الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / نـكبـة ابـن رشـد بيـن سـبب التـأويل الظـاهر وسبب الأمـر الصادر:

نـكبـة ابـن رشـد بيـن سـبب التـأويل الظـاهر وسبب الأمـر الصادر:

حفيظ بوبكر – باحث مغربي

كثيرة هي الروايات التي قيلت وكتبت عن محنة ابن رشد. المحنة التي أُهين فيها الفيلسوف واغتربت فيها الفلسفة. وقبل أن نستحضر بعض هذه الروايات، ونُميّز فيها الغث من السمين، ثم القول في السبب الحقيقي لمحنة فيلسوفنا، نرى من الضروري إلقاء لمحة خاطفة عن واقع الفلسفة ووضعية الفيلسوف قبل النكبة.

كان الجو الثقافي عامة زمن الخليفة أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن، جوا يسوده الاهتمام بالعلم وأهله، وهذا يدخل ضمن إطار إرساء أسس الدولة الجديدة الفتية، فهو المؤسس الفعلي للدولة الموحدية بعد وفاة صاحب الدعوة المهدي بن تومرت، الذي وضع اللبنات الأولى المؤسّسة لها. وهكذا فقد أولى أبو يعقوب يوسف، اهتماما خاصا بالتعليم  وخطّ  له برنامجا ونظاما؛ كلف خيرة العلماء بإعداده، وقد كان ابن رشد ضمن هؤلاء نظرا لما تحتله أسرة بني رشد من مكانة علمية مرموقة، و يقول الجابري بهذا الخصوص : ” ومن أجل رسم برنامج للدراسة في مدرسة ” تكوين الأطر ” – بتعبيرنا المعاصر – التي أنشأها في مراكش عاصمة الدولة، استدعى العلماء المختصين من مدن المغرب  والأندلس كما ذكرنا، و كان من بينهم ابن رشد، ولا بد أن يكون فيها آخرون مثله  ممن يشتغلون بالفلسفة والعلوم “[1]، ويقول كذلك : ” كان اهتمام عبد المؤمن بالثقافة و التكوين الثقافي كبيرا، فالدولة قامت أصلا على أساس دعوة فكرية سلاحها الأول الكلمة تُبلّغ باللغة العربية أو باللغة الأمازيغية ” [2].

كان هذا الاهتمام بالعلم والمعرفة السمة الأساسية التي طبعت توجهات الدولة الموحدية. وقد توارث الأبناء عن أبائهم هذه السياسة الثقافية المحمودة، فكانوا في ذلك خير خلَف لخير سلف، فها هو أبو يعقوب يوسف يقتفي أثر والده عبد المؤمن فأحاط العلماء بعظيم عنايته  واهتمامه، وهذا ما نجد شرحا له في قول الجابري : ” وانتقل هذا الاهتمام بالثقافة إلى أبناء عبد المؤمن الذين تلقوا تعليما عاليا  وانخرطوا في سلك العلماء والمثقفين في زمانهم، يعقدون المجالس العلمية للبحث والمناظرة، و كان من أبرزهم في هذا المجال أبو يعقوب يوسف الذي ولاّه عبد المؤمن على اشبيلية سنة 548 هـ  [ …] وعندما تولى هذا الأمير الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 558 هـ، انتقل إلى مراكش العاصمة ليعود إلى الأندلس سنة 566 هـ، حيث سيمكث خمس سنوات قضى جُلها في اشبيلية، مُحاطا برجال العلم و في مقدمتهم ابن طفيل و ابن رشد “[3]*. لم تتغير السياسة الثقافية للدولة حتى بعد تولي الأمير أبي يعقوب يوسف للحكم، بل زاد في ذلك خيرا كثيرا حيث ” جعل من ” إطلاق سراح ” الفلسفة  وعلومها و فسح المجال أمام الناس لتعلمها، إستراتيجية ثقافية له “[4]. هذا عن عهد أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الذي كان له عظيم الفضل على الفلسفة  والفلاسفة، فماذا عن عهد المنصور ؟

لقد استمر الأمر على هذا المنوال و ” احتفظ ابن رشد بمكانته داخل البلاط الموحدي  وصار ملازما للمنصور، مكينا عنده، وجيها في دولته، يحترمه احتراما كبيرا ويقدمه في مجالسه على كبار الدولة من الشخصيات الموحدية “[5]، بل إن السياسة الثقافية التي سلكها أبو يعقوب  وابنه المنصور كانت منسجمة تماما مع خط تفكير ابن رشد ” [6]، إلى أن جاءت تلك الفترة العصيبة التي عاشها ابن رشد و مر خلالها من امتحان صعب، إثر صدور المرسوم الأميري القاضي بنفيه  وإحراق كُتُبه الفلسفية، وهذا في حد ذاته تناقض صارخ لا يستسيغ العقل السليم فهمه أو قبوله. إذ كيف يمكن لنفس الرجل الذي أحب الفلسفة والفلاسفة وتملّكه شغف دراستها على الدوام، أن ينقلب كلية عن هذا الحب ويتنكر فجأة لهذا الشغف الذي يسكن وجدانه ؟

بمرسوم أميـري إذن، أُدين ابن رشد وحُكم عليه بالنفي، و نفيت معه الفلسفة أيضا، والتهمة هي الكُفر والإلحاد والمروق و الخروج عن المحجّة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك، و من سُخرية القدر أن يتمّ اتهام الفلاسفة  وغيرُهم من العلماء بنفس التُّهمة، عبر تاريخ الحضارة الإسلامية، الحافل بالعديد من النماذج من هذا القبيل؛ إذ يتم اللجوء إليها كوسيلة لها وزنها وفعاليتها في التخلّص من الخصُوم ومعارضي النظام القائم. وقوة هذا النوع من التهم تكمُن في اتخاذها صبغة أو غطاء دينيا، وهو ما يجعلها تخترق أوساط العامة بسهولة تامة، و تؤلّبهم ضد الفئة المُستهدفة من طرف النظام .

والواقع أن هذه التُهمة الموجهة لفيلسوفنا تهمة تحجب التهمة الحقيقية، وقصدُنا الآن أن نتعرض لفحوى المنشور الذي أصدره المنصور، وكذلك لأهم التفسيرات والتأويلات التي أُعطيت لهذه المحنة، ثم نتدرج وصولا إلى الدوافع الحقيقية  والخفية التي كانت ورائها .

لقد كانت خطة مُحكمة البناء، تلك التي أعدّها المنصور لإبعاد ابن رشد و من معه، حيث أصدر مرسوما ضمّنه جُملة من الاتهامات تصف فيلسوفنا بالزندقة و بأبشع النعوت فبعد أن ” قرر يعقوب المنصور الموحدي إلحاق الأذى بابن رشد وجماعة من العلماء وتنفيذ النكبة التي قررها لهم، أصدر منشورا يتهمهم فيه التّهمة نفسها، تُهمة الانحراف عن الدين في كتب لهم، و صفها بأنها ” مسطورة  في الضلال، ظاهرها موشّح بكتاب الله و باطنها مصرح بالإعراض عن الله (…) أسياف  أهل الصليب دونها مفلولة وأيديهم عن ما يناله هؤلاء مغلولة “[7] .

يشتمل  هذا المنشور على العديد من التهم التي لُفّقت ظُلما لابن رشد كقول صاحب المنشور : ” وقد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام [ …] فخلّدوا في العالم صحفا ما لها من خلاق، بُعدها عن الشريعة  بُعدَ المشرقين ” [8].  وقوله أيضا : ” وقف لبعضهم على كتب مسطرة في الضلال موجبة أخذ كتاب صاحبها بالشمال، ظاهرها موشح بكتاب الله و باطنها مُصرّح بالإعراض عن الله لُبّس منها الإيمان بالظلم “[9] . والأدهى من هذا كله، هو ما تضمنه المنشور من شتائم لا تستقيم في حق أهل العلم ولا تليق بمقام من صدرت منه و منها قوله:” ونشأ منها في هذه السمحة البيضاء شياطين إنسٍ “[10]، ومضى صاحب المنشور في غلوّه فقال بأن ضرر هؤلاء على العقيدة أشد وطئا من ضرر النصارى، ولم يفوته أن يُباهي الناس بيقظته وحرصه على صون العقيدة، مُبررا سرعة تجاوبه مع ملف الاتهام بأن ذلك يُعزى إلى ما يشكله هؤلاء من خطر على العقيدة الإسلامية، حيث قال : ” دبّت عقاربهم في الآفاق بُرهة من الزمن إلى أن أطلعنا الله سبحانه، منهم على رجالٍ كان الدهر قد سالمهم على شدة حروبهم […] فلما أراد الله فضيحة عمايتهم  وكشف غوايتهم وقف لبعضهم على كتب مسطورة في الضلال “[11] . وما توظيفه للفظة ” برهة من الزمن ” إلا تأكيدا لما ذهبنا إليه، و نضيف حسب اجتهادنا أن توظيفه لكلمتي “كشف غوايتهم “، ربما كان يُلمح إلى أن ابن رشد كان ينهج نوعا من ” التقية ” مع أمراء الدولة وملوكه، بمعنى أنه يُظهر الإيمان  ويُخفي الكفر، لا سيما  وأنه قد سبق لأبي يعقوب أن ناقش معه مسألة علاقة الدين بالفلسفة، ونفس الأمر بالنسبة للخليفة المنصور حيث ” كان كأبيه عالما متمكنا يجمع حوله صفوة من العلماء والمفكرين و كان يعشق الجدل و المناقشات الفلسفية  ويعقد مجالس خاصة يستمع فيها إلى آراء ابن رشد و شروحه  ولا سيما في علاقة الدين بالفلسفة “[12]  والأدهى من هذا كله أن ابن رشد قد سبق له أن أثنى على عهد أبي يعقوب في خاتمة كتابه فصل المقال و قد أدلى الجابري بملاحظة هامة في هذا الباب حيث قال : ” وبالمقابل أرّخ مقالته في جوهر الفلك بسنة 774 هـ بمراكش، وتجمع الفهارس الحديثة أن تاريخ تأليف ” فصل المقال” هو سنة 574 هـ أي في السنة نفسها التي كان فيها بمراكش مع الخليفة “[13]؛  ويخلص الجابري  بعدها إلى نتيجة مفادها : ” نحن لا نتسبعد أن يكون  قد كتبهما بطلب من هذا الأمير المتنور أو من بعض الأمراء، وهو ما يبرر تلك الخاتمة التي أنهى بها  ” فصل المقال ” و قد عوّدَنا ابن رشد أن لا يذكر أهل الدولة في كتبه إلا عندما يكون الكتاب بطلب من أحدهم، فيكون ذكرهم من مقتضيات الأدب و البروتكول كما هو الشأن في كتابه الضميمة و في شرح أرجوزة ابن سينا و أيضا في ” الضروري في السياسة ، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون “[14]

كل هذا أبرزناه حتى نُبيّن و نوضح ملاحظتنا التي نراها على قدر كبير من الصواب ، إذ يمكن أن يكون المنصور قد وظف جل أوراقه  في هذا المنشور، فحاول أن يبيّن أن الأمراء السابقين عليه قد خدَعهم ابن رشد، فوصل به الحال إلى الضرب في مصداقية إيمان فيلسوفنا ، واصفا ذلك بـ ” كشف غوايتهم ” أي أنه خلف هذا الرداء الإيماني الذي يُظهره ابن رشد هناك شيء ما يُطبخ في الخفاء على نار هادئة منذ مدة، وهذا مُحال . بعد توجيه التهم إلى ابن رشد و جماعته ( دون إثباته)، حذّر صاحب المنشور عموم الناس من خطر هؤلاء و ما يشكلونه من تهديد لدينهم، الأمر الذي يعني أن أفكار فيلسوف قرطبة وجدت لها مكانا عند بعض الناس وإن كانت أفكارا غير تلك التي اتهم بها و حُوكم بسببها ، حيث خاطب الناس قائلا : ” فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان “[15] .  ثم بعدها غيّر من حدة كلامه فانتقل إلى ما يشبه التهديد، متوعدا المتعاطين لكتب فيلسوفنا وما يعادلها من الكتب بالتعذيب  قائلا :” و من عُثر له على كتاب من كتبهم، فجزاؤه النار التي يُعذب بها أربابه و إليها يكون مؤلفه و قارئه “[16] . كان من نتائج محاكمة ابن رشد أن ُحكم عليه بالنفي إلى قرية “أليسانة ” التي يسكنها اليهود وهي قرية تقع قرب قرطبة، وعن دوافع اختيار هذه  القرية ذات الغالبية اليهودية دون غيرها يُحدّثنا فريد العليبي  قائلا : ” و تذكر هذه الرواية الإخبارية أن ابن رشد قد حكم عليه بالنفي إلى قرية لا يسكنها غير اليهود، في إيماءة من جلاديه إلى  أنه  ليس من المسلمين (…) أي أن التشنيع به قد بلغ منتهاه وصولا إلى تصويره في ثوب من لا علاقة له بالملة، فأصوله اليهودية هي التي جعلته يمرق عن الدين الإسلامي “[17] .

تعددت التفسيرات والتأويلات التي حاولت أن تقف على أسباب المحنة وكلها استندت إلى مجرد تخمينات و روايات جاءت ” في كتاب الرجال  والطبقات، وأذكر منهم على وجه الخصوص حكاية كل من ابن أبي أصيبعة و ابن الآبار  وعبد الواحد المراكشي و غيرهم . “ذلك أن هؤلاء الكتّاب اعتبروا أن سبب نكبة ابن رشد يعود بالأساس إما إلى قوله بـ ” أن الزهرة أحد الآلهة ” حين كان يفسر مؤلفات أرسطو، أو إلى قوله ” لقد رأيت الزرافة عند ملك البربر ”  أو ربما عندما كان يخاطب الخليفة و يتجرأ بالقول له ” تسمع يا أخي “”[18].

إن من بين التأويلات التي  وصفناها في عنوان هذا الجزء من بحثنا بـ ” سبب التأويل الظاهر “، تلك الرواية التي تقول بأن ابن رشد قد وصف الزرافة في كتابه ” الحيوان” وقال ” رأيتها عند ملك البربر وهو ما أغضب المنصور فأجهز عليه و أبعده كنتيجة  لذلك، و لم تقف هذه الرواية  الطريفة عند هذا الحد بل مضت في اختلاق الأحداث مضيفة أن فيلسوفنا قد تدارك الموقف فاعتذر قائلا : ” إنما قلت ملك البرين (= بر المغرب وبر الأندلس) و قد نفى الجابري صحة هذه المزاعم بالقول : ” وهذا من التخمينات الواهية التي تكذبها الوقائع ، فكتاب ” الحيوان “، ألفه ابن رشد في اشبيلية سنة 565 هـ ، كما نص على ذلك هو نفسه، عندما كان قاضيا فيها لأبي يعقوب يوسف أي ست سنوات قبل تولي المنصور الخلافة، وخمسة عشر عاما قبل المحاكمة “[19]. هذا الطرح الذي تقدم به الجابري لم يلقى استحسانا عند الباحث محمد أبلاغ الذي أكد على أن سبب النكبة الحقيقي هو هذا الذي ينفيه الجابري، فهو يجمع بين ما قاله ابن رشد بصدد الزرافة و بين قوله ” وقد رأيتها عند ملك البربر ” و ” إذا أضفنا إلى هذا أن ابن رشد في حديثه مع أبي يعقوب المنصور لا يناديه بأمير المؤمنين بل يكتفي بالقول ” أتسمع يا أخي “، نكون أمام سببين يبدوان في الظاهر غير كافيين لجر المحنة على ابن رشد، و لكنهما عند النظر يحيلان إلى أخطر الأسباب التي أدت، ليس فقط لمحنة ابن رشد، بل للأزمة التي عرفها الحكم أنذاك، و لما تلا ذلك من أحداث “[20] *.

توجد رواية أخرى وهي تلك التي قال بها ابن أبي أصيبعة، حيث أشار إلى أن المنصور لما كان متواجدا بقرطبة، قام بتوجيه دعوة إلى ابن رشد، و لما استجاب له، عامله المنصور تعاملا خاصا، حيث قرّبه إليه أكثر مما هو معهود  وأبدى له احتراما كبيرا إلا أن فيلسوف قرطبة قد أصابه مغص في قلبه حيث أحس أن هذا التقدير المبالغ فيه ليس بريئا، بل كان ” يحس أن المنصور يضمر له السوء إذ لا بد أن يكون على علم بالوفد الذي ذهب إلى مراكش لمقابلة المنصور حاملا ملف اتهامه “[21] ، أما المراكشي في كتابه المعجب فيحدد للنكبة سببين اثنين، الأول خفي و الثاني جلي، فالسبب الخفي هو ما كان يضمره المنصور لابن رشد من أحاسيس سلبية تنم عن عدم الرضا، لكون فيلسوفنا من النوع الذي لا يكترث للبروتوكولات والرسميات كما لا يسلك سبيل المدح و الإعلاء من شأن الملوك ، يقول الجابري ” ( .. ) وما يروى من أن فيلسوف قرطبة لم يكن يتعامل معه ( المنصور )، بعبارات ” الإطراء و التقريظ “، بل بكلام من جنس ” تسمع يا أخي “[22] . أما السبب  الظاهر فهو ما يعرف بتهمة ” الزهرة أحد الآلهة ” وهذا أيضا مستبعد ما دام الأمر يتعلق بنقل أقوال أحد فلاسفة اليونان، ومعلوم أن حاكي الكفر ليس بكافر”[23]، وليس في ذلك سبب مقنع يستوجب محاكمة رجل من طينة ابن رشد الفقيه المتمرس          والمتمكن من الشريعة، وكثيرا ما نادى بضرورة احترام عقيدة المسلمين، فضلا عن تأكيده على أن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له . أما عن تفاصيل هذه الرواية فتعود إلى ما ذكره صاحب ” الذيل و التكملة لكتابي الموصول والصلة “، عبد الواحد المراكشي؛ من ما كان من سعي خصوم ابن رشد إلى الإيقاع به، فقاموا بجمع ما يعتقدون من نصوصه و عباراته أنها تُدينه، وتثبت مروقه، فأخذوها معهم مسافرين من قرطبة إلى مراكش عاصمة الدولة، التي كان يقيم فيها الخليفة المنصور حينها، ولما بلغوا مراكش، لم يتمكنوا من لقائه لأنه كان منشغلا بتجهيز جيشه استعدادا للحرب، فغادروا العاصمة في اتجاه قرطبة وما أن عاد المنصور منتصرا من معركته التي خاضها حتى عاد خصوم ابن رشد ليطرحوا القضية مجددا على المنصور، وهو ما حصل فعلا، فقاموا بتقديم ملف الاتهام مرفوقا بالنصوص التي تدينه بالخروج عن الإسلام وقد استمع المنصور لإفادتهم، ثم : ” أمر بعقد محاكمة علنية يحضرها ” طلبة مجلسه وفقهاء دولته … بجامع المسلمين، حتى يعرف الجميع أن ابن رشد ” مرق من الدين واستوجب لعنة الضالين “[24] وتجدر الإشارة إلى أن ابن رشد لم يُحاكم لوحده على حد قول المراكشي، بل كانت محاكمة جماعية، حيث تم إحضار ابن رشد و من معه ” إلى المسجد الجامع الأعظم في قرطبة، حيث انعقد مجلس القضاء، تولى توجيه الاتهام  فيه، الخطيب أبو علي بن حجاج و عرف الناس بما أُمر به من أنهم مرقوا من الدين و خالفوا عقائد المؤمنين “[25]

وانسجاما مع ما سميناه  في العنوان بـ ” سبب الأمر الصادر “، نستحضر هنا ملاحظة أساسية دالة في هذا الباب، سجلها الجابري حيث يقول : ” أما الأمر الثاني اللافت للانتباه، فهو قول الراوي عن ” المدعي العام “، إنه [ عرّف الناس بما أمِر به “]  الشيء الذي يعني أنه لم يكن يتكلّم بناء على نصوص تؤولت على ابن رشد، فاقتنع هو بكونها كافية للاتهام ، بل كان يتكلم بناء على أوامر صدرت إليه ليقول ما يُراد له أن يقول “[26] .

يظهر إذن، أنها محاكمة تم الإعداد لها بعناية شديدة، كما أن النطق بالحكم القاسي في حق فيلسوف قرطبة كانت له دوافع أخرى، و لم يكن بسبب التأويلات التي أُعطيت للعبارات الواردة في بعض نصوصه  بل كان ” المدعي العام ” يتحدث بخلفية مسبقة، وكان يُنفذ أوامر صدرت من أعلى جهاز في الدولة، وبالتالي فنحن أمام تحالف للإيقاع بفيلسوفنا، و هو تحالف بين السلطة الدينية  والسلطة السياسية، أو بعبارة أخرى بين السلطة الروحية والرعاية السلطانية، إذ ” تلجأ السلطة السياسية إلى التحالف والسلطة الدينية بحثا عن اكتساب صفات لها طابع القداسة والجلالة والسمو والتعالي، بُغية طمس صفاتها المُدنسة الدنيئة و تقع الظاهرة الدينية مباشرة تحت ثنائيات مثل القداسة والنجاسة، النعمة والنقمة، المنحة والمحنة، البركة و اللعنة “[27] . و هنا يتساءل الجابري عن هوية الشخص الذي صدر منه الأمر قائلا : فمن أصدر الأوامر، وكيف تحول الموضوع من تأويل إلى ” أوامر ؟ “[28]

اتضح بالملموس تهافت هذه الروايات كلها، في ما ذهبت إليه، وإن كان بعضها يحمل إشارات قد تُفيد في تحديد السبب الحقيقي للنكبة، لذلك يقول الجابري : ” انتهينا في تحليل الأسباب التي ذكرتها الروايات المختلفة، كتفسير لنكبة ابن رشد إلى نتيجة أساسية و هي أن تلك الأسباب لا تعدو أن تكون تخمينات  وفي أحسن الأحوال تبريرات “[29]فما عساه  يكون السبب إذن ؟

أورد الجابري نفسه في سياق حديثه عن هذا الموضوع، كلاما للمراكشي حيث قال ” (…) على أن صاحب الذيل و التكملة، يورد سببا آخر لنكبة ابن رشد يختلف تماما عن السبب الذي تحدثت عنه الرواية السابقة، سبب يورده في سطر واحد يقول فيه “: و يُذكر أن من أسباب نكبته اختصاصه بأبي يحيى أخ المنصور والي قرطبة ” [30].

واضح إذن، أن سبب النكبة لن يكون إلا سياسيا،  وقد قال الجابري شارحا ذلك : ” إذا نحن أخذنا بعين الاعتبار كون الدولة  – قديما  وحديثا – لا تتدخل في الشؤون الثقافية و الدينية في العادة، إلا بدافع سياسي، أو له علاقة ما بالسياسة، صار من الضروري بعد أن تبين لنا تهافت التهم المروية، البحث في القضية من هذه الزاوية.  إن السبب الحقيقي في نكبة ابن رشد لا يمكن أن يكون إلا سياسيا ” [31]، و هو أمر يسايره فيه الباحث عزيز الحدادي أيضا، حيث قال : ” إن الأزمة التي حاقت بفيلسوفنا كانت أزمة سياسية بالدرجة  الأولى ” [32]

تعود تفاصيل القضية، إلى تلك  الصراعات التي كانت تموج بها الأسرة الحاكمة أنذاك، حيث نشبت خلافات عميقة داخل القصر، بين المنصور وبعض أفراد عائلته الذين لم يكونوا راضين على سياسته في المنطقة، كما لم يوافقوا على كثير من الحروب التي خاضها، و قد ازدادت  حدة هذه الأزمة  بعدما أصيب المنصور بمرض عُضال يئس الأطباء من علاجه، الأمر الذي شجع أبو يحيى الذي كان حينها واليا على قرطبة، أن يعمل على حشد الدعم والتأييد اللازمين لترأسه الدولة، وهو متيقّن من أن خبر وفاة المنصور سيصله لا محالة، وهكذا عمل على ” استمالة أشياخ الجزيرة و دعاهم إلى نفسه “[33]

لم يكن ابن رشد في منأى عما يجري داخل القصر، حيث كان على علاقة بأخ المنصور أبو يحيى، ونظرا لجسامة المسؤولية التي تنتظر هذا الأخير طلب من صديقه ابن رشد أن يمده بكتاب في السياسة يكون خير مُعين له في ما هو مقبل عليه، ونشير هنا إلى أن سبب اعتماد فيلسوفنا على جمهورية أفلاطون، يرجع إلى عدم تمكنه من العثور على كتاب ” السياسة” لأرسطو، ونظرا لأن أبا يحيى كان على عجلة من أمره، قام ابن رشد بتلخيص الكتاب المتوفر . لكن السؤال الذي نطرحه هنا هو : ما علاقة هذا الكتاب بنكبة ابن رشد ؟

نرجئ الإجابة عن هذا السؤال، إلى موضع آخر، لأن الضرورة المنهجية تفرض ذلك، أما الآن فسنكمل الحديث عن الأحداث التي توالت قبل النكبة .

 

استمر مرض المنصور فترة من الزمن، ” و كان يُغمى عليه كلما أفاق سأل: هل عبر أبو يحيى أم لا؟  مما يدل على أن أبا يحيى كان المرشح للخلافة المستأهل لها “[34] ، لكن المنصور لم يكن ليسمح لأبي يحيى بأن يصل إلى سدة الحكم ؛ لهذا ” أمر ببيعة ابنه محمد الذي كان أنذاك ابن عشر سنين ” [35]؛ لكن شاءت الأقدار أن يستفيق المنصور من غيبوبته ويستعيد عافيته، وقد علِم بتحركات أبي يحيى ضده، وهذا الأخير وصله خبر شفاء المنصور، فجاء يطلب الصفح والتجاوز عن ما اقترفه، لكن ما أن وصل تم اعتقاله من طرف المنصور وأمر بضرب عنقه، ليكون عبرة لمن يعتبر وأمر بكفنه ودفنه.

 

وقعت هذه الأحداث كلها حوالي سنة 590 هـ، وبعدها بعام قدِم الوفد القرطبي كما قلنا إلى مراكش العاصمة لعرض القضية أمام أنظار المنصور فلم يفلحوا في المرة الأولى، لأسباب ذكرناها، لكنهم في المرة الثانية؛ علِم منهم المنصور خطورة الأمر فاستدعى فيلسوف الغرب الإسلامي و قرّبه إليه أكثر من المعهود، وبعدها عقدت المحكمة جلستها فتمت إدانته بالتهم المنسوبة إليه، ليتم نفيه مع مجموعة من     “الفضلاء الأعيان”، و يقول الجابري : ” نحن لا نشك في أن ملف الاتهام هذا له علاقة بحركة أبي يحيى الذي تمت تصفيته، ولا نشك كذلك في كون الشخصيات التي نكبت مع ابن رشد بدعوى اشتغالهم بعلوم الأوائل، إنما نكبت لنفس السبب : علاقة ما بأبي يحيى ” [36].

نعود إلى طرح سؤالنا : ما علاقة النكبة بكتاب ” الضروري في السياسة ” ؟

يجيبنا الجابري بالقول : ” إنه بدون شك ما قيل من أن سبب نكبته هو ” اختصاصه بأبي يحيى أخ المنصور “، ونحن نرى من مظاهر هذا الاختصاص كتابه ” الضروري في السياسة “و الذي اختصر فيه جمهورية أفلاطون و الذي يخاطب فيه الشخصية الرسمية التي طلبت منه الكتاب بقوله في خاتمته: أعانكم الله على ما أنتم بصدده  وأبعد عنكم كل مثبط بمشيئته و فضله ” ومضى الجابري في إقناعنا بجوابه قائلا: ” و لا يمكن أن تكون الشخصية التي طلبت منه ” الضروري في السياسة ” غير الأمير أبي يحيى نفسه، عندما بدأ في الدعوة إلى نفسه بالأندلس إثر مرض المنصور سنة 587 هـ، و أيضا لا نعتقد أن ملف الاتهام الذي حمله معه الوفد القرطبي إلى المنصور كان شيئا آخر غير أوراق من هذا الكتاب، وبالخصوص تلك التي يندد فيها فيلسوف قرطبة باستبداد الحكام في بلده و زمانه ” [37].

 

لقد شكل ابن رشد استثناء بين أقرانه من الفلاسفة، لاسيما في ما يتعلق بالسياسة، حيث بصَم بصمته الخالدة في هذا المجال من خلال كتابه ” الضروري في السياسة “، الذي واجه فيه مدينته مواجهة شاملة، كما لم يُهادن السلطة الحاكمة فوجه نقده اللاذع إليها أملا في حكم أفضل وفي مدينة فاضلة، يكون العدل عنوانا لها ويسودها الخير يَمنة و يَسرة، إلا أن ذلك الحكم الذي آمن به قد وقع إجهاضه  وهو جنين كان قاب قوسين أو أدنى من ولادته . كان يأمل في إشراقه غد أفضل ذلك الغد الذي رآه يلوح في الأفق؛ لكنه سرعان ما تحول إلى ما يُشبه السراب، ليتم نفيه بسبب أفكاره الجرّيئة التي تضمنها كتابه المذكور آنفا، وليس بسبب أشياء أخرى قيلت لدرّ الرماد في العيون، فابن رشد ” لم يُحاكم و لم تُحرق كتبه بسبب ” الدين ” الذي اتخذه خصومه غطاء، ظلما وعدوانا كما جرت بذلك عادة المستبدين وسَدنتهم، و إنما حُوكم بسبب هذا الكتاب الذي أذان فيه الاستبداد بلا هوادة “[38] . و لكن ما لبث فيلسوفنا أن عاد بعد إسقاط التهم الموجهة له، وهذا ما يشير إليه الجابري نقلا عن المراكشي قائلا : ” ثم إن جماعة من الأعيان باشبيلية شهدوا لابن رشد أنه على غير ما نُسب إليه، فرضي المنصور عنه و عن سائر الجماعة، و ذلك في سنة خمس و تسعين و خمسمائة، السنة التي توفي فيها الرجلان كليهما “[39].

إن عودة ابن رشد من منفاه بعد غياب دام ما يقارب السنتين، لا تعني أن حلمه انتهى، بل إنه ما زال حيا يُرزق، فالفكر لا يموت، وفكر ابن رشد هو الذي إنبنت عليه أمجاد أخرى بعدما هاجر واستقر في أوروبا فهو أي ابن رشد ” يحتل مكان الصدارة في الثقافة الأوروبية “[40] ، و إن كان هنري كوربان  قد حكم على هذا الحلم الذي نأمل أن يتحقق عندنا بأنه لا يمكنه أن يستمر في الإسلام  بعد النكبة حيث قال : ” وفي هذه الحالة يصح القول بأن ثمة أمرا انقضى بانقضاء ابن رشد، وهو أمر لا يمكن له أن يعيش بعد ذلك في الإسلام، ولكنه قدر له أن يوجه الفكر الأوروبي، وهذا الأمر هو تلك الرشدية اللاتينية “[41]،  ونفس الحكم نجده في مقال للباحث الإسباني SERGIO RODRIGUEZ LOPEZ حيث قال : إن موت ابن رشد لا يعادله إلا نهاية الفلسفة في العالم الإسلامي “[42] . أما عن عودة فيلسوفنا فيقول عنها : ” و إذا ما تبُث أن المنصور قد استدعاه إلى مراكش، فإن ذلك لم يكن لإعادة الاعتبار إليه، إذ أن فيلسوفنا مات معزولا عن الناس، و دون أن يرى الأندلس ثانية “[43].

 

المراجع والمقالات المعتمدة:

— محمد عابد الجابري: ” ابن رشد سيرة وفكر” ، دراسة ونصوص، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،  الطبعة الأولى، 1998 م.

— محمد عابد الجابري: ” المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد”، بيروت- الدار البيضاء، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى 1995م .

— فريد العليبي:  ” رؤية ابن رشد السياسية”، مركز دراسات الوحدة العربية، 2008 ، (سلسلة أطروحات الدكتوراه، 64).

— عزيز الحدادي: ” ابن رشد وإشكالية الفسفة السياسية في الإسلام: نكبة الفيلسوف ومحنة الفلسفة”، بيروت، دار الطليعة، 2010 .

— محمد حلمي عبد الوهاب: ” ولاة وأولياء السلطة والمتصوفة في إسلام العصر الوسيط”، تقديم رضوان السيد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2009.

— تاريخ الفلسفة الإسلامية ( منذ الينابيع حتى وفاة ابن رشد 1198)، هنري كوربان بالتعاون مع السيد حسين نصر وعثمان يحيى، ترجمة نصير مروة وحسن قبيسي، راجعه وقدم له الإمام موسى الصدر والأمير عارف تامر- عويدات للنشر والطباعة- بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1998 .

المقالات:

— محمد أبلاغ: ” منزلة جوامع سياسة أفلاطون في المتن الرشدي”، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

–´´ AVERROES EL FILOSOFO QUE ABRIO EUROPA A LA MODERNIDAD´´: ARTICULO PUBLICADO EN EL DIARIO EL PAIS EL DIA 28 DE NOVIEMBRE DE 1998; EN EL SUPLEMENTO “ BABELIA”; CON MOTIVO DEL ( 800) CENTENARIO DE LA MUERTE DE AVERROES·

— AVERROES Y SU INFLUENCIA EN EL PENSAMIENTO EUROPEO : SERGIO RODRIGUEZ LOPEZ ; TEMAS PARA LA EDUCACION : Revista digital para profesionales de la enseñanza ; n 3 ; julio 2009 · Federacion de Enseñanza de C C · O O – De Andalucia ·

 

 

 

 

 

 

– الجابري : ابن رشد سيرة و فكر (دراسة و نصوص) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 44 .[1]

– المرجع نفسه ، ص 43 .                                                                                   [2]

 -المصدر نفسه ، ص 45 .                                                                                    [3]

*نستحضر هنا شهادة أدلى بها رحاب عكاوي و استعادها، راغب السرجاني في كتابه قصة الأندلس : من الفتح إلى السقوط ، و هي كالتالي : ” كان الخليفة أبو يعقوب يستعين بابن رشد إذا احتاج الأمر للقيام بمهام رسمية عديدة ، و لأجلها طاف في رحلات متتابعة في مختلف أصقاع المغرب فتنقل بين مراكش و اشبيلية و قرطبة ، ثم دعاه أبو يعقوب في سنة 578 هـ ، إلى مراكش فجعله طبيبه الخاص ، ثم ولاه منصب القضاء في قرطبة فلما مات أبو يعقوب يوسف و خلفه ابنه أبو يوسف يعقوب المنصور زادت مكانة ابن رشد في عهده مكنة ورفعة “. ص 600 -601 .

– المصدر نفسه ، ص 50 .                                                                                                                               [4]

– الجابري : المثقفون في الحضارة العربية  – محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد – بيروت- ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 122 .     [5]

– م و ص ن .                                                                                                                                              [6]

– المرجع نفسه ، ص 119 .                                                                                                                              [7]

– المرجع نفسه ، ص 120 .                                                                                                                              [8]

– المرجع نفسه ، ص ن.                                                                                                                                  [9]

– م و ص ن .                                                                                                         [10]

– م و ص ن.                                                                                                            [11]

– الجابري : المثقفون في الحضارة العربية. قول أورده نقلا عن صاحب الذيل و التكملة، ص 122.       [12]

– الجابري : ابن رشد سيرة وفكر( دراسة و نصوص ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، ص 51 .         [13]

– المرجع نفسه ، ص ن .                                                                                             [14]

– الجابري : المثقفون في الحضارة العربية– محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد – ، ص 120   .               [15]

– المرجع نفسه ، ص 122 .                                                                                           [16]

– العليبي فريد : رؤية ابن رشد السياسية ( سلسلة أطروحات الدكتوراه) مركز دراسات الوحدة العربية ص 266 .                          [17]

– الحدادي : ابن رشد وإشكالية الفلسفة السياسية في الإسلام : نكبة الفيلسوف و محنة الفلسفة، دار الطليعة ،بيروت ص 254 .               [18]

– الجابري : ابن رشد سيرة و فكر ، ص 63- 62 .                                                                                                   [19]

 – محمد أبلاّغ : منزلة جوامع سياسة أفلاطون في المتن الرشدي ، ص 16 ، منشورات مؤمنون بلا حدود للدراسات و الأبحاث .           [20]

* و يضيف أبلاغ شارحا أبعاد هذين السببين اللذين قد يبدوا بسيطين قائلا : ” من بين أهم انعكاسات هذا الأمر ، أن المغاربة و الأندلسيين ، لم ينظروا إلى أنفسهم ككتلة واحدة متراصّة ، خصوصا من قِبل الأندلسيين ، الذين يُعدّون المغاربة غرباء عليهم ، بالإضافة إلى هذا هناك انعدام السند الشرعي- الديني للخلافتين ( المرابطية و الموحدية ) ، فالمرابطون للإلتفاف على هذا الأمر تسموا بأمراء المسلمين و أعلنوا و لاءهم للدولة العباسية بينما حاول المهدي الموحدي إدعاء العصمة، فتسمّى بالإمام المعصوم (المهدي المعلوم ) و هو ما لم يقنع حتى الموحدين أنفسهم الذين ثاروا فيما بعد على هذا الإدعاء . و هو ما سقط فيه ابن رشد نفسه فاعتباره استقلال الأندلس بشكل تام عن المغرب يتبعه أمر آخر أخطر و هو أن لا يعترف بالخلافة المرابطية و لا بالموحدية ( …)  . ومن الأسباب المذكورة ما قلناه من نعته له ب ” ملك البربر” أي أن لا سلطة شرعية له على الأندلس و خليق بيعقوب المنصور بعد انتصاره الباهر في الأرك أن يغضب و ذلك لأن أخاه الخليفة الذي سبقه ، استشهد في شنترين و كثير من الموحدين خاصة و المغاربة عامة … بعد ذلك بسنوات ، بلغت هذه التناقضات أوجها ، و أدت إلى اختلافات عميقة بين الجيشين المغربي و  = الأندلسي كان من نتائجها هزيمة العقاب النكراء سنة ( 609 هـ / 1212 م ) ذات الآثار الوخيمة على المنطقة بالكامل و التي لا تزال تداعياتها مستمرة إلى الآن ” . نفس المقال ، ص 17 .

– المرجع السابق ، ص ن .                                                                                                                                [21]

– المرجع نفسه ، ص 63 .                                                                                                                                [22]

– المرجع نفسه ، ص ن .                                                                                                                                  [23]

– الجابري : المثقفون في الحضارة العربية– محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد –  ص 136 .                                                       [24]

– المرجع نفسه ، ص ن.                                                                                                                                   [25]

– م و ص ن.                                                                                                                                                [26]

– محمد حلمي عبد الوهاب : ولاة و أولياء السلطة و المتصوفة في إسلام العصر الوسيط ،الشبكة العربية للطباعة و النشر ، ط 1  ص 287 .[27]

– الجابري : المثقفون في الحضارة العربية– محنة ابن حنبل و نكبة ابن رشد –  ص 136 .                                                       [28]

– المرجع نفسه ، ص 131 .                                                                                                                               [29]

– المرجع نفسه ، ص 137 .                                                                                                                               [30]

– المرجع نفسه ، ص 131 .                                                                                                                               [31]

– الحدادي : ابن رشد و إشكالية الفلسفة السياسية في الإسلام – نكبة الفيلسوف و محنة الفلسفة- بيروت، دار الطليعة  2010  ص 237 .[32]

– الجابري : ابن رشد سيرة و  فكر ، ص 65 .                                                                                                        [33]

– المرجع نفسه ، ص 64 – 65 .                                                                                                                        [34]

– المرجع نفسه ، ص 65 .                                                                                                                                [35]

– المرجع نفسه، ص 66 .                                                                                                                                 [36]

– المرجع نفسه، ص ن .                                                                                                                                 [37]

– المرجع نفسه، ص 67 .                                                                                                                               [38]

– المرجع نفسه، ص 65 – 66 .                                                                                                                 [39]

[40] – Averroes ; el filosofo que abrió europa a la modernidad ; p 5

  هنري كوربان و آخرون : تاريخ الفلسفة الإسلامية : منذ الينابيع حتى وفاة ابن رشد– ، عويدات للنشر و الطباعة  بيروت، ص 368 .    -[41]

[42] – Averroes y su influencia en el pensamiento Europeo ; Sergio Rodrigez lopez ; temas para la educación : revista digital para profesionales de la enseñanza; N 3 ; julio 2009

– هنري كوربان وآخرون: تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص 359 .                                                                                    [43]

شاهد أيضاً

الشك في منهج الشك الديكارتي

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف                                        تقديم لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *