الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / اشكالية الحداثة بين العروي والجابري: نجيب جيهان

اشكالية الحداثة بين العروي والجابري: نجيب جيهان

نجيب جيهان – باحثة من المغرب

ملخص تنفيذي:

إن أكتر نصوص الفكر المغربي شهرة بين العرب هي تلك التي اشتغلت على الأسئلة الكلِّية للنهضة، والتحديث ومشتقاتها، من منظور الفلسفة المعاصرة مع ما يعنيه هذا الجنوح من إيثار للعقلانية المنهجية، وصبر في سبر أعماق السؤال العربي. واقتراح رؤى وآراء كان لها الإقبال من طرف الباحثين و الكتاب داخل الساحة الفكرية العربية وبهذا الصدد سأقف مع نموذجين من أعلام الفكر المغربي المعا صر وهما “العروي” المناهض للتراث و”الجابري” الذي عمل جاهدا على تحديث التراث والرجوع إليه في إطار تصحيحه ومراجعته و تقويمه.

تقديم: 

تحتل مسألة التراث في الفكر العربي و الإسلامي مكانة هامة لما تقتضيه هذه المسألة الفكرية و المعرفية من أهمية في الفكر و العقل العربي و الإسلامي، و في الواقع الثقافي و القطري، و أخيرا في علاقتها بالآخر الحضاري، و خاصة أمام التحديات الجديدة على العالم العربي و الإسلامي من خلال ظاهرة العولمة و استتباعاتها الثقافية و الحضارية، و هوس المفكرين و المثقفين العرب بذلك.

يحتل بهذا الصدد المثقف والأستاذ عبد الله العروي داخل الثقافة العربية مكانة متميزة، اشتهر المفكر في مؤلفاته، بمفهوم القطيعة، وعندما يتحدث العروي عن  القطيعة فإننا غالباً ما نلمس في نبرة الرجل نوعا من الحسم غير أن الحاجة إليها لا تنبع عن إعجاب بالتراث الغربي  بقدر ما كانت  مطابقته لمفاهيم الحداثة أبرز مقدمات الدعوة إلى القطيعة.

يعترضنا سؤال عندما نتحدث عن مفهوم القطيعة داخل متن عبد الله العروي وهو:

أي نوع من القطيعة يستهجنه الفكر العربي ، هل نحن في حاجة إلى قطيعة إبستمولوجية.

لا يكتفي العروي إلى تبرير الحاجة إلى القطيعة بل سرعان ما يطرح بديله التحديثي، أو ما يسميه العروي بالمتاح للبشرية جمعاء. و هذا ما يعني أن الرجل لم يكتفي بعملية الهدم و التقويض، و إنما تجاوز الأمر للبناء.

لم يصدر عبد الله العروي في موقفه عن فراغ و لا تحدث إلى العرب بغير لسانهم ، فقد كانت الحاجة إلى القطع مع العقل العربي التراثي نابعة مما يعيشه هذا العقل من تناقضات أو مفارقات بلغة العروي. تظهر في مطلقية هذا العقل” فالعقل هو ما يعقل العقل و يحده ، و ما يعقل العقل، و يؤسسه كعقل ، هو علم المطلق، الذي هو علم مطلق[1] إنه  علم يتأسس على النص و لا يتجاوزه، وهو بذلك عقل لا تاريخي ” يعجز عن عقل الزمان بمعنى التطور و التغير لا بمعنى الظهور بعد الكمون”. أي أن  “مفارقة محمد عبده ناتجة عن الحصر الذي جعله ينفي الزمان، أي نفي الزمن في نظرته العامة التي بقيت وفية للذهنية الكلامية التقليدية “[2]

إذا كان محمد عبده يمثل بصورة نموذجية ، وضع الاختيار السلفي بمواقفه من الغرب ، من العلم، و من الحداثة، أو ما يسميه الرجل بسؤال الهوية[3]. و لحظة المفارقة في الفكر و الإيديولوجيا العربية، و هي لحظة يعيد خلالها الفكر العربي إعادة إنتاج الذهنية الكلامية، فإنه سرعان ما ينتقل إلى تصويب نظره إلى مجال العلوم العملية: العمران، الاقتصاد، الحرب كما تجسدت في الفكر الخلدوني، لينقب عن مظاهر المفارقة فيه كذلك.

إن دعوة العروي للقطيعة إذن نابعة من إيمانه بتهافت الدعوات السلفية و لا تاريخيتها ، إنها دعوة تعيش التاريخ بغير عدته تتأسس على ماضوية ترى في الماضي مستقبلا أو ما يطلق عليه الباحث بالماضي- المستقبل الذي هو خاصيتنا الأساسية و “الذي يغير دلالة الزمن المعتادة”. لا يدعو العروي إلى القطيعة مع الفكر السلفي فقط، بل سرعان ما يعلن حرب القطيعة على كل فكر انتقائي لأنه فكر مشوه ينتج عنه ” تداخل و تشابك و اهتزاز يعجب له كل من تعود على إعطاء التاريخ اتجاها واضحا ثابتا”[4]

فماذا يعني العروي بالقطيعة ؟ لماذا القطع مع التراث ؟ أليست الدعوة إلى القطع التراث و الارتماء في أحضان التاريخ الكوني ( الغربي ) باعتباره المخرج الوحيد لأزمة العرب دعوة متهافتة خاصة ومع تنامي الدعوة إلى  الاختلاف من لدن الغرب نفسه؟ هل القطع مع التراث كافية لمنح كتابات العروي كل هذه الأهمية ؟ ما هو البديل الذي يقدمه العروي للتحديث؟ و لماذا هذا البديل دون غيره؟

  • موقف عبد الله العروي:

يعتبر العروي من بين أول المفكرين العرب الذين استدعوا مفهوم القطيعة  إن لم يكن أولهم  في تعاملنا مع ما خلفه أجدادنا و مع ما يعيش معنا منهم . إلى جانب القطيعة استعمل العروي مفاهيم الحسم، طي الصفحة، القطيعة المنهجية للدلالة على نفس الغرض و الوظيفة ، لقد أراد الرجل من خلال هذه المفاهيم الإعراض عن التراث و تجاوزه.

إن إشكالية العروي لا تكمن في التراث ذاته و إنما مع الكائنات التراثية كذلك أو ما يسميه العروي بأعداء الحداثة  ذلك الفريق الذي يدعو إلى رفض الحداثة باعتبارها لعنة ارتبطت بالاستعمار و الحرب.

إن دعوة العروي للقطيعة مع التراث لم تكن دعوة أدلوجية محضة بل إنها دعوة علمية استقى خلالها الرجل مفاهيم ومناهج و أدوات معرفية تمثلت بالخصوص في استعماله للمنهجين التكويني و التفكيكي للمقولات و الذهنيات التراثية سواء المعاصرة منها ممثلة في محمد عبده صاحب أكبر مفارقة عاشها و يعيشها العقل العربي مفارقة بين عقل المطلق و عقل الواقع ، بين عدته المعرفية وواقعه الاجتماعي. و العلامة ابن خلدون الذي رغم عمق و جدة أعماله و اكتشافاته في زمنه لا يرقي إلى الإنتاج العلمي العملي الحديث سواء في مجال الحرب، السياسة، الاقتصاد، الاجتماع…

  • موقف محمد عابد الجابري:

تبرز محاولة (نقد العقل العربي) بأجزائه الثلاثة، عند د. الجابري، كمشروع نقديّ يلبيّ حاجة راهنة هي إعادة النظر في “الذات” بعامة، وفي التراث بخاصة وقد أراد الجابري لكتابه (الخطاب العربي المعاصر) أن يكون بمثابة تمهيد لمشروعه: مشروع نقد العقل العربي، فانصرف إلى تحليل الخطاب النهضويّ العربيّ الحديث والمعاصر، من أجل إبراز ضعفه وتشخيص عيوبه استجلاء لصورته، وليس من أجل إعادة بنائه. و فيه يشخّص إشكاليّة مشروع النهضة من قبل ومشروع الثورة فيما بعد بغياب نقد العقل فيهما. وكأنه لا يرى فيما أنتجه مشروع “تنوير” عربيّ أوّل ومشروع “تثوير” عربيّ تالٍ إلا غياب “النقد”، وما حضور النقد، بمستوياته المختلفة، إن لم يكن حضوراً مضمراً أو معلناً لنقد العقل؟

وهل المواد التي يشتغل عليها كتاب الخطاب العربي إلا تلك المواد النقديّة التي اشتغل عليها مشروع خطاب “النهضة” من قبل، ومشروع خطاب “الثورة” فيما بعد؟

يتوقّف د. الجابري عند أشكال من الخطاب، هي الخطاب النهضوي والخطاب السياسيّ والخطاب القوميّ والخطاب الفلسفيّ، ويجد في قضيّة الأصالة والمعاصرة صلب إشكالية الخطاب العربي الحديث والمعاصر.

و ما يهمّه من النماذج التي يعرضها هو العقل الذي يتحدّث فيها لا بوصفه عقل شخصٍ أو فئة أو جيل، بل بوصفه “العقل العربي” الذي أنتج الخطاب موضوع دراسته. ويجد أن منطق الليبرالي الذي تستهويه المبادئ الأوروبية لا يختلف عن منطلق السلفي، أمّا المنطق التوفيقي فيحاول أن يجمع بين أحسن ما في النموذج العربي الإسلامي وأحسن ما في النموذج الأوروبي… و الخطاب النهضوي، برأيه، خطاب توفيقيّ، متناقض، محكوم بسلفٍ، خطاب وعي مستلب… أما الخطاب القوميّ فهو خطابٌ في الممكنات الذهنيّة، ما ورائي… والفكر العربي  لم يكن يعبّر عن متطلبّات الواقع بل عن واقع آخر يعيشه العرب في الحلم، فهو خطاب وجدان، لا خطاب عقّل، وإن نجح في بثّ ونشر الشعور القوميّ، وقد أخفق الخطاب السياسيّ العربي، على مدى قرن من الزمن، في تحقيق أيّ تقدّم في قضيّة العلاقة بين الدين والدولة… الخ. و لا ينجو الخطاب الفلسفيّ، عنده من تهمة الإخفاق أيضاً، فهو خطاب يتجاهل، القطاع العقلاني في التراث، ويستنجد بما فيه من قطاع لا عقلانيّ، كما يرتبط بأكثر الجوانب لا عقلانية في الفكر الأوروبي المعاصر…

و سيستنتج أخيراً: أن العقل العربي عقل فقهيّ ويتّسم بغياب العلاقة أو ما يكفي من العلاقة بين الفكر والواقع، وهو عاجز عن تقديم الإمكانيّات النظرية المطابقة لتغيير الواقع… الخ!…

الفرضيّة التي يدافع عنها د. الجابري في الخطاب العربي المعاصر هي فرضيّة إخفاق مشروع النهضة من قبل، وإخفاق مشروع الثورة فيما بعد، وسيدافع كتابه (نقد العقل العربي)، بأجزائه الثلاثة، عن فرضيّة استقالة العقل العربي!…

ينظر في مقدمّته كتابه (تكوين العقل العربي)، إلى نقد العقل كجزء أساسي وأوليّ من كلّ مشروع للنهضة، ويتساءل عن إمكانيّة بناء نهضةٍ بعقلٍ غير ناهض، عقلٍ لم يقحم بمراجعةٍ شاملةٍ لآلياته ومفاهيمه وتصوّراته ورؤاه، ويصرّح بأن مشروعه هادفٌ لا يمارس النقد من أجل النقد، بل من أجل التحرّر من كلّ ما هو ميت أو متخشّب في كياننا العقليّ وإرثنا الثقافي… ويقرّ في موضع آخر من نهاية كتابه أن أيّ تحليل للفكر العربيّ الإسلاميّ، سواء أكان من منظور بنيويّ أم من منظور تاريخانيّ، سيظلّ ناقصاً، وستكون نتائجه مضلّلة إذا لم يأخذ في حسابه دور السياسة في توجيه هذا الفكر وتحديد مساره ومنعرجاته…

و أخيرا ما يتقاطع في المقابل مع عبد الله العروي بالنسبة لمحمد عابد الجابري و هو مفهوم القطيعة الابستيمولوجية، حيث لا يستقيم النظر في مفهوم القطيعة عند الأستاذ محمد عابد الجابري دون الإحاطة بفهمه لمعنى التراث ، إن التراث في نظر الأستاذ الجابري “ليس إنتاجاً تاريخيا و حسب…، بل هو أيضا عطاء ذاتي إنساني لشخصيات دخلت التاريخ ” و كل عطاء من هذا النوع إلا و يتضمن في ذاته مضمونين أول مهم و هو الجانب المعرفي ، وثاني أهم يتجسد في مضمونه الإيديولوجي . يحتوي الأول الجهاز التفكيري (مفاهيم، تصورات، منطلقات ، منهج … ) و يمثل الآخر الوظيفة الأيديولوجية (السياسية، الاجتماعية…).

هل تعني القطيعة مع التراث القطيعة معه ككل موحد ؟ أم تعني القطع مع إحدى عناصره فحسب ؟

إذا كان الأمر كذلك ما هو العنصر الذي يجب القطع معه هل المحمول الأيدلوجي أم المضمون المعرفي؟ .

إن الفصل الذي يقترحه الأستاذ الجابري ليس فصلاً منهجيا فحسب لتسهيل عملية قراءة هذا الفكر بقدر ما ينبع عن واقع الفكر الفلسفي في الإسلام المهتجس لنفس الإشكالية “التوفيق بين  العقل و النقل”، و هو فصل ضروري يضيف الباحث يمكننا من استبصار ما ” تزخر به الفلسفة الإسلامية (التراث) من تنوع و حركة، غير أن الجابري حينما يدعونا إلى القطيعة مع التراث فإنه لا يعني بذلك مجموع ما خلفه أجدادنا لأن القول بذلك طرح فاسد خاطئ لا تاريخي ، يفهم القطيعة بمعناها الدارج، و هذا لا يعني أن تراثنا خير كله ، كما لا يعني أنه الشر بعينه أو أس بالإحباط الذي نعيشه و نتخبط فيه . إننا في حاجة إلى قطيعة إبستمولوجية تتناول الفعل العقلي، والفعل العقلي نشاط يتم بطريقة ما و بواسطة أدوات والمفاهيم، إن الرجل يهتجس القطيعة مع المضمون المعرفي للتراث.

حاولت من خلال هذا الطرح السابق، امتحان لحظات فكرية فلسفية مغربية معتبرة وهي لحظتين أساسيتين في الفكر المغربي المعاصر، أبدأ مع أولهما:

  1. عبد الله العروي نحو أفق التاريخانية و الفكر الحداثي :

من المعلوم أن فكر عبد الله العروي هو فكر حاسم لا رجعة فيه ، أو بالأحرى يؤمن بالحقيقة الحدية ، كما هو الأمر لدى أهل المنطق القدامى، إما اختيار التراث أو الحداثة لا ثالث لهما ، فاختيار  الرجل للحداثة ينعكس على جل كتاباته رغم أنه يصعب على متتبع ودارس “العروي” أن يلمس عنده تحديدا دقيقا لمفهوم الحداثة ، فتارة الحداثة يحددها بما هي مجموعة من المفاهيم المرتبطة وهي الحرية ، الدولة، التاريخ، العقل،[5] وتارة يجعل منها الطبيعة ، العقل الفرد، الحرية، السعادة…. حيت تنطلق الحداثة من الطبيعة معتمدة على العقل في صالح الفرد لتصل إلى مراتب السعادة عن طريق الحرية [6]وتارة يعتبرها مؤسسة على أهمية القانون وأولويته[7] ومن تمة كانت الحداثة عند “العروي” هي الحداثة القاطعة مع التراث ، أي هي قلب الصفحة و القطيعة الجوهرية مع القديم وقطع الحبل الواصل بينه وبين الحديث ، و بالتالي فإن تصور “العروي” للترات هو تصور تشاؤمي وسلبي مع التراث، رغم أن الرجل له دراية بالتراث وقطاعاته المعرفية ،لا ينكرها إلا مكابر. وأما تلقي الحداثة ، فهو تلقي إيجابي عند الأستاذ “العروي” ، قائمة على النزعة التاريخانية المناهضة للتقليد و القدامة و البلى ،وهي تورة تاريخانية ، تدعوا إلى ترسيخ العقلانية الطبيعية الوضعانية التي تؤمن بمصدرية المعرفة البشرية ونسبيتها ، لدى اعتبر “العروي” أن الماركسية التاريخانية هي النظام الملائم لاستيعاب الحداثة وتجاوز التأخر التاريخي ، ولعله من المفيد القول ، إن إبراز “العروي” لمحدودية التراث وعدم انسجامه مع مكتسبات التطور المعرفي الحديث ، كان من خلال لحظة “محمد عبده” في كتابه الأخير “مفهوم العقل” الممثل {العقل المطلق ، عقل النص} ، العقل الذي وقع انسداد و “العروي” اختار هذه اللحظة ، باعتباره تاريخاني ، الذي يسعى دائما البحت عن لحظات تجسد جميع ما توصل إليه من أفكار ومعارف ، لهذا اختار “محمد عبده” باعتبار هذا الأخير متل لحظة تشكل مفارقات وهي لحظة تاريخانية بالنسبة “للعروي” التي عاش فيها “محمد عبده” مآزق و  مفارقات بين الغرب و العرب وبين العلم و التقدم وبين الدين و الدولة ….إلخ. بل إنه نموذج من الخطابات العربية السائدة {الليبرالي، التقني، السلفي…}

إن تفكير “العروي” في هذا المعرض هو محاولة تشخيص الواقع العربي وتأخره التاريخي وأكيد  من بين العوائق التي تعيق تقدم الثقافة العربية الإسلامية ، هو التراث وهو العائق الأكبر في تحصيل التنوير و التقدم مما يعني أن المفهوم المركزي في نظرية الحداثة عند العروي هو القطيعة المعرفية ، أي القطع مع التراث ، فلا مجال للتحديث في ظل استمرارية تاريخية {من تجديد أو تأصيل أو إصلاح} فمطالبة “العروي” اليوم بمفهوم العقل ، فهو ينشد ذلك العقل {عقل الفعل} مخالف للعقل السلفي الذي يحتفي به الجابري على سبيل المتال ، وهو هنا “العروي” ينشد ضمنيا الطابع العلمي في بعده  التجريبي[8]

يقول “العروي” : “يتأصل عقل الفعل في نقض عقل الاسم ، ولا يكون الإصلاح إصلاحا إنشائيا إلا في الإطار الأول وخارج الإطار الثاني ….الحسم الذي نتكلم عليه قد وقع بالفعل في جميع الثقافات المعروفة لذينا ابتداء من القرن 16م إلى يومنا هذا..[9] وانطلاقا من هذا الطرح ، يؤكد “العروي” ، أنه لا مناص من القطيعة مع التراث ، و التسليم بمفهوم العقل الحديث ، باعتباره عقل الفعل الذي هو في حاجته التراث العربي الإسلامي و الذي يفتقده في نفس الوقت و بالتالي فالأطروحة التي اقترحها العروي هي نفي الأصالة ، و القطيعة المعرفية و الاستقلال التاريخي ، من أجل تسهيل عبورنا لثقافة الحداثة وهذا هو إيمانه الذي يتجلى في قدرة الفكر التاريخي ، على تحديت العالم العربي[10]

فما السبيل إلى تحديت العالم العربي عند “عبد الله العروي” ؟ وماهي مقومات الحداثة التي ينشدها “العروي” من أجل النهوض بالعالم العربي ومواكبة التطور المتأخر؟

استنبط “العروي” للحداثة مبادئ ثلاثة ، أهم هاته المبادئ : مبدأ العقلانية ومبدأ الفردانية ، ومبدأ الحرية، و الذي يلح على ضرورة هذه المفاهيم الحداثية وربطها بالوقائع إذ لا معنى للحداثة عنده من غير الحديث عن المجتمع ، ولا حداثية إلا بتحققها في الحياة الاجتماعية الواقعية ، ولا فكر حديت في مجتمع غير حديث ، و السبب في ذلك  هو انحصار هذه المفاهيم في الذهن ، وبالتالي ما كان أن يكسبها معنى الحداثة ، تم لا سبيل عند “العروي” إلى الحديث عن هذه المفاهيم ، إلا ضمن مفهوم الكونية ، فهي مفاهيم و معارف كونية ولا معنى لها ، إلا في دلالتها ،بما يسميه “العروي” بجمهور البشرية الذي يجعل منها مفاهيم أكتر شمولية من مفاهيم التراث المحلي العربي[11].

وأقف بهذا الصدد مع أول مبدأ من مبادئ الحداثة وهو:

  • مفهوم العقل.

إن حديت “عبد الله العروي” عن العقل هو على التحقيق ، حديت عن منطق الفكر الحديث بعد أن انفصل عن الفكر القديم.[12]

فلا اشتراك بين العقل القديم و العقل الحديث ، اللهم إلا بالاسم ، أما المعنى فيختلف ذلك أن من شأننا حسب “العروي”، حيت نعمل لفظ العقل في حدود تراثنا القديم  ، فإننا نقول غير ما يقوله غيرنا اليوم  فمفهوم العقل عند المفكرين الكبار، أمثال “الخلدونية” و”محمد عبده” … غير مكتمل بالنظر إلى مفهوم العقل كما تعلمه البشرية اليوم[13]

وفي مطلع كتاب مفهوم العقل عند “العروي” ، يسهل على باحته ودارسه اكتشاف اشكاليته المتحورة حول وهي هل نظر المفكر العربي الإسلامي التقليدي في غير منطق الفكر؟ هل تجاوزه لينظر في منطق الفعل؟10

ومن هنا تتضح مسألة هامة ، وهي أن هم الأستاذ “العروي” ، لم يكن هو البحت في مفهوم العقل كمصطلح ، وإنما همه كان هو النظر في حدود العقل العربي الإسلامي القدامى ، أو كما عبر عنه الأستاذ “العروي” بمصطلح الحصر ، يعني حصر العقل العربي ، أي بيان محدودية تصور الفكر الإسلامي للعقل ومنهج بيان هذا الحصر هو النظر إلى مفهوم العقل القديم ، الذي يتبين أنه مفهوم غير مكتمل ولذلك قال “العروي” ما يهمنا هنا هو البحت في قضية حصر هذا العقل ، لأن هذا هو موضوع كتابنا 11 و “العروي” من هذا المنظور لاحظ أن ثقافتنا العربية الإسلامية تظل تكرر ما تقول منذ عقود ، إن الفكر الذي ورتناه عن السلف ، ما يسميه البعض للترات يدور كله حول العقل12 فنؤمن ونقول ، إن موروثنا الثقافي مبني على العقل إطلاقا 13 لكن عن أي عقل نتحدث؟

يقول “العروي” ، لو حقيقة أنه عقل فلماذا تخلفنا؟ لماذا ندعي العقل و المعقولية وحياتنا اليوم تشهد على ضروب من اللامعقول ؟أليس هذا العقل هو أصل الإحباط و الذي لطالما اعتززنا به؟

لذلك يؤكد الأستاذ “العروي” هنا أن العقل الذي تتحدث عنه الثقافة العربية الإسلامية ، وتحتفي به هو عقل ملتصق و مفارق عن المجتمع المعاصر أما العقل الحديث فهو عقل مختلف تمام [14]

 

إن الحدود التي وقف عندها العقل العربي القدامى ، كونه ظل مرتبطا بما هو نظري أي أنه ظل عقلا تأمليا فرديا[15] وبالتالي هذه هي قمة مفارقة العقل في الثقافة العربية الإسلامية ، حيت تم حصر التأويل الإسلامي التراثي لمفهوم العقل وتم حصره بالمطلق وبالنظر التأملي و العمل ، وهذا ما أعاقه.

  • مبدا الفرد:

يؤكد “العروي” باختصار أن الفرد داخل الدولة الإسلامية القديمة مستعبد ، فلا يعرف الحرية، إلا إذا خرج منها أو عليها [16] وما من دولة سلطانية إلا و الفرد مستعبد فيها ، و الحال أن في دولة السلطان ، هذا شأنها ، حيت يصير الفرد العاقل يرى فيها قبل كل شيء أنها “جهاز قمع”

إن ما كانت على عهد الدولة الإسلامية تمة فردانية حقة، وإنما أدلوجة فردانية يعيش المرء تحت إمرة سلطان معين ، وحال الفرد ذاك كان هو حال العرب على خلال الزمن الحديث الذي ينشده الأستاذ “العروي” وعلى عهد التنظيمات ، انحلت بنية المجتمعات العربية العشائرية ، فكان أن ظهر مفهوم أول للفرد وهو مفهوم الشخصية ، وكانت هذه الأخيرة مخالفة لفردية المجتمع التقليدي الذي ما كانت تعي بفرديتها ، إلا بعد أن يهجر  الجماعة المنتمي لها ويرفض الدولة ، رفضا مطلقا ، وإذا كان الفرد التقليدي ، حسب الأستاذ “العروي” يجد نفسه مدينا للعشيرة فها هو الآن يطالب بحرية المرأة و الطفل ، ويدعوا إلى التحرر الواقعي المشخص لا المجرد الوهمي ، وهكذا من فرد زاهد متصوف ، إلى فرد اجتماعي مسؤول ، وهذه من علامات الحداثة[17] لكن رغم ذلك تبقى هذه الفردية ناقصة في نظر “العروي” فأين يتجلى هذا النقص؟

يجيبنا “العروي” بالقول ” إن النقص الذي عانت منه الفردية العربية ، هو كونها كانت تطمح إلى تكوين فردية ليبرالية ، مادامت حققت استقلالها وحريتها عن العشيرة التقليدية وسلطة الحاكم ، و الحال أن هذه المميزات التي تميزت بها الفردية لم تكن كافية لتأهيلها بشكل فعلي ، لتتمثل معنى جيدا للفردية في بعدها الاجتماعي و السياسي الحرة ، المسؤولة ، وهي بذلك اقتصرت على التقليد الفردي الليبرالي ، ولم تتمثل الفردية الفاعلة التاريخية وهذا ما كان ينقصها ولازال.

  • مبدأ الحرية:

يؤكد “العروي” على مسألة أساسية وهي أنه كلما اتسع مفهوم الدولة ، ضاق مجال الحرية الفردية ، حيت تكون الدولة مستبدة و مناهضة للحرية الفردية ، لكن في نفس الوقت كانت ضعيفة ومجالها كان محدودا وذلك بخلاف الدولة الليبرالية الحديثة التي كانت وطأتها خفيفة على الفرد الأوروبي لكنها مست تقريبا كل مجالات الحياة [18]

يؤكد “العروي” أن مسألة الحرية رغم في بعدها النسبي وليس المطلق ، كنا نعتر عليها في حياة العرب اليومية، لكن لا كممارسة فعلية ولا كواقع وإنما كحلم حيت لا تعاش داخل الدولة وإنما خارجها.

لقد كان واضحا تعطش العرب للحرية ، وذلك لما يسري عليه من عبودية مطلقة إذ السلطة، دولة القهر و الاستبداد و الديكتاتورية و السلطوية و الاستغلال [19]ومن تمة فإنه لا حرية في السلطنة.

  • تجليات الحداثة:

يشير “العروي” ، إلى تلات مؤسسات {الأسرة و المجتمع و الدولة} وهي من تجليات الحداثة ، ودائما ما نلاحظ الأستاذ “العروي” يقرن الأسرة بقضية المرأة و الحياة الزوجية و العائلية التي هي أساس المجتمعات الحداثية و الديمقراطية ، إذ لا يمكن أن ننشد حداثة دون نشدان أسرة نواتية تنهض على المساواة ، في الحقوق و الواجبات و الحميمية…[20]

فيما يخص المجتمع الحداثي ، فهو المجتمع الذي يحل فيه تنظيم السلوك و الأفعال[21] ونوع من العقلانية وصار ينظم مبادئه وفقها.

فيما يتعلق بالدولة الحداثية ، يذهب “العروي” إلى التأكيد على أن الدولة الحديثة هي التي تشهد على عملية عقلنة المجالات الاقتصادية ، و الاجتماعية …و الدولة بلا حرية ضعيفة متداعية حسب “العروي” ، لذلك على الدولة أن تستند إلى الحرية المرهونة بالعقلانية وتحقيق الفردانية الحرة داخلها [22]

  • القطيعة مع التراث هو أساس التحديث عند عبد الله العروي:

لا ريب أن الأستاذ “عبد الله العروي” هو الوحيد من بين مفكري العالم العربي الإسلامي الذي اشتهر بجرأته بين المفكرين العرب على طرح مسألة القطيعة طرحا صريحا و الحسم فيها حيت رفض كل ماله علاقة بالتقليد من جميع النواحي[23] وبالتالي لا سبيل له سوى اللجوء إلى الحداثة الذي تقتضي القطع مع الماضي قطعا نهائيا بلا مطمح العودة أو الرجوع إليه أو تجديده ، وإنما تصفية الحساب معه بشكل نهائي على جميع المستويات الفكرية و السياسية و الاجتماعية[24] وهو يعبر عن هذه القطيعة الإبستمولوجية بمجموعة من العبارات على الشكل التالي :”طي الصفحة ” [25] أو” القطيعة المنهجية مع مضمون التراث”  [26]أو “القطيعة بين القديم و الحديث” [27] وهي دعوة حقيقية قائمة على الحسم و الجزم على تحقيق التقدم دون الالتفات إلى الوراء.

  • نقد العروي لدعاة الحداثة العرب:

يدعوا “العروي” ، إلى أن نكف عن الادعاء بأننا نتميز بالحرية ، أو مفهوم التورة العلمية أو مفهوم الإدارة ، أو الفردانية فهذه كلها مفاهيم حداثية تناسب أن يتميز بها الحداثيون الحقيقيون  وليس نحن[28] وما من سبيل من منظور “العروي” التمتع بها و التشبع بها سوى الإقبال على الحداثة الغربية وهو بهذا “العروي” يوجه نقده اللاذع ،لأولئك الذين أرادوا الخروج عن الحداثة والتشبع بنزعة ما بعد الحداثة كما تجلت في الغرب.

يحدد أكبر متقفى العالم الثالث “العروي” أن تيار ما بعد الحداثة لم يظهر عندنا نحن ، في ثقافتنا العربية وإنما اكتسح أولا أوساط أمريكا وأروبا تم البلاد العربية ، وكالعادة يقر “العروي” أننا تقبلنا هذه الأفكار دون تمحيص كبير ، حيت إذا سمعنا مفهوم ” ما بعد الحداثة “فإن هذا المفهوم ، لا يتعلق بالأوطان العربية في حد ذاتها ولا يصح نقد الحداثة وما بعدها ، وقول عنها ما بعد الحداثة الموحشة ، أو ما شابه لأنه ببساطة لم نعش حداثة ولم نتأثر بأي آثار سلبية منها ، فكيف لفاقدي الحداثة في أوطانهم أن يدعوا ما بعد الحداثة وينتقدوها ؟[29]

فإذا كنا نسمع مفهوم ما بعد الحداثيين فإن المسألة تخص المثقفين الغربيين ممن دعوا بهذا المفهوم الذين عاشوا حداثة وما بعدها وهو الفكر الذي أوصل أوربا إلى التوتاليتارية وتسبب في مآسي الغرب خلال القرن العشرين بسبب مجموعة من العوامل أهمها العقلانية المتطرفة التي أفقرت الإنسان وسلبته هويته ، وعزلته في أنانية ضيقة ، منعزلة في عالم  افتراضي وهمي وتسخيرها للتقنية ، مما أوقع الشخصانية الفردية في الاغتراب السلبي و التشييئي ، وبالتالي نبه “العروي” إلى أن الأوضاع المزرية التي  عانى منها الغرب ، البعيدة كل البعد عن أحوالنا ، لذلك فإن اتهام الحداثة من طرف المثقفين العرب و الناقدين للحداثة باسم أننا عانينا منها وأول ضحاياها ، لا يجوز فلم نعشها لنعاني من مخاطرها ، فآخر شيء يمكن التفكير فيه هو أننا ضحايا الحداثة.[30]

إن نقد “عبد الله العروي” لدعاة ما بعد الحداثة ، كانت أشد على المفكرين العرب الذين ادعوا ضرورة تجاوز الحداثة المفقودة عندهم وهذا في حد ذاته حديت غير مسؤول  وغير معقول.

يقول “العروي” ، نقرأ اليوم كتبا تنتقد الحداثة ، ونعتمد عليها للقول ، إن اشكالية الحداثة أصبحت كلها متجاوزة ….  وهذا دليل على أن المثقف العربي عندنا  يعيش في عالمين منفصلين يواجه يوميا مظاهر للتخلف و اللامعقول ، وهي كلها تدل على عدم استيفاء شروط الحداثة في مجتمعنا ، يتألم منها ويتشكى ، لكنه عندما يكتب فإنه يبقى سجين الروايات و المقروآت ، فيفعل كما لو كان يعيش في مجتمع متقدم …فهل هذا معقول؟ هل نعيش فعلا في مجتمع متقدم؟ هل يحق لنا التصرف متل الأوروبيين الذين عاشوا في أحضانها وتشبعوا بها . هل يصح لنا هذا الادعاء؟[31]

2 محمد عابد الجابري : قراءة التراث بعقل حداثي :

لا ريب أن تلقي الحداثة عند  هذا المفكر المغربي “الجابري” هو تلقي يزاوج فيه بين الخصوصية و الكونية و العالمية ، إذ أن الحداثة وترسيخها في الفكر لا يتم بالمرة إلا من داخل التراث واشكالية العقل، ومن المؤكد أن وعي الجابري بهذه القضية ، إنما أدى به إلى التفكير في التراث من منظور منهجي ، لأن اشكالية التراث ، هي اشكالية منهجية ، أي بمعنى كيف نفهم هذا التراث ؟ كيف نتعقله ؟ كيف نحاول تحليل منتوجاته ، طبعا هنا “الجابري” طرح سؤال أساسي  في كتابه {نحن و التراث} وهو  كيف نتعامل مع التراث؟ ، وهو ضمنيا يطرح سؤال : كيف نتعامل مع الحداثة ؟

إن نقد التراث هو نقد ليس إيديولوجي ، لأن نقد الإيديولوجيا هو إيديولوجيا ، بل هو نقد إيبستمولوجي، أي أن الأستاذ “الجابري” هنا يبحت في كيفية تشكل هذا التراث و الآليات الذهنية المتحكمة فيه ، وهذا أمر ينقلنا من تلقي كل ما ينتجه التراث إلى تلقي التراث من حيت هو نقد العقل ، وليس فحسب العقل الناقد يقول “الجابري” : “إن مطالب نقد المجتمع يتطلب نقد الاقتصاد ونقد العقل المجرد و العقل السياسي …إلخ إنه إذن بدون ممارسة هذه الأنواع من النقد بروح علمية سيبقى كل حديت عن النهضة و التقدم و الوحدة في العالم العربي، حديت أماني وأحلام” [32]

ومن تمة فالحداثة مع الاستاذ “الجابري” هي حداثة الوصل مع التراث ، ومن هنا فالتعامل النقدي مع جميع مظاهر حياتنا و التراث من أشدها حضورا ورسوخا في الموقف الحداثي الصحيح  بل هو الموقف الحداثي الفعلي الصحيح ، ولتحقيق هذا التلقي لفكرة الحداثة بالمعنى الصحيح و الإيجابي من دون راديكالية معلومة كما لذى “الأستاذ العروي” وهو ما دفع الجابري لنقد الخطاب الماركسي التاريخاني ، بمعنى أن الأستاذ “الجابري” أيضا ، تلقى الغرب بالحفاظ على الهوية و الخصوصية في إطار منهج الموضوعية و الاستمرارية …إلخ  ولكنه أيضا تلقى أطروحات “الأستاذ العروي” بشكل نقدي ، لأن العروي طرح سؤال مشهور هو كيف نستوعب الفكر الليبرالي دون أن نمر بهذه المراحل للفكر الليبرالي؟

وبالنسبة “للجابري” تلقى هذا  الإشكال بنوع من النقد لأنه لا يمكن التفكير بهذا السؤال ، لأنه سؤال مسموم طرحه “العروي” لتغييب التراث وقطاعاته المعرفية .

يعتبر {الخطاب العربي المعاصر للجابري} مراجعة التراث العربي الإسلامي أي بنيته المعرفية و السياسية والاجتماعية ، لأن هذه المراجعة ما تفتأ تحضر في الحاضر وسجالاته الإيديولوجية اليوم ، وعليه صارح “الجابري” لنقد القراءات العربية للترات سواء ، كانت الماركسية أو الليبرالية أو السلفية ، كلها لها آفة واحدة هي قراءة لا تاريخانية ، كل هذا من خلال سؤال المنطلق ، وهو كيف نتعامل مع التراث ؟ ، وهكذا اقترح “الجابري” رؤية منهجية ، تؤسس خطوات قراءة التراث ، هي المعالجة البنيوية ، و التحليل التاريخي ، و الطرح الإيديولوجي  الذي يكشفه لقارئه ، كل ذلك مؤسس على اختيار عقلاني ، يدمج فيه الاتصال أو الانفصال أو يحقق فيه الموضوعية و الاستمرارية.

إن هذا القول يوضح أن الفكرة الأساسية التي بنى عليها “الجابري” أطروحته هي أن أساس التجديد و التحديث و النهضة هو العقل ، فالنهضة الحقيقية هي نهضة العقل.

وإذا كان “العروي” وضع قطيعة مع التراث فإن الأطروحة التي يعترض عليها “الجابري” وعابها على “العروي” هو الدعوة إلى التريث نظرا لصعوبة الحسم في مسألة القطيعة مع التراث وعسره ، وحيت يدعوا “العروي” ، إلى القطع مع الفكر السلفي من ثقافتنا بحجة أنه من أكبر العوائق التي تحول دون تحقيق الحداثة المنشودة ، غير أن هذه الأطروحة تطرح تساؤلات ، إلى أي درجة تصل خطورة هذا الفكر السلفي؟ وهل يمكن اعتباره العائق الوحيد الذي يعيق تحقيق التقدم؟[33]

ليس الفكر السلفي حسب “الجابري” وافدا طارئا ، بل هو متأصل ووجه من وجوه تراثنا العربي ، وبالتالي فإن مسألة رفض الفكر السلفي ، يقتضي بالضرورة رفض الفكر المماثل له الذي هو التراث بأكمله ، وهذا هو أساس المجابهة التي تمت بين “الجابري” و “العروي” حول مسألة التراث.[34]

ولذلك فإن القطيعة التي أحدتها “العروي” مع التراث ، يعيد “الجابري” على خلافه بإحياء هذه العلاقة القائمة بيننا وبين تراثنا ، وذلك بتأكيده أن التراث هو الكائن الحي المميت في الوقت نفسه ، بمعنى هو ميت ، أي ماض بالنسبة لنا لكنه حي في نفس الوقت فينا ، سواء رغبنا بذلك أو لا …هو ماض تفصلنا عنه أحيانا قطائع إيبستمولوجية …لكنه يظل حي فينا.[35]

وبالتالي فما من سبيل سوى التوجه صوب هذا التراث وغربلته، فخطاب الحداثة عليه أن يتوجه أولا إلى التراث، بهدف رد الاعتبار إليه وإعادة قراءته قراءة موضوعية ومنهجية نقدية، هدفها الإصلاح و التجديد…إلخ

إن في كل تراث وهذا ينطبق على تراثنا كما ينطبق على تراثهم قديمه وحديته ، يوجد تمة جانب إنساني. [36]ذلك أنه إذا تم نقد التراث الليبرالي و الذي احتفى به “العروي” ، واعتبره أساس التحديث ، فإنه لم يتم رفضه كليا ، فلماذا يتم رفض التراث العربي الإسلامي باسم الرجعية و الظلامية في الوقت الذي نحن أحوج فيه حسب “الجابري” إلى تحديث وتجديد الذهنية العقلانية العربية.

إن التحديث لا يتم من عدم فمتلما أن تراث الغرب لم يكن كاملا واحتاج للإصلاح فكذلك تراثنا الثقافي العربي يحتاج لفرصة التجديد و الإصلاح ومواصلة ركب التطور العالمي.

إن ما يعيبه “الجابري” هنا على “العروي” هو الاستناد إلى مقايسة حال وأوضاع ثقافتنا العربية الإسلامية بنموذج أوربا.[37]

وانطلاقا من مفهوم الأصالة أو المحلية التي يعتز بها “الجابري” ، يعيب على “العروي” عدم احترامه لخصوصية الثقافة العربية الإسلامية ، ولذلك فإن مسألة الربط الإشكالي بين المثقف العربي و المثقف الأوروبي ومحاولة المقارنة بينهما من منظور “العروي” حسب “الجابري” لا يستقيم ، لأن “العروي” حسب “الجابري” ، ينسى بشكل تام الفرق الشاسع بين متقف أوروبي وواعي بظروف ثقافته التاريخية وبين متقف عربي و الذي تختلف درجة وعييه التاريخي للثقافة العربية [38]

يقول الأستاذ الجابري “إن أهم ما نختلف فيه مع الأخ “العروي” بخصوص المنهج ، هو اعتماده طريقة المقايسة اعتمادا كليا الشيء الذي يجعله يفكر في قضايا الأمة العربية ، من الأرضية غير الأرضية العربية التي عانت من الهيمنة الإمبريالية ، في مختلف مجالاتها ، وأشكالها وبالتالي هي هيمنة ينفرد بها العالم العربي وحده.[39]

إن دعوة “العروي” إلى الرجوع إلى أوربا {ليبرالية القرن 17 وق 18 الميلاديين} حسب “الجابري” ، إنه لطريق النزوع إلى الوقوع في مطب التبعية الثقافية الغربية نفسه.[40] في الوقت الذي نحتاج فيه إلى المحافظة على أصالتنا العربية القومية و خصوصية تراثنا المحلي العربي.

إن مسألة القطيعة مع الفكر السلفي من ثقافتنا ، كما دعي إلى ذلك “العروي” ، لهو تشجيع على قبول ثقافة غيرنا المعاصرة وبالتالي تابعين لها.[41]

يرفض “الجابري” هذه الأطروحة ، وانطلاقا من تصوره حول نقد العقل العربي يقر “الجابري” ، أن هذا النقد ، لن  يكتمل دون التعامل بالمثل مع العقل الأوروبي الذي ينتقل إلى أسماعنا يوميا ، وهي أمور تحتاج للمراجعة و الفحص و التمحيص.[42]

تحيلنا هذه الأطروحة ضمنيا ، إلى أطروحة “الخطيبي” ، الذي يلزمنا بضرورة إجراء “النقد المزدوج” الذي يحررنا من الفكر الأوروبي ومن التراث أيضا ، والتحرر منهما بمعنى امتلاكهما على نحو متساو عادل بعد مراجعة نقدية ، ومن هنا فالاستقلال التاريخي للذات ….لا يتناقض مع تفتحنا على الفكر العالمي ولا على التراث ، بل يعني التعامل معهما تعاملا نقديا ممنهجا .[43]

لهذا فدعوة “الجابري” إلى الحداثة هي في نفس الوقت تأصيلها في ثقافتنا العربية والذي لا يمكن لهذا التأصيل أن يتم إلا بتوسل تحديث التعامل مع التراث . يقول “الجابري” “إن الحاجة إلى الاشتغال بالتراث ، تمليها الحاجة إلى تحديت كيفية تعاملنا معه ، خدمة للحداثة وتأصيلا لها”[44]

وهذا ما دفع “الجابري” إلى الوقوف مع بعض رموز العقلانية في التراث العربي أبرزهما :ابن رشد ، ابن حزم ، و الشاطبي، وابن  خلدون..[45] كاشفا عن أسس مشروع نهضوي مبكر ، مجهض ، أصبح نسيا منسيا.

يمكن تلخيص أطروحة الدكتور “محمد عابد الجابري” في العبارة التالية:

“فما ننشده اليوم من تحديت العقل العربي التراثي وتجديد الفكر الإسلامي يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا المكتسبات العلمية المعاصرة….بل وبالدرجة الأولى يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية، ابن حزم، وعقلانية ابن رشد، وأصولية الشاطبي، وتاريخية ابن خلدون…” واجمالا فإن التحقيق الفعلي للحلم النهضوي والتحديث التراثي لا يستقيم إلا باستدعاء العقلانية النقدية الممثلة في رموز العقلانية العربية الإسلامية السالفة الذكر ، وأي تفكير في التحديث والقيام بنهضة خارج هذه القاعدة هو ضرب من العبث.[46]

عموما إن الإقبال الكبير لمفكري المغرب المعاصر بالحداثة يعود بعضها إلى انشغاله بالمصير العربي ، وهي على رؤوس الأصابع ، اشكالية استعادة الحضور التاريخي للأمة العربية و الإسلامية ، ومن تم فإن أكتر نصوص الفكر العربي المعاصر و المغربي تحديدا ، اشتغلت على الأسئلة الكلية للنهضة ومشتقات الفلسفة من منظور معاصر مما يؤكد على جاذبية الفكر العربي المعاصر للعقلانية المنهجية وتعمق في السؤال العربي.

فأسئلة من قبيل: أين نحن من قبيل هذا العالم؟ وما السبيل لاستئناف نشاطنا التقدمي الحضاري؟ وهذه بعض الأسئلة التي عالجها الفكر المغربي المعاصر ، وقاربها مقاربة فلسفية وعقلانية في مجموعة من الأعمال الفكرية المغربية ومن أهمها و التي كتر عليها الطلب في الساحة الثقافية العربية وهي أعمال الأستاذ “عبد الله العروي” و الدكتور “محمد عابد الجابري” ، وقد خص هؤلاء أكتر من غيرهم أسئلة الإصلاح و التجديد و التحديث ، أكتر من غيرهم من قبيل اتخادهم نموذج معرفي مختلف عن الثاني و الانطلاق من خلفية مختلفة.

 

 

 

 

 

 

 

[1]  عبد الله العروي، مفهوم العقل ” المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 1997ص 97

 

[2]  نفسه ص 102

 

[3]  يعتبر عبد الله العروي في مؤلفه الإيديولوجيا العربية المعاصرة أن أول سؤال يواجه المثقف و الداعية العربي هو سؤال الأنا.

[4]  عبد الله العروي، الإيديولوجيا العربية  المعاصرة ” المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية 1999 ص 90

[5]   “عبد الله العروي” حوار مع جريدة “السياسة الجديدة” عدد 29/23 أكتوبر 1998 ص5

 

[6]  ABDALLAH LAROUI, ISLAMISME MODERNISME, L`IBERALISME, CENTRE CULTUREL ARABE CASABLANCA 1997 P 14

[7]  عبد الله العروي ” العرب و الفكر التاريخي ، دار الحقيقة بيروت 1973 ص 79

[8]  “عبد الله العروي” مفهوم العقل ، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ، بيروت الطبعة الأولى ص 358 و “محمد جبرون” إمكان النهوض الإسلامي {مراجعة نقدية في المشروع الإصلاحي لعبد الله العروي ، مركز نماء للبحوث و الدراسات بيروت الطبعة الأولى 2012 ص 148/159

[9]  المصدر نفسه ص 363

[10]  محاضرة بعنوان “عبد الله العروي والحداثة”/ “عبد الله العروي” عوائق التحديث ، منشورات اتحاد كتاب المغرب سلسلة محاضرات الشهر ط 1، 2006 ص 9/24

 

[11]  “عبد الله العروي” مصدر سابق “مفهوم العقل” ص 16/15/33/70/227

[12]  المصدر نفسه ص 12

 

[13]  المصدر نفسه ص 364

 

[14]  المصدر نفسه ص 163

 

[15]  المصدر نفسه ص 358

[16]  “عبد الله العروي” مفهوم الدولة ، المركز الثقافي العربي  الدار البيضاء ، بيروت الطبعة الأولى 1981 ص 116

 

[17]  “عبد الله العروي” مفهوم الحرية دار التنوير ، الدار البيضاء ، بيروت الطبعة الثالثة 1984 ص 31/32

[18]  المصدر نفسه ص 24

 

 [19] مرجع سابق “عبد الله العروي” مفهوم الدولة ص 149/150

 

[20]  “محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء الطبعة الأولى 2004 ص 57

[21]  المصدر نفسه ص 58

 

[22]  نفس المرجع و الصفحة.

[23]  “عبد الله العروي” من التاريخ إلى الحب  ، حوار مع محمد برادة ومحمد الداهي منشورات الفنك 1996 ص 56

[24]  “عبد الله العروي” التحديث و الديمقراطية، حوار مع مجلة آفاق العدد 3-4، 1992″عبد الله العروي”

 

[25]  25 مرجع سابق “عبد الله العروي: مفهوم العقل ص 10

[26]  المصدر نفسه ص 12

[27]   المصدر نفسه ص 14/15

[28]  المصدر نفسه ص 11

[29] مرجع سابق “محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر ص 70/71

[30] ABDALLAH LAROUI : ISLAM ET MODERNITE. COLL. ARMILLAIRE –EDIT LA DECOUVER, 1987 P 66

[31]  مرجع سابق “محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر ص 70/71/72

 

 

[32] “محمد عابد الجابري “التراث و الحداثة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ، البيضاء ، الطبعة الأولى 1991 ص 18/260

 

[33]  المصدر نفسه ص 17

[34] مرجع سابق “محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر ص 116

[35] “عبد السلام بنعبد العالي” ، بين الاتصال و الانفصال ، {دراسات في الفكر الفلسفي  بالمغرب} ، دار التنوير ، بيروت / الدار البيضاء 1985 ص ص 12/13

[36] مرجع سابق “محمد عابد الجابري” التراث و الحداثة ص 232

 

[37]   مرجع سابق ” محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر ص 118

[38]  المصدر نفسه ص 119                                                 

[39]  المصدر نفسه ص 38

[40] المصدر نفسه ص 123

[41]  نفس المصدر و الصفحة.

[42]  مرجع سابق “محمد عابد الجابري “التراث و الحداثة ص 286

[43]   مرجع سابق “محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر” ص 124

[44]  مرجع سابق “محمد الجابري” التراث و الحداثة ص 18

[45]  “محمد عابد الجابري” بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي بيروت ط 2 1991  ص 553

[46]  المرجع نفسه ص 552

شاهد أيضاً

جدل الجدل والمجانسة النوعية

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تمهيد: في هذه المقالة أتناول مناقشة ألقانون الاول من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *