الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 20 – فتوى تحريم الفلسفة زمن ابن رشد

في صحبة ابن رشد: 20 – فتوى تحريم الفلسفة زمن ابن رشد

كوة: ر ع

من المشهور جداً في تاريخ المغرب أن التعاطي للفلسفة كان يخضع لقرار الحُكَّام، ولا يزال الوضع عمَّا هو عليه إلى اليوم بحيث إن تدريس الفلسفة في المدارس يستوجب قراراً سيَّاسيّاً من طرف الحاكِم بدعوى أن القوى المحافظة في بلداننا قد تنتفض في وجه دعاة التنوير والمشتغلين بالفكر الفلسفي، فهل يفهم من هذا أن مجتمعاتنا لا تزال تركن للتقليد والأصالة؟ هل لا تزال متحفِّظة من درس الفلسفة؟ ما أشبه أمس باليوم: فالقِوى المُحافظة لا تزال تنظُر إلى الفكر الفلسفي بعين حذِرة وتقف في وجه التفكير النَّقدِي لأنه يعارض ثقافة النَّقل بدل إعمال العقل، فلماذا يخافون من الفلسفة؟

تدعو الفلسفة إلى الاشتغال بآليَّات عقليَّة وبرهانيَّة في النَّظر إلى الأمور في حين أن العقل الفقهي يشتغل بآليَّة النَّقل، وهو ما سمي في تراثِنا بإشكاليَّة العقل والنقل، ولوضع العقل الفِقهي أمام محك النَّظر لا بد من استحضار موقف التحريم كما تبلور في تاريخنا السيَّاسي أيام ابن رشد، حيث أصدر أبو يوسف المنصور منشوراً في منع الفلسفة في المغرب والأندلس، مباشرة بعد نفي ابن رشد إلى أليسانة واضطهاد الفلاسفة في مراكش وقرطبة. ويصف المنشور في مقدمته أهل الاشتغال بالفلسفة بكونهم “يخوضون في بحر الأوهام ويتوهمون أن العقل هو ميزانيهم في النَّظر، والحق برهانهم”، وهؤلاء “القوم قد خلقهم الله للنار”.

إن التمعن في هذه الحجج يبيِّن بجلاء سخافَة الموقف من جميع المناحي، فالأوهام التي يسوقها المنشور ليست غير القضايا الفلسفيَّة الشائِكة والتي يواجِهها العقل الفقهي بجملة اعتقادات دوغمائيَّة لا تستوجب التفكير البتة، بل يهرع إلى التسليم بها وكأنها من صنف المسلمات التي لا تحتاج إلى برهان، و ما ينتج عنها ليس بمعرفةٍ يقينيَّةٍ ولا مبنيَّة على برهان، ومن جملة تلك القضايا التي يتجنبها الفقهاء وذو مصالح السيَّاسة نجد: قدم العالم، خلود النفس، وجود الله… علماً أن هذه القضايا الميتافيزيقيَّة قد خاض فيها علماء الكلام والفلاسفة زمناً طويلاً قبل أن تصل إلى “مُدنِنا”.

نعم يمثل العقل الأداة الرئيسة لإنتاج المعرفة وللنَّظر في شؤون الكون والبشر عموماً، فأيُّ ميزانٍ يقيمه الفقهاء بديلاً للعقل؟ إنه النَّقل يا سادة: أي اتباع ما تركه “السَّلف الصالح” دون التشكِيك في قيمته أو في صلاحيَّتِه ومدى مسايرتِه للوضع الرَّاهِن، مما يعني الاستكانة المطلقة للماضي. أما الحق الذي ينشدونه فهو حق أريد به باطِل، حق يفهمه كل فريقٍ على هواه، فالمسلمون رغم كونهم الشَّعب الوحيد الذي يمتلك نصاً قرآنيّاً واحداً ورسولاً واحداً وإلاها واحداً فإنهم مع ذلك أكثر الشعوب تشتُتاً وانقساماً في ملَّتِهم الواحدة.

أما وصف المشتغلين بالفكر الفلسفي بأهل النَّار فلا نجد من البراهين ما يؤكده، ويكفي العودة إلى سؤال الاختيار والجبر لمعرفة ما إن كان الله هو من يتحمل مسؤوليَّة خلق بشرٍ معين كبشر شرير لا يصلح لشيء إلا للنَّار: فلماذا خُلق ليخلد للنَّار؟ وما ذنبه في ذلك؟ إن على الذين لم يخلقوا للنَّار أن يجدوا السبيل الممكن للتعامل مع هذا المخلوق المغضوب عليه.

أمر المنشور بحرق كتب المشتغلين بالفلسفة وعلى رأسهم ابن رشد، حيث نقرأ فيه: “فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة على الإيمان. حركة من السموم الساريَّة في الأبدان. ومن عثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار بها يعذب أربابه. وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه. ومتى عثر منهم على مجد في غلواءه . عم عن سبيل استقامته واهتداءه. فليعاجل به بالتثقيف والتعريف. ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. أولئك الذين أحبطت أعمالهم أولئك الذين ليس لهم الآخرة إلا النار. وحب ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون. والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم ويكتب في صحائف الأبرار تضافركم على الحق واجتماعكم. إنه منعم كريم.”

بهذه الصيغة وقف العامة من النَّاس في وجه ابن رشد، وتباهوا بحرق كتبه وبطرده شر طريدة من مدينته واتهموه بكونه من اليهود الدخلاء على الملَّة الإسلاميَّة، رغم أنهم يشهدون على حكمته وإيمانه وتدبيره لشؤونهم اليوميَّة.

نتج عن هذا الموقف استتباعات جمة لا تزال ساريَّة المفعول في مجتمعاتِنا، بحيث يعلن العموم عداءَه للفلسفة دون أن يعرف حتى معناها، ولا يكلف نفسه عناء التساؤل: لماذا ينبغي تحريم الفلسفة وتجريم المشتغلين بها؟ ماذا لو قبلت الاشتغال بها بما هي علم كباقي العلوم؟ أليست هناك مصلحة للبعض في أن أكون عدواً للفلسفة؟

لا يزال قسطٌ هام من الجِسم الدِّيني يردِّد نفس أقوال القُدمَاء حول تحريم الفلسفة، ويحفظون فتوى ابن الصلاح ويكرِّرونها لمريديهم بل إن تحديث المدارس الدِّينيَّة لم يشمل هذا الجانب بل سكت عنه لغايات في نفس يعقوب.

لقد حرمهم امتناعهم عن الاشتغال الفلسفي من نعمة التفكير العقلاني والتساؤل النَّقدي لتنميَّة قدراتِهم المعرفيَّة والعلميَّة حتى في مجالات اهتمامهم، فكيف نريدهم أن يُجدِّدوا في الدِّين وفي الفِقه وهم بعيدون عن صناعة المنطق والتفلسف؟

 

شاهد أيضاً

أفلاطون: الزمان والطبيعة

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تقديم ” يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا, لأنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *