Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 23 –  النكبة لم تنل من ترحال الرشديَّة

في صحبة ابن رشد: 23 –  النكبة لم تنل من ترحال الرشديَّة

كوة: ع ر 

تم تصوير ابن رشد خلال نفيه إلى القريَّة اليهوديَّة في صورة المارق والخارج عن المِلَّة (لأنه اشتغل بعلوم المنطق والفلسفة) وجُيِّش العموم للاحتفال بخروجِه من قُرطبة وحرق كتُبه، وتم التهلِيل في المنابِر فيما يُشبه فرحة التخلُّصِ من عدو الأمَّة ومُسبِّب الفِتن، في حين أنه بَرَّاءٌ من جميع التُّهم التي أصدرها الفُقهاء بإيعازٍ من قصر مراكش. فهناك شهادات كثيرة حول اتهامه بالمُروق بل ونكران حتى انتسابِه إلى قرطبة المسلمة حيث يقول صاحب الذيل والتكملة: “ثم أمر أبو الوليد بسكنى اليسانة لقول من قال إنه يُنسب في بني إسرائيل، وأنه لم يعرف له نسبٌ في قبائِل الأندلس”.

لما انتدب ابن رشد لمهمة اصلاح التعليم كان عمره يومئذ ثمانية وعشرين سنة (بحسب الجابري)، أي أنه كان في خدمة البلاط ما يقارب من خمسة عقود، فكيف لأمير التنوير أن يضرب بعرض الحائط كل الجهود استجابة للحشود والغوغاء؟

كان سلطان مراكش محبّاً للحكمة والحكماء لأن ابن طفيل كان يعمل طبيباً له في العَلن ومعلِّماً له في السِّر، وهو الذي اقترح عليه استقدام ابن رشد ليحل محله بعد أن تقدمت به السن. فالفقِيه الشَّاب الضلِيع في علوم الأوائِل دخل مجلس الأمير مهاباً وواجه سؤال: هل العالم قدِيمٌ هو أم مُحدث؟ يحكي ابن رشد نفسه عن ذلك قائلاً: “فأنكرت أنني اشتغلت بالفلسفة، فلما رأى الأمير اضطرابي وأدرك ما عرانِي من خوف التفت إلى ابن طفيل وأخذ يباحِثُه في ذلك الموضوع ويذكر ما قاله أرسطو وأفلاطون وغيرهما من الفلاسفة، وأردفها بردود المتكلمين عليها، حتى تعجبت من عِلمه وسِعة اطلاعِه فاطمأنت نفسي وتكلمتُ بما حضرنِي وأبديتُ رأيي”، ويفهم من كلامه أنه كان متردداً أول الأمر من منطلق أن رأي الفيلسوف هو رأي خاص به، فالكلام أنواع بين المجال العام والمجال الخاص، فمجلس الملك هو مجلس محكوم ببروتوكولات خاصة ومسيَّجٌ بطابوهات سيَّاسيَّة لا مجال للخوض فيها.

ما يهمنا أساسا هو انخراط ابن رشد في مشروع اصلاح تعليم العلوم وانتقاله إلى القضاء سنة 1169م في إشبيلية ثم في قرطبة وجعله طبيبه الخاص، وقربه منه وقضى في مراكش زهاء عشر سنوات. وكان الخليفة يستعين به إذا احتاج الأمر للقيام بمهام رسميَّة عديدة، ولأجلها طاف في رحلات متتابعة في مختلف أصقاع المغرب؛ فتنقَّل بين مراكش وإشبيلية وقرطبة، إلا أن السُّلطان سيعفو عنه بعد تأكده بطلان التهمة السيَّاسيَّة التي كانت وراء النكبة واستدعاه من جديد إلى مراكش وأكرم مثواه كأحد كبار رجال الدولة. ثم إن السلطان نفسه أخذ في دراسة الفلسفة والاهتمام بها أكثر من ذي قبل. غير أن مرض الفيلسوف لم يمهله سوى سنة واحدة مكث بها بمراكش حيث توفي سنة 595هـ/ 1198م. وقد دفن بها، قبل أن تنقل رفاته في وقت لاحِق إلى مسقط رأسه بقرطبة وهو ما قال عنه ابن عربي في تعبير محزن: “ولما جُعل التابوت الذي فِيه جسدُه على الدَّابة، جعلت توالِيفه تُعادِله من الجِانب الآخر. وقلنا في ذلك: هذا الإمام وهذه أعماله”.

تعبر هذه اللوحة التي نقلتها المصادر عن الرحيل الأخير للفيلسوف، غير أنه ليس إلاَّ تِرحالاً مفعماً من جديد سيجِد طريقه إلى الانتشار في الغرب اللاَّثيني: فالفكر ترحالي بطبعه: رحل من اليونان إلى فارس مروراً ببيت الحكمة ببغداد ومراكش نحو بلغاريا وبارس وإيطاليا، فمدرسة بادو (شمال شرق إيطاليا) لعبت دوراً كبيراً في تاريخ الفلسفة لأنها واصلت أكثر من أي جامعة أخرى الاحتفاظ بتقاليد العصور الوسطى، وكانت تمثل الفلسفة المدرسيَّة، وتحصَّنت فيها الرشديَّة إلى حدود القرن السابع عشر مع وفاة القيصر كريمونيني عام 1631 (آخر ممثلي المدرسة الرشدية). أما مدرسة باريس فقد أنشئت باريس عام 1200 عندما أصدر الإمبراطور فيليب أوغسطس قرارا بضم كل المدارس الموجودة حينئذ في جامعة واحدة، وتقسيمها إلى أربع كليات: الآداب، اللاهوت، الحقوق والطب. فخلال تأسيسها كانت معظم كتب أرسطو متداولة بين يدي القراء اللاتين. مع العلم أن هذه الكتب ترجمت في الربع الأخير من القرن الثاني عشر وفي الثلث الأول من القرن الثالث عشر عن الترجمات العربية (عن الترجمة ومراكزها وعن المترجمين أنظر كتاب: “أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى”، زينب محمود الخضيري، دار التنوير، بيروت، 2007، ص 45 – 100.). ولقد أصدر قرار تحريم وضعته مجموعة من رجال الدين على رأسهم بيير دي كوربي أثناء انعقاد مجمع باريس عام  1210، وذلك بغية تحريم الاشتغال بالرشديَّة.

لنا في شهادات مؤرخي الفلسفة في القرون الوسطى ما يؤكد على التأثير العظيم الذي مارسه ابن رشد على المشائية الأوربيَّة التي أعادت الاعتبار له بعد أن تنكر له أهله، لذلك فإن وراء النكبة سبب سيَّاسي جلِّي بعد أن عبَّر عن آراءه في الحكم والتسلط دون أن يكون همه الأول والأخير الحصول على المال أو الحكم وإنما خدمة التفلسف على طريقته الخاصة (والتي دخل بها التاريخ من بابه الواسع) وهو ما يُفسِّر غضب السُّلطان.

شاهد أيضاً

في أسباب تراجع الحضارة العربية الاسلامية وفشل نهضتها: سؤال فوكو / جواب الجابري

محمد ازويتة إنجاز: محمد ازويتة  سئل فوكو في إحدى حواراته عن موضوع  العلاقة بين العالم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *