الرئيسية / منتخبات / عامة / الديمقراطية الصورية

الديمقراطية الصورية

عبد الإله الحلوي – باحث من المغرب

تحترم السلطة التنفيذية نفسها في دولة “الديمقراطية الفعلية” عندما تخضع “لإرادة” الموطنين الذين انتدبوها لتسيير شؤونهم ورعاية المصلحة العامة، على أساس دستور ديمقراطي شعبي، يفصل بين السلط ويضع أليات لمراقبة عملها ومحاسبتها. لكن في الدولة التي تتبنى الديمقراطية الصورية، وهي ديمقراطية الخطابات والشعارات في ظاهرها، ودولة الاستبداد في جوهرها، تتحول السلطة التنفيذية فيها إلى جهاز لخدمة المصالح الخاصة والمصالح الطبقية، والمصالح الخارجية للرأسمالية الليبرالية، بتنفيذ سياسات لا شعبية ضد الإرادة العامة، ترتبط فيها السياسات الليبرالية بمصالح من يمتلكون الأدوات السياسية والمالية. وتكون المحصلة فقدان المواطن الثقة في العملية السياسية بأكملها، ثم الدخول في مرحلة طويلة من ” اللامبالاة العامة “، تتخللها احتجاجات فئوية ظرفية في اتجاه تشكل الوعي السياسي النقدي لدى المواطن المتضرر بشكل مباشر، في مع بروز قدرته على التمييز بين الجهاز التنفيذي للدولة – العرضي- والدولة نفسها.

ذلك أن غياب الجهاز التنفيذي بصورة مؤقتة أو دائمة لا يعني انهيار الدولة بما أنها فكرة مطلقة للشأن العام، لكن هذه سياسة مقصودة في الدولة الاستبدادية، وهي جعل السلطات تتمركز في جهة واحدة عبر خلق أحزاب هجينة، غير قادرة على فعل سياسي حقيقي، فهي أجهزة تخدم مصالح السلطة القائمة،

كل همها التهافت على مناصب صورية باسم التنافس الانتخابي الشكلي، بما في ذلك ما يعرف بالأحزاب التاريخية التي تم دمجها في هذه اللعبة، فتكون النتيجة سلطة تنفيذية عاجزة مستغلة تماما من الجهة الحاكمة فعليا، والتي تكون خارجة دائرة النقد أو المحاسبة. وهذه المزج الممنهج لن يحدث في دولة الديمقراطية الحقيقية، لأن جوهر العملية السياسية فيها يقتضي فصل السلط التقريرية كي لا يتركز بعضها أو جميعها في جهة واحدة، وهي بذلك ترسخ مبدأ المراقبة والمحاسبة والتقييم. وهذا الفصل من أسس الديمقراطية وليس من نتائجها، ذلك أن الديمقراطية ليست نظاما سياسيا، إنها ممارسة مدنية عقلانية، جوهرها أن السطلة ” قوة تقريرية ” في يد المواطن يمنحها لمن يشاء وله الحق في سحبها وما يتبع ذلك من رسوخ حقه في حماية حقوقه، وهذه من مسلمات الدولة المدنية.

الدولة التي تتبنى الديمقراطية الصورية تتخذ شكلا سياسيا هجينا، يستمد مشروعيته من خلفيات تاريخية، دينية أو عرقية.  تبرز خصوصيات السلطة القائمة والذي يجعل من هذه الخصوصيات بمثابة ” ثوابت الجماعة ” التي يتم صونها بمقتضى ” دستور” وترسيخها عبر ” مؤسسات ” بقوة القانون المستمد من هذا الدستور والذي يصاغ بمنهجية تجعل بنوده عامة وسطحية ومتناقضة، تضفي المشروعية على الممارسات اللاديمقراطية بمبررات مختلفة، وبوسائل متناسبة مع هذا الممارسات، أهمها العمل على جعل المواطن يظن أنه قاصر عن رعاية مصالحه، وغير قادر على استيعاب سياسات الدولة، فبالأحرى نقدها ومحاسبتها. من هنا تتحول هذه الدولة إلى نسق دائم من البحث عن المشروعية المبررة لسلطتها بموازاة البحث عن ضمانات استمراريتها، ومكافحتها لأسباب التفكك الداخلي الناتج عن مظاهر الاستبداد الذي يتخذ شرعية مؤسساتية في جوهره، أي أنه استبداد يتم تبرير وجوده وحمايته بسلسلة من التشريعات. وهو في كل الأحوال استبداد ملازم لوضعية دولة الديمقراطية الصورية، التي تتخذ من  الانتخابات أداة فعالة لتسويق ما يسمى بالانتقال الديمقراطي، وجعل العملية الديمقراطية تتلخص في الانتخابات وهي  بذلك توهم المواطن بأنه يملك السلطة الانتدابية، لكنه واقعيا يسقط ضحية لعبة انتخابية استراتيجية متحكم فيها،  لا تجسد مظاهر ” الديمقراطية الجوفاء” بقدر ما تجسد استبداد كيان سياسي يسعى لاحتكار السلطة المطلقة، ويتخذ جميع الوسائل الممكنة لقطع دابر أي محاولة لتشتتها، بما في ذلك استعمال العنف الممنهج، لأنه لا يرغب في دخول مغامرة الديمقراطية الفعلية عبر عملية سياسية لانتقال الدمقراطي مدني متوافق عليه. فهي تعلم أن هذا الانتقال لا يتحقق إلا بنزع امتيازات النفوذ والثروة من طبقة بأكملها تحتكر كل شيء.

إن مفهوم الديمقراطية يحمل في ذاته غاياته، كم تم صياغته في الفكر السياسي الغربي، بما أنه مجموع الاستراتيجيات والضمانات الكفيلة بمنع تركز السلطة ضد إرادة الأغلبية، ما يفرز شكلا للدولة المدنية تحترم مبادئ ” السيادة الشعبية “و”حقوق الانسان”  تبدأ أولا ” بالاعتراف ” بهذه المبادئ، وما يلازمها من فعل ديموقراطي يحوًل المواطن إلى فاعل مدني يتمتع بحقوقه، لا مجرد ” ناخب ظرفي ” يباع ويشترى. غير أن مفهوم الديموقراطية يحمل في ذاته كذلك أسباب تحوله إلى إيديولوجيا في خدمة الأكثر قوة، بإخفاء السلطة التعسفية القمعية، وراء أقنعة وشعارات التعددية والتنمية والحرية. من هنا يصير مفهوم الديموقراطية أداة استراتيجية قديمة ماكرة في يد الدولة، تسيس بها المواطن ليظن أن إرادته هي إرادة الدولة. وقد نجحت في ذلك لأسباب تاريخية متعددة، معلنة ميلاد مواطن مستلب، فاقدا للإرادة، قاصرا عن الفعل، مستسلما، وخاضعا، يشعر بأنه كائن مهمش، ومنبوذ، لا يساهم في الحياة المدنية والسياسية للمجتمع، منتظرا ما تمن به يد الدولة أحيانا. وهذا الجود حسب تلك الاستراتيجيات من

كرمها لا من حقوقه. ما يعني غياب مجتمع مدني فاعل، ورأي عام مؤثر، وبذلك تكون دولة الديموقراطية الصورية، أبعد عن” روح المدنية ” التي لا تضمنها إلا الديمقراطية الحقيقية وهي في كل الأحوال ديمقراطية مستنسخة غير منسجمة من روح المجتمع وخصائصه التاريخية والثقافية، ما يمنع بناء نموذج سياسي يحترم هذه الخصوصيات ويمتثل للروح الديمقراطية بمعاييرها الكونية، وهو نموذج يحتاج إلى زمن طويل لكي تبرز ملامحه في ظل الأوضاع القائمة.

شاهد أيضاً

هابرماس والتبرير الفلسفي للديمقراطية (1)

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ كان يورغن هابرماس ملتزمًا دائمًا بالديمقراطية الراديكالية. تهدف هذه الدراسة إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *