة التوازي عند أوقليدس، وإثبات أن الجزء يمكن أن يكون مساويا للكل أو أكبر منه). وفي حقل الفيزياء المعاصرة تمت أيضا مراجعة مجموعة من المفاهيم والمبادئ التي كان العقل ينظم بها التجربة كالزمان والمكان والملاحظة والموضوعية والحتمية. فإذا كانت الفيزياء الكلاسيكية، مثلا، تنظر إلى الطبيعة على أساس أنها تخضع لحتمية دقيقة تجعل الظواهر ترتبط بعلاقات ثابتة، وتسمح بإمكانية التنبؤ بما سيحدث، فإن الميكرو فيزياء أثبتت أن عالم الذرة يتعارض مع القول بمبدأ الحتمية. فالعلاقات داخل هذا العالم تقوم على الاحتمال. هكذا إذاً اضطر العقل إلى التخلي عن تحجره ووثوقيته، ليصبح عقلاً منفتحاً فعالاً ونسبياً، عقلاً يقيم حواراً جدلياً مع الواقع، ويجدد مبادئه وقواعده بتجدد الممارسة والواقع العلميين. فكيف أثرت التغيرات والتطورات العلمية الحديثة والمعاصرة على منظومة القيم؟

  • الجذور الإبستمولوجية للقيم :

يدل معنى القيم، في مجال الأخلاق، على مجموع المبادئ النظرية التي توجه وتُقَوم ممارستنا العملية ونقصد بذلك أحكامنا الخُلقية، أي ما يمنح قيمة لبعض أفعالنا ويجعل منها فضائلاَ مرغوباً فيها، وينزعها عن أخرى فتصير رذائلاً وجب الامتناع عنها(موضوع نفور). في الفكر الإغريقي قام أساس التقويم، بمعناه الخُلقي، على منظور كوسمولوجي للعالم، مفاده أن الأشياء والكائنات متفاضلة وفق مراتبها في مدارج الكوسموس كعالم مغلق قسمه أرسطو إلى عالمين:

-عالم ما فوق القمر: عالم الكمال و الخلود و الثبات.                                                                                      -عالم ما تحت القمر: عالم الفساد و التغير و الحركة.
فقيمة الشيء أو الكائن يستمدها انطلاقا من الموقع الذي يشغله داخل الكوسموس، فالنجوم مثلاً أشرف وأسمى من كل أجسام الأرض، بحكم انتمائها إلى عالم السماء، عالم الخلود والثبات، فأعلى الموجودات وأشرفها مقاماً الموجودات السماوية، وتتناقص قيمة مرتبتها في الوجود كلما اقتربت من عالم التغير والفساد، وموجودات الأرض بدورها مراتب: أعلاها الإنسان وأدناها العناصر الأربعة المكونة لما هو أرضي (النار، الهواء، الماء، التراب).

لقد ظل الكوسموس النموذج الذي استلهم منه القدماء مبادئ تنشئتهم الأخلاقية والسياسية وهو ما عبر عنه أفلاطون في “الجمهورية” بقوله أن الناس معادن، بعضهم نفيس بالطبع، وبعضهم خسيس بالطبع. وقد تغلغل النظام الأرسطي في العالم المسيحي، حتى إن النظام الكوني كما صوره دانتي وتوما الأكويني لا يخرج عنه كثيراً، وهكذا كان العالم محدداً ومنسجماً ومتسق الترتيب في جميع أجزائه، كما كان هناك عالم ثابت من العلاقات الاجتماعية والمصالح التي تكتسب شرعيتها من الله، وهو عالم يعكس النظرة السائدة التي كانت تنظر إلى العالم الطبيعي على أنه أيضاً عالم ثابت الأركان، وأن البشر أنفسهم فوق هذه الأرض هم الجزء المركزي من خليقة الله، فالطبيعة والبشر موجودات لخدمة الله وخدمة ممثليه على الأرض، أي السادة من الحكام والرهبان. انقضت عشرون قرناً على وجه التقريب ظل فيها العلم الأرسطي سائداً قبل أن يبزغ فجر العلم الحديث الذي أحدث ثورات بعيدة الأثر عدلت كل المفاهيم العلمية تقريباً وغيرت من نظرتناً إلى العالم تغييراً جذرياً .

فمع الثورة الكوبرنيكية سينهار البراديغم القيمي القديم بانهيار أساسه الكوسمولوجي. اذ تبلورت رؤية حديثة للعالم تساوت من خلالها الأرض والسماء، بل إن الأرض نفسها صارت سماوية بحكم خضوعهما لنفس قوانين الحركة، وتشكلهما من نفس نوع المادة. فالكون عالم لامتناهٍ، مادته واحدة لا منازل ولا مراتب فيه، إنه بلغة الفيزياء مجال لتصادم مجموعة من القوى وفق قوانين ميكانيكية محضة . انطلاقا من هذه الرؤية العلمية الحديثة انبثق مفهوم “المساواة” كمبدأ للتقويم الأخلاقي والسياسي الحديث، والذي شكل الخلفية النظرية لفلسفات حقوق الإنسان، كخطاب دافع عن المساواة الفكرية والسياسية داخل المجتمع الحديث. فالمساواة الأولى تبلورت داخل فلسفة ديكارت، لكون العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، مما أوجب علينا الامتثال لأوامره باعتباره المشرع الوحيد للإرادة (أخلاق كانط). فمن يضفي صبغة قيمية على أفعالنا، ويجعل منها أفعالاً مرغوباً فيها هو العقل وحده. أما المساواة الثانية فمتجلية داخل الفلسفة السياسية  لكل من جون لوك وجون جاك روسو وغيرهم، بحكم أن لأفراد المجتمع الحديث نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات، فهم سواسية أمام قانون وضعي مصدره الذات وحدها. يتضح إذاً أنه مثلما إنهار التراتب داخل العالم، إنهار التراتب داخل المجتمع الحديث، باعتبار أفراده مواطنين أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات. تلكم هي القيمة الإنسانية للحظة الكوبرنيكية.

أما انهيار مفهوم اليقين المطلق داخل البراديغم العلمي المعاصر، وحلول مبدأ الارتياب والاحتمال والنسبية  محله، فقد أسس لمنظومة أخلاقية قائمة على مبدأ القبول بالاختلاف، كأسمى قاعدة مؤطرة للمجال الأخلاقي والحقوقي والسياسي المعاصر. لقد أبرزت لنا الفيزياء المعاصرة، بدءاً من أينشتاين مروراً ببلانك حتى هوكينغ، أن علاقتنا بالعالم المادي_سواء اللامتناهي في الكبر أو اللامتناهي في الصغر_ علاقة تتسم بالتعقيد، محملة بأنساق نظرية ومنظومات علمية وحضارية ثقافية، وهو عالم يتسم بالبساطة، فما الصورة التي ستكون عليها علاقتنا داخل عالم حي، أشد تعقيداً من الأول ألا وهو عالم الإنسان، كعالم للوعي والحرية والإبداع والتغير والحركية، والذي يحدد ما ستكون عليه علاقتنا بالغير؟ (14)

خاتمــة:

خلاصة القول إن الحديث عن النسبية والاحتمال واللايقين… داخل البراديغم العلمي المعاصر هو دليل على انفتاح الفيزياء المعاصرة على المفاهيم التي تثير الأمل في تعايش العديد من التقاليد الثقافية المختلفة عند الوضع النهائي للتوحيد الذي من خلاله تضافرت الجهود الانسانية المختلفة في نوع جديد من التوازن بين الفكر و العمل، و بين النشاط و التأمل (15) .هذا الوضع دعوة لترسيخ القيم، وتغذية روح الاختلاف، والانفتاح على الآخر المغاير لنا، من خلال ضرورة إعادة بناء هذه العلاقة وفقاً لمبدأ الاعتراف والتسامح والتعايش والحوار والواجب، وتكريس الحق في الاختلاف كأهم حق إنساني يدافع عنه الدرس الإبستمولوجي. فالذرة كأصغر كائن في الوجود تلقننا أروع درس للتعايش وحق الاختلاف(16)، وهي من أهم القيم والمبادئ الإنسانية التي على درس الفلسفة تأصيلها اليوم، وترسيخها في نفوس المتعلمين، وذلك لن يحصل إلا بتأصيل الفكر العلمي لدينا. من خلال تمثل قيمه على المستوى البيداغوجي داخل درس فلسفي حقيقي، من أجل خلق ذوات  قادرة على تجاوز كل أشكال الانغلاق والتطرف من أجل بناء وضع بشري متسامح. فما مدى تمثل الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة لقيم العلم؟

هوامش:

  1. ع.المجيد باعكريم: نحن والواجب الفلسفي، منشورات مجلة وليلي، الطبعة الأولى 2005.
  2. Alexander koyré : Du monde clos à l’univers infiniss ; Ed.Guallimard, chapitre 05.IV
  3. Kant : critique de la raison pure. trad. Alain Renaut. Flammarion 2001 p78.
  4. Catherine Chevalley : Nature et lois dans la philosophie moderne in notion philosophique 1 folio essai 1995 p187.
  5. غاستون باشلار: تكوين العقل العلمي، ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1984،ص9
  6. سالم يفوت، ابستمولوجيا العلم الحديث، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 2008،ص 64
  7. هانز ريشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة فؤاد زكريا،ص96
  8. محمد أبطوي، نشأة وتطور النظرية الفزيائية عند غاليليو، ضمن كتاب كيف يِؤرخ للعلم، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى 1996،ص30.
  9. كانط: ما التنوير؟ ترجمة إسماعيل المصدقaljabriabed.net
  10. Descartes Texte et d’ébats ;pour «genevière rodis_louis. Librairie Générale                        Française 1984 p 126.   

11.ستيوارت هامبشر، عصر العقل ،ترجمة ناظم الطحان ،دار الحوار للنشر–سورية-اللاذقية ،الطبعة  الثانية1976،ص69.  

      12.فيرنر هايزنبرغ، الفيزياء والفلسفة :ثورة في العلم الحديث، ترجمة خالد قطب، المركز القومي للترجمة، الطبعة  الأولى 2014،ص80.

    13.غاستون باشلار: فلسفة  الرفض، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى1985،ص8                       14.ع.المجيد باعكريم، درس الإبستمولوجيا الدرس الإنساني، منشورات وليلي، الطبعة الأولى 2001.

15.فيرنر هايزنبرغ، الفيزياء والفلسفة :ثورة في العلم الحديث، مرجع سابق،ص198.

  1. ع المجيد باعكريم، درس الابستمولوجيا الدرس الانساني، مرجع سابق

[1] نقصد بالكوبرنيكية كل المنجزات العلمية الحديثة بدءاً من كوبرنيك مروراً بغاليلي وصولاً لنيوتن.

[2] الكوسموس : كلمة إغريقية تدل على العالم المغلق والمحدود، باعتباره عالماً معقولاً يسوده الانسجام والتراتب، وقد وُضِع الإنسان فيه بمكانة وسطى بين الآلهة والحيوان.

 

شاهد أيضاً

الاسقاط النفسي والزمن

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف لتكن البداية من منطلق التساؤل هل يمكننا اسقاط رغائب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *