الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 25- الحلقة الأخيرة

في صحبة ابن رشد: 25- الحلقة الأخيرة

كوة: ع ر

25 – في الحاجة إلى الإبداع الفلسفي

لمَّا كان غرضنا في هذه السِّلسِلة عدم اتباع منهجٍ أكاديمي معين ولا التقيَّد بأي إشكالٍ فلسفي محدد لتقريب آراء ابن رشد إلى عموم القراء من مشارب متنوعة لا تراعي بالضرورة الانتماء إلى مجال الفلسفة، بحيث سيجد المهتم بقضايا السيَّاسة أو الثقافة أو الأدب أو التاريخ أو حتى ذوو المعارف العامَّة ما يُبيِّن قيمة تلك الآراء في قضايا عصره والتي تنِّم عن فهمٍ عميق لوضع مدينته، فلا يسعُنا إلا أن نقول إن ابن رشد مفكر وفيلسوف قام بواجِبه وفق ما ارتضاه قلمُه ووعيه بمسؤوليَّتِه، لكن ماذا يمكن أن يقدِّمه المشتغلون بالفلسفة – بمن فيهم الرُّشديُّون – الذين يحملون هم التنوير والعقلانيَّة في يومنا هذا لخدمة قضايانا الراهنة؟

كان زمن ابن رشد محكوماً بسيَّاقاتٍ عدَّة ومُحاطاً بإكراهات جمَّة فرضت نفسها على المفكرين والفلاسفة والنُّخبة عامة، فالوصول إلى النص (ناهيك عن المتن) لم يكن متيسراً آنذاك للجميع، وقد كانت الأنظمة الحاكمة تحتكر هذا السبيل وتفتح الباب لمن يمكنه أن يقدم خدمته للبلاط، وكذلك كان حال العديد من الأقلام المشهود لها، غير أن للنُّخبة التي لم ترتضي ولم تهتدي خدمة السَّلاطِين كان لها أيضاً طرقُها الخاصَّة للحصول على هذا العنوان أو ذاك، ولنا في سيرة الكتاب ما يشهد على ذلك. ورغم كل تلك الظروف فقد تمكن ابن رشد وغيره من تكبُّدِ عناء البحث للاجتهاد في قضايا الفكر والمعرفة والعلم.

ليست شروط اليوم متماثِلة لشروط أمس بحيث إن طرق الولوج إلى ما كتب وما استجد في مختلف مجالات المعرفة متيسِّرٌ إلى حدٍ بعيد للجميع، مع استثناء بعض المجالات المحتكرة من طرف أجهزة الاستخبارات والمرتبطة بالمصالح المباشرة للدُّول أو بقوى الضغط كالاكتشافات والتقارير السريَّة وما إلى ذلك، وهو ما يعني عمليّاً أن مواكبة مستجدات العصر والعلوم والفكر متاحةٌ للجميع في مختلف أنحاء العالم وبيُسرٍ غير متصوَّر، فبإمكان أيٍّ كان اقتناء العناوين الجديدة عبر الأنترنيت وقت صدورها وتصلك إلى بيتك دون عناء السَّفر من أجلها.

ساهم في هذا التحوُّل الهَّام كل من الثَّورة التِّكنولوجيا الثالِثة وعصر الرَّقمنَة وبإمكانِه أن يساعد كثيراً في فكِّ العُزلة والانعزال عن مجال الفكر، ولهذا السَّبب فإن قيمة المعرفة لا تكمن اليوم في الكتابة عمَّا استجد في الفلسفة أو الأدب أو الدين أو… وإنما في استيعاب ما استجد ومحاولة الابداع والاتيان بفكرة مفيدة.

تنامى في أيامنا هذه وزمانِنا هذا شُرَّاحٌ ومُفسِّرُون كُثُر يقومون بنفس الوظيفة التي قام بها ابن رشد في عصره، ويغطي آلاف الباحِثين مختلف مجالات الفلسفة والتي توسعت بالمقارنة مع القرن الثاني عشر، ومع كل عصر يتَّسِع عدد منتجي المعرفة وقرائِها في الآن ذاتِه، إلى حدٍ يصعب معه الخوف على تناقص محبي الحكمة، ولهذا أمكنّنا أن نُعُدَّ المُشتغِلين بالفلسفة على صِنفين: صِنفُ المبدِعين وحاملي المشاريع الفلسفيَّة، وصِنفُ الشُرَّاح والمُفسرِين كوسطاء بين الصنف الأول وبين جمهور القراء والمتتبعين.

تنصبُّ عمليَّة الشَّرح والتفسِير والتي تعتبر في نظرنا ضروريَّة وأساسيَّة في عمليَّة إعادة الإنتاج، بحيث تُمكِّن جمهور الطلبة والباحثين من مواكبة المعرفة الفلسفيَّة في مختلف أشكالِها ومجالاتِها القديمة والجديدة، وفي فهم المناهج والمدارس والمذاهب والتيَّارات المنتشرة في هاته الحِقبة أو تلك، مع تتبُّع الإشكالات المُستجدَّة في البحث الفلسفي، ويتجنَّد لهذه المُهمَّة قِسطٌ هام من الأقلام الجديدة، فالحوار مع النُّصوص والفلاسفة وأفكارِهِم يُعدُّ في نظري أهم عمليَّة للانخراط في الأُفق الكونِي للفلسفة، ففي هذا الحوار تتلاقح الأفكار والمعارف لهمٍّ إنسانِي واحِد يهدف إلى مواجهة ما يعُوق عمليَّة التطور وتحقيق سعادة البشر أينما كانوا. كما أن الترجمة من لغاتٍ عديدة إلى العربيَّة متاح أكثر من ذي قبل ويمتهنها إلى جانب المشتغلين بالفلسفة مترجمون من حقول معرفيَّة أخرى، فالكتب الفلسفيَّة المترجمة اليوم والمتاحة يضاهي ما كان متاحاً زمن ابن رشد.

بعد نصف قرن تقريباً تجدُ في الجامعة المغربيَّة تخصصات فلسفيَّة شتى تشمل علم النفس وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والفلسفة العامة والمنطق بالموازاة مع تخصصات هامة في الأدب وعلوم اللُّغة والرياضيَّات والفيزياء وغيرها من علوم العصر، ورغم ما يمكن أن يقال عن عُيوب نظامِنا التعليمي المتردِّي فإن النَّظر إلى انتشار الفلسفة الجامعيَّة وتوسيع تدرسيها في التعليم الثانوي من وجهة نظر تاريخيَّة لهو شيءُ مًفرِحٌ، تبقى فقط الروابِط بين الفلسفة المدرسيَّة والجامعيَّة وتعميمها على التعليم ما قبل التأهيلي وإصلاح دروسها وبرامجها ومناهجها رهاناً مُلحاً أكثر من ذِي قبل.

يبقى الأفق أمام المشتغلين بالفلسفة في بلدانِنا مفتوحاً على رهانات جديدة، لعل أولُّها استثمار هذا الكم الهائِل من المنتوج الفكري في الترجمة والتأليف والشرح والتفسير استثماراً نوعيّاً لتدشِين فكرة الإبداع الفلسفي، وهو ما يقتضي فتح المجال أمام الشباب الصاعِد لا لتعويض “الشيُوخ” (بمعناها الإيجابي) وإنما لطرح انفتاحات جديدة للتفلسف.

لقد حاولنا إتمام المهمة التي رسمناها في المقالة الأولى من هذه السلسلة ولم يبقى لنا غير أن نترك الحكم للمتتبع والقارئ لأننا لا نستطيع الكلام عمَّا جاء في هذا القول المختصر وهذه العبارة الوجيزة.

شاهد أيضاً

بيتر سلوتردايك: ديكارت

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي    من الفترات القليلة في تاريخ الفكر، التي أصبحت غريبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *