الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 22 – لماذا رفض المسلمون أولويَّة المادة على الروح؟

في صحبة ابن رشد: 22 – لماذا رفض المسلمون أولويَّة المادة على الروح؟

كوة: ع ر

مررنا في مقالة سابقة على اهتمام ابن رشد بفلسفة أفلاطون لذرءٍ تُهمة الوفاء المُطلق لأرسطو، غير أن عودته إلى أفلاطون فرضها أساساً الحاجة إلى تصحيح شروحات ابن سينا والإسكندر لهدم التأثير الأفلوطيني الجلِّي في فلسفتهم، والذي تلمس فيه ابن رشد خلطاً بين فلسفة الحكيم وفلسفة أستاذه أفلاطون. ومن نتائج ذلك التأثير القول بنظريَّة الفيض، وإضفاء الطابع الإطلاقي على مفهوم الواحد الذي يتدخل في كل شيء ولا يترك للسببيَّة الطبيعيَّة مجالاً، نابِذاً دور الفيزيقا، وجاعِلاً إياها مجرَّد عالم قائِم بإرادة المُحرك الأول، ولا مكان فيه للتكُّون الذاتِي.

سنركز على نقد ابن رشد لنظريَّة المثل والذي تبنى فيه موقفاً جديداً إما إنصافاً للمعلم الأول وانتصاراً له، لتجاوز مواقف ابن سينا والفارابي وعلماء الكلام. وإما انتصارا لنزعته العقلانيَّة ممَّا ينسجم ومقتضيات العقل والبرهان.

هكذا استطاع أن يوجه نقده لا لأفلاطون في حد ذاتِه وإنما إلى علم الكلام، وإلى بعض الفلاسفة الذين اختلط لديهم أرسطو بأفلاطون، من خلال الاعتراضات التي قدمها على نظرية المثل، وعلى القضايا الخلافيَّة التي أثارها علماء الكلام المسلمين، وبشكل خاص على مسألة العلاقة بين الماهية والوجود أولا (مجال الأنطولوجيا)، وعلى مسألة الجوهر والواحد والمحرك الأول ثانيا (مجال العلم الإلهي أو الثيولوجيا). يقر أن العلاقة بين الماهية والوجود، هي علاقة اتصال، ويستحيل انفصال الماهية عن الموجودات. وهذا على خلاف الرأي الأفلاطوني الذي يزعم أن ماهية الموجودات توجد خارجة عنها ومنفصلة، أي متعالية. ومن أهم الأدلة التي يسوقها ابن رشد نذكر ثلاثة رئيسة:

أ – فصل الماهية عن الشيء، سيجعل منها شيئا قائما بذاته، في حين أن الماهية لا تقوم بغير الشيء. وبهذا تكون العلاقة بين الماهية والموجودات كعلاقة بين المادة والصورة، فالصورة لا توجد إلا في مادة، في حين أن المادة لا توجد بالفعل إلا بفضل الصورة. فإذا صارت الماهية شيئا فينبغي البحث لها عن ماهية، وهكذا دواليك، سنكون أمام زيادة لا متناهية.

ب – مفارقة الماهية للشيء يحول دون معرفة ذلك الشيء، لأن معرفة الشيء تتم بفضل ماهيته. وهذا يعارض انفصال الماهية عن الشيء.

ج – المثل لا يمكن أن تكون أسبابا وعلل مادية ولا فاعلة بالنسبة للجوهر أو للأعراض، لأن الكون يكون إما عن الطبيعة أو الاتفاق أو الصناعة، ووجود الأشياء هو وجود واحد سواء خارج النفس أو داخلها. وكل الأشياء تكون من مادة وبفعل فاعل.

إذا كانت المادة هي أصل التكون، فإن المثل لا يمكنها أن تغير المادة ولا أن تتدخل فيها وأن تقوم مقام الصورة، فالاتحاد كما سلف الذكر بين المادة والصورة هنا ضروري لبيان أصل الكون. فالإنسان لدى ابن رشد يتكون من الإنسان، وهذا ما يمكن أن ننعته بالدليل البيولوجي أو نظرية التكون الذاتي. وبصدد هذه المسألة يقول الدكتور محمد المصباحي: “عملية الخلق البشري، ذات طبيعة بيولوجية في صميمها، أي أنها تتم بقوى وأعضاء وآليات معلومة في الكائن الحي يمكن وصفها والبرهنة عليها تجريبيا وعقليا. وبذلك يكون ابن رشد قد ابتعد، في ذات الوقت، عن التفسير الأفلاطوني، والتفسير السينيوي، والتفسير الكلامي، وتفسير أهل الكمون لعملية التولد البشري” (“مشكل الاتصال: الإنسان بين البيولوجيا والميتافيزيقا عند ابن رشد”، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس العدد السابع، 1983 – 1984، ص 77.).

وفي ارتباط مع نقد أفلاطون يذهب ابن رشد إلى أن مسألة التكون هي دليل على ارتباط الكلي بالجزئي، بل أكثر من ذلك دليل على أن الكليات ليس متقدمة على الجزئيات، بل إن السبيل لمعرفة الكليات هو الجزئيات، حيث يقول: “الكليات أمور غير موجودة خارج النفس، وغنما هي أمور تجتمع في الذهن من الجزئيات (…) وينبغي أن يكون معروفا لنا عند هذا النظر الذي نحن بسبيله أن هذه الأسباب لنا أن نقولها مع مسبباته على طريق الكلية ولنا أن نقولها على طريق الجزئية. مثال ذلك أن لنا أن نقول أن دم الطمث هو هيولى للإنسان وأن الإنسان هو مولد للإنسان. ولنا أن نقول أن زيدا هو مولد عمرا الذي هو ابنه وأن دم الطمث الذي لهذه المرأة هو هيولى هذا الشخص المشار إليه”، (تفسير ما بعد الطبيعة، ص 1543 – 1544). فالكلي هنا لا يقال بمعزل عن الجزئي، ولا يقال الجزئي بمعزل عن الكلي. وهذا كله لبيان أن الجوهر ليس من الكليات. إذا فهمت الكليات بمعناها الأفلاطوني الذي يجعلها منعزلة عن أي العالم الطبيعي، منكرا بذلك أي صلة بين الجزئيات الحسية والكليات المجردة. وهو الأمر الذي من أجله ذهب ابن رشد إلى نقد نظرية المثل.

قلنا إنه لم يكن غرض ابن رشد من نقده لنظرية المثل، الرد على أفلاطون وبيان خطئه إنصافا للمعلم الأول، وإنما الرد على القائلين بنظرية “واهب الصور”، حيث وجه انتقادات لاذعة للفارابي ولابن سينا فيما يتصل بمفهوم العقل الفعال أو العقل المبدع الذي يعتبرانه لا يتدخل في عملية النشوء والتكون.

 

 

 

شاهد أيضاً

الشك في منهج الشك الديكارتي

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف                                        تقديم لعل تنسيب المنهج بمفهومه الفلسفي على وجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *