الرئيسية / أدب وثقافة / مساهمات / عمود سقط اللوى  بقلم: هادي معزوز

عمود سقط اللوى  بقلم: هادي معزوز

هادي معزوز

مقدمات لثقافة في ظلام التاريخ

لنتأمل هذا الفضاء الشاسع الممتد من بحر الخليج إلى بحر المحيط، ما الذي حصل له بعض ومضة صغيرة من اليقظة؟ لماذا يخالف منطق الطبيعة؟ فيأبى أن يحقق لنفسه طفرة une mutation، كما يرفض إن بوعي أو بغير وعي، الانخراط في تيار التطور، هل يجب أن نكون تراجيديين لنرضى بهذا الذي نعيش تحت وطأته؟ فنعدو أوديب الذي قبل بما حصل له وفي نفس الوقت لم يقبل به..

جميل أن تفوز، ومفيد أن تنهزم أو تفشل، لكن من المؤلم أن تبقى معلقا بين السماء والأرض، أن تريد ما لا تريد، كما لا تريد ما تريد.. ربما هذا هو عنواننا اليوم كما البارحة، مع مؤشرات إمكان حدوثه غدا..

كيف سنفهم هذا التشظي؟ هاته الانفلاتات غير المرغوب فيها، وكل ما سمعناه وما رأيناه وما سجله التاريخ، على العموم من الأجدر أن نكون شجعانا كي نعترف ونقول أمام الملأ بكل ما أوتينا من جرأة: السبب هنا وليس خارجا، وما ثقافتنا اليوم سوى رد للصدى نفسه، صدى طيش الأجداد، ورعونة الآباء، وتفاهة جيل بأكمله..

كلنا عنوان لهاته الأرض، فلنتأمل ترابها الذي إن لم يختلط بدماء الماضي، فقد اختلط بدموع الحاضر، والعكس بالعكس، تراب يشهد على رداءة الآن، على استسلام الماضي القريب، وعلى نخوة الماضي البعيد الجوفاء والفارغة مثل فراغ الطبول.

كلنا شهادة وتفاصيل لهاته السحنات ذات اللون القمحي، لنتأمل عيونها الذابلة التي تخجل من الاعتراف بانكساراتها المتواصلة، لنتأمل أصواتها المنهوكة بفعل الصراخ الصامت، تحت وطأة هاته الأحذية الثقيلة الجاثمة، خوفا من بطش الأيادي المتحينة دوما للضرب بدون سبب، وهروبا من الأعين التي ترصد ما تريد وتغض طرفها عما لا تريد. على العموم هذه هي ثقافتنا، بنيتنا، وعنوان عريض لواقعنا.

كل ثقافة لا تبدع فهي مجرد شيء زائد، مجرد جملة مبتذلة تلخص كل أسطر الزمن التابع والخنوع.. كل ثقافة لا تقول لا للواقع هي ثقافة لن تعطينا إلا ما أعطتنا إياه، وكل ثقافة أخيرا، تكرس ما حدث باسم الهوية والتقوقع لن تكون إلا مصنعا وآلة تنتج لنا نفس الأشخاص ونفس الأسماء ونفس الانكسارات. فما الذي يحدث بعدئذ؟ نقتل فينا الحياة، نقبر فينا روح التفكير، تكون أفعالنا مجرد ردود أفعال لا غير، نفقد فينا الحس الخلاق ونلبس ثوب إرتكاسيا يقول وينتج نفس ما أنتج قديما.. يقول جيل دولوز :” الحياة تضفي حركية على الفكر، والتفكير بدوره يؤكد الحياة.” فأنى لنا من حياة تحرك عجلة التفكير، وأين نحن من فكر يتصالح مع الحياة، ويقول لنا بكل أريحية: “أيها الناس من بحر المحيط إلى بحر الخليج، لا توجد إلا حياة واحدة يجب أن نعيشها، أن نريدها، لا أن نعلق الأمل في حياة أخرى تبرر هذا الإنكسار، فتجعل من ثقافتنا ظلاما دامسا يلج ظلام التاريخ دون عودة..

 

شاهد أيضاً

ظاهرةُ الأسئلةِ الزائفة

سامي عبد العال سامي عبد العال        لا تسقط الأسئلةُ من السماءِ ولا تنبتُ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *