الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 17 – بطلان سفسطة وسطحيَّة الفقهاء: عن النزعة البرهانية

في صحبة ابن رشد: 17 – بطلان سفسطة وسطحيَّة الفقهاء: عن النزعة البرهانية

كوة: ع ر

كثيراً ما نسمع عن النَّزعة البرهانيَّة في النَّظر الرشدي، وعن اعتماده على البرهان كمنهج للتفكير واستبعاده للجدل والمغالطة التي اعتمدها العقل الفقهي – الأصولي، غير أن الأمر يظلُّ ملتبساً لدى غير المتخصصين في العلوم الفلسفيَّة، بحيث يُفهم عادةً على أن القصد منه هو البرهان كنوع من الاستدلال، في حين يتوجب التمييز بين نظريَّة البرهان المنطقيَّة وبين النَّزعة البرهانيَّة.

يعتبر البرهان الأرسطي المنهج الذي تقوم عليه جميع العلوم، إنه الأداة المنطقيَّة الأساسيَّة في الاستدلال. وقد جاء نتيجة المحاولات السَّابِقة للفلاسفة الطبيعيَّين أمثال الإيلين وبارمنيدس ومليسوس وآخرون ممن وضعوا مبادئ مكَّنت أرسطو من تشيِّيد نظريَّة متكاملة في المنطق تحت اسم “البرهان”.

أما البرهان كنزعة فيراد به: نظام معرفي متميز بمنهج خاص في التفكير وبتقرير رؤيَّة معيَّنة للعالم، لا تعتمد سُلطةً معرفيَّةً أخرى غير منهج البرهان المنطقي، أي نظام معرفي احتل مواقع له في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة خلال العصور الوسطى وقد وصفها الجابري بكونها قد مثلت ثورة حقيقيَّة مقارنة مع ما كان سائداً حيث يقول: “نزعةٌ تطلُبُ اليقِين في العقليَّات والقطع في الفقهيَّات والمُطابقة لطبائِع العمران في المرويَّات التاريخيَّة معتمدة في بناء المعقوليَّة في هذه الميادين المعرفيَّة على الإطلاق من الكليَّات واعتبار الأسباب والمقاصد. إنها نزعة علميَّة قامت على ما ساد في الثقافة العربيَّة من نظرة تجزيئيَّة ومشادَّات كلاميَّة وخلافات فِقهيَّة تعتمد المُغالطة والجدل”.

أما البرهان فيراد به ذلك الثابت المنطقي أو القاعِدة – المنطلق الذي يرسم سبيل العلوم ويضع الخطوط العامَّة لاشتغالها. ومبادئه في المنطق الأرسطي نوعان: مبادئ مشتركة بين كافة العلوم، وهي بمثابة أساسات يقوم عليها كل علمٍ على حِدة، ومبادئ خاصة (تمثل مصادرات أو بداهات) بكل علمٍ على حِدة، تخص العلوم الجزئيَّة، في حين أن المبادئ العامة المشتركة، هي من اختصاص الفلسفة الأولى (ما بعد الطبيعة ـ الميتافيزيقا) التي لا بد من وجودها كعلم كلِّي يختص بالبحث في هذه المبادئ العامَّة والمشتركة بين جميع العلوم.

والبرهان في تعريف أرسطو هو “قياسٌ يقيني يُفِيد علم الشيء على ما هو عليه في الوجود بالعِلَّة التي هو بها موجود إذا كانت تلك العِلَّة من الأمور المعروفة لنا بالطبع”، يشترط فيه “أن تكون مقدماته مع أنها صادقة ضروريَّة أيضاً”.

مثل كتاب شرح “البرهان” مرحلة جديدة في تفكير ابن رشد، قوامُها التأصيل لمشروع جديد ولاستراتيجيَّة جديدة تهدف لا للدفاع عن الأرسطيَّة ضد النَّزعة الكلاميَّة وفقط، وإنما لصياغة تصور جديد للعالم ولرؤيَّة جديدة تقطع الصلة مع الإرث المشرقي الذي مثله الفارابي وابن سينا… ونظرية البرهان لا تعنى بدراسة المناهج العلميَّة ولا بنمط البراهين المستعملة في العلوم النظريَّة، لأن العلوم نفسها هي التي تكشف عن منطقها الخاص ضمن المنطق العام، وعن نمط البراهين المستعملة فيها على ضوء النَّظر في البرهان الذي يقوم على الكليَّات.

والبرهان بمقتضى الرأي الرشدي، هو علم قائِمٌ بذاتِه لأن موضوعه لا يتعلق بالموجودات، بل بالعلوم النظريَّة، فهو يمثل الصور المنطقيَّة الكليَّة العامة لهذه العلوم جميعاً، فالمنطق لعب دور جامع العلوم، ليشكل الوحدة الحقيقيَّة لفكر ابن رشد، ويريد بهذا أن المقدمات التي يستدل بها ويعتمدها كأساس للبرهان في العلوم الأخرى ترتكز في أغلبها على المقدمات المنطقيَّة التي بيَّنها في البرهان. ويعود إليها ابن رشد في كثير من الأحيان لبيان مشروعيَّة آراءه في مقابل بطلان آراء الفلاسفة المسلمين الآخرين. ففي العديد من الحالات يكون مبرر العودة إلى المنطق، هو بيان فساد مقدمة من المقدمات التي ارتكز عليها الشراح أو الأرسطيِّين العرب في قضيَّة من القضايا.

يعتبر ابن رشد منهج الفقهاء ومن تقدمهم من فلاسفة المشرق، منهجاً مغالطياً يعتمد على الجدل السُّفسطائِي السِّطحي، ولا يرقى إلى مستوى البرهان المنطقي، ويتضح ذلك أساسا في الاختلاف بين المنهج الفلسفي والمنهج الفقهي، فهذا الأخير يعتمد على الخطابة والعاطفة وينشد وجدان الناس في حين أن الفلسفة تخاطب العقول وتسعى إلى تفكير علمي مبني على معرفة وضعية خالصة.

وبموجب هذا تمثل إذن نظريَّة البرهان أساس العلم والفلسفة معاً، وهي الشَّرط الضروري الأول لفهم مقاصِد المشروع الرشدي، زد على ذلك حاجة الملحة لفهم ما يجري في علوم العصر، مع التطور الحاصل في المنطق الرياضي والذي دفع بالتكنولوجيا دفعاً لا مثيل له، ومع كامل الأسف شكل غياب درس المنطق في جامعاتِنا بحكم طبيعة السُّلطة السيَّاسيَّة وأهدافِها (بما فيها الكليَّات المُختصَّة: الفلسفة مثلاً) دفعنا إلى التخلف عن مجمل التراكم العلمي منذ عصر النَّهضة إلى اليوم، ورغم تجاوز العلم للمنطق الصوري كما شرحه ابن رشد فإنه يظل إلى جانب المنطق الرمزي المعاصر والمجالات المنطقيَّة الجديدة ودورها في تطوير آليَّات وأسالِيب التفكير الَّنقدي حاجةً ماسَّة لا غنى عنها لربط الأجيال الجديدة بالأُفق الكوني المفتوح على الجميع شعوباً وأفراداً: فكيف يمكن إذن إعادة الاعتبار للمنطق بمختلف مدارسه القديمة والجديدة كمفتاح لمسايرة الثورة الجاريَّة في مبادئ التفكير العلمي والفلسفي معاً؟.

شاهد أيضاً

أفلاطون: الزمان والطبيعة

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تقديم ” يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا, لأنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *