الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / الفلسفة المنفتحة عند غاستون باشلار

الفلسفة المنفتحة عند غاستون باشلار

نجيب جيهان – باحثة مغربية

يعد غاستون باشلار من أهم الفلاسفة و العلماء البارزين في الساحة الفكرية وذلك بفضل أعماله ودراساته في فلسفة العلوم ويرجع له الفضل في توضيح كتير من القضايا العلمية التي كانت مطروحة للنقاش بين العلماء و الفلاسفة خلال القرن العشرين.

تميز بحسه النقدي وتجلى ذلك في مراجعته لبعض المفاهيم التقليدية الموروثة واستخلاصه أن داخل مجال المعرفة العلمية لا يتوصل العالم إلى الحقائق المطلقة وإنما العلم هو دائما في حالة تطور تاريخي وهي إشكالية يصعب على الفلاسفة استيعابها كونهم ضلوا حبيسي المفاهيم التقليدية.

من هنا نجد أن غاستون باشلار قام بمحاولة الربط الوثيق بين النزعة التجريبية و النزعة العقلية فالأولى في حاجة إلى أن تعقلن و الثانية في حاجة إلى تجربة و بما أن أحد كتبه الهامة هو الكتاب المعنون ب العقلانية التطبيقية حسب ترجمة بسام هاشم فسنحاول أن نعطي نظرة بسيطة حول كيفية تطبيق منهجه على نظرية المعرفة ولعل الجميل في فلسفة باشلار هي أنها فلسفة متفتحة متعالية عن كل دوغمائية وعليه السؤال سيكون:

ماهي حقيقة الإبستمولوجيا الباشلارية؟ وفيما تتمثل الفلسفة المفتوحة عند غاستون باشلار؟

1-الإبستمولوجيا الباشلارية:

لقد أنتج باشلار مفهوما جديدا عن الأبستمولوجيا لا يخالف كليا تصورات معظم الذين كتبوا حول العلم فحسب ولكنه يؤسس أيضا كنتيجة لفعل التعارض و الاختلاف ذلك حقلا إشكاليا جديدا , نأخذ فيه الهيئة العامة للخطاب الفلسفي حول العلوم و الممارسة العلمية وجها مغايرا لا عهد للفلسفة به. أي أنه مفهوم جديد يقيم إشكالية جديدة تمنح لهذا الخطاب وضعا متميزا يتمثل فيما يمكن أن نسميه بالممارسة الأبستمولوجيا لباشلار حيت انبنت هذه الممارسة على موقف خاص من المعرفة العلمية إذن:

 ما هو هذا الموقف؟

يتجلى هذا الموقف في نبذ كل تصور أيا كانت قيمته الفعلية عن فلسفة جاهزة خارج الممارسة العلمية لا تعنى بالعلوم إلا من أجل البحت فيها عما يؤكد أو يستعمل للتمثيل على ميتافيزيقا الروح أو العقل .هو الكيفية التي تحصل بها المعرفة الإنسانية عامة .هذا هو المبدأ المركزي الذي ينتظم القول الباشلاري ويوجه منطق التفكير فيه.

نفهم من هذا أن الأبستمولوجيا التي يمارسها باشلار تحدد لنفسها هدفا أوليا يتمثل في تفكيك شامل لآليات اشتغال النص الفلسفي الكلاسيكي من حيت أنه يتضمن بالضرورة فلسفة للعلم.

لقد وجه باشلار نظرته إلى تلك الفلسفات التقليدية التي لم تعر أي اهتمام يذكر لتاريخية المعرفة العلمية وعندما نعلم أيضا أن حتى فلسفات العلم المتأخرة )دوهيم و كونت…(لم تولي للتاريخ أي اهتمام يذكر إلا ما كان من تصوره كتعاقب زمني حيت أضحت الاكتشافات و التي تم توظيفها بصورة غيبية لأغراض ميتافيزيقية بعيدة أشد البعد عن المقاصد الحقيقية للممارسات العلمية مما يجعلنا ندرك أن عمق التحول الذي أحدثه الفكر الباشلاري في موضوع أساسي هو الحديث عن العلوم الذي هو الأبستمولوجيا  من حيت أنها تنطوي على بعد تاريخي أساسي فيها.

وقد تجلى ذلك بشكل عام أن باشلار قد قام بربط نظري قوي بين الأبستمولوجيا و تاريخ العلوم لأن الأمر هنا يتعلق بتفكير المفاهيم والذي يعني من جملتها دراستها أبستمولوجيا وتاريخيا في الآن ذاته. وبالتالي بفضله لم تعد المقاربة الفلسفية للعلوم و المعارف تصدر عن الخلفيات و القبليات الأنطولوجية , بل أصبح شيئا آخر مختلف في موضوعاته ومناهجه ويكفي أن ندكر هنا دراسات ميشال فوكو حول الشروط العامة لظهور المعارف التي تنخرط كلها في مجال الإشكالية التي حدد معالمها التدخل الباشلاري وتستلهم معطيات التفكير في قضاياه.

1-1-الجدال الباشلاري للفلاسفة:

لاشك أن باشلار لم يكف يوما عن مهاجمة الفلاسفة على امتداد الربع القرن من الزمان الذي انصرف اهتمامه فيه إلى إقامة  أبستمولوجيا علوم الطبيعة المعاصرة فمن ديكارت إلى سارتر مرورا بكانط وهيغل وصولا إلى وليام جيمس حيت لا أحد منهم أفلت من سهام النقد الباشلاري.

لكن لماذا هذا الجدال ضد الفلاسفة؟

“لأن في الوقت التي كانت العلوم الفيزيائية و الرياضية تشهد فيه تحولات جدرية وسريعة خلال فترة قصيرة بالقياس إلى ماضيها التاريخي كانت الفلسفة لاتزال كعادتها تنشد بشتى الأشكال  و الصيغ مجدها في انغلاقها على منظومة من توابيتها التقليدية”[1].

لذلك يدعو باشلار أنه إذا كان العلم يغير في لحظات أساسية من تطوره محتوى  مفاهيمه لتصبح معرفته بموضوعاته أكتر عمقا ودقة فإن على التفكير الفلسفي أن يتغير جذريا .

إن ما يميز التدخل الباشلاري على هذا النحو هو خلوه من الارتكاز في الأساس إلى أية مسبقات فلسفية.

2-التصحيح في فلسفة باشلار:

2-1 – أسبقية الخطأ عن الحقيقة عند باشلار:

إن أسبقية الخطأ عن الحقيقة هي مسألة أساسية في أبستمولوجيا باشلار حيت يتبلور تصوره في إطار التأكيد أن العلم لم يصل إلى الحقيقة إلا من خلال تجاوز اللاحقيقة أي تصحيح الخطأ و بالتالي يكون الخطأ أولا تم يأتي التصحيح ثانيا , أي الحقيقة العلمية فأساس الاكتشافات هو تصحيح أخطاء العلم .تقول غادة الإمام في كتابها باشلار وجماليات الصورة: “أن الحقيقة عند باشلار هي شكل من أشكال المعرفة التي لا نستطيع أن نسير على دربها إلا في إطار النظر لعلاقتها باللاحقيقة”.[2]

كما نجد باشلار يصر بأنه لا توجد حقيقة بدون خطأ مصحح فنجده يؤكد إن بسيكولوجية الموقف الموضوعي هو تاريخ أخطائنا الشخصية. تم إن للخطأ دور إيجابي في المعرفة العلمية وهذا ما عبر عنه في كتابه العقلانية التطبيقية لغاستون باشلار  ترجمة بسام هاشم. حتى الخطأ يأتي ليلعب دور المفيد في تقدم المعرفة.

إن مفهوم التصحيح يشكل أحد الثوابت التصور الباشلاري لسيرورة الإنتاج المعرفي العلمي حيت يقول :”إن المعرفة العلمية الحقيقية في هذا التصور أي التصحيح الباشلاري لا يمكنها إلا أن تكون تصحيحا لمعرفة سابقة أولية تظهر بعد تكون الأولى على أنها لم تكن سوى أخطاء أولية”[3]

نستنتج من هذا أن “الحقيقة حسب ما وصفها باشلار لا تتحقق إلا من خلال الحوار وبالتالي فهي  علاقة جدلية تتم بين متناقضين أي الحقيقة واللاحقيقة.

فالتفكير العلمي هو تفكير جدلي يدمر قبل أن يبدع وهذه المرحلة التي يمر فيها الانتقال من التدمير إلى الإبداع يطبعها الطابع الثوري للعلم”[4]

يعني  هذا أن التقدم العلمي يتم من خلال الصراع بين القديم و الجديد أي بين الخطأ و الصواب , ويتبلور هذا الصراع على السلب أو الرفض أو اللا التي أصبحت تعبر عن على أن الفكر الغربي لم يكن يستطيع الوصول إلى هذا التقدم دون ثنائية الخطأ و الصواب. ورفض المعرفة السابقة وإعادة بناءها بناءا جديدا مخالفا للسابق: “وبالتالي فإن الحقيقة العلمية ليست مجرد صورة تجريبية عفوية وإنما الفكر العلمي لا ينشط إلا بتقويض الفكرة السابقة وإعادة بناء فكرة بديلة فلا وجود لحدس أول”.[5]

وهكذا “فإن المفهوم العلمي لا يمكنه أن يتكون إلا حين يكون قادرا على تقويض مفاهيم قديمة , سابقة لم يعد بإمكانها إنتاج مقاربة دقيقة للموضوع” [6]

لذلك فعندما نتساءل عن الكيفية التي يتم بها فعلا هذا الانتقال من  مفهوم إلى مفهوم , فإننا نجد باشلار يحددها على  أنها الانتقال من نظام التقريب إلى نظام آخر وبعبارة أخرى فإن تصحيح المفهوم يرتبط  بالانتقال من تقريب أول إلى تقريب تان.

2-3 مفهوم الواقع عند باشلار:

“يؤسس باشلار واقعه العلمي على أساس الجمع بين العقل و الواقع وهي ضرورة فرضتها عقلانيته المطبقة وله كتاب بهذا العنوان ترجمة بسام الهاشم و التي يتمسك غاستون بكونها الفلسفة المناسبة للعلم حيت رفض النزعة العقلانية ورفض النزعة التجريبية كاشفا عن نزعة تجمع بينهما في صياغة الحقائق العلمية وهذا هو أساس العقلانية التطبيقية عند  غاستون”. [7]

على هذا النحو ندرك أن نتأمل العمل العلمي أن المذهب الواقعي و المذهب العقلي يتبادلان النصح باستمرار وأن مذهبا منهما لا يستطيع وحده أن يؤلف برهانا علميا.

وبالتالي يمكن القول إن الواقع العلمي لدى باشلار تشكل نتيجة العلاقة الجدلية المستمرة في مراحل العقل العلمي و الواقع العلمي.

3-الفلسفة المنفتحة لذى باشلار :

لعل انطلاقا مما سبق أن الفلسفات السابقة حسب باشلار وانطلاقا من نقده لهذه الفلسفات التقليدية لم تستطع أن تساير التطور العلمي المعاصر مما دفعه إلى بناء عقلانية مطبقة حاول الجمع فيها بين عمل العقل و عمل التجربة وربط بينهما. وهذا ما يشيره في كتابه العقلانية المطبقة و التي سبقت  له الإشارة يقول: “أن  هذا  اليقين الثنائي الجوهري ولئن نقص أحد  الطرفين فإن بالإمكان القيام بتجارب كما بالإمكان ممارسة الرياضيات لكن هذا لا يمتل مشاركة في النشاط العلمي فلا يستطيع هذا اليقين الثنائي أن يعبر عن نفسه إلا بفلسفة ذات حركتين , بل بواسطة حوار”.[8]

وهكذا تأسست العقلانية المنفتحة أو الفلسفة المفتوحة وتجلى أساسا في كسر ذلك الحاجز القائم بين العقل و التجربة لتأسيس صرح علمي متجاوزا  بذلك الفصل بين العقل و التجربة ومن هنا جاء المشروع الباشلاري بإقامة  فلسفة  جديدة مطابقة لعلوم العصر متجاوزا بذلك الدوغمائية الفلسفية القديمة وعوضها بحقيقة ديالكتيكية جديدة ذات طابع انفتاحي وحواري .أي أن العقل العلمي هو عقل جدلي و النظريات العلمية لا تتطور إلا بالجدل و النفي .حيت أن أساس أبستمولوجيا باشلار هو رفض القديم و الانفصال عنه ليس بالمعنى الانفصال الجدري وإنما جدلي بمعنى القدرة على احتواء القديم في الجديد ويتجلى هذا في تاريخ العلم الفيزيائي بين مفاهيم نيوتن وآينشتاين فمثلا فيزياء نيوتن لم تلغى وإنما قامت على تصحيح الخطأ. وأبستمولوجيا غاستون هو :”أن تاريخ العلم هو تاريخ تصحيح الأخطاء”. [9]

وبالتالي فإن المعرفة العلمية تدور في حركة دائرية فكلما تم التوصل إلى نظرية معرفية جديدة إلا وتبنى على أنقاضها نظرية أخرى تفند السابقة ويتم تجاوزها.

من هنا نكتشف أن  فلسفة النفي عند باشلار ترفض الوضع كما هو وتسعى إلى الكشف عن الجديد. حيت يقول غاستون باشلار “أن فلسفة النفي ليست من الناحية السيكولوجية نزعة سلبية ولا هي تقود إلى تبني العدمية إزاء الطبيعة بالعكس من ذلك هي بناءة”: [10]

ينتقد باشلار مختلف المذاهب المثالية و الواقعية التي تهتم بالبحت في ميدان المعرفة بالشروط التي تجعل المعرفة الموضوعية ممكنة .كما ينتقد التدخل الفلسفي في العلم. وقد أشار في فلسفة النفي إلى عقم استخدام الأنساق الفلسفية وخاصة التفكير العلمي في فهم تطور الفكر العلمي, بأن هناك تعارض بين خاصية الأنساق الفلسفية و خاصية التفكير العلمي. فلأنساق الفلسفية تمتاز بغائيتها بينما التفكير العلمي لديه حقيقة نهائية. وهذا ما يعنيه باشلار حينما يقول: “لتنقية المعرفة ينبغي استخدام مناهج جديدة بالمرة… وفي بعض الأحيان فإن وجه الصعوبات يتغير تماما حين تستعمل مناهج مختلفة…”[11]

إن ما يميز الفكر العلمي هو اعتماده على مناهج علمية دقيقة مضبوطة لذلك تكون نتائجه يقينية حقيقية , بينما الفكر الفلسفي يبقى رهين وحبيس التأمل الذاتي مما يضفي على العلم طابع الإنفتاحية بخلاف الفلسفة.

إن باشلار يتجاوز مسألة الفلسفات العقلانية ليفكر في الواقع الذي يرى أن مصدر الحقيقة هو الموضوع المعطى في التجربة. إن باشلار هنا يكشف عن أصالة الممارسة الإبستمولوجية حيت يتم التفكير فيها جدليا ضدا على الأطروحات المتداولة, وعندما نقول بأن العلم يدرس الواقع الموضوعي فإننا في الحقيقة نعني بالواقع شيئا لا يمت بصلة أيا كانت إلى ما تفيده كلمة واقع في المجال التداولي لدلالاتها العادية .ونحن سبق أن عرفنا كيف أن الكانطية قد عملت في الماضي على وضع حاجز سميك أمام التفكير في هذا الواقع الموضوعي , أنه لا يمكن للعلم أن يزعم بلوغ دائرة أوسع من العالم الحسي ومن ثم فإن موضوع العلم يأخذ مادته من الحساسية وصورته من الفهم وعرفنا كذلك كيف أن الكانطية قد حددت بناء على هذا المنظور لنتائج العلم مسبقا الحد النهائي الذي لا يمكن أن يكون قابلا للتجاوز :أي ليس باستطاعة العلم أن يقول أية شيء حول الواقع نفسه.

إن أبستمولوجيا غاستون جاءت مخالفة لهذا التصور حيت نوه إلى مسألة أساسية وهو كيف يخرق العلم المعاصر هذا المنظور الكانطي ليصير في فهم باشلار علما بالنومين أي بالظاهرة باعتبار أن الموضوع العلمي على هذا النحو يكون ظاهرة أو نومين تبعا لكونه مدركا أو مفكرا فيه. لذلك فإن أهم ما ميز فلسفة باشلار أنها بمثابة فلسفة الفكر العلمي المعاصر و الذي من أهم ما يتصف به هو التفتح وقبول نظريات جديدة وهذا ما أكده يقول باشلار : “… تكون هذه العقلانية متفتحة بالقدر الكافي لتلقي تحديدات جديدة من التجربة.”[12] وبالتالي ما نفهمه من هذا الكلام أن انفتاحية عقلانية غاستون ينحوا منحى اتجاه فلسفي فغاستون لم يتجاوزها ولكنه أخد ما رآه مناسبا من مفاهيم ومقولات فلسفية لفهم اكتشافات علمية جديدة. و بالتالي فإن البناء العام للأبستمولوجيا التي يدعوا إليها غاستون هو الفلسفة المفتوحة. والتي شكلت محورا أساسيا في كتب باشلار وخاصة في كتابين أساسيين: “الفكر العلمي الجديد” و “كتاب فلسفة الرفض”. حيت كان الهدف من هذه الفلسفة المفتوحة هو رد الاعتبار للفلسفة القديمة و للتأخر التي كانت تعيشه , فأعطت بذلك صورة جديدة لها يؤسس عليها العلم صرحه العلمي الدقيق . وبالتالي فإن تاريخ العلم هو تاريخ سيرورة وتطور وانفتاح وهو بهذا يرفض غاستون كل تصور يعتبر نفسه كاملا لا يقبل الانفتاح فتطور العلم هو تطور في إطار فلسفة مفتوحة.

خلاصة القول إن أساس تكوين علمي جديد في أبستمولوجيا غاستون باشلار هو محاولة التوفيق بين الفلسفتين العقلانية و التجريبية من خلال التكامل بينهما من جهة ومحاولة بناء ثقافة علمية جديدة باستمرار حسب متطلبات العصر و عوامله الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية…

إن استخدام المنظومات الفلسفية في مجالات بعيدة عن منبعها الفكري يكون دوما عملية تتطلب دقة ومهارة وهو في الأغلب عملية مخيبة للآمال فالمنظومات الفلسفية عندما تخرج عن سياقها تصبح عقيمة و مضللة إنها تفقد فعاليتها كأنساق فكرية  ,تلك الفعالية التي نستشعرها عندما ننظر إلى تلك الأنساق في أصالتها الحقة بنظرة تتصف بروح الأمانة الدقيقة التي يتقيد بها المؤرخ لذلك لا يجب استعمال منظومة فلسفية من أجل أهداف غير تلك التي ترصدها هي لنفسها , وحينئذ سنجني على الفكر الفلسفي أكبر جناية , إذا ما نحن تجاهلنا تلك الغائية الداخلية وتلك الغائية الفكرية التي تنفخ الروح في المنظومة الفلسفية وتعطيها قوتها ووضوحها . ولو أننا حاولنا بصفة خاصة أن نسلط الأضواء على مشاكل العلم عن طريق التفكير الميتافيزيقي , إذا ما دعينا بمزج نظرية العلم بنظرية الفلسفة , نجد أنفسنا مضطرين لتطبيق فلسفة تكون بضرورة فلسفية غائية ومنغلقة على فكر علمي متفتح وهكذا قد نسيئ إلى الجميع: نسيئ إلى العلماء و الفلاسفة و المؤرخين , فالعلماء لا يعيرون أي اهتمام لكل إعداد ميتافيزيقي وهم يعلنون أنهم يقبلون الدروس التي تمليها عليهم التجربة إذا كانوا يهتمون بالعلوم التجريبية أو المبادئ التي تفرضها لكن ما أن يتوضح العكس حيت حينما يكون العالم في مراحله الأولى لتأسيس نظريته العلمية فهو يقوم بدور الفيلسوف حيت يكون في صراع مع الأسئلة و الدهشة و الفرضية… وهو بهذا يستند على الفيلسوف في مرحلته الأولى قبل دخوله للمختبر.

يدفعنا هذا الطرح إلى استخلاص أن أبستمولوجيا باشلار هي فلسفة النفي التي تقول لا لعلم الأمس و الطرق المعتادة في التفكير ولا تأخذ الأفكار البسيطة على أنها أفكار بسيطة فعلا , يجب التسليم بها هكذا دون مناقشة بل إنها تجتهد في نقد هذه البسائط نقدا جليا لتكشف عما تنطوي عليه من غموض لكن ذلك كله لا يعني أنها فلسفة سلبية يقول باشلار: “في الواقع يجب أن نبين دوما إلى أن فلسفة النفي ليست من الناحية السيكولوجية نزعة سلبية وهي لا تقود إلى تبني العدمية , إزاء الطبيعة فهي بالعكس من ذلك فلسفة بناءة سواء تعلق الأمر بنا نحن أو بما هو خارج عنا , فلسفة ترى في الفكر عامل التطور عندما يعمل.

إن التفكير في الموضوعات الواقعية معناه الاستفادة مما يكتنفها من لبس و غموض قصد تعديل الفكر و إغناءه و تجديل الفكر “تطبيق الديالكتيك عليه معناه الرفع من القدرة على إنشاء الظواهر الكاملة إنشاءا علميا وعلى إحياء جميع المتغيرات المهمة التي كان العلم والفكر الساذج قد أهملاها في الدراسة الأولى “[13]

وبالتالي ففلسفة باشلار ترفض كل تصور علمي  يعتبر نفسه كاملا نهائيا , بل يعتبر أن العلم بناء يبنى على الدوام و يعاد فيه النظر باستمرار.

إن من الضروري القول أن على الفلسفة التي تريد أن تنسجم فعلا مع الفكر العلمي المتطور باستمرار أن تعمد إلى دراسة ما تحدته المعارف العلمية من تأثير و رد فعل في بنية الفكر.

هنا يتضح الدور الذي تلعبه الفلسفة في بنية العلوم ومع بنية الفكر وتطوره وهنا سنجد المواقف المتعارضة ذاتها , فالعالم يعتقد أنه ينطلق في بحته من فكر لا بنية له , فكر خال من أية أفكار قبلية , أما الفيلسوف فهو ينطلق في الغالب من فكر ثم بناءه فكر يتوفر على المقولات الصورية لفهم الواقع.

وما يمكن قوله  عموما أن الإبستمولوجية الباشلارية قد كرست جهدها في دراسة الثورات العلمية المعاصرة خاصة في مجالات الهندسة , والفيزياء , والكيمياء , وبصورة أقل المنطق مع قيامها بارتدادات تاريخية للمقارنة بين حالة العلم الراهنة وحالاته السابقة بغية الوقوف على القيم المتحكمة في العلم في كل مرحلة من تاريخه.

إن أبستمولوجيا أو فلسفة العلم عند باشلار هي دراسة الشروط الممكنة لإنتاج المعارف العلمية , ويكون هذا عن طريق معرفة الحقيقة للعلم وهكذا يمكن للأبستمولوجيا أن تستقل عن مباحت الفلسفة التقليدية التي وصفها باشلار بالانغلاق و الجمود و الاستغلال السيئ لنتاج العلم في حين أن الفكر العلمي متفتح و متطور على الدوام , ولذلك وجب أن يكون لكل علم أبستمولوجيا خاصة. لا وجود لعلم هكذا… فالعلم متخصص , والعقلانية المطبقة مهمتها التركيب الجدلي بين العقل و الواقع .

لقد أرادت الأبستمولوجيا الباشلارية تكوين عقل علمي قائم على قيم الثقافة العلمية المتجددة باستمرار حيت تنتقد به العقل التقليدي الذي يعمل وفق مبادئ منطقية صارمة للعقل عند باشلار هو في حد ذاته نتيجة من نتائج  العلم, وتغيير هذه النتائج يؤدي إلى تغيير العقل نفسه , فليس هناك عقل ثابت ولا معرفة ثابتة , فكانط حيت تحدت عن المبادئ القبلية للعقل المجرد بنى فكره على ثقافته الرياضية الفيزيائية في عصره و بالتالي لا يمكن وضع منهج قبليا , يفرض على العالم إتباعه فالمنهج العلمي كذلك انعكاس للثقافة العلمية السائدة في مرحلة ما من مراحل الفكر , المنهج مرتبط بالممارسة الواقعية للعلماء وهذه الممارسة تتطلب تعددية منهجية قابلة للتعديل المستمر , باعتبار الرياضيات أرقى العلوم تجريدا على الباحث العلمي أن يفكر بالواقع بطريقة رياضية , إذ إن الفكر العقلاني المجرد بإمكانه أن يقترح امكانيات جديدة للواقع , وعلى العالم أن يثبت هذا الواقع نظريا ثم يتحول إلى تأكيده تجريبيا , و التجربة العلمية بهذا الصدد تعتمد على أدوات وتقنيات هي في حد ذاتها تطبيق لنظريات علمية و الواقعة العلمية باعتباره موضوع مركب و معقد , فليس تمة ظاهرة بسيطة وواضحة، فالواقعة العلمية بناء نظري صالحة للاختبار التقني.  فما هي أهم الانتقادات الموجهة لفلسفة غاستون باشلار؟

 [1] “غاستون باشلار، تكوين مفهوم الممارسة الإبستمولوجية، ترجمة محمد هشام.

[2] غادة الإمام، باشلار وجماليات الصورة دار التنوير لبنان ط1 2010ص 53

[3]  مرجع سابق، تكوين مفهوم الممارسة الأبستمولوجيا عند باشلار ترجمة محمد هشام ص 69

[4]  مرجع سابق،غادة الإمام،  باشلار وجماليات الصورة  ص53.

[5]  ابستمولوجية المعرفة العلمية عند باشلار، ترجمة رافد قاسم هاشم ص 199.

[6] تكوين مفهوم الممارسة الإبستمولوجية عند باشلار ترجمة محمد هشام ص 71.

[7] الفكر العلمي الجديد،  ترجمة عادل العوا ص 12

[8]  العقلانية المطبقة، من الفصل الأول الفلسفة المتحاورة ص 31.

[9]  مرجع ستبق،تكوين مفهوم الممارسة الإبستمولوجية ص 20

[10] ابستمولوجيا المعرفة العلمية عند غاستون باشلار، ترجمة قاسم رافد هشام، ص 292

[11]  تكوين مفهوم الممارسة الإبستمولوجية ،ّعند باشلار، ترجمة محمد هشام.

[12]  مرجع سابق، العقلانية المطبقة ترجمة محمد هشام ص 32

 [13]  غاستون باشلارفلسفة الرفضترجمة :خليل أحمد خليل ص  77

شاهد أيضاً

حوار مع جان بول سارتر: حياة من أجل الفلسفة

ترجمة: الحسن علاج في 1972 ، ارتأى بول أ . شيلب Paul A.Schlipp) (، الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *