الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / متاهة نيتشه – حسن إغلان / كاتب مغربي

متاهة نيتشه – حسن إغلان / كاتب مغربي

ماذا تعني العودة إلى نيتشه؟ وهل يستحق منا هذا السؤال إمكانية لتبرير فرضه؟

هل العودة إلى نيتشه تفتح أسئلة أو تجددها؟ ليست العودة هنا هي عودة متدفقة فينا بل هي عودة تلبس عباءة جامعية، بمعنى هل العودة إلى نيتشه في دراسة جامعية تبدو وكأنها ترغب بوضع داخل الجامعة خصوصا وأن نيتشه يرفض الجامعة. بل يرفض حتى التفكير داخلها إن لم نقل إنه يعتبرها آفة للفلسفة. ألم يقل أن أكبر جرم عرفته الفلسفة هو إدخال الفلسفة إلى الفضاء الأكاديمي لأفلاطون ولكن مع استباقنا لهذه الأسئلة يكون هذا الكتاب ‘نيتشه وسياسة الفلسفة’ للباحث محمد أندلسي * هو أول كتاب ينفرد بفيلسوف نزق ومتمرس على القلب عبر فتح المصائد في الطريق إليه، إنه الفيلسوف الألماني نيتشه قد يكون الدارس لنيتشه مربكا ومتوترا في ترسيم خطاطاته وتعديل نقط الحذف فيه، وقد تكون هذه المغامرة مغامرة حبلى المقالب والمزالق، ذلك لأن الدارس أمام فيلسوف يتجدد باستمرار، بإتقانه لغة المباغتة حد التآمر على دارسه إن المسألة في غاية الصعوبة حين القبول بهذه المغامرة، كما لو كنت تتحدث وتتساءل عما أتحدث، أعني بذلك تلك المفارقة بين فيلسوف يفكر في الفلسفة من خارجها؛ إنه يفكر وهو يمشي، لما تحمله دلالة المشي من إحالات المحو والأثر.

ثم كيف يستسيغ الدارس الإحاطة بنيتشه ودارسوه قلائل الذين خبروه بفقده حين الوصول إليه أي بابتعاد نيتشه حين الاقتراب منه. ألم يقل نيتشه بوضوح أنه ‘لن يقرأ ويفهم على نحو سليم إلا مع بداية الألفية الثالثة’ ص 13.

صحيح أن الباحث على وعي تام بالمخاطرة التي يقودها طموحه الجامعي، مخاطرة يرسم علاماتها بالمغامرة والتيه عن المعنى والمتاهة لاعتبار بسيط وهو أن الالتقاء بنيتشه هو لقاء مربك. تدعونا هذه المتاهة النيتشوية إلى إعادة قراءة نيتشه بعيون أطروحة ـ فلسفية ـ لما تفترضه من خطوط مستقيمة ومعقولية وصرامة أكاديمية، وإن كانت أهمية هذه الأطروحة الجامعية تتمثل في مستويين، مستوى بيداغوجي يضع فلسفة نيتشه موضع جذب لعدد كبير من القراء وتدعوهم إلى فك الإرتباط ببعض الكتب المشرقية التي تقدم نتيشه بشكل سيء وثانيا يشكل هذا الكتاب في نظرنا مجموعة من النصوص والمعلومات المدعوة بنفسها إلى إعادة القراءة كأفق تأويلي متعدد.

يطرح الباحث الاشكاليات والقضايا الفلسفية التي طرحها نيتشه وأفقها الإقرائي والتأويلي عند فلاسفة الجيل الجديد لفرنسا خاصة وكذلك عند بعض أساتذة الفلسفة بالمغرب. تتحدد هذه الدراسة في قسمين أساسيين وهما ‘الفلسفة من الميتافيزيقا والأخلاق إلى الجنيالوجيا’ و’طبيعة النص الجنيالوجي وأبعاده الفلسفية’، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة، يقع الكتاب في (203 صفحة).

لا عجب إذن أن يشكل إغراء العنوان قوة هذا الفيلسوف النزق، قوة تتحدد في كون فلسفتة فجرا لما بعد الحداثة الغربية. إن جدة نيتشه لا تتحدد في أطروحاته الفلسفية بقدر ما تدفع هذه الأطروحات نحو تشكيل استراتيجيتها كإستراتيجية منفتحة على مجالات غير فلسفية بل أكثر من ذلك يدعونا لتوظيف الموسيقي والذوق والأذن الثالثة والمشي، وهي آليات تدفع استثنائية هذا الفيلسوف لا للجلوس مع كتاباته في المكتبة بل في حمل مطارقه في الطريق عبر المشي والتأمل. إنها آليات تفيد نوعية جديدة من الكتابة، محتفية بذاتها ليس لها مدخل ولا مخرج إنها متاهة تدفع قارئها إلى التنقل عبر تعرجات الفيلسوف، عبر الضلال التي يتركها ‘فمن يقرأ نصوص نيتشه بدون أن يضحك، وأن يضحك كثيرا، هو كمن لم يقرأ نيتشه’ ص 174.

إن قوة نيتشه – تتجلى كذلك ـ ليس في قلب الدرس الفلسفي عبر تعرية وفضح أقنعة بل في إضافته الكبيرة في تاريخ الفلسفة، تلك الإضافة التي حددها هايدجر بإحداث (فلسفة- القيم وفينمنلوجيا القيم). إن قوة نيتشه تتمثل في ترحاله الدائم وهذا ما يدفع العودة إليه وباستمرار وكأن التقرب منه يفيد الابتعاد.

لكن هل نستطيع في هذه القراءة الإحاطة بمشروع فلسفي أشبه بالديناميت، مشروع يحملك إغراؤه إلى فعل الغواية دون استطاعتك القبض على أهم القضايا التي أثارها في سيرته الفلسفية المحيرة والمتوترة كقضية الجسد والحقيقة والعقل والهوية والقيم والعدمية والأخلاق وقراءته التأويلية لتاريخ الفلسفة من أفلاطون إلى شوبنهاور ومرورا بديكارت وهيغل وكانت.

وإذا كانت كل قضية من هذه القضايا تفيد قراءة متعددة فإننا سنحاول التوقف عند مفهوم الجسد باعتباره مفهوما يحمل قوة وثراء بالغيْن في تاريخ الفلسفة. لايعني هنا عزل المفهوم عن مفاهيم أخرى بل في الشتات الذي يخلفه هنا وهناك وبالتالي فالمفهوم يستدعي العقل والحقيقة والذاكرة والنسيان والقيمة.

إن الجسد حسب نيتشه عدو للميتافيزيقا لأن تاريخه هو تاريخ كبت وإخفاء وحجب وهذا ما يعلن عنه بوضوح أفلاطون وفيما بعد ديكارت، لذا فهو ‘وحدة مغلقة على ذاتها، ولكنـه خاضـع لتحـول وتبـدل تبعـا لتأويـلاتـه، إنـه أولا مـعـدة ضخمـة لا تتوقـف عن الهضم

le corps comme une m’taphore gastroent’rologique ص 181.

لا غرابة إذن أن يدفع نيتشه بكل قوته نحو استراتيجية الهدم والبناء عبر طرق أكثر الأماكن تسترا بمطرقة السؤال، أي عبر الحفر الجينيالوجي في طبقات المستتر لا للبحث عن الأصل بل لمعرفة ما يخلقه من مفعولات وكأنه يرغب في تأزيم الأصل وإذا كانت الجينيالوجيا مهتمة بالتاريخ فإن علاقتهما بالأصل والأصول تختلفان. فالأصل بالنسبة للجينيالوجيا شبح وجب طرده وخرافة وجب تبخرها، لذلك يتم بشكل رائع تعرية وفضح الأقنعة والمساحيق التي تتستر خلف خطابي التقليد والحداثة في علاقتهما بالأصل والأصول وهي مهمة الجنيالوجيا، مهمة تتسم بتفكيك الخطابات وفضح الأقنعة والمساحيق وتفجير الحقائق وتدمير الأصنام. إنها وكما يقول دائما بوضعها ‘الشيء المقلق الذي لم يكتب بعد، وبأنها بمثابة ديناميت وضع لتفجير جميع القيم’ ص 112. فالجنيالوجيا إذن ليست منهجا في القراءة والتأويل، بل ما تقدمه لنا هو الآليات التي تشتغل بها. إن كانت حسب نيتشه أفقا تحرريا، تحرر من العدمية المرسخة في تاريخ الفكر الغربي من خلال مظاهرها: الحقد والوعي الشقي والمثل الأعلى الزهدي. بل ينضاف إلى هذا التحديد تحديد العمل الجنيالوجي في تعدد وظائفه كطبيب ومشرع وفنان وهي الوظائف التي تفتح أفق التحرر الفكري والثقافي من البداهات والحقائق التي تسكنه.

لا عجب إذن أن تشكل الأفق النيتشوي في إمكانية تحررية من المواضعات التي ما أنفك يحرثها عبر قلبها، ولربما أن قوة نيتشه كما يرى دولوز Deleuze لا تتجلى في ما يقدمه من آليات للقراءة بل في المفاتيح التي تدفع التأويل نحو سديميته والنص نحو كثرته والقراءة نحو تعددها، إن النص ـ على سبيل المثال- هو العالم الذي يستر سديميته.

إن النص النيتشوي يتقاطع مع النص الصوفي- حسب الباحث- في الجمع بين الشعري والجسدي، إنه ‘يحمل في طياته تناصا لأنه يسعى باستمرار إلى نبش المنسي وتحرير المكبوت والمهمش’ ص 148.

بل أكثر من ذلك إنه نص ‘يقدم ذاته للقراء كتتابع للصور والاستعارات والكنايات والأوجه’ ص 178. تتداخل هذه القضايا في تشتتها وتعرجات التيه في سؤال الكتابة كسؤال يبعث الحضور في الميتافيزيقا ويجسد الصوت والخطاب عبر إعلاء قيمة التفسير، حيث سيكون سؤال العلامة والأثر لتكون الكتابة مرتبطة بالجسد وتكون الكتابة لهذا المعنى اختيارا استراتيجيا تتميز بتتابع الصور والاستعارات والكنايات والأوجه. أي في كتابة الشذرات عبر ترك البياضات للرقص في فراغاتها المتشظية كأن العودة للكتابة الشذرية هي عودة للحياة، عودة للفلسفة بما هي فلسفة عودة ‘لديونيزوس′ ولمرح المعرفة لمباغتتها المتتالية، لانفصالاتها لتوترها المدوخ، لترحالها المتدفق بالحياة، بالخارج. إنها كتابة تفتح المتاهة لا لتغلقها بل لتؤجل غلقها عبر الحجب والنسيان. ويقول نيتشه ‘إذا أردتم معرفة ما أقوله، فاعثروا على القوة التي تعطي معنى، وعند الحاجة تعطي معنى جديدا لما أقوله’.

إنها كتابة تجدد قارئها وتبعث المؤجل إلى بياضاتها وتدفع التأويل نحو إعادته وتكتفي بقارئ يحسن الرقص على الموتى القابعيين فيه، رغبة في السخرية وقلب الصور عبر توليد الاستعارات وهدم الأصنام والحقائق.

شاهد أيضاً

بيتر سلوتردايك: ديكارت

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي    من الفترات القليلة في تاريخ الفكر، التي أصبحت غريبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *