Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / نقد، نقد العقل البرهاني العربي لمحمد عابد الجابري / الجزء الثالث

نقد، نقد العقل البرهاني العربي لمحمد عابد الجابري / الجزء الثالث

 نجيب جيهان – باحثة مغربية

لاشك أن نقد طه عبد الرحمن  لمشروع لجابري أطرته الرؤية التداولية للتراث والتي تأسست على مقتضيات المجال التداولي المتميز عن غيره من المجالات بأوصافه الخاصة، ومنضبط بقواعد محددة يؤدي الإخلال بها إلى آفات تضر بهذه الممارسة سواء على مستوى التأصيل أو مستوى التقريب ، كما تجلت هذه الرؤية التداولية من خلال التقويم الشمولي التكاملي للتراث الذي يجمع بين الاشتغال بمضامين النص التراثي وبين الآليات المنطقية واللغوية التي أنتجت هذه المضامين التراثية .

الأمر الذي جعل طه عبد الرحمن يعتبر دعوى الجابري في تقويم التراث دعوى تجزيئية لم تقف على دقة الأليات المنقولة  التي استعملها في أنموذجه التقويمي.

لقد شدد طه عبد الرحمن في نقده للأدوات و المفاهيم التي توسل بها الجابري في قراءة التراث إذ بين عدم اتساقها مع طبيعة المادة المدروسة وتهافتها في الإمساك بحيثيات سياق اشتغالها بالإضافة إلى كونها متقادمة ولا تساير تطور المعرفة و مستجدات البحت العلمي.

المحور الأول :نقد طه عبد الرحمن للغة والآليات و الوسائل المنطقية في مشروع الجابري:

 

القطيعة الإبستمولوجية:

“إن ناقد العقل العربي الذي، لطالما حذر من قراءة تراثية للتراث، مؤكدا على ضرورة القطيعة الإبستمولوجية مع رواسب الفكر التراثي”[1]، والذي بدا عليه وكأنه “يوظف بالفعل مفاهيم باشلار وغرامشي وفوكو وبياجيه  وليفي ستراوس ويمارس حفريات المعرفة ، ويستعير بعض نماذج تحليلية من الابستمولوجيا مثل المنحى الأكسيومي الرياضي” [2] ، الذي يبدوا أنه يوجه تنظيمه لبنية كتابه الأخير نقد العقل العربي  ما زاد باعترافه على أن تبني التصنيف الثلاثي ، الذي كان رائجا معمولا به في الثقافة العربية، التصنيف إلى بيان وعرفان وبرهان   الشيء الذي يعني أن الجابري في الأخير لم يفعل أكتر من أن يقرأ تراث القدماء بمفاهيم القدماء.[3]

كما يخلص الجابري حسب طه عبد الرحمن إلى أن ابن رشد قطع مع ابن سينا من زاوية إبستمولوجية محضة، زاوية الأدوات الفكرية و المنهج و الإشكالية و المفاهيم . فابن سينا الغنوصي يخالف ابن رشد العقلاني ، وما هو في الحقيقة سوى فصل زائف ولا يقوم على أساس رصين.

يشير طه عبد الرحمن منتقدا الجابري هنا إلى أن العلم الحديث تخلى كليا عن منطق أرسطو في كسب المعرفة وسكوت الجابري عن هذا الأمر، يوشك أن يضعه في خانة دعاة العقل و العقلانية و مشاريع القراءات الجديدة على النمط الغربي. لأن نجاعة أية مشروع فكري  عربي إسلامي حسب عبد الرحمن تفترض تبني  ابستمولوجية معاصرة في شقها التقني وإبعاد المرجعية اليونانية السائدة ووضع مفاهيم جديدة تتلاءم ومستجدات العلم ومقومات الإبداع البشري، لتحقيق الخصوصية والتميز، وهذا هو المعنى الحقيقي للقطيعة حسب عبد الرحمن

إن مفهوم القطيعة في تصور الجابري، “ارتبط بتجديد العقل العربي وإعادة بناءه لكن قبل ذلك لابد من إحداث قطيعة إبستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث و المعاصر حسب عبد الرحمن” .[4]

نقد اللغة العربية في مشروع الجابري

“اعتبر الجابري اللغة العربية محور دراسته لأهميتها في تكوين الإنسان العربي عقلا وفكرا” [5] ، حيث اعتبر عبد الرحمن أن اللغة انطلاقا مما وضحه الجابري تجمدت، وتحنطت ،وألفاظها وعباراتها بقيت كما هي،  تلك التي جمعت  وصنعت و تطورت في إطار عصر معاصر حيت اعتبرت مجرد مختصرات مشوهة أحيانا للمعاجم القديمة .

لقد كان الجابري صارما وحازما في فضح الاستشراق وأعوانه إلا أن خروجه بأحكام من قبيل العالم العربي الحسي اللاتاريخي هي ترجمة للنظرة الغربية حسب طه عبد الرحمن إلى الآخر التي تحكمها ثنائية المركز و الهامش ، النظرة التي ترى المجتمعات غير الأوروبية لا تاريخية تعيش على الفطرة و الطبيعة وليس على التفكر و التدبر.

بين الفلسفة وعلم اللغة:

تحدت الجابري عن نظامه المعرفي المفضل البرهان بتركيز شديد بعدما كشف عيوب النظامين البياني و العرفاني وأوضح تناقضاتهما الإبستمولوجية.

إن طرح البديل البرهاني عند الجابري حسب عبد الرحمن في بعده الفلسفي تغيب العلاقة القائمة بين الفلسفة و المنطق وعلم الكلام من جهة، و الدرس اللغوي و البلاغي من جهة أخرى. فالعلاقة بين علم الكلام و الدرس اللغوي لا تحتاج فيها إلى كبير الاستدلال، لأن التداخل الذي لاحظه كتير من الباحثين بين الحجاج الكلامي حول إعجاز القرآن وبين التحليل البلاغي الصرف … إلخ ،شيء مبرر ومفهوم ، لأن مسائل علم الكلام في عمقها دينية ولغوية ومعظم علماء اللغة و البيان كانوا من كبار المتكلمين وذوي الزعامة فيهم. أما العلاقة بين الفلسفة و المنطق وعلوم اللغة تحتاج إلى توضيح، وإغفال الجابري لذلك ينم عن عدم إقرار بتلك العلاقة مع أنه واضح في التعريف و التقسيم والتحليل.

إن إثبات العلاقة بين الفلسفة و المنطق و الدرس اللغوي هو “نقض لتصنيف  الجابري الثلاثي، ومؤشر آخر على سوء تقدير للعلاقات بين العلوم الإسلامية في إطار نسقية منهجية واحدة ،فحتى حديت الجابري الفلسفي كان فيه تغييب لبيانية الخطاب الفلسفي”.[6]

المنهج و المصطلح بين علم الحديث وعلوم اللغة:

“لم يتقيد الجابري في تعامله مع هذه الظاهرة بالمقتضيات الإبستمولوجية كما وعدنا ،ودهب يبحت عن صفات الخطاب الخارجية لا عن آلياته الداخلية، إذ صنف هذا الزخم المنهجي كله في إطار النظام البياني وهو وصف ظاهري للخطاب وليس تحليلا بنيويا لآلياته”.[7]

إن وقوف الجابري على هذه الممارسات العقلية يتراوح بين الإقرار بها في حدود ضيقة واستصغارها تحت تأثير النموذج الأرسطي، فعلى طول مشروع الجابري وفي الفصول المتعلقة بالبيان و العرفان على استفاضته في التحليل يعرض المراحل بسرعة للوصول إلى بديله البرهاني الذي عرضه جاهزا كاملا  لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكان طبيعيا تجاهل تلك العمليات العقلية البسيطة بمفهومها الفلسفي مما يتم التحليل اللغوي في نقد العقل البرهاني.

 

الطابع الحسي للغة العربية:

 

“إن المقارنة التي عقدها الجابري بين مشتقات النحو العربي، ومقولات  أرسطو حسب عبد الرحمن، فهي في حد ذاتها خير معبر على أن تصوره اللغوي ما زال مشدودا إلى التفكير الفلسفي القديم خاصة الفلسفة اليونانية التي تعتبر اللغة اليونانية مقياسا للغات العالم وحول مقارنة الجابري تلك ،هذا الإعجاز  البلاغي والبرهان البياني يراه الجابري شكلا من أشكال القمع الإبستمولوجي داخل الخطاب العربي قوامه إخفاء الاختلاف وإظهار الائتلاف بواسطة مشاهد حسية ناطقة ، تصرف المستمع عن المناقشة و الاعتراض بل وتفحمه ليخرس على التو ويستسلم. وبالتالي تكون حاجزا أمام التفكير العقلي المنطقي الواعي بكلمة واحدة .إن الخطاب العربي في بعده الاستدلالي حسب الجابري ذو طبيعة لغوية بيانية بعيدا عن الطبيعة العقلية المنطقية، فما هي حدود هذا الادعاء؟

إن العقل ليس معنى مدركا للجميع بطريقة واحدة كما يذكر طه عبد الرحمن ، فانسجاما مع التصور الوظيفي و التحول الذي يحكم الفكر الحركي المعاصر يقتضي الأمر اعتبار العقل فعالية إدراكية تختلف باختلاف المكان و الزمان و المعايير التي تشترط فيها بحسب الأهداف المرسومة للنظر العقلي، حيت إن التفكير العقلي يمكن أن يكون علميا أو أدبيا أو فلسفيا.

إن تناول الجابري للطبيعة الاستدلالية، و لأساليب البيان العربي لم تطبعه الدقة العلمية من منظور عبد الرحمن ، كما أنه عجز عن  الوقوف عند أصول الاشتغال العقلي داخل الخطاب البياني العربي فجاءت أحكامه معيارية أملتها قناعات  فكرية واختيارات منهجية قبلية.

فالجابري في حديثه عن طبيعة الأسلوب البياني و اللغوي العربي عموما غفل أنه باعتباره متكلما للغة العربية من حيت هي لغة طبيعية ولغته الأم بالذات، حيت كان ينطلق من مخزون ذاكري غير واع يتجلى معرفته بتلك اللغة، وملكته فيها ومخزونه هو عبارة عن معجم دهني نفسي وأدوات لغوية وبيانية تساعده على تمثيل معاني الكلام وظيفة وتحكم بالتالي إدراكه اللغوي بمكوناته التحليلية وليس الضوابط المنطقية الصارمة هي التي توجه إدراكه والتي قد تساعده على تنظيم فوضى الخطاب”.[8]

لقد قدم الجابري مشروعه في نقد العقل العربي من خلال تناول علاقة اللغة بالفكر في الثقافة العربية. فكان الفيلسوف طه عبد الرحمن أبرز من تصدى لنقد مشروع الجابري.

لماذا نموذج الجابري؟

يندرج نقد طه عبد الرحمن للجابري، في سياق نقده للفلسفة المشائية في سياقها العربي، إذ اعتبر اعتناق العرب لهذا الفكر المشائي لم يستوف الشروط اللغوية و المنطقية التي ينبغي توافرها في كل منقول عن الغير .وقد تجلى الإخلال بالشرط اللغوي في مجيئ تعبير الفلاسفة الإسلام مخالفة للمقتضيات التداولية للبيان العربي مما قطعهم عن التواصل مع  جمهور الناطقين باللغة العربية.

وتجلى الإخلال بالشرط المنطقي في مخالفة دعواهم الفلسفية لمقتضيات البرهان المنطقي وتركيزهم على أدلة ليست أقل حجاجية ولا أكتر برهانية من أدلة  غيرهم من المتكلمين و الأصوليين ،فقد سلكوا طرقا استدلالية حجاجية من قياس تمثيلي و تشبيهات ومقارنات … إلخ . لكن بكفاءة أقل من غيرهم لخروجهم من عادات العرب في الكلام وإصرارهم على الأخذ بالعادة اللغوية اليونانية على اعتبار أنها برهانية بنظرهم.

كان إذن الإخلال بالشروط اللغوية و المنطقية هو منطلق عبد الرحمن في نقد الإنتاج المشائي العربي وتجديد النظر في علم الكلام و الأصول.

لقد كان الجابري أبرز رموز هذه الفلسفة في الفضاء العربي لذلك، كان  طبيعيا أن يتعرض له عبد الرحمن بالنقد.

إن الاعتراض على أدلة الجابري هو نوع من تجديد الفهم فيها لأن الاعتراض في أصله هو اشتراك في بناء المعرفة وليس أصلا في الافتراض كما قد يتوهم ، وما أخضع طه أدلة الجابري للنقد و التقويم الذي هو النظر في وضع الدليل إلا من أجل بناء المعرفة .

الإخلال بشروط التداخل و الشمولية في ممارسة الجابري النقدية:

ينتقد طه عبد الرحمن نموذجية الجابري للتراث من حيث أنه يقع في تعارضين:

“أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية و العمل بالنظرة التجزيئية والثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي في الآليات وتتمثل آليات الدمج  )الدين في الفلسفة( أو )الفلسفة في الدين(  في الإسناد القيمي ذات الأصل اليوناني و القائم على مبدأ الثالث المرفوع وذات الأصل الإسلامي القائم على ما سماه طه بمبدأ الثالث المرفوع إلا أن نزوع النظرة الشمولية عند الجابري بشكل مضمون  لم يكن ليتناسب مع النزوع الشمولي للترات..”[9]

استخلص عبد الرحمن من هذه النتائج معطيين:

  1. اعتبار التعامل مع النص في الممارسة المعرفية الإسلامية عائقا معرفيا لتقدم العلم وسببا في انحباس الفكر العربي في تأملات لفظية ضارة به وصارفة عن النظر في الظواهر الخارجية.
  2. أن أدلة الفكر العربي لا ترقى إلى مستوى البراهين الكفيلة وحدها بضمان وتحصيل العلم إذ أساليب الاستدلال العربية ذات طبيعة تشبيهية وقياسية محدودة.

هذه الخلاصات المتطرقة إليها، اعتبرها طه عثرات من الجابري.

الأساس المنهجي لطه عبد الرحمن:

يعتبر طه أن المدخل الصحيح للفيلسوف العربي للإبداع قراءة وتحليلا مدخل لغوي في منطلقه، و على هذا الأساس يتحدد مبدأ الفلسفة التداولية التي يسعى “عبد الرحمن” إلى تشييد معمارها، فلسفة واعية بأصولها ومتجاوزة لدعوى برهانية الفلسفة، كما رسخها ابن رشد وتبعه الجابري في ذلك وهو موقف المتقدمين من الذين سلكوا بأفضلية البرهان .

“انتهى عبد الرحمن إلى عكس  ما يعتقده البرهانيون في نموذجهم الاستدلالي ، إذ إن ما يسميه الجابري بالمعقول البرهاني لا يفضل بذلك البيان أو البرهان إلا أفضلية تحكم لا أفضلية تدليل”[10] .

حيت رد عبد الرحمن، من الوجهة المنهجية على دعوى الجابري واعتبر أن العقل العربي بياني لا برهاني وأتبت أن البرهان ممتنع عن كل نظر يصاغ بواسطة اللسان الطبيعي ويرى طه عبد الرحمن أن الجابري عندما أخرج دعواه على مقتضى الخطاب الطبيعي ، لم يعد خطابا برهانيا وكذا أحكامه وافتراضاته بل تبث في حقه البيان ولما اعتبر البيان عائقا  معرفيا ، كان ذلك أحق أن يجرى على دعواه لما لم تعد برهانية.

إن الجابري قد خرج بخطابه في صيغة بيانية ولا يجد عبد الرحمن عيب في ذلك ولكن الأمر يتطلب فقط تصحيحا في التصور لطبيعة الخطاب الطبيعي و التخلص من دعوى ابن رشد، بخصوص مبرراته و مقتضياته التاريخية، وتصحيح التصور لا يكون إلا بإقرارية حجاجيه الخطاب الطبيعي حيت يشير طه عبد الرحمن أن الفلسفة الطبيعية لا ينفعها تقليد أهل البرهان  في قيام استدلالات صورية فحتى إذا وصلت درجة اليقين الرياضي ومدتها بسبل التوجيه العملي ،فلا يتحقق هذا إلا بإنتاج مسالك الحجاج لأنها وحدها الكفيلة بنظر طه في إطار مجال التداول ومقتضياته التفاعلية بتحصيل الإقناع  و الدفع إلى العمل.

تتبع طه بعض أشكال الفساد المنطقي في تعريفات الجابري وفي مطابقاته، متل تعريف اللامعقول العقلي ومطابقته باللامعقول البرهاني وهذا ما جعله يخل ببعض الشروط المنطقية .

“فمن الناحية المنهجية اعترض عبد الرحمن على استخدام الجابري لأربع  آليات على الخصوص وهي آلية تخصيص الفعل، كما اعترض عبد الرحمن على الآليات الثلاث المتبقية ،)آلية المقابلة , آلية التقسيم , آلية المماثلة(.

” وانتهى عبد الرحمن بخلاصة مفادها أن الجابري لا يسلم من اعتراض منهجي في عمق ممارسة للتحليل من خلال هذه الأليات ،فمقابلة الجابري بين المعقوليين الديني و العقلي سواء من حيت التماثل أو التباين ، أوقعه في التناقض فأفقد مفهوم المعقول الديني كل فوائده الإجرائية متل مطابقته بين المعقول العقلي و المعقول الديني كما طابق بين اللامعقول العقلي و اللامعقول البرهاني مع إهماله المطابقة المشروعة بين اللامعقول العقلي و اللامعقول البياني تم مطابقته بين اللامعقول العقلي و اللامعقول العرفاني بموجب قوله بمبدأ عدم انفكاك المعقول  عن اللامعقول فيصير المعقول الديني عنده بمنزلة اللامعقول العقلي خلافا للمسلمة التي صرح بها .يضاف إلى هذا إخلاله بقوانين الحد أو التعريف المنطقي. “[11]

يرى طه عبد الرحمن أن البرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية و البيان مقولة متعلقة بالصيغة اللفظية و العرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي ، فمعايير الجابري في التقسيم هي المنطق و اللغة و المعرفة وكل واحد بحسب قسم خاص و الأجدر أن يجمع بينهما في تعيين كل قسم لتستقيم عملية التقسيم من الوجهة المنهجية. كما لاحظ عبد الرحمن أن منهجية الجابري تنقصها الإنشائية حيت يكون سبب في نظر طه في اضطراب المفاهيم و قلق البناء النظري. و بالتالي إن تقسيم الجابري الثلاثي )البرهان و البيان و العرفان( تقسيم فاسد بنظر عبد الرحمن فلكل نظام معرفي عند ناقد العقل ، مرادفه عنده من أنواع المعقول ومراتبه:

فالبرهان يطابقه المعقول العقلي ،والبيان يلازمه المعقول الديني أما العرفان فيحتل موقعه في أسفل الهرم بوصفه مملكة اللامعقول المظلمة.

لقد اقترح ناقد متميز لإبستمولوجيا الجابرية ، هذه الصيغة الثلاثية البديلة لمراتب العقل التنازلية عند الجابري:

“عقل فصيح، أساسه البرهان وعقل ضعيف، أصله البيان وعقل سخيف، سببه العرفان”[12].

وما يتير السخرية عند الطرابشي ، أن ناقد العقل العربي لا يكفيه أن يؤسس كل عقل من هذه العقول الثلاثة في قوام معرفي قائم بذاته ، بل يذهب بعيدا ويجعل منه علامة فارقة لهويات حضارية ، قومية على نحو لم تجرؤ على متله أكثر النظريات الأنثروبولوجيا المثالية تطرفا عن روح الشعوب ، وعبقرية الأمم ، فالبحرف الواحد يقول الطرابشي متهما لناقد العربي ، أنه قد عبر عن اللامسؤولية العلمية،  مما يفسر   ازدواجية معايير هذا التقسيم  وقلة  تحصيل الدقة في العلوم الصورية و المنهجية ،  لذلك اقترح طه “تقسيما بديلا بناءا على اعتماد معيار واحد كالتقسيم بحسب المضمون) العقل و العلم و المعرفة( أو التقسيم بحسب الصيغة اللفظية)البرهان و الحجاج و التحاجج …(إلخ[13] ، وهي نفس النظرة أكدها الباحث محمد همام في كتابه “جدل الفلسفة العربية بين عبد الرحمن و الجابري”.

الجدل اللغوي بين محمد عابد الجابري و طه عبد الرحمن:

يرى طه عبد الرحمن تناقض نظرة الجابري في ما يخص علاقة اللغة و الفكر و يسميها بالهجانة في الأحكام جعلته يجنح إلى القول :إن الأعرابي هو فعلا صانع العالم …عالم ناقص فقير ,جاف ,حسي ,طبيعي لا تاريخي يعكس ما قبل التاريخ العربي .

إن العصر الجاهلي عصر ما قبل التفتح و تأسيس الدولة،  و تعكس هذه الأحكام عند محمد همام تبني المظاهر الغربية للمجتمعات غير الأوروبية كما ينتقد تصنيفه لمكونات العقل العربي في ثلاثة نظم معرفية، )اللبيان و العرفان و البرهان( ,إذ لا إثبات علميا يسنده. يفحص همام الصلة التي يعقدها الجابري بين العلوم الشرعية و العلوم اللغوية وينتهي  إلى أن هذا الأخير فصل القول في المنهج عن القول في النسق العقيدي الإسلامي وهو  المرجع. لذلك جاءت خلاصاته مضطربة ومتناقضة تناقضا فادحا ورأى همام إن العلوم الإسلامية وحدة متكاملة .

ويدرج همام نقد عبد الرحمن للجابري في إطار نقده العام  للفلسفة المشائية في سياقها العربي وهو ركز خصوصا على البناء الاستدلالي لأدلة الجابري ويشير عبد الرحمن إلى مظاهر التجزيئي  عند زميله الراحل وفي مقدمتها ،الاشتغال بالمضامين التراثية و إهمال المنطق أي الوسائل اللغوية و المنطقية التي أنشأت وبلغت بها هذه المضامين واستثمار الأليات التجزيئية، بمعنى تفضيل بعض قطاعات التراث وإهمال أخرى و الأخذ بمنهج  واحد فحسب هو المنهج العقلاني   و تقديمه الجانب السياسي على حساب الجانب الأخلاقي و المعنوي.

يجمل أستاذ البلاغة همام اعتراضات عبد الرحمن للجابري على مواطنه:

أولا: من ناحية المنهج: أخد الجابري المصطلحات الغربية من دون تمحيص كاف فتحدت عن القطيعة و النظام المعرفي و البنية و اللامعقول وهذه لا تتوافق و نسق التراث .

ثانيا: اعتماده على مفهوم العلم، الذي ينتمي إلى النصف الأول من القرن 20 المنصرم .

ثالثا: تقديمه لأنظمة معرفية على أخرى من قبيل تقديمه للبرهان  على البيان و العرفان في حين هناك تداخل بين المستويات الثلاثة، حسب طه عبد الرحمن وبناء عليه يعتبر الباحث ، إن تقسيم الجابري يخل بالحقيقة التداولية و التداخلية للمعرفة الإسلامية.

يرسم همام معالم مشروع عبد الرحمن وفي مقدمته صناعة المفاهيم و المصطلحات التي يرغبها متناسبة و اللسان العربي، لذا يسائل من تبنى المصطلح اليوناني من دون نقد ونقلة إلى المجال التداولي ،ويستقيم المصطلح عنده من خلال النظرية التكاملية في الدلالة انسجاما مع النظرة التداولية، حيت تتحدد دلالة اللفظ بتحدد الاستعمالات وإبقاء الوصل بين المدلولين اللغوي و الاصطلاحي .

من بين مرتكزات الدكتور عبد الرحمن في تجديد النظر إلى التراث هو إبداعه في تجديد عطاء التراث واستئناف بناءه فيرى عبد الرحمن أن التراث هو واحد لكن قراءه يتعددون له. غير أن الكثرة التي تناولت التراث بين وصف ونقد لم تصب في طلبها النهوض بالتراث واستئنافا لبنائه و تجديدا لعطائه، وهذا يرجع في نظر  طه عبد الرحمن إلى قصور المفهوم عن طلب الحوار مع التراث يتوسل بآليات حديثة منقحة ويستحدث في نفس الوقت آليات إنتاج النص التراثي نفسه.

فما هي الخطة القويمة لتجديد عطاء التراث واستئنافه عند طه عبد الرحمن ؟

يؤسس الدكتور طه رؤيته  للنهوض بالتراث على عدة محاور أهمها:

استخراج آليات إنتاج النص التراثي وتحديت إرجائيتها باتخاذ العدة المنهجية التراثية وتأهيلها لمواصلة العطاء واستئناف البناء .وبذلك يمكننا القول أن الدكتور طه صار في نظرته إلى التراث العربي الإسلامي أكتر حداثة من غيره ويتضح ذلك في أنه لم يطلب من الحداثة إلا أدواتها عن طريق ملائمتها لخدمة الإشكالية التراثية وبذلك فتح الباب أمام العقل العربي للإبداع من خلال استخراج وتبديل الآليات المنتجة للنص التراثي ونقد وتمحيص الآليات المنهجية المقتبسة من التراث الغربي وهذا يستدعي من وجهة نظره تجاوز الطريق الذي اتبعه مفكرو وفلاسفة الغرب و العرب على السواء في تقويم وفهم التراث العربي الإسلامي.

نقد النموذج الجابري التجزيئي التفاضلي في تقويم التراث:

 

يواصل الدكتور طه عبد الرحمن نقده إلى العقلانية المجردة و النظرة التجزيئية في قراءة التراث من خلال نقده لنموذج الدكتور محمد عابد الجابري باعتباره أكتر المفكرين العرب المعاصرين اشتغالا بوضع نظرية لفهم وتحليل التراث وباعتباره أيضا أحد أهم المنظرين لذلك يقول الدكتور طه في نقد نموذجه تحت عنوان دعوى التعارض الأصلي لنموذج الجابري، باعتبار  نموذج الجابري في تقويم التراث يقع في تعارضين اثنين ، “أحدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية و العمل بالنظرة التجزيئية و الثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الأليات وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي في الأليات.[14]

“يلاحظ طه عبد الرحمن في كتابات الجابري أنه يتخذ منهج شمولي في تقويم التراث ويتهكم على المستشرقين في قراءتهم للترات العربي والإسلامي ويقوم بتفكيك وحدات التراث إلى أجزاء متناثرة وهذا يظهر في المنحى الفكري الشمولي للجابري ،إذ يقول إن النظرة الكلية لها ما يبررها سواء تعلق الأمر بعلم البلاغة أو بعلم النحو أو علم الفقه وأصوله أو بعلم الكلام فهذه العلوم مترابطة متداخلة بصورة تجعل منها مظاهر أو فروعا لعلم واحد هو البيان” [15]

“فعلى الرغم من هذا البناء الشمولي للترات عند الجابري، إلا أنه من وجهة نظر الدكتور عبد الرحمن طه قد وقع في التناقض بين النظرة الشمولية، وبين التطبيق التجزيئي، الذي دعا إلى التعامل مع العلوم العربية على اختلافها بصورة تجزيئية إذ قسمها إلى أنظمة معرفية متفاضلة لا رابطة بينها وهي النظام المعرفي البرهاني، كون البرهان مقولة متعلقة بالصورة الاستدلالية العقلية والنظام المعرفي البياني، كون البيان مقولة متعلقة بالصبغة اللفظية والنظام المعرفي العرفاني، كون العرفان مقولة متعلقة بالمضمون المعرفي، ويعقب الدكتور طه عبد الرحمن على ذلك بعدما يورد نموذجين من نصوص القدامى الذي استقى منها الجابري هذا التقسيم الثلاثي وهما” لطائف الإشارات للقشيري” وكتاب الصوفية في إلهامهم. إذ يقول ناقدا لمنهجية الجابري الشمولية، أنه اتجه ، عند ولوجه باب التطبيق إلى تقسيم التراث إلى أجزاء متباين بعضها من بعض و إلى تفضيل جزء واحد منها على باقي الأجزاء الأخرى فلا يبقى أي معنى لدعوته إلى الشمولية والتكامل على خلاف ما يدعيه.

والاعتراض الثاني: الذي رآه الدكتور عبد الرحمن عند الجابري، هو استمداد الجابري لمفاهيم منقولة من مجال تداولي غربي ونقلها إلى التراث من قبيل العائق الإبستمولوجي ومفهوم القطيعة المعرفية و النزعة الأكسيومية …

الاعتراض الثالث : و الذي اعتبرته اتهام ويتجلى في كون الجابري حسب عبد الرحمن أنكر ما كان من مبادئ التراث الإسلامي العربي لا يأخذ بالتجريد ولا يقر بالتسييس، حيت لما كان الجابري قد استهلك آليات عقلانية تتصف بالتجريد وآليات فكرانية تتصف بالتسييس فقد انساق إلى إنكار باقي مبادئ التراث الإسلامي واندفع إلى القدح في العاملين بهذه المبادئ الأصلية وفي التشنيع بآرائهم ومواقفهم ويحصى طه عبد الرحمن هذه المبادئ التراثية في ثلاثة أساسية:

أولا: الجمع بين القيمة الخلقية و الواقع : لقد تنبه الجابري إلى جمع التراث بين ما هو  خلقي وبين ما هو ثراثي واقعي، إلى حد أنه بالغ في تصويره وتغلغل في استخراج مضمونه من ألفاظ النظر في اللغة العربية متل العقل ،الذهن …إلخ، يقول بهذا الصدد: “إن العقل في اللغة العربية وبالتالي في الفكر العربي يرتبط أساسا بالسلوك والأخلاق” .[16] مستشهدا بنصوص القرآن ومن كتب النقاد القدامى على هذا التوجه الأخلاقي للعقل الإسلامي العربي، لكن الجابري قدح في هذا التوجه على رسوخه في التراث و شموله لجميع دوائره محتجا بتعارضه مع النظرة الموضوعية التي هي نظرة تحليلية تركيبية و التي يجب الاحتكام إليها في استباق الأنفع و الأصلح من التراث ،خاصة في استحضاره هذا الطابع أتناء حديته وتفصيله في القسم الخاص بالبرهان.

ثانيا: تشبع العقلانية بالقيم :حيت يؤكد طه عبد الرحمن أنه لا مكان في العلم لعقلانية محايدة فالعقلانية النظرية البرهانية تنفد إليها القيم من طريقين اثنين:

طريق خارجي :ويتكون من المجتمع و الثقافة و التاريخ  فيقع استبداد معايير المقبول العقلاني من هذه المجالات حتى إذا وقع الاختلاف فيما بينها رتب بعضها على بعض بحسب ما هو أنسب وأهم .

طريق داخلي :هنا ينتقد عبد الرحمن، الجابري من زاوية القيم التقليدية العقلانية التي يبدوا الجابري بلغ الغاية في التعلق بها من بينها القيمة المنطقية و القيمة النسقية …إلخ، والذي حسب طه عبد الرحمن، “حصل تراجع عن هذه القيم التقليدية واستبدلت قيم أخرى مكانها متل مبدأ الوظيفة واللاحتمية و اللاتناهي في المكان و الزمان.”[17]

إن عدم وقوف الجابري على دقة الآليات المنقولة التي استعملها في نموذجه التقويمي ،حسب عبد الرحمن ،  أفضى به إلى اتخاد مسلك في تجزيئ التراث يخل إخلالا بالمقتضيات التقنية و الشروط الإجرائية لهذه الأليات .

ما يمكن ابرازه هنا بأن مجموع الأليات المنقولة التي توسل بها الجابري لا تشكل نسقا متماسكا وذلك من جهة، بسبب تضارب اقتضاءاتها المنهجية و المعرفية فيما بينها ،ومن جهة ثانية، لعدم إبرازه المعايير التي بمقتضاها تمة له تغير هذه الأليات من مجالات متنافرة متل البنيوية و التكوينية وغيرها…

ما يمكن قوله هنا  مع طه عبد الرحمن أن نقده للجابري كان بالأساس  نبذه  لقراءته الناقصة للتراث وأبطل فحواها بالألية المنهجية التي ما فتأ يستخدمها لزحزحة هذا التقليد المعاصر في تقويم التراث وفي ذلك يقول الدكتور طه عبد الرحمن، أن الحاجة تدعوا إلى إنشاء تراث جديد بدل إصدار أحكام عن تراث قديم وإنما المطلوب هو صنع خطاب جديد  للتراث الحاضر كما بنى المتقدمون تراثهم الماضي وبديهي أنه لا سبيل إلى بناء هذا التراث الحي إلا بتحصيل أسباب المعرفة على وجهها الأوسع وتحصيل أسباب العمل على وجهها الأنفع ثم التوسل بكل ذلك في إنشاء خطاب يضاهي قيمة خطاب المتقدمين، كما يضاهي عطاء خطاب المعاصرين. لذلك وجد الدكتور ضرورة في إنشاء منهج رصين، لذلك وضع أسسه في كتابه تجديد المنهج في تقويم التراث فهو يدخل ضمن المشاريع المستحدثة في قراءة التراث الإسلامي العربي وتقويمه.

وحاصل القول ، إن صاحب الرؤية التداولية للتراث قدم نموذجا في الساحة الفكرية و المعرفية لا يضاهيه فيها إلا مكابر أو جاحد ، لما يتميز به من قدوة خارقة على الترتيب و التنسيق واشتقاق المفاهيم وتوليدها بلغة قوية ذات نفحة تراثية بآلية منطقية رهيبة في بناء الاستدلالات واستخلاص النتائج و بعدة معرفية قوية تجمع بين النصوص التراثية و ما استجد في الفكر الغربي مادة ومنهجا. لكن بالرغم من كل هذه الإمكانات و النتائج المتحصل عليها من خلال هذه القراءة فإنها تفتقد إلى بوصلة سياسية تؤطرها وتجعلها محايتة للتاريخ و المجتمع ومنخرطة في صراعاتنا وقضايانا الراهنة في كل أبعادها  المحلية و الدولية لأن سؤال التراث هو سؤال الحاضر ،سؤال الذات، سؤال الآخر…وليس سؤال الماضي.

المحور الثاني :أهم مؤشرات جورج الطرابيشي على فكر محمد عابد الجابري.

“عمد محمد عابد الجابري حسب الطرابشي  إلى تشطير العقل المكون {بفتح الواو} الذي يضم حسب مجالات الفقه و الكلام و التصوف و الفلسفة تشطيرا ثلاثيا وقطعيا ، إلى عقل بياني  وعرفاني وبرهاني و التحالفات التي يعقدها العقل البياني مع العرفان كما في حالة الغزالي  وهذه التحالفات يفرضها الجابري، و العقل البرهاني مع العرفاني كما في حالة ابن سينا لن تصور لنا من قبل الجابري إلا على أنها اختراقات لا عقلانية تحاول أن تستعيد  مواقعها التي حسرتها بظهور الإسلام وانتصار المعقول الديني. ويعبر الطرابشي عن هذا بأن الجابري بدل من أن يرى الرازي الذي كان كيميائيا طبيبا وفيلسوفا،  ممثلين كبار للعقل العربي الإسلامي في وحدة اشتغاله للعقل البرهاني فهو قد طردهم من كنيسة هذا العقل البرهاني.”[18]

إن اعتبار الجابري أن الحضارات ، اليونانية و العربية الأوروبية الحديثة هي وحدها التي أنتجت ليس فقط العلم بل أيضا نظريات في العلم ، أو هي وحدها في  حدود ما أكده الجابري التي مارست ليس فقط التفكير بالعقل بل أيضا التفكير في العقل، وهنا يعد الطرابشي أن الجابري مارس امبريالية على فكر الحضارات الأخرى الغير المنتمية لأوروبا الحديثة ،خاصة حينما يجده الطرابشي يركز على  أوروبا واعتبارها  رأس السلم في التاريخ ،وعندما  قرر كذلك ، أن يميز هرميا بأن هناك أوربا اليونانية و المسيحية و الحديثة ، فكل أوربا من هذه الناحية  أنتجت بعدا معرفيا نسقيا وكل الثقافة و الفلسفة و التطور الفكري انبنت من هذه الأنواع الأوروبية .

لقد ارتكب الجابري حسب جورج الطرابشي “ظلما جائرا بحق الحضارتين المصرية و البابلية اللتين أدرجهما بلا تردد في عداد الحضارات التي لم تنتج المعرفة العلمية و الفلسفية المنظمة للعقلنة حيت جعل الجابري السيادة المطلقة في نسق تفكير هاتين الحضارتين، السحر و الشعوذة وليس العقل متناسيا الجابري الرؤى العقلية و العلمية التي تميز بها البابليون و المتعلقة بالحساب و الفلك ، وبالتالي كانت ردود الطرابشي فيما تم عرضه دوافع مهمة جدا ،لإجهاض مشروع الجابري من الأساس، لأن الجابري بنى مرتكزاته وفق هذه النظرية التي عرضتها و التي أجهضها الطرابشي من الأساس ضمن مشروعه النقدي تجاهه ، حيت انتصر الجابري حسب وجهة نظر  الطرابشي  جغرافيا لعقل المغرب على لا عقل المشرق ودخل طرفا في الحرب بين المختلفين إيديولوجيا، فهو خاض حربا إيديولوجية ولا ترقى أبدا إلى مستوى النقد الإيبستمولوجي.”[19]

وتتحدد مجمل الانتقادات التي وجهها جورج الطرابشي إلى الجابري ويمكن حصرها على الشكل الآتي:

إذا كان منهج التفكير لمحمد عابد الجابري  يقوم على صياغة إشكاليات مغلقة أشبه ما تكون بحبائس فإن منهج الطرابشي في نقد النقد يسعى ليس فقط إلى تفكيك الإشكاليات التي يأسر فيها الجابري قارئه بل كذلك إلى اقتراح اشكالات بديلة مفتوحة وواعدة بالعقلانية بدلا من ذل الدغمائية .

إشكاليات الإطار المرجعي للعقل العربي:

فبعد تفكيك أسطورة عصر التدوين وتفكيك مركزية الواقعة القرآنية، يعيد ناقده بناء إحداثيات هذه الواقعة كإطار مرجعي للعقل العربي وكنقطة مركز الدائرة للحضارة العربية الإسلامية.

إن تصدي الجابري لنقد العقل العربي، لم يتمخض رغم ضخامة العنوان إلا عن مشروع مجهض، “لأن الجابري تبنى لحسابه خطيئة عصر النهضة  بإعلانه عن عدم عزوف ساعة الثورة اللاهوتية وبالتالي ضرورة إرجائها إلى أجل غير مسمى وثانيا لأن تحقيقه المغلوط لعصر التدوين وعدم استيعابه للإشكالية اللالا ندية عن جدلية العقل المكون )بكسر الواو( و العقل المكون  )بفتح الواو( وتقسيمه البنيوي  لأنظمة المعرفة إلى بيان و عرفان وبرهان”. [20]

وفي هذا المستوى يحاول جورج الطرابشي رفع الحصار التي تضربه ابستمولوجيا الجابري حول هذا العقل ونبدأ أولا مع ابن سينا، أسطورة الفلسفة المشرقية.

ينتقد الطرابشي الجابري في نقده لابن سينا ويجده يبالغ في ذلك حيث يقول الطرابشي: “إننا نجد أنفسنا هنا أمام ما يشبه محكمة تفتيش”[21] تستهدف ألبسة ابن سينا وإدانته بوصفه أكبر مكرس للفكر الغيبي الظلامي الخرافي في الإسلام. وتماما كما في محاكم التفتيش فإن التهمة الرئيسية الموجهة إلى صاحب الفلسفة المشرقية هي السحر وهذا بالمعنى الحقيقي للكلمة كما بمعناها الفلسفي المرادف للامعقول. مما يوضح مدافعة الطرابشي على ابن سينا ومحاولته لإعادة بناء الملف العقلاني للفلسفة المشرقية بما يبطل تورط ابن سينا في جريمة قتل العقل و المنطق في الوعي العربي.

إن مذهب ابن سينا يعد أوسع نتاج في الفكر الفلسفي في الإسلام وقد حاول فيه المزج بين فلسفة أرسطو وهو قد تمتلها أحسن تمثيل وقسمات متناثرة حسب الطرابشي من فلسفة أفلاطون، لكن الاتجاه السائد في فلسفته هو الفلسفة المشائية ولئن كان أقل التزاما بنهوض أرسطو من ابن رشد ، فإن ذلك كان ميزة من جهة أخرى من حيت أنه أفسح له المجال ليستقل أحيانا بفكره الخاص. صحيح  يقول الطرابشي  “أن ابن سينا بداية الأصالة لديه قد أخفقت بوجه عام ولم تكن فلسفته الشرقية غير أصل لم يتمكن من تحقيقه بالفعل لكنه استطاع على كل حال في موسوعته الفلسفية الكبرى الشفاء” أن يقدم أكبر مشروع في دائرة معارف فلسفية عرفتها العصور الوسطى” [22]

إن  تشبت ناقد العقل العربي البرهاني محمد عابد الجابري بإزاحة فاعل من فعله العقل العربي الإسلامي عن موقعه في نسق معرفي للزج به ،على سبيل التشهير في نسق معرفي آخر تشتبه بإزاحة ابن سينا من البرهان العقلاني إلى العرفان اللاعقلاني، مما جعل من الطرابشي يقوم  بإعادة بناء الملف العقلاني للفلسفة المشائية بما يبطل تورط ابن سينا في جريمة قتل العقل والمنطق في الوعي العربي، هذا من جهة أما من جهة ثانية، عمل على إثبات عدم وقوع جريمة أصلا ، الأمر وما فيه أن” ناقد العقل العربي حسب الطرابشي قد دشن حملة قاسية على الظاهرة الإستشراقية رابطا إياها بالظاهرة الاستعمارية و المركزية الأوروبية ورواسب الصراع التاريخي بين المسيحية والإسلام في العصور الوسطى. وقد وجه في نفس الوقت نقدا لاذعا إلى مستنبطي الاستشراق ويتبنون أطروحاتهم بصورة تابعة مما يعكس مظهرا من مظاهر التبعية الثقافية”[23] والحال أن الفلسفة المشرقية حسب الطرابشي تقدم على شكل عينة منجزة من سلعة ثقافية منتجة ومعلبة في المصنع الإستشراقي و الحال أيضا وبرغم كل التنديد الصاخب بالتبعية الثقافية فإن من استورد هذه السلعة و أدخلها إلى سوق الثقافة العربية الإسلامية  وروجها هو في حد ذاته محمد عابد الجابري، وهذا تصريح صريح  من قبل جورج، حيت يؤكد هذا الأخير أنه لو استعرضنا كتب ما قبله في تاريخ الفكر الفلسفي في الحضارة العربية الإسلامية لوجدناه يهمل مسألة الفلسفة المشرقية إهمالا تاما ، أو لا يعرض له إلا عرضا بصورة فرعية مقتضبة بخلاف الجابري الذي بالغ حسب الطرابيشي في التفصيل التحليلي في هذه الفلسفة ومن بين  من أهملوها نجد مصطفى عبد الرزاق في تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية 1944…وآخرون.

وبالتالي وحده ناقد العقل العربي الذي دفع غيره من الباحثين الفلسفيين العرب بالتبعية الثقافية للمستشرقين، حيث أخد بالإشكالية الإستشراقية عن الفلسفة المشرقية بحذافيرها وتوسع فيها حسب الطرابشي ليس كما تقتضيه الأليات و الوسائل العلمية المنهجية كما قليلا وإنما  على الأخص كيفا ، فهو لم يخصص لها دراسة في مئة و خمسة عشرة صفحة فحسب، بل اتخذها أيضا مفتاحا لكل المنظومة الفلسفية السينوية مؤكدا أنها تقوم على مقام القاعدة الإبستمولوجية فضلا على أنها تمثل مضمونها الإيديولوجي الحقيقي.

ويؤكد الطرابشي أن ناقد العقل العربي نفذ هنا على المستوى الإجرائي المنهجي مناورة انقلابية فعلى العكس من سائر المستشرقين و التابعين الذين حاولوا أن يتكهنوا بطبيعة الفلسفة المشرقية المفقودة انطلاقا من كتابات ابن سينا الموجودة فقد سعى الجابري إلى تفسير المنظومة السينوية بأكملها وبكل بعدها الموسوعي بالجزء الضائع منها كتاب الحكمة المشرقية وهكذا يوضح الطرابشي “أنه بدل أن يستدل بالشاهد على الغائب فقد استدل بالغائب على الشاهد . وليس هذا فحسب ، بل إن هذه المفارقة تأخذ بعدها الحقيقي متى أدركنا أن الشاهد المستدل عليه هنا هو الكل في حين أن الغائب المستدل به هو الجزء وهذا ما يتنافى مع أبسط قواعد المنطق الاستدلالي، هذا من جهة أما من جهة أخرى، فإن اتهام الجابري ومن قبله ابن رشد لابن سينا على ممارسته هذا النوع من الاستدلال هو اتهام ينسحب على فيلسوف قرطبة ذاته وسائر الفلاسفة بمن فيهم أرسطو فحتى طبقا لاعتبارات الجابري يكون الفلاسفة غير معزولين عن ممارسة ذلك النوع من الاستدلال بحسب ما تفرضه عليهم البيئة التي يعيشون في كنفها فهو يرى مثلا أن اليونان قد عكسوا حياتهم الاجتماعية على الفكر الفلسفي كما أيدوا الفكرة التي تقول بأن أرسطو صاغ منطقه طبقا لاعتبارات الجسم الصلب”.[24]

يؤكد الشاطبي أن قراءة ناقد العقل العربي لبنية الفلسفة السينوية يقوم على تفسيرها بتكوينها، فالمسار المشرقي ، وبالتالي الغنوصي أو حتى الحراني ، لابن سينا قد تعدد بموجب فرضية ناقد العقل العربي منذ مراهقته.

ما يمكن قوله حسب الطرابشي أن ابن سينا أراد أن يتقدم بالمشائية أكثر مما سعى إلى أن يتجاوزها و الواقع لو أنه شاء أن يتجاوز المشائية لما استطاع إلى ذلك سبيلا لأن المشائية كانت هي الأفق العقلي لعصره أي ما كان ليتجاوزها ما لم يتجاوزها العصر نفسه. وهذا ما دفع الطرابشي إلى القول أن الجابري يقتبس تفسيره الشخصي المبتكر للغز السينوي بخصوص المواجهة بين المشرقيين و المغربيين من مستشرق، تدخل متأخرا على خط الفلسفة المشرقية وهو بهذا يحصر الطرابشي

الإضافات الحشوية التي وقع فيها محمد عابد الجابري على الشكل التالي:

أولا :ادعاء وجود منافسة علمية موازية بين المشرقيين أهل خراسان و المغربيين أهل العراق و التدليل على هذه المنافسة بالعنت الشديد والمناكدة.

ثانيا: المزاوجة بين هذه المنافسة العلمية وبين صراع إيديولوجي طرفان للدولة العباسية بأيديولوجيتها السنية وأهل خرسان الذين كانوا حرانية بشهادة المقدسي.

ثالثا: هذا الصراع الفلسفي الجغرافي هو في حقيقته، استمرار للصراع على تراث أرسطو، بتأويله المغربي العقلاني وتأويله المشرقي اللاعقلاني وهذا الصراع يتفرع في اتجاهين:

– الموقف من نظرية أرسطو في العقل وقسمته إياه إلى عقل فعال مفارق وعقل هيولاني ،هو عند تلميذه الإسكندر مادي وبالتالي فاسد وعند تلميذه تامسطيوس مفارق وبالتالي خالد.

– “الموقف من نظرية أرسطو في النفس و الاختلاف على كونها متقومة بالبدن أو مستقلة عنه وهابطة عليه من المحل الأرفع مما ينهض بحد ذاته معيارا لعقلانية المعسكر المغربي بقيادة أبي سليمان السجستاني ، ولهرمسة المعسكر المشرقي بقيادة ابن سينا”[25].

هكذا  يكون الجابري قد وجه بضربة واحدة كل عمارة المدرسة البغدادية المغربية المنطقية العقلانية التي تطلبت منه صفحات طوالا لرفعها لبنة، لبنة على أساس من الوهم كما يعبر عن ذلك الطرابشي لتنتصب في مواجهة عمارة أخرى لا تقل انبناء على الوهم ،ألا وهي عمارة الفلسفة السينوية المشرقية الحرانية الهرمسية القاتلة للعقل والمنطق.

نقد الطرابشي للفلسفة المغربية الأندلسية:  نموذج ابن رشد

يرى الطرابشي، أن ابن رشد مفتون بأرسطو ومعظم له ، يكاد أن يقلده في الحس و المعقولات الأولى وأكتر تأليفه من كلام أرسطو، إما يلخصها وإما يمشي معها وهو في نفسه قصير الباع ،قليل المعرفة يلد التصور غير مدرك ،غير أنه إنسان جيد حسب الطرابشي و قليل الفضول وعالم بعجزه ولا يعول عليه في اجتهاده ،فإنه مقلد أرسطو هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرى الطرابشي أن توجيه ابن رشد للنقد السينوي أكتر من الغزالي دليلا على سمعته الفلسفية في المغرب و الأندلس لم تكن على ما يرام لقد كان نقده للغزالي في “تهافت التهافت”  الذي كتبه خصيصا في الرد على كتابه تهافت الفلاسفة فتلك بلا ريب مبالغة اقتضتها ضراوة التعبئة الأيديولوجية من جانب ناقد العقل العربي ضد الممثل المزدوج للفلسفة المشرقية ، لهذا العقل الذي في نظره هو ابن سينا مما لا يدع مجالا للشك في أن المستهدف بتلك التعبئة الضدية ليس ابن سينا بما هو كذلك بشخصه وفكره الخاص، بل ابن سينا الممثل الأبرز للعقل المشرقي .وفي إطار تأكيد الطرابشي على أن هجوم ابن رشد على ابن سينا كان في رده على الغزالي هو الأشد و الأقوى ،حيت كان هدف ابن رشد من الكتاب أن يبين أن الأدلة التي عارض بها الغزالي الفلاسفة مثلها متل الأدلة التي حكاها عن ابن سينا ليست لاحقة بمراتب البرهان .

واضح إذن ، أن ابن رشد يجمع ابن سينا و الغزالي وسائر المتكلمين في المشرق في كفة واحدة ويتهمهم جميعا بأنهم لا يستعملون الطرق البرهانية وإنما يعتمدون طريقة في الاستدلال لا تبلغ مرتبة اليقين حسب الطرابشي في القضايا الفلسفية ،حيت أن ابن رشد ينظر إلى الفكر النظري في المشرق كفكر واحد تجمعه وحدة المنهج وأنه يرفض هذا المنهج بقوة لكونه منهجا غير برهاني الشيء الذي يعني أن المنهج الذي يصدر عن فيلسوف قرطبة أو يدعوا إليه ، منهج برهاني يختلف اختلافا كليا عن منهج المشرقيين.

كما يصرح الطرابشي أنه عوض أن يؤسس ابن رشد بداية جديدة للأرثدوكسية الأرسطية لم يقم إلا بتأسيس عبادة حقيقية لأرسطو فهو عنده ليس مجرد أرسطو الإلهي كما سماه القدماء و إنما تصل مرتبة العبودية لأرسطو بالنسبة لابن رشد هو احتلاله مرتبة الكمال الأقصى الإلهي ليكون مندوب سائر البشر ليكون رمزا مشخصا للكمال الأقصى ، يقول ابن رشد، “ما أعجب شأن هذا الرجل وما أشد مباينة فطرته للفطر الإنسانية ، حتى كأنه الذي أبرزته العناية الإلهية لتوقفنا، معشر الناس، على وجود الكمال الأقصى في النوع الإنساني”.[26]

ومن دون شك حسب الطرابشي أن إنجاز ابن رشد الكبير يتمثل في تبنيه مفهوم البرهان ، وذلك هو المؤدى الظاهر لقولته الشهيرة : “إنما الحكمة ، النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان”[27]  ، “و لكن  ينبغي هنا أن نحاذر حالا من أن نفهم أن البرهان عند ابن رشد هو إما الصدق الذاتي لنسق منطقي بعينه ، أو ما هو إلا توجيه ضرورة العقل المستقيل بنفسه، لكن  الإشكال هنا حسب تعبير الطرابشي هو أن البرهان عنده ما كان يطابق أقاويل أرسطو فليس يرقى عنده إلى مراتب البرهان إلا قول أرسطو طاليس ومن تبعه من المشائين”[28] ذلك أن أرسطو كما ساد في عصره قد أوتي عقلا للحقيقة التي يؤتها الأنبياء، وبما أن الحق لا يضاد الحق فكل من خالف أرسطو فقد كف بصورة آلية عن أن يكون بجانب الحق وهذه القاعدة كما تصدق في الفلسفة تصدق في العلم الطبيعي أيضا …مع العلم أن مرتبة البرهان حسب الطرابشي يجب أن تكون أعلى مما في الأقاويل الفلسفية

وهكذا فابن رشد لا ينتصر لأرسطو انتصارا لا مشروطا ضدا على  من  تقدم عليه وتأخر عنه من الفلاسفة فحسب ينتصر له أيضا بالصورة اللامشروطة نفسها ، ضدا على من يخالفه في شتى مجالات وميادين الفلسفة.

وانطلاقا من هذا التعبد الفلسفي  لأرسطو بصريح العبارة حسب الطرابشي كان التصادم مع السينوية أمرا ضروريا لأن أرسطو من وجهة نظر الطرابشي فهم الإبداع الفلسفي على أنه  انعتاق ولو بصورة جزئية من أرسطو أما ابن رشد فخلافه فهم الإبداع الفلسفي على أنه تقليد أو بمعنى آخر رفضه وعوضه بمفهوم الاجتهاد الفلسفي للفلسفة الأرسطية وتجديد الدخول إليها عن طريق تطهيرها وتصحيحها من تعريفات المحدثين و المبتدعين. “ولئن جعل ابن سينا هدفا رئيسيا لنقده ، فما ذلك إلا لأن ابن سينا أباح لنفسه أو صور له غروره الشخصي ، أن يشق طاعة أرسطو ، وألا يكون مجرد شارح للمعلم الأول والأخير، وإن يكن من شيء يرفضه ابن رشد في الفلسفة فهو الاعتراف “بشرعية الاختلاف”.[29] فالفلسفة قد أدركت ذروتها مع أرسطو ، وكل ما بعد أرسطو ، وكل ما غير أرسطو لا يمكن إلا أن يكون انحطاطا وتعريفا وابتعادا عن البرهان ، ومن هنا دفاعه عن ابن سينا على ما حاول من تجديد ، حيت اعتبره الشاطبي قد جاء بما عجز عنه ابن رشد ، باعتباره ظل رهين الطابع الأرسطي .

وبالتالي إذا كان ابن سينا اعتبر الإبداع الفلسفي هو تجاوز فلسفة أرسطو مع التقيد بها ولو بشكل جزئي ونسبي في إطار الاعتراف بفضلها في تأسيس العقلنة البرهانية مع الأخذ  بهذه النسبية في إطار ما هو نقدي ،  فإن ابن رشد عوض هذا الإبداع بالاجتهاد الفلسفي والتقيد الفلسفي الأرسطي في إطار تصحيحه و تنقيحه. وهذا ما أدى بالطرابشي إلى التأكيد على أن ابن رشد في الفلسفة يرفض شرعية الاختلاف فالفلسفة قد أدركت دروتها مع أرسطو ومن لا يمكنه تجاوزه، فإنه لا يعبر إلا عن الانحطاط و التحريف وبالتالي ما يدفعنا إلى القول أن أرسطو  قد شكل سلطة  فكرية على عقول الفلاسفة الإسلاميين.

إن الرشدية هو عقل سكولائي حسب الطرابشي فهو عقل يرجع دائما إلى مقدماته ، لكنه لا يرجع أبدا عن مقدماته ليزداد تقيدا بها وليبدع اجتهادات أخرى. فالعقل السوكلائي عقل دائري على نفسه ولا يقبل الانتفاضة وحتى لو قبلها فإن انتفاضة ابن رشد الأرسطية تقبل الوصف بأنها إحيائية أو تطهيرية أو تصحيحية ،ولكنها لا تمثل بحال من الأحوال خلافا لمدعي ناقد العقل العربي الذي أكد على القطيعة المعرفية.

فابن رشد قد عاد بالفلسفة العربية الإسلامية إلي الإرهاصات الأولى المشائية ولكنه لم يضع المشائية نفسها في درجة الصفر ومادام قد قطع مع أرسطو كما عبر عن  ذلك الجابري فإن الشاطبي يؤكد أنه قد عاد إلى أرسطو لا ليعود عنه، فالرشدية إذن هي تتويج  لفلسفة العصر الوسيط الإسلامي و المسيحي على حد سواء ولكنها لم تكن نشيد تأسيس صرح فلسفي حداتي .

ومع ذلك حسب الطرابشي “فإن ناقد العقل العربي يصر على تصعيد قطع ابن رشد مع ابن سينا لا إلى مستوى قطيعة إبستمولوجية فحسب و إنما إلى مستوى قطيعة مشرقية مغربية معممة لذلك يشير الطرابشي هنا إلى الاتصال الظاهري بين المدرستين : المدرسة الفلسفية في المشرق و المدرسة الفلسفية في المغرب و الأندلس”.[30]

وبالتالي يخلص الشاطبي إلى اعتبار ابن رشد مجرد محامي لأرسطو عن العقيدة القويمة المشائية .

هجاء العقل البرهاني:

وهي تورة غضب تمثلت في القصة السردية { حي ابن يقضان}لابن طفيل على ابن رشد أو على الأقل نمط العقلاء البرهانيين الذي يمتله، فإنه يكفينا حسب جورج الطرابيشي أن نورد النص بحرفه بدون أي تعليق ليتضح للقارئ مدى سخط ابن طفيل على تلك المدرسة البرهانية المغربية التي يصر ناقد العقل العربي على  نشدانها  والاعتزاز بها  باعتباره واحدا من أعمدتها الثلاثة إلى جانب ابن باجة وابن رشد. “فعندما فني حي عن ذاته وعن جميع الذوات… ويتدخل ابن طفيل تدخله العنيف ليلقي المرافعة الدفاعية الهجومية التالية: …غافلون”[31] .

بما أن ناقد العقل البرهاني اعتبر أن نموذج المعقولية في الطريقة البرهانية خلال القرون الوسطى كان هو النموذج الأرسطي ، ولذلك فليس غريبا أن نجد ملامح هذا النموذج في كل محاولة لإضفاء  المعقولية على  البناءات الفكرية سواء فيما يتعلق بالطابع الفكري المحض كالعقليات ابن رشد أو ما يؤطره العقل كأصول الشاطبي والتفسير التاريخي ابن خلدون.

وما دمت أشرت الحديث عن الشاطبي هنا لا بد من الإشارة إلى النقد الموجه للجابري من قبل الطرابشي يغلو ويتطرف إلى حد الخروج على الرصانة العلمية في الوقت الذي يدعوا فيه قارئه إلى التمسك بها ليؤكد أن الشاطبي لم يكن أرسطو عصره  في علم أصول الفقه بل امتد به الأمر ليكون رائدا في أصول المعرفة العلمية، وهذا حسب الطرابشي لا يمكن أن يفسر إلا بدهشة الجابري بهذه الشخصية مما ذهب به الأمر إلى مدح وشكر هذه الشخصية.

وإذا كان الشاطبي حسب الجابري ينكر القياس المشرقي لأبي حامد الغزالي الذي يحمله الجابري مسؤولية أزمة العقل في الفكر العربي الإسلامي فإن الشاطبي يعيد الاعتبار لفلسفته بالقول أنه ليس في تاريخ الفكر خلق من عدم باعتبار الغزالي كان من بين الأصوليين القياسيين أول من صاغ بإحكام معادلة انبناء الأدلة الشرعية على مقدمتين كما أشار إلى ذلك في كتابه معيار العقل تم عاد ليلخص النتائج التي انتهى إليها في مجال توظيف المنطق في الفقهيات في كتابه الأصولي الكبير المستصفى وبالتالي  ما يدفع للملاحظة  حسب الطرابشي، أن الغزالي كان له الفضل في إعادة بناء علم أصول الشريعة بالصورة التي تجعل منه علما برهانيا وبالتالي فهذا التقدم لا يعود إلى الشاطبي حسب الطرابشي بل إلى الغزالي  لأن الغزالي هو أول من أضفى المشروعية الابستمولوجية في الفكر العربي الإسلامي على نقل ما سماه الأوائل الاستقراء من مجال الطبيعيات إلى مجال الفقهيات، وهذا قبل ثلاثة قرون من الشاطبي.

إن الطرابشي بهذا المعنى يتهم الجابري بانعدام الأمانة العلمية و التزييف المبطن عندما نسب نجاح الغزالي للشاطبي.

إن إصرار ناقد العقل العربي على إخراج الشاطبي ومعه ابن حزم من خانة البيان لإدخاله في خانة البرهان، هو نفس الإصرار الذي أبداه على إزاحة ابن سينا من دائرة البرهان للزج به في دائرة العرفان مما يعني حسب  طه عبد الرحمن، أن النموذج الإبستمولوجي للجابري تحكمه برمته غائية تفاضلية، “لأنه لا يفاضل بين أجزاء التراث فحسب ،بل يفاضل بين أقطار التراث فيجعل القطر المغربي أعلاها مرتبة”[32] وهذه الغائية التفاضلية، فضلا عن توجهها القطري ذات نزعة إبستمولوجية تراتبية فهي تتصور العرفان أدنى مرتبة من البيان.

وما ينبه إليه الطرابشي هنا هو غياب الوعي الإبستمولوجي عند الجابري ، خاصة عندما نتكلم عن ذلك التمييز التفاضلي الذي أقامه الجابري بين أقطار التراث وبين الأنظمة المعرفية كذلك، حيث هناك أمران أولهما أن طريقة الحفر الإبستمولوجية، ما وجدت أصلا إلا لكي تلغي التراتبيات التي هي بالضرورة ذات طابع أيديولوجي في مضمار نظرية المعرفة، وثانيهما أن البيان و البرهان و العرفان  ليست أنظمة معرفية مفصولة عن بعضها بل  هي بالنسبة إلى العقل العربي هي واحدة أكتر منها متعارضة. وهو بذلك الطرابشي ينتقد مسألة الانتقال من  نظام معرفي بياني إلى برهاني أو من دائرة البيان إلى دائرة العرفان لأنه يعتبرهم كلا واحدا وليس كل نظام مستقل بذاته. كما ينتقد مسألة الانتقال من نظام بياني إلى نظام آخر برهاني، وإذا اعتبره الجابري تطور إبستمولوجي فإن الطرابشي يعتبره ضربا من الوهم و الانبهار بالنظام البرهاني و الإعجاب به لا غير، وخاصة عندما يحصر الجابري اهتمامه ورقيه الإبستمولوجي في المشروع الثقافي الأندلسي المغربي ، و العمد إلى إقامة قطيعة فكرية مع مفكري المشرق، مع العلم أنه لا يمكن وضع هذه القطيعة المعرفية بين أنظمة العقل العربي لأن الأنظمة هي واحدة ولا يمكن  فصلها عن رقعة الشطرنج و التي هي خانة العقل العربي الإسلامي بشقيه المغربي الأندلسي و المشرقي. و أن نقول إن دوائر العقل العربي متحدة المركز سواء أكانت بيانية أم برهانية أم عرفانية فهذا معناه أن النظام الإبستمولوجي لهذا العقل واحد وبالتالي ما كان لهذا العقل أن يشهد أية قطيعة إبستمولوجية .

ثم يصرح الشاطبي “أنه في كل فصل ، بل في كل فقرة يتكلم فيها  ناقد العقل العربي عن ثقافة العقل المستقيل في الإسلام نجدنا إزاء مسعى منهجي واحد يعيد إنتاج نفسه بآلية تكرارية شبه هجاسية، البحث عن مستجيب خارجي لهذا اللاعقل يتمثل في الموروث القديم الذي تسلل من سراديب العقائد و الثقافات السابقة على الإسلام ليغزو الفكر الديني العربي في عقر داره وليقوده إلى مأزق المزدوج الذي لا يزال يتخبط فيه إلى اليوم  :المأزق التاريخي الذي يتمثل بالتراجع من عصر التدوين إلى عصر الانحطاط  و المأزق الإبستمولوجي الذي يتمثل بالسقوط عن رتبة البيان إلى رتبة العرفان مع كل ما يعنيه هذا التحول النكوصي من غلبة اللامعقول على المعقول في بنية الثقافة العربية الإسلامية.”[33]

وبالتالي نخلص هنا مع الشاطبي إلى التأكيد أن الفضاء العقلي العربي الإسلامي ما كان له أن يشهد قطيعة تأخذ شكل انتفاضة العقل المكون) بكسر الواو(، على العقل المكون )بفتح الواو(، فالعقل العربي الإسلامي منذ مرحلة تكوينه في القرون الأولى، أي منذ القرن الأول و الرابع  كما في حالة الغزالي إلى القرن الخامس، غدا مسلما بمسلماته وإحداثياته و ديناميته كما في النموذج الرشدي مثلا، فما كان له أن يخرج عن حالته، لكن بدأ العقل العربي يلمس ببعض التغيير خاصة في القرن الثامن حيت بدأ يتكون هذا العقل نوعا ما رغم الطابع الشللي الذي كان يقيده على التجديد الذاتي، غير أن هذا التجديد  كان تجديد تراكمي  دون فحص أو نقد وكأن العقل ،يستهلك دون أن ينتج، والغريب في الأمر أن أقطاب العقلانية العربية المغربية و الاندلسية قد تعرضت مؤلفاتهم للتبديع و الحرق و التهميش… وبقيت دون وريث مما أدى بالعقل العربي البرهاني مرة أخرى إلى التدهور. وهذه مسألة أكد عليها كذلك علي حرب في نقده للحقيقة حينما قال أن” العرب المسلمون يجتمعون فيما يختلفون فيه عن الغير،  ولكنهم، لما سعوا إلى صنع وحدتهم المجردة وتجسيدها على نحو ملموس في علاقاتهم ومؤسساتهم لم يفلحوا حتى الآن، إن العقل عند علي حرب هو قارة إجرائية ،وتقنية منهجية وفعالة نقدية للواقع والتي تقتدي وسيلتي الشرح والتفسير ومتى كف العقل عن أن يكون كذلك أضحى مجرد سلطة عمياء للتقليد العقائدي وبالتالي يقر علي حرب أنه لا ينبغي أن تتحول النزعة العقلية إلى نزعة لاهوتية إذ بذلك يكون الإنسان قد بدل قيد بقيد. ولهذا فمن مهام العقل أن يمارس نقذ ذاته ، باستمرار وذلك بإخضاع كل الأطروحات إلى الفحص و النقد وهي في نفس الوقت آليات تساعدنا على الكشف عن الحقيقة التي يكتنفها العقل نفسه”.[34] وهو بهذا الأساس يؤكد أن الفكر الإسلامي مازال يترنح الآن بين انغلاقه وانفتاحه.

الفكر الإسلامي بين الانغلاق و الانفتاح:

إن رؤية علي حرب للفلسفة تعارض ما جاء به ابن رشد أو ابن حزم…حيت يؤكد أنه لن تنقلب الآية إلا بمجيئ ديكارت الذي سيستأنف التفلسف في  العصر الحديث بالتحرر من منطق أرسطو واللاهوت معا  عائدا إلى البداية نفسها محاولا احتذاء النموذج الرياضي تماما  كما فعل أفلاطون .

“إن غرض علي حرب هنا من استحضار ديكارت هو من أجل الخروج من العالم الدائري المغلق للعصور الوسطى إلى فضاء العقل الحديث، حيت تبنى المعرفة على أسس خطاب إنساني لا على كلام الله حيت تستبدل تفاسير النصوص المقدسة بالوضوح و البداهة و تماسك الحساب حيت معه تتشكل الفلسفة كحقل للذات المتعالية وهو أول تشكيل فلسفي يكرس لنقد العقل في تاريخ الفكر. والذي أتى ببرهان جديد أساسه الكوجيتو وتعريبه : “أنا أفكر إذن أنا  موجود “ففي هذا البرهان يستدل الفلاسفة  المحدثين على الوجود بالفكر الذي هو موجود  بالفعل”[35].

الخاتمة:

عموما ،وما يمكنني قوله انطلاقا من دراستي المتواضعة بمفكري المغرب العربي  واهتمامهم الذي لا يخلوا من إبداع وإنتاج، ومساهمتهم  فكريا وثقافيا ومعرفيا ونقدا في تنوير الرأي العام و الساحة الفكرية  وهم على رؤوس الأصابع، )طه عبد الرحمن ,وجورج الطرابشي (. باعتبارهم أبرز نقاد محمد عابد الجابري، )ناقد العقل العربي(  ومساهمتهم هذه لا تخلوا من مجهود واجتهاد. ومادام النقد هو أساس الإبداع و التطور كان لابد من إعطاء وجهة نظر خاصة حول هذا النقد الموجه للجابري، وقد لاحظت أن الطرابيشي قد وقف على خلل ما في طريقة الجابري و تصنيفه للأنظمة واعتماد مرجعياته ومصادره، كما وقف طه عبد الرحمن على خلل ما، في طريقته في ترتيب أحكامه ونتائجه على معطيات بدت غير كافية من الناحية الدلالية المنطقية أو دعوى صاحبها، حيت لا يوجد نقد واحد يملك أن ينازل الجابري إلَّا إذا اجتمع بعضها إلى بعض. وهذا أمر غير وارد. فالنقد انطلق من تخصصات مختلفة وبعضها غارق في التخصص. كما يختلف هذا النقد في مستوى غايات ومآرب أصحابها وانتماءاتهم الأيديولوجية.

فعبد الرحمن له تخصص محدد والطرابشي كذلك رغم ما يجمع بين هؤلاء المفكرين من اهتماماتهم المشتركة في مجال بحتهم بنقد التراث العربي الإسلامي إلا أن هذا لا يبرر نقدهم ، فهؤلاء مهما توافقوا على ذبح مشروع الجابري فسيختلفون في طقوس الذبح وحدوده ومكان الذبح الشرعي، سيختلفون وربما سيتخاصمون داخل ميدان النقد نفسه. لأن مجالهم واحد لكن تخصصاتهم تختلف وهذا ما حدث.

فالطرابيشي ألهم الجابري ردًّا غير تبسيطيًّا أعاد سبب حملة الطرابيشي إلى مسيحيته، هكذا يبدو كما لو كان الأمر يتعلق بنقد الطرابيشي للإسلام وليس للجابري. من جهة أخرى تبدو محاولة طه عبد الرحمن إذ نحن نظرنا إليها وراء تمنطقها التجريدي، أشبه بارتداد داخل مشهد مارس فيه الجابري أبويته الأيديولوجية، إنها ردّة فعل يدركها من أدرك مأزق الصراع الأيديولوجي في المغرب. لهذا أقول أنه لا يوجد نقد نقي بل يوجد فقط تصفية حسابات أيديولوجية. وهذا لم يرفع المسؤولية عن ناقد العقل العربي تجاه ما قدمه نقاده. ففي كل تلك الحالات اكتفى بكلمات زادت من استفزاز نقاده، والغريب أنهم لم يتمرسوا بعد على إظهار ما بين أيديهم من أوراق أيديولوجية قبل اقتحام ميدان النقد. ومرة أخرى أجدني غير مقتنعة بالطريقة التي أوردها عبد الرحمن في نقد مشروع الجابري وإن أظهر فيه من مواطن الخلل. إنه جرّده من كل العوامل التي تشرّع مداخله ومخارجه النقدية. لقد تعاطى معه كمقولات منطقية بالمعنى الذي لا يحضر ولا يفترض حضوره كذلك في الواقع.  وقد سبق أن وضحت فيما سبق النقد اللغوي و المنطقي الذي وجهه عبد الرحمن للجابري ،إنه ضرب من الحجاج المتقوم بمنطق صوري لا يحضر معه حتى المنطق الرمزي الرياضي، إنه يبحث عن التناقض الذي لا يكلف صاحبه الكثير من الجهد للوقوف عليه ،حقًّا أم باطلاً في كل خطاب. أحياناً التناقض ينحته الناقد نحتاً ليحاكم منقوده على مذبحه. ومع ذلك لا أقف على الأبعاد التاريخية والسوسيولوجية والثقافية والنفسية التي شكلت دعائم مشروع نقد العقل العربي، فأقولها بصراحة أن أدوات طه عبد الرحمن لا تستوعب المدى الذي انبسط فيه مشروع الجابري ، فهذا مجال لمفاهيم )سيكولوجية وسوسيولوجية وانثربولوجية ولغوية وإبستيمولوجية وتاريخية…  (،كيف يمكن احتواؤها في قالب نقدي لم يتجاوز المقولات الأرسطية أو الآفاق التداولية التي كانت سائدة آنذاك.

لا يهم الوقوف عند أعطاب منطقية إن لم نخض في النقد الكامل الذي يترصد الأبعاد الأيديولوجية في مستوياتها التاريخية والاجتماعية والنفسية. فعبد الرحمن لم ينتقد الجابري من هذا المنظور و إنما ركز فقط على الجانب المنطقي مع العلم أني أقول أن الجابري لا يصل مرتبة النبوغ المنطقي الذي يصل إليه عبد الرحمن باعتباره زعيم المنطق الرياضي المعاصر. فلماذا وجه نقده للجابري على المستوى المنطقي مع العلم أن الرجل كان مجال اشتغاله هو العقل العربي ونقده سوسيولوجيا واجتماعيا وثقافيا وفلسفيا…وبالتالي فنقد عبد الرحمن للجابري من هذا الجانب غير مبرر ، فحتى، هذه التكاملية والشمولية التي تبدو مفقودة في المحاولة النقدية  للجابري حسب ناقده طه عبد الرحمن، ترتد إلى الناقد نفسه، لأن الأبعاد والدلالات اللغوية للمتن الجابري تتعدى إلى الدلالات التاريخية والاجتماعية والنفسية كما ذكرت. من هذا المنطلق تكون محاولة الجابري أشمل وأكمل فيما لو قيست بمشروع طه عبد الرحمن النقدي الغارق في التخصص كما نبهت إلى ذلك . بل إن تهمة المشروع الجابري بالتجزيئية هي نفسها تهمة مشروع طه عبد الرحمن.

ورغم كل ما سبق قوله، لا يمكن إنكار مسألة أساسية  ، وهي أن الجابري يظل أحد أهم رموز الإنسانيات العربية خلال الربع الأخير من القرن العشرين ، نظرا إلى ما قام به من حفريات في طبقات النصوص التراثية والتأسيسية للحضارة العربية الإسلامية، وراح يفكك ما تجمع من الركام الميثولوجي الذي اعتبره شاهداً على استقالة العقل، لكن أهميته تعود إلى التأسيس لقراءة منهجية للتراث العربي الإسلامي وفق مقاربة نقدية، والعمل على ترغيب القارئ العربي لقراءة ما اختاره من نصوص التراث ، وخير دليل ، هو نقاشات نقاده المتزايدة حول فكره  ويبدو أن الجدل حول أطروحاته سيستمر حتى بعد وفاته، الأمر الذي يؤكد على أهمية اشتغاله الفكري، وعلى أثره الفعّال في الفكر العربي المعاصر، بحيث يمكن القول بأن استمرار النقاش حول ما قدمه الجابري خير دليل على تكريمه بعد رحيله، كونه سيبقى حياً وحاضراً بآرائه ومقارباته وأطروحاته ، وهذا يبقى هدف هذه الورقة في الأخير

[1]  محمد عابد الجابري : “نحن والتراث ، قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الثالثة الدار البيضاء 1983ص28

[2]  كمال عبد اللطيف في ندوة نقد العقل العربي في مشروع الجابري.

[3]  قد يفهم من الجابري هنا ، بأنه ما فعل ذلك في الجزء الأول من كتابه وكما أشار في النص أعلاه ، إلا استنادا إلى اجتهادات شخصية ، ومعنى ذلك أنه استعمل في ” تكوين العقل العربي” مفاهيم القدماء بدون أن يعرف أنها للقدماء ، والحال ، أليس مثل هذا الاستعمال هو “اللاشعور المعرفي” بعينه؟ ولكن مع الفارق التالي ، فمثل هذا اللاشعور المعرفي لا يحيلنا إلى مفهوم “بياجيه” أو “فرويد” أو أي مفهوم علمي آخر بل إلى مفاهيم القدماء فقط.

[4]  محمد همام :جدل الفلسفة العربية بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ،بيروت ، الدار البيضاء المغرب الطبعة الأولى 2013 الصادرة عن المركز التقافي العربي في بيروت ص 29/30

[5]  نفسه ص 31.

[6]  المصدر نفسه ص 52

[7] المصدر نفسه ص 63

[8]  المصدر نفسه ص 104

[9]  المصدر نفسه ص 143\144

[10]  ذ: طه عبد الرحمن :تجديد المنهج في تقويم التراث ,المركز الثقافي العربي الدار البيضاء 1994 ص 47\48 ومحمد همام :جدل الفلسفة العرية بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن بيروت الدار البيضاء المغرب ,الطبعة الأولى 2013 الصادرة عن المركز الثقافي العربي في بيروت ص 150

[11]  ذ: طه عبد الرحمن :تجديد المنهج في تقويم التراث ,المركز الثقافي العربي الدار البيضاء 1994 ص \48 ومحمد همام :جدل الفلسفة العرية بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن بيروت الدار البيضاء المغرب ,الطبعة الأولى 2013 الصادرة عن المركز الثقافي العربي في بيروت ص 154

[12]  طه عبد الرحمن ، تجديد المنهج في تقويم التراث ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء 1994 ص  47/48

[13]  الملاحظ أن أغلب اعتراضات طه كانت ذات صلة باللغة وهذا يبرز الوعي الحاد عند طه بأهمية الكلام و حضوره كضرورة معرفية.

[14]  ذ: طه عبد الرحمن ، مرجع سابق :تجديد المنهج في تقويم التراث , ص 29

[15]  محمد عابد الجابري بنية العقل العربي دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب 1986 ص 300

[16] محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي, سلسلة نقد العقل العربي. بيروت: دار الطليعة ص 29\30

[17]   محمد همام : مرجع سابق، جدل الفلسفة العربية بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ص 142/144/

[18]  يقول الجابري “إن الشروط المعرفية لعصر التدوين هي أولى تحليلات العقل العربي إنما العقل المكون في الثقافة العربية الإسلامية ،العقل العربي في أبرز مظاهره وأقوى مكوناته” : المصدر السابق ، تكوين العقل العربي ص 63

[19]  على أساس إقليمي )مشرقي ، مغربي(أو قومي ،النظام البياني العربي، النظام العرفاني الهرمسي الفارسي ، النظام البرهاني اليوناني .

[20]  على أساس  التقسيم الإقليمي أي مشرقي ومغربي : النظام البياني العربي و النظام العرفاني الهرمسي الفارسي ،النظام البرهاني اليوناني . قد جعله يخطئ الهدف ويخوض المعركة الفاصلة  ضد أبرز ممثلي العقل المكون في الحضارة العربية الإسلامية من أمثال جابر ابن  حيان و الرازي في العلم والفارابي وابن سينا في الفلسفة و أهل القياس في اللغة و الفقه وأهل الاستنباط في التصوف منتصرا في الوقت نفسه لبعض من أبرز ممثلي العقل المكون ممتلا بأقوى فلاسفة العقلانية :ابن حزم وتزمتيه ابن تومرت وسلفية ابن تيمية . {عبد السلام بن عبد العالي سياسة التراث ضمن كتاب “التراث والحداثة” في المشروع الفكري لمحمد عابد الجابري :منشورات دار التوحيدي 2012 ص114}

[21] “وحدة العقل العربي الإسلامي” جورج الطرابشي، ص 15

[22] جميل صليبة تاريخ الفلسفة العربية دار الكتاب اللبناني للطبعة الثانية بيروت 1983 ص 218

[23]  محمد أبو ريان, تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام دار النهضة العربية بيروت 1976 ص 291

[24] محمد عابد الجابري، مرجع سابق، تكوين العقل العربي, سلسلة نقد العقل العربي. ص 25\24

 [25]  جورج الطرابشي ، وحدة العقل العربي ص 37

[26]  ورد هذا النقد في مقدمة ابن رشد لكتابه مختصر المجسطي وهو نص مفقود في أصله العربي ولم تصل منه سوى ترجمته العبرية التي قام بها أنطولي في نحو العام 1231/1235م ، راجع في ذلك كتاب {نظام العالم le système du monde } الذي خصص فقرة مطولة من ثاني أجزاء كتابه لبيان معارضة ابن رشد من موقع أرثوذكسي أرسطي للتقدم العلمي الذي كانت تمتله في حينه فرضية بطليموس وتدخلات ابن الهيثم عليها {م2 ص 117/139}

[27]  ابن رشد “تلخيص الآثار العلوية ” ص 144

[28]  ابن رشد ، تلخيصات إلى “جالينوس” تحقيق “بائكيت دي بينتيو” ، للمعهد الإسباني العربي للثقافة مدريد 1984 ص 225

[29]  الإحالة إلى عنوان كتاب “علي أومليل ، في شرعية الاختلاف ، منشورات المجلس الثومي للثقافة العربية ، الرباط 1991 ص 15

[30]  يشير الطرابشي هنا في نقاش حول التسمية وحتى لا أدخل في التفاصيل هنا يكفي أن أشير إلى أنه إن يكن تمة وجود مدرسة فلسفية زاهرة في الأندلس فلم يكن تمة وجود تاريخي لأي مدرسة فلسفية في المغرب بحصر المعنى .بوصفهما تنتميان إلى ما اصطلح  على تسميته “الفلسفة الإسلامية” ولا يجب أن يغيب عن بالنا انفصالا أعمق بينهما فالطرابشي يعتقد أنه كان هناك “نظامان فكريان” في تراثنا الثقافي ،الروح السينوية والروح الرشدية وإنه داخل الاتصال الظاهري بينهما كان هناك انفصال تمتل في القطيعة الإبستمولوجية. بل القطيعة الثقافية ، وهذا ما أكده بإطلاق الجابري في كتابه “نحن و التراث” “حيت يقول نحن هنا أمام حركة فكرية جدرية تتناول مختلف فروع المعرفة حركة كان هدفها تأسيس ثقافة أصيلة مستقلة عن كل  ثقافة أهل المشرق” محمد عابد الجابري نحن و التراث قراءات  معاصرة في تراثنا الفلسفي بيروت دار الطليعة ,الطبعة السادسة الصادرة عن المركز الثقافي العربي في بيروت عام  1993 ص 305.

[31]جورج الطرابشي وحدة العقل العربي الإسلامي ص 252

[32]  مرجع سابق، تجديد المنهج في تقويم التراث ص 78

[33]  جورج الطرابشي، العقل المستقيل في الإسلام ص 177

[34]  علي حرب، نقد الحقيقة ص28

[35]  نفسه ص 28

شاهد أيضاً

هيغل بين الوطن والوطنية

عبد الفتاح الحفوف  بقلم: ذ عبد الفتاح الحفوف يبدو من السهل على القارئ المحترف والمبتدأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *