الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / سقط اللوى: 2 – في الحاجة إلى الإصلاح الديني

سقط اللوى: 2 – في الحاجة إلى الإصلاح الديني

بقلم: هادي معزوز

عندما يتحول الدين من نمط تفكير وسياق تفسير الكون، إلى معضلة ومشكلة عويصة، تتجاوز النقاش والجدال إلى إباحة الدم والقتل بل والتلذذ بالقتل، فإن ذلك ليس من مخلفاته سوى الدمار بشتى أنواعه، وهو الأمر الحاصل اليوم وللأسف الشديد في جل ربوع العالم الإسلامي، خاصة الدول الناطقة باللغة العربية، والتي لغرائب الصدف نزل القرآن بلغتها الأم دون أن يتمكن من تهذيبهم على كل المستويات.

الإسلام إسلامات متعددة، منها إسلام الفقهاء الذي ينقسم هو الآخر إلى شيع وقبائل، ثم نجد إسلام المتكلمة، فإسلام الفلاسفة، وأخيرا إسلام المتصوفة، والحال أن كل نوع من الأنواع الأربعة حاول أن يجد لنفسه موطئ قدم إما بكسب رضى السلطة الحاكمة، أو البحث عن اعتراف العامة، أو التغاضي عن هاته العامة لصالح الانتماء النخبوي، لكن بين هذا وذاك سجل لنا التاريخ ما سجل، لينتصر إسلام الفقهاء مستفيدا من شعبويته من جهة، ثم قربه الكبير من عقلية العامة من جهة ثانية، من ثمة هل يمكن اعتبار ما آل إليه الإسلام كدين سببه انتصار إسلام الفقهاء؟ وإذا تم التسليم بذلك، فما هي بنية هذا النمط أو قل هذا النظر؟ هل المشكل في الإسلام نفسه، أم في طريقة تصريف هذا الإسلام، أم في الذين استقبلوه كدين توتاليتاري/ كلياني totalitaire؟

لنعد إلى المتن الأصلي، أي إلى الفكرة العامة التي يتأسس عليها هذا الدين، مركزين طبعا على النص القرآني لوحده، على ماذا يتحدث؟ وما هو جديده؟ إلى ماذا يرمي وما هي غاياته الكبرى؟ إن أهم خطاب يطغى على النص القرآني هو خطاب المنع والتحريم، وخطاب الوعد والوعيد، ثم خطاب العبرة والمثال.. فهو إذن كتاب في الأخلاق البسيطة، وهو ثانيا كتاب في القوانين العامة، ثم أخيرا هو كتاب/قصة، وهو الأمر الذي جعل منه نصا جامعا مانعا، أي جامعا لتهذيب الأخلاق، ولتأديب الناس، ثم لتذكيرهم بما حصل للأقوام السابقة.

تقول إحدى القواعد أن الأمور التي نتحدث عليها كثيرا هي التي نفقدها بشدة، والحال أن النص القرآني لم يخرج عن بنية الثقافة العربية المتميزة بالغلظة والشظف والعجز عن مجابهة الواقع، والميالة إلى الرغد وتزجية الوقت في الملاهي بل وتلخيص الحياة في الاستمتاع لا غير، من ثمة قد لا نتعجب أن القرآن يدعو هذا القوم إلى ما لا يوجدون عليه مسبقا، حيث نحرم عادة ما هو سائد، ونسعى دوما إلى ما نحن لسنا عليه، أي أن النص القرآني لا يجب أن يخرج عن هذا الإطار ألا وهو تهذيب قوم من الصعب تقويم اعوجاجاتهم، وهي التي لازلنا نراها لحد الساعة، كالجمع بين النصب والعبادة، بين الكذب والحث على الفضائل، بين تكريس العنف والخوف من مجابهة الحقائق الصادمة، بين النفاق والتظاهر باللطف ودماثة الأخلاق.. والحق أن هاته المظاهر لهي علامة على وجود شيء ما غير مفهوم، بل وإذا حاول شخص ما الخوض فيه تعرض إلى كل أشكال الإقصاء سواء المادي منه أو المعنوي، خاصة وأن من سمات الإنسان الضعيف هو خوفه من اصطدامه المباشر بالحقيقة.

الإسلام اليوم يعاني من عدة أمراض لا حصر لها، فهو إسلام العنف الذي بدل أن يساءل ضعفه وتخلفه ورياءه، تراه في كل لحظة يتحالف مع هذا كي يدمر ذاك، يؤلب فلان عن علان، يصفي بطرق جبانة ثم يحتفل في نهاية الأمر بالهزيمة دون السعي إلى التفوق.. ثم إنه مرة أخرى إسلام الأوهام الذي يستغل ضعف شريحة من الناس إن على المستويين الفكري أو الاقتصادي كي يغسل أدمغتهم فيتحول الفقر من محرك إلى قنبلة موقوتة، ويتحول الجهل من الرغبة في التفكير وإعمال العقل إلى تعصب لدرجة الإرهاب..وثالثا الإسلام تحول إلى صراع عن الأحقية، كل جماعة تعتبر نفسها الناطقة الرسمية به، وكل فرد يجعل من نفسه شارحه ومفسره.. وأخيرا وهو الأخطر، الإسلام أصبح قتلا للنص القرآني لصالح السنة التي باتت اليوم عنوانا له، وتسليم بما اختلط فيها من شوائب دون الجرأة على التفكير المنطقي. كلنا نعلم تعصب السنة، وكلنا نعلم أيضا كيف استغلت جهل الناس لتبسط يديها على ما تبقى من أمل..

إن بين كل هذا وذاك، يجد الإصلاح الديني في نفسه ضرورة ملحة توجب أن تجد لها حاملا فكريا وآخر سياسيا، وثالثا اقتصاديا، الإصلاح إعادة ترتيب لما وقعنا فيه سلفا، ودعوة إلى تغليب العقل على القيل والقال، كما أنه تجسيد لنزع القداسة عن أشخاص لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ليس الإصلاح هدما كما قد يعتقد، بقدر ما أنه نهضة ترسم الحدود، وعقل يرسم اللاحدود، ولغة تنتصر للإنسان كحياة وليس للإنسان كوعد يغلب عليه الوهم أكثر من الواقعية، فلنعد إلى الآن ولنكف عن قتله والاعتقاد بأننا مركزا، في حين بتنا مجرد رقم مهمل في معادلة كبيرة.. من ثمة فإن أول خطوة ليس لها التحقق إلا بفصل الدين عن الحياة بصفة عامة، بفتح عين العقل وإغلاق رموش الجهل.. إما هذا وإما ذاك..

شاهد أيضاً

هابرماس والتبرير الفلسفي للديمقراطية (1)

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ كان يورغن هابرماس ملتزمًا دائمًا بالديمقراطية الراديكالية. تهدف هذه الدراسة إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *