الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / حوار حول: الخطاب الفلسفي بين البلاغة والمنطق

حوار حول: الخطاب الفلسفي بين البلاغة والمنطق

 

 

 

 

صورة عبد الله مرضي

نص الحوار الذي أنجزه الأستاذ احمد الفراك مع المفكر عبد الله مرضي حول الخطاب الفلسفي بين البلاغة والمنطق

1 – الفراك. لماذا اختيار موضوع الخطاب الفلسفي بين المنطق والبلاغة ؟

عبد الله مرضي: يرجع اختيار مقاربة العلاقة بين الفلسفة والأدب من زاوية البلاغة لاعتبارين أساسيين:

  • أولهما يرجع إلى أن الفلاسفة الذين أسسوا للفصل بين ماهية القول الفلسفي وما عداه من المعارف وخاصة الأدب في تجلياته المختلفة ،انطلقوا من فكرة الحفاظ على خصوصية للخطاب الفلسفي تستجيب لمطلب الحقيقة والشمولية التي يطمحون إليها لذلك ارتبط تحقيق هذا المطلب بضرورة تخليص القول الفلسفي من رواسب الذاتية ومن ألاعيب اللغة وطرقها الغامضة والملتبسة أحيانا، ومن ثمة من كل اثر للبلاغة، وهو الأمر الذي نلمسه بداية في الأسلوب التهكمي التوليدي عند سقراط في مواجهته للسفسطائيين كما من خلال موقف أفلاطون من الشعراء و من الفن عموما وتمييزه بين المعرفة “الإبستيمي ” والرأي  “الدوكسا”. يمكن التأكيد  هنا على أمر واحد  وهو أن جذور التوتر بين الفلسفة والأدب إنما ترجع أساسا إلى آليات  البحث عن الحقيقة و بناء الخطاب وتقنيات الاستدلال والإقناع  ، فالتمسك ببرهانية الخطاب الفلسفي معناه أساسا رفض كل دور للبلاغة في إنتاج المعاني الفلسفية أو الدفاع عن صلاحيتها .بعبارة أخرى فضل الفيلسوف التضحية بكل ما هو بلاغي من اجل الحفاظ على خصوصية القول الفلسفي البرهاني بوصفه قولا يفترض مخاطبا كونيا غير معني بمؤثرات السياق .
  • أما الاعتبار الثاني فينطلق من الدراسات الحجاجية المعاصرة ومحاولتها إعادة النظر في مفهوم البلاغة حيث الحديث عن إمبراطورية بلاغية قادرة على التأليف بين البعد الأسلوب الشعري في البلاغة والبعد الإقناعي و الحجاجي لها من جهة ،واستيعاب مختلف أشكال الخطابات سواء تعلق الأمر بالعلوم الإنسانية أو الأدب أو الخطاب اليومي وكذالك الخطاب الفلسفي منظورا إليه من زاوية اعتباره خطابا احتماليا يروم التاثير في مستمع محدد ،من هذا المنطلق سيصبح حقل البلاغة مخلصا لنظرية الأدب من جهة وفضاءا يمكن من خلاله الحفاظ على خصوصية الفلسفة بعدما فقدت دعامة اللجوء إلى البرهان الصوري  أو الدليل الإمبريقي ( نحيل هنا الى الوضعية المنطقية كما في أعمال تولمين ،كوسيطا ،غريز وبيرلمان).

 

2 – الفراك: هل كانت الفلسفة دوما على وفاق مع الأدب أم أن تاريخ الفلسفة كما تاريخ     الأدب عرف تقلبات وتموجات جعلته يتقلب في مواقف مختلفة ومتناقضة ؟

مرضي: كما نعرف جميعا رسم الفلاسفة صورة خاصة بمجال اشتغالهم ،من منطلق الاعتقاد في القدرة على الإمساك بالحقيقة الكلية والخالصة بشكل اعتبر معه القول الفلسفي قولا برهانيا لا استعارة أوتمثيل فيه بهذا المعنى شكل حقل البلاغة مجالا للتمييز بين الفلسفة والأدب حيث تمسك الفلاسفة بخصوصية للفكر الفلسفي في البحث عن الحقيقة وإنتاج الخطاب حولها والصراع من اجل صلاحيتها ضد كل أشكال الخطاب التي تتوسل بغير البرهان سبيلا للبحث عن الحقيقة والإقناع بها .صحيح أن نصوص الفلاسفة حبلى بأشكال التمثيل والاستعارة لكن هذا التوظيف لما هو بلاغي سيعتبره الفيلسوف مجرد أداة تستجيب لأغراض تعليمية بيداغوجية ناتجة عن تفاوت مدارك المتلقين في سلم التصديق ( الخطابيون ،الجدليون و البرهانيون )وليس استعمالا مؤسسا للمعاني الفلسفية نجد تعبيرا دقيقا بهذا الخصوص عند أبو الوليد بن رشد في قوله “صناعة الخطابة تناسب صناعة الجدل وذلك لان كليهما يؤمان غاية واحدة ،إذ كانت هاتان الصناعتان ليس يستعملهما الإنسان بينه وبين نفسه كالحال في صناعة البرهان بل إنما يستعملهما مع الغير “( تلخيص الخطابة ).لكن هذا الأمر لم يمنع بطبيعة الحال الفلاسفة من تصريف أفكارهم الفلسفية في أشكال أدبية صريحة سواء كانت شعرا أو رواية أو غيرهما من أشكال التعبير الأدبي والأمثلة كثيرة بهذا الخصوص ،في المقابل يصعب الحديث عن إبداع أدبي استطاع أن يصبح عالميا دون أن يكون قائما على خلفية فلسفية تؤطر رؤية المبدع لذاته وللعالم ،غير ذلك سيكون الإبداع الدبي مجرد تمترس خلف كثافة الألفاظ أو استسلام لقوالب فنية شكلية تسعف في وصف الجزئيات وتعجز عن الإمساك بالمعاني الكلية .كما لايمكن إغفال وجود تقاطع تكاملي بين الفلسفة والأدب على مستوى الأسئلة القيمية والوجودية الكبرى ويمكن أن نستحضر في هذا السياق أمثلة بارزة (أبو العلاء المعري ،تولستوي ،سيرفانتس، بالزاك…..)

 

3 – تحدثتم عن الانعطافة الجديدة في تاريخ البلاغة ما هي معالمها وأفاقها الفلسفية؟

ارتبط الانعطاف البلاغي للحجاج الفلسفي (والمفهوم هنا من نحت الفيلسوف البرتغالي المعاصر مانويل ماريا كاريلو )بسياق فكري كان عنوانه الأبرز وضع الفلسفة في فضاء ما بعد الحداثة ،وما افرزه من تحولات طالت قواعد اللعب في العلم والأدب والفلسفة والفن نهاية القرن التاسع عشر وهو ما دفع البعض إلى إعلان نهاية الفلسفة أو اختزالها في الميتافيزيقا ( الوضعية المنطقية نموذجا ) كما سعى البعض الأخر إلى إحلال الفلسفة في الثقافة وتعويض الفيلسوف بالمثقف المتعدد الاهتمامات وربما الانتقائي (نموذج رورتي ).فيما سيعلن البعض الأخر بداية الانعطاف الفلسفي نحو حقل البلاغة من خلال رد الاعتبار لمفهوم الإمكان الذي وضعته الفلسفة عبر تاريخها بين قوسين من خلال دفاعها المستمر عن اليقين والضرورة والعقلانية الشمولية، بعدما سقط الأمل في التأسيس لمحكمة للعقل أو الاعتقاد في الأفكار العلمية والسياسية والأيديولوجية للأنوار والتقدم والحرية .رهان هذا الانعطاف البلاغي وآفاقه الفلسفية نجدها في التصريح التالي لمانويل ماريا كاريلو “يبدو لي أن البلاغة هي بديل جد مميز للفكر النسقي الذي تطور في الغرب ويمكنني على الفور أن أضع تصوري للفلسفة وهو التصور المرتبط بالسياق وبالبلاغة ،مقابل فلسفة للأسس مرتبطة في اعتقادي بمقاربة جد نسقية ،هكذا فان أهمية الرجوع الى البلاغة لا حد لها لنأخد مجال التواصل مثلا فكل تحليلات أرسطو حول الحقيقة والإغراء والتلاعب تعتبر ضرورية لفهم التواصل في العالم الحديث ”

مع ذلك لا يمكن القول أن هذا الرهان يبقى خيارا نهائيا للخطاب الفلسفي إذ تبقى للفلسفة خصوصيتها سواء على مستوى الفعالية الحجاجية أو على مستوى هويتها كفكر نقدي، وهنا استحضرتعريفا للباحث المغربي فريد لمريني في إصداره الأخير ” الفلسفة والنقد ،مراصد إبستيمولوجية ”  أكد فيه أن” النقد ليس كتلة فكرية تنتظرنا عند المحطة الأولى بعد إقلاعنا في فعل التفكير بل لمسة منهجية نكون دوما في طور البحث عنها وتعقب آثارها وبصماتها ،لكي نتعلم من خلالها ،ليس فقط كيفية الترافع والدفاع عن أفكارنا بقوة الحجج والبراهين، بل أيضا كيفية الانفكاك منها حين تتأكد هشاشتها أو ربما بطلانها “

شاهد أيضاً

ماذا وراء الاستعارات الدينية؟

سامي عبد العال سامي عبد العال الاستعارةُ لها مكانة طاغية في الطقوس والنصوص الدينية، لدرجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *