الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 15 – فيم يفيدنا فكره اليوم؟

في صحبة ابن رشد: 15 – فيم يفيدنا فكره اليوم؟

كوة: ع ر

كيف يمكن أن نستحضر فكر ابن رشد اليوم؟ سؤال في غاية الأهمية لكل من تعامل مع نصوصه ومتنه الفلسفي، لهذا أمكننا اجمال إسهام ابن رشد التاريخي في: إصلاح وعقلنة المدونة الفقهية في “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”؛ الفصل المنهجي بين ما للشرع وما للفلسفة، مع وضع الحدود بين التفكير البرهاني والتفكير الجدلي والخطابي في “فصل المقال؛ الكشف عن افتراءات وتأويلات المتكلمين التي مزقت الشرع وفرقت الناس بهدف اصلاح عقائد الشريعة في “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة”؛ إصلاح المدينة والرقي بأحوالها وأوضاعها من خلال “الضروري في السياسة”؛ المساهمة في إصلاح التعليم وتنقيح النص الأرسطي مما شابه من عبارات قلقة؛ تعميق الوعي بأهمية العلوم وخاصة الطب والفلك.

تساعدنا نصوص ابن رشد في فهم ما جرى في مرحلة تاريخيَّة من تاريخ الأندلس ومراكش ونوعيَّة السِّجالات التي فرضت نفسها في تلك المرحلة، مما يفسر الحاجة إلى ضرورة تعميق النِّقاش حول المدونة الفقهيَّة التي أبخس من قيمتها العقل المتزمت والمنغلق، لأن السلوك الأخلاقي للمواطن عرف تقلبات عميقة يتوجب معها الأخذ بعين الاعتبار حجم التحولات الجاريَّة في كل المستويات وعلى الأخص الهويَّة والانتماء والتعبير الإيماني، والتي مسَّت مختلف الشعوب في العالم ككل.

ليست النصوص وحدها تكفي لتقريب واقعنا من حاله اليوم، وإن كانت هامة لإدراك ماضينا القريب، غير أن الاحتكاك بها يُفيدنا كتمرين في التفكير لفرز الحُجج وبناء حُجج مُقنِعة لهذا الفكر أو ذاك، وهو ما نفتقده اليوم في التقليد السَّلفِي المنتشر في مختلف البلدان التي تبنَّت الإسلام كعقيدة رسميَّة للدولة والمجتمع معاً، والذي اعتمد طريقة التفكير كأسلوب وحيد وواحد لمواجهة كل الخصوم والأعداء، فالفكر السلفي الذي تُغذِّيه قوى سيَّاسيَّة ارتكاسيَّة لإدامة الاستبداد والطغيان لا يقر بالحق في الاختلاف، بل بلغ من الانغلاق حداً لا يُطاق بدعوى أن السَّلف الصالِح كانت تلك سُنَّته، وهو براءٌ منهم لأن القدماء خاضوا سجالات أقوى في أمور أشد تتعلق بالأصول والإمامة.

من كان يظُنُّ أن العقل الأصولي اليوم يقبل بمناقشة الحريات الفرديَّة والحق في الاعتقاد وفي اختيار التدين فهو واهِم، لأنه عقل إطلاقي وثوقي يؤول النصوص كيفما شاء ويختار منها ما يروق مصالحه وأهدافه السيَّاسيَّة والإيديولوجيَّة، بل ويختار منها ما يخدم توجهه فقط باسم سُلطة النَّص، وهو يهرب من المساجلة الفكريَّة ومن تقليد المُناظرة تعبيراً عن خوفٍ وقلقٍ داخلي يساور مُنظِّرِيه، ومخافة استفاقة النَّاس من سباتهم وأوهامهم.

إن أكبر خدمةٍ يمكن أن نقدِّمها اليوم للفكر الرشدي وفاء لروحه العقلانيَّة ولمنهجه البرهاني هو الخوض في المسائل التي خاض فيها بكل جرأة رغم الحصار الذي تعرض له من كل الجوانب، لأن الإصلاح السيَّاسي لا يزال مطلباً مُلحاً في واقعنا وسيَّاقنا المعاصر، رغم أن جدول أعمال السيَّاسيِّين يقتصر على الديمقراطيَّة دون أن يربطها بالمسألة الثقافيَّة والفكريَّة والتي لا يولون لها أهميَّة تذكر. لذلك لا يمكن في نظري عزل مطلب الإصلاح السيَّاسي عن الإصلاح الشامل، لأن أوضاع الناس الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة ليست بمنأى أو بمعزل عن السيَّاسة أو الثقافة، فبماذا نفسر تغيِّيب البحث العلمي في مجتمعاتِنا طوال قرون؟

أولى مهمات العمليَّة الديمقراطيَّة هي إصلاح مناهج التربيَّة والتعليم إصلاحاً جذريّاً بموجِبه نضمن تربيَّة سليمة وعقلانيَّة للناشِئة ونضع من خلالها الخطوط العامة لمواطن القرن الواحد والعشرين مُلماً بتاريخه الحقيقي وليس المزيف، ومطلِّعاً على علوم العصر في مختلف المجالات ومواكبة مستجدات الكون، وتنقيح البرامج من خطابات التزمت والانغلاق والانطواء على الذات، وتمرينه على خوض غمار الجدال والسجال ومقارعة الحجة بالحجة، مع منحه الحريَّة الكاملة في اختياراته العقديَّة والتعبديَّة ما دامت العلاقة مع ربه تخصه هو دون غيره، وهو ما يعني عمليّاً رفع الوصاية والحجر على العقول والرقي بها بدل التبخيس من قيمتها والاستصغار بها.

إن تنامي النزعة القانونيَّة وتطوير ثقافة الحقوق والقانون لن يفيد في شيء ما دام المواطن تنقصه التربيَّة المُواطِنة والتي تحدد له مجالات الحريَّة الفرديَّة ومجالات الحريَّة الجماعيَّة، وتقيم وزناً بيِّناً بين الفضاء العام والفضاء الخاص. والسبيل إلى ذلك هو تثقيف النَّاس وتعميم التمدرس للخروج من حالة التجهِيل المطلق الذي تنهجه أنظمتُنا المُستبدة للإبقاء على نفس الأوضاع.

إن الانتشار الواسع لثقافة التكفير وتتبع مشاهير الشيوخ والوعَّاظ الذين يعملون على تضليل وعي الناس خدمةً لأغراض سيَّاسيَّة ولعبة المصالح الجيو – استراتيجيَّة، لهو دليل على حالة التَّيه التي تتخبط فيها مجتمعاتنا، حيث عاد الدَّين ليلعب دوره الأيديولوجي في تشويه الحقائِق وتغلِيف رؤى الناس للعالم بلباسٍ ميتافيزيقي بائِد. وحتى وصفة احتكار الفتوى من طرف المؤسسات الرسميَّة لن تُجدي في شيء، لأنها تُغذي انتشار وتنامي الجماعات السيَّاسيَّة المقصيَّة من حقها في الاختلاف والتداول العمومي للقضايا الدينيَّة، فما الذي يمنع من إذاعة السِّجالات في قضايا الدِّين والدنيا وتوفير الحريَّة للناس في اختيار ما يُناسِبهم من سلوكات وقيم أخلاقيَّة؟ أكيد أنه مانِعٌ يطال النِّقاش في السيَّاسة وفي الإصلاح السيَّاسي بدوره.

شاهد أيضاً

أفلاطون: الزمان والطبيعة

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تقديم ” يرى أفلاطون أن الزمان ليس أزليا, لأنه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *