الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 24 – ابن رشد والاعتراف اللاثيني

في صحبة ابن رشد: 24 – ابن رشد والاعتراف اللاثيني

كوة: ع ر

يفتتِحُ الفيلسوف الألماني داغ نيكولاس هيسه المتخصص في فلسفة القرون الوسطى نصه في “موسوعة ستاكفورد للفلسفة” حول تأثير الفلاسفة المسلمين في الفلسفة الأوروبيَّة خلال القرون الوسطى بقوله: “قادت حركات الترجمة من العربيَّة إلى اللاَّتينيَّة -والتي تزامنت مع الترجمة اللاَّتينيَّة من الإغريقيَّة -إلى تحولٍ طال تقريبًا سائِر المجالات الفلسفيَّة في العالم اللاَّتيني خلال القرون الوسطى. كان تأثير الفلاسفة العرب، كالفارابي، وابن سيناء، وابن رشد، في الفلسفة الغربيَّة أشدَّ ما يكون في الفلسفة الطبيعيَّة، والميتافيزيقيَّة [الإلهيَّات في لغة الفلاسفة العرب والمسلمين]، وعلم النفس، بل وامتد إلى علم المنطق والأخلاقيَّات”، هكذا تمكنت فلسفة القرون الوسطى في أوربا من تملك مصدرين للفلسفة اليونانية، المصدر اللاَّثيني والمصدر العربي، وتم الاعتراف بجهود ابن رشد في الشرح والتفسير والذي تحول إلى منهج للتعامل مع النصوص الفلسفيَّة وغير الفلسفيَّة، ففي الوقت الذي لم تنتقل فيه طريقة شرح القرآن وتفسير الحديث إلى اليهوديَّة والمسيحيَّة، استطاع أبي الوليد أن ينحت منهج التفسير الكبير وفق ما ينسجم والنص الأرسطي كما وصل إليه، رغم اعتراض توما الأكويني على أطروحاته في الوجود والعقل الإلهيات عموماً، دون أن يحول ذلك من انتشار فكره وفلسفته في المدارس الأوروبية التي تحدثنا عنها سلفاً.

أدلى داغ هيسه بشهادة هامَّة في حق فيلسوف قرطبة ومراكش أوضحَ من خلالها تبنِّيه لوجود عقلٍ واحدٍ لكلِّ البشر، ويسمى بمذهب “وحدة النفس” أو وحدة “العقل”، لأن ابن رشد عالج النَّفس بما هي عقل شأنُه في ذلك شأن أرسطو، وهي الأطروحة التي سالت مداد علم الكلام المسيحي واليهودي على حد سواء، فإذا كان ابن ميمون سبَّاقاً إلى تدشين علم كلام يهودي عقلنه على منوال ابن رشد، فإن علم الكلام المسيحي جاء متأخرا. وقد وضع في “دلالة الحائرين” أسُس فكر يهودي عقلانِي متنوِّر اعتبره بعض المؤرخين أعمق كتاب حدَّد فيه ابن ميمون أسُس فهم فلسفِي للعنايَّة الإلهيَّة والكمال والسَّعادة… هذا إلى جانب كتبه الأخرى من مثل: كتاب “المعرفة” الذي حدَّد فيه أسُس الإيمان في الديَّانة اليهوديَّة؛ ثم كتاب “تثنية التوراة”؛ “قوانين القمر” 1166؛ “مقال في صناعة المنطق” (تتبع فيه نهج الفارابي)؛ “تفسير المشنا” الذي كتبه بالآرامية في فاس 1161 ونشره في مصر عام 1167 وهو بمثابة موسوعة في الشريعة اليهودية.

تمكن سموئيل بن تيبون – قبل وفاة ابن ميمون 1204 – الذي ينحدر من مدينة ليون الفرنسيَّة من ترجمة دلالة الحائرين من العربيَّة اليهوديَّة إلى العِبريَّة وتم تداوله بكثير في شمال إسبانيا وإيطاليا ولقي معارضة شديدة وقويَّة وتمت إدانة ابن تيبون وأُحرِقت ترجمته في باريس وفي أماكن عدة من قبل حاخامات اليهود الذين تخوفوا من أفكار ابن ميمون، خاصة في تصنيفه الخاص للتلمود اليهودي حيث كرَّس جهده لإعادة بناء العقيدة والشريعة اليهوديَّة على أُسُسٍ جديدة، ولذلك اعتُبر أحد فقهاء الديَّانة اليهوديَّة بالنَّظر إلى محاولته التوفيق بين التعاليم اليهوديَّة والمعارف الدنيويَّة على الرغم من اتسام بعض هذه الرسائِل بطابع فوق طبيعي نتيجة هيمنة ميتافيزيقا أرسطو على زمانه، فما جاء به المعلم الثاني كان بالغاً في أثره على ابن ميمون قبل أن يستكمل ابن رشد مشروعه النقدي اتجاه ما ورثه القدماء عن الأفلاطونيَّة الجديدة. لم يستصغ حاخامات اليهود اجتهاده وسارعوا إلى تحريم أعمالِه في القرن الثالث عشر وأقنعوا محاكم التفتيش يومئذٍ بحرق أجزاء من كتابه دلالة الحائرين، بما هو مصنف ترك أثره في الفيلسوف باروخ سبينوزا الذي اعتبره البعض الوريث الحقيقي لفلسفة ابن ميمون خاصة في التفسير الطبيعي، وفي التأويل العقلي داعيا إلى الحرية وفق ما استوجبه منطق الاجتماع البشري.

يذكر داغ هيسه أهمية تأثير ابن رشد في بعض الشُرَّاح اللاَّثين الذين كان لهم دور في نشر تقاليد المدرسة المشائيَّة في أوروبا الوسطويَّة من أمثال سيجير البرابانتي أواخر القرن الثالث عشر والباريسيين أوائِل القرن الرابع عشر أمثال توماس ويلتون، وجون الجوندوني، وجون بيكونثورب. كان لمدرسة باريس وبادو الإيطالية دور هام في حفظ الرشديَّة اللاثينيَّة.

لقد كُتب الكثير حول تأثير ابن رشد في الغرب اللاَّثيني، ولكن ما يهمُّنا هو التشديد على الأفق الكوني لفكره وفلسفته والتي بفضلها رُفِع الحظر على السِّجال المعرفي حول قضايا الايمان والَّنص المقدس والوحي والنبوة، وبذلك استمر فعل ترحال الفكر لتجد الفلسفة مكانتها في مختلف الحضارات التي نطقت بألسن مختلف ولغات شتى، وإن كان حضورها مغيبا في ثقافات أخرى تمثل أقليَّة ولكن تاريخها أعظم مما يستوجب التفكير في توطين التفكير الفلسفي في هاته الثقافات عبر إقرارها في أنظمة التدريس العمومي.

يبقى إذن أن الاعتراف اللاَّثيني بفكر ابن رشد سابِقٌ جداً لاعترافنا به والذي لا يتجاوز حدود التحقيق والشرح والتفسير ولم يبلغ شأو ما قامت به ألمانيا التي احتضنت مؤسسته ومولتها لتمنح جوائِزها للرشديِّين العرب، فبعد أن استثمرت مدرسة برلين الشرقيَّة مجمل التراث الفلسفي والعلمي المشرقي ها هي تضع من جديد يدها على التراث المغربي، فإلى متى سنظل مكتوفي الأيدي أمام هذا الوضع؟

شاهد أيضاً

أفلاطون: الزمان والطبيعة

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تقديم ” يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا, لأنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *