الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 16 – – هل ينبغي التفكير في الغيبيات؟

في صحبة ابن رشد: 16 – – هل ينبغي التفكير في الغيبيات؟

كوة: ع ر

بدل ابن رشد جهدا غير منظور في تقريب مذهب أرسطو في الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) وتفوق على سابقيه في مجال تنقيح وإعادة تفسير معانيه ودلالاته الكبرى انسجام والهمة التي كلفه بها الخليفة الموحدي، معتبرا أن أقسام هذا العلم، تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1 – قسم أول يهتم بالأمور المحسوسة بما هي موجودة وفي جميع أجناسها التي هي المقولات العشر وفي جميع اللواحق التي يلحقها وينسب ذلك إلى الأوائل فيها بقدر ما يمكنه في هذا الجزء. ويعتبر هذا القسم الجزء الأهم الذي يربط فيه ابن رشد مبدأ الجوهر المحسوس بنوعيه كما وضعه في العلم الطبيعي مع الجوهر المفارق الذي يبرهن على وجوده أولاً في الفيزيقا، كما فعل في المقالة الثامنة من السماع الطبيعي.

2 – قسم ثانٍ ينظر فيه في مبادئ الجوهر وهي الأمور المفارقة، ويعرف أي وجود وجودها، وينسبها إلى مبدئها الأول الذي هو الله. ويعرف الصفات والأفعال التي تخصه، كما بين أيضا نسبة سائر الموجودات إليه وأنه الكمال الأقصى والصورة الأولى والفاعل الأول… وفي هذا القسم يبحث في الوجود بإطلاق، أي في الجوهر بما هو جوهر مفارق. وهذا هو الموضوع الأصلي للميتافيزيقا.

3 – قسم ثالث ينظر فيه في موضوعات العلوم الجزئية ويزيل الأغاليط الواقعة فيها لمن سلف من القدماء (وتحديدا ابن سينا)، وذلك في صناعة المنطق وفي الصناعتين الجزئيتين، أي في العلم الطبيعي والتعليمي. يصحّ أن نسمي هذا القسم من “ما بعد الطبيعة” بالقسم النقدي الذي يحاول ابن رشد أن يبني من خلاله نظرية نقدية تتسم بالوقوف أمام الأغاليط التي وقع فيها من سلف، وذلك بغية وضع النص الأرسطي في مقامه وبيان ما للحكيم وما للقدماء. وهنا يكون التقاط الأقاويل العلمية مفيداً. وإذا صح القول فهذا الجزء من المشروع الرشدي يعتبر بحق أهم جزء أسس عليه رؤيته واستراتيجية اشتغاله طوال أربعة عقود من الوفاء للأرسطية، فما برح يوما القراءة والتلخيص والشرح والتفسير، ومنه يستفاد عمق الطريقة البيداغوجية الرشدية.

يعتبر كتاب “تفسير ما بعد الطبيعة” من الشروح الكبرى التي وضعها ابن رشد. وهو أعظم كتاب على الإطلاق كما وصفه جل المهتمين بالدراسات الرشدية. ولعل ما يميز هذا العمل هو:

حفاظه أولا على الترتيب والنظام الذي وضعه اليوناني أندرونيكوس الرودسي لكتاب ما بعد الطبيعة، وهو الأمر الذي خالف فيه كل من الفارابي وابن سينا.

اهتمامه ثانيا بهذا الكتاب في حدود ما توفر لديه من مقالات، حيث غطى إحدى عشر مقالة من أصل أربعة عشر متقدما بذلك على سابقيه.

تميزه ثالثا بالطريقة النموذجيّة التي اعتمدها في التفسير وهي طريقة تتبع المقالات فقرة فقرة بالشرح الوافي، الذي يتجاوز أطوله في المقالة الواحدة 300 صفحة، وهو الشرح الذي قال عنه معظم الرشديين بأنه يشبه إلى حد كبير طريقة الشراح المسلمين المختصين في تفسير القرآن، والسيرة النبوية.

انفتاحه رابعا في تفسيره لمقالات ما بعد الطبيعة على جل مؤلفات المعلم الأول ويربط بينها برباط عجيب ومتناسق ومتكامل، يدل على إلمامه ومعرفته بخبايا المتن الأرسطي. هذا ما يكشف عنه حجم النشرات التي اعتمدها فيلسوف قرطبة وعدد الترجمات التي وقعت بين يديه، حيث لا يدع مجال للشك أن استحضاره لكل أصناف الشروح التي عرفها العرب إلى حدود القرن الثاني عشر. وبهذا نال لقبه الذي اشتهر به في العالم العربي واللاتيني: الشارح الأكبر.

كشف خامسا عن النزعة العقلانيّة التي ترجمها المنهج البرهاني في التفكير والتأليف، كما ترجمها الربط المنهجي والموضوعي بين القضايا التي طرحتها الفلسفة اليونانية مع أرسطو، وبين القضايا المطروحة في الساحة الفكرية العربية – الإسلامية، ولعل خير نموذج لهذا السجال ما أثارته مقالة اللام من نقاش عميق نال اهتمام العرب على وجه أخص. وتشكل هذه المسألة الدليل على أصالة الفكر الرشدي، ذلك أنه لم يكتفي بالإدلاء بدلوه في القضايا التي تقض مضجع المسلمين كمسألة المحرك الذي لا يتحرك، وصلة الله بالعالم أو ما شابه، بل وضع تلك القضايا في سياقها التاريخي مدشناً بذلك تحليلاً نوعياً بالمقارنة مع السابقين. فإذا كان السابقون قد اكتفوا بشرح مقالة اللام والتركيز على القضايا الأساسيّة فيها، فإن ابن رشد قد عمل على إعادة شرح كتاب الميتافيزيقا كاملاً. وقد بيَّن في ذلك ضلوعه في المنظومة الأرسطيّة بأكملها. فالمحرك الأول الذي لا يتحرك يستوجب النظر في مسألة الحركة وما استلزمه من عودة إلى المقالة السابعة والثامنة من السماع. ومن المهم جداً التأكيد على أن عمل ابن رشد يتوجه صوب الفصل بين ما لأرسطو وما لابن سينا و ما للفارابي. وذلك لعزل الافتراءات التي تعرض لها القول الفلسفي على يد العقل الأصولي، وللتأكيد على أن الموضوعات الفلسفيّة الأرسطيّة بيّنة بذاتها فلتعملوا على دحضها. وهذا هو الأمر الذي دشنه “فصل المقال”، الذي يعتبر بحق بياناً تأسيسياً لحداثة رشديّة تعبر عن نزوع نحو رؤية نقديّة عقلانيّة غير مسبوقة في التاريخ العربي ـ الإسلامي.

 

شاهد أيضاً

أفلاطون: الزمان والطبيعة

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تقديم ” يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا, لأنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *