الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / العقل التقني تهميش للعقل البشري

العقل التقني تهميش للعقل البشري

 بقلم الباحث عبد الرحيم البرادي – المغرب

ارتبط المجتمع التقني في الغرب بمفهوم الحداثة، وهي تعني في ما تعنيه تطوير أساليب وطرائق جديدة في المعرفة قوامها الانتقال من المعرفة التأملية وحدها إلى المعرفة التقنية، فالأولى يطغى عليها الطابع الكوني والقيمة وهي تتخذ طابعا شعريا صوريا في حين تبقى المعرفة التقنية وجه جديد للمعرفة تقوم على توظيف العقل الحسابي التجريبي والتكميم الرياضي، أي أنها مرتبطة بالعلم أو المعرفة العلمية، التي من خصائصها الأساسية تصنيف التقنية أولا، والفعالية والنجاعة التي تقوم على السيطرة على الطبيعة وبالتالي السيطرة على الإنسان ثانيا.

ومن هذا المنطلق تتخذ الحداثة شكل عقلي آداتي يعمل بالمعرفة العلمية والتقنية، والجدير بالذكر هو أن العقل التقني قد انتقل ليشمل حتى العلوم الإنسانية والاجتماعية بمعنى إخضاع الثقافة هي الأخرى للفكر التيقنوقراطي، الذي يكون به العلم مصدر الشرعية السياسية ومركز الاديولوجية.

عصر الحداثة هو عصر الجديد وعصر الإنقطاع عن الماضي، فالحداثة بالمعنى البودليري هي وعي بلا استمرارية الزمن، وقطيعة مع التقاليد، وإحساس بالجديد وتشوقا لماهو عابر فأن نكون حداثيين بمعنى أن لا نقبل بالحركة الدائمة، وإنما السعي نحو الأشياء الجديدة التي تتلائم مع روح العصر، الذي يستمد مصداقيته من ذاته، وهنا أصبح الإنسان هو مركز العالم ومحدد الأشياء التي ترجع بدورها للذات المفكرة “الكوجيطو”. وهذا ما أصبح يطلق عليه النزعة الإنسانية بمعنى مركزية ومرجعية الذات الإنسانية وفعاليتها، هذا من جهة ومن جهة ثانية إن السمة الأخرى التي ميزت الواقع الجديد هي العقلانية والتي كان هدفها هو إخضاع كل شيء إلى العقل سواء في مجال المعرفة العلمية أو الإدارة والتسيير والتدبير والاقتصاد ثم السلطة وما إلى ذلك … الخ. وهكذا كانت العقلانية هي في نهاية المطاف السيطرة الكونية للتقنية التي أصبحت كزاد للمهاجر لا يمكن أن يتخلى عن استعمالها عند الحاجة، إذن العقلنة الآداتية سيطرة على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان، وعموما تكون الحداثة هي تغيير وثورة في كل المجالات (المعرفة – الإنسان- الطبيعة- التاريخ ) إنها بشكل من الأشكال بنية فكرية كلية تكتسح كل ما حولها وتخترق كل النظم الإجتماعية والسياسية والثقافية، إنها بصحيح العبارة غزو وامتلاك أسلحة الدمار الشامل وهكذا تكون “علاقة داخلية حميمية وتلقائية بين الحداثة والعقلنة”[1] وآية ذلك هو أن العقلانية التقنية وعقلانية السيطرة هما شيء واحد .

  • بواعث بزوغ العقل التقني

أ– الفكر التنويري

كان عصر الأنوار كارثة كبرى على أوربا وعلى العالم، مما خلقه من زعزعة القيم والمثل السامية، فقد كان التنوير فكرا جديدا تأسس خلال القرن الثامن عشر، رغم أن بداياته كانت في السنوات الأولى من القرن السابع عشر منذ أن أطلق ديكارت العنان للأنا لتقول كلمتها، وتعلو فوق الأشياء. والتنوير كما هو معلوم هو محاولة لإخراج الإنسان من حاضرة الخوف والقلق وجعله سيدا على العالم، وتحريره كذلك من الأساطير، وكان سنده في ذلك هو العلم كما تصوره أب الفسلفة التجريبية فرانسيس بيكون؛ حيث ساهم هذا الوضع في بزوغ عالم الصناعة، كما ظهرت الصحافة المطبوعة واكتشاف المدافع والبوصلة، وهي تغيرات يتجلى بعضها في العلم والأخر في الحرب والنقد والعملة والتجارة وغير ذلك، وهذا مايظهر أن سيطرة الإنسان على الطبيعة لم تكن إلا وليدة العلم. هذا الأخير الذي حمل سمة جديدة تعرف باسم التقنية، والتي تعبر على ديمقراطية تتوازى مع النظام الاقتصادي الذي يخدمها وتخدمه،”إن التقنية هي أساس هذا العلم أو المعرفة.”[2]

إذا كان الأمر هكذا فإن الحداثة تبرز الفرق الحاصل بين المجتمعات الحديثة والتقليدية، فالأولى قد تجاوزت الفكر السحري وأثاره على الإنسان، أما الثانية فبقيت حبيسة ذلك الفكر الذي يسيطر عليه السحر والأسطورة والخرافة والمعجزة.

هكذا تم تجاوز الأوضاع الأولى للحياة البدائية لصالح إنسان حديث بصورة حديثة، تعطي للعقل والحياة أهمية كبيرة على خلاف ما كان سائدا في العصور الوسطى. وهكذا طال التغيير العديد من المجالات والمؤسسات. لتشيد نفسها في صورة عقلنة المجتمع وفي جميع مناحي الحياة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية والسياسية …إلخ

وبناءا على السياق الرأسمالي هذا المؤمن بالنظام البيروقراطي الذي أعطى أهمية قصوى وحاسمة للسلوك الاقتصادي العقلاني في المجتمع الحديث، والذي أبرز غياب النماذج الاقتصادية البسيطة وتعويضها بالنموذج الرأسمالي المعقد ذو النزعة الإنتاجية، والذي يبحث عن الجودة والنجوع والثروة، والذي يكون الإنسان فيه خادما عن طريق الزهد والتقشف والادخار والعمل المستمر، وبالتالي أنتج أسلوبا جديدا للحياة اتخد طابع ذهنية اقتصادية وجدت صورتها في الرأسمالية.

إن هذا النمط الجديد للرأسمالية، والذي كان نتيجة للفكر التنويري، لم يكن في حقيقة الأمر إلا تعبيرا عن أساطير جديدة تعتمد على الكونية والشمولية، وهكذا تصبح الأسطورة تنويرا، والطبيعة تصبح محض موضوعية، ثم إن الناس يدفعون قوتهم بالتحول  إلى غرباء عمن يمارسون عليه هذه القوة.

الجدير بالذكر أن التنوير هنا أصبح ديكتاتورية إزاء الناس، يتلاعب بمشاعرهم؛ فهو السلطة الغير المرئية والقناع الذي لا يمكن أن يخترق، فهو يحمل صفة المساواة القمعية، المساواة بين الحق والظلم من خلال القبول بالقيم الجديدة التي سيطرت على الإنسان داخل مجال إعادة الإنتاج والصناعة التي يقوم فيها التجريد والعقل بدور استقامة الإنتاج، ويصبح الناس أحرار بحد ذاتهم هذا “القطيع الذي اعتبره هيغل بالذات إنتاجا من انتاجات التنوير “[3]

وإذا كان التنوير ثورة على الأسطورة وعلى الخضوع لسلطتها، فقد سجل هو أيضا تواطؤا سريا معها بمعنى أن العقل نفسه لم يخرج عن الأسطورة، وهكذا انتقل العقل إلى ميتولوجيا “فالتنوير هو عقلنة الرعب الميتولوجي “[4]

بهذا المعنى فشلت حركة الأنوار في تجاوز التكرار الأسطوري والتخلص من الفكر النقدي العتيق. وهنا يسترسل العقل في غائيته المعهودة وهي السيطرة على الطبيعة والغريزة، وهنا يكون عمله عملا آداتيا بالدرجة الأولى.  إذن “فالعلم الحديث مع الوضعية المنطقية قد رمى وتخلى عن المطلب العام للمعرفة النظرية لصالح المنفعة التقنية “[5]

عصر الأنوار هو عصر انتصار الفكر الاجتماعي والفلسفي التنويري الحر، الذي فتح الباب أمام حدث الثورة الفرنسية والتوقيع على حقوق الإنسان والاعتراف بقيم الطبقة الوسطى، لقد كان التنوير محاولة إنسانية لتجاوز ما كان سائدا في العصور الوسطى، وهكذا تأسست الروح النقدية التحررية القائمة [6]على استخدام العقل وتجاوز العالم الميتافيزيقي، وهكذا انبثقت أفكار اجتماعية نقدية وحركات سياسية تزامنت مع الثورة الصناعية هذا فضلا عن رواج فكري واتجاهات فلسفية منها الحسية والعقلانية.

من هذا المنطلق فالتنوير هو ثقافة جديدة حاولت تجاوز السيطرة الأرستقراطية، مؤسسة لفلسفة جماهيرية هدفها القدرة على التقدم الإنساني في جميع المجالات والسيطرة على الطبيعة وتسخيرها لصالح الإنسان والمجتمع، ويمكن إجمالا حصر الملامح الهامة لعصر التنوير في :

  • النزعة العقلية التي أعطت قيمة للإنسان وقضاياه وجعلت من العقل سيد العالم.
  • مفهوم التقدم وقدرة العقل على التغيير والتطور.
  • التفرقة بين الدولة والمجتمع.
  • عقلانية المنفعة : خلق السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس.

ب- النزعة الوضعانية :

لعل الغزو العلمي الذي عرفه العالم في غضون سنوات التحديث التي شهدها العالم الغربي لن تكون مجرد دينامية اقتصادية فقط، وإنما هي كانت سببا في العديد من التناقضات التي بدأ يعيشها المجتمع الغربي خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية. ولعل البناء المسترشد للمجتمع والعقلنة التي عرفها والجهاز البيروقراطي للدولة، كلها عوامل تشابكت معلنة تغييرا جدريا في النمط الذي دعا إليه فكر التنوير، فكانت الوضعانية التي أسس لها أوغست كونت صاعقة جديدة تلبس لباس العلم الذي همش الفلسفة والفكر والعقل في كل تجلياته، وعمق البحث في الرفع من نمو الفكر الرأسمالي الذي يعتمد على الإنتاج والربح السريع والنجاعة الدائمة.

هكذا كانت الوضعانية هاجسا أساسيا سكن كل رواد مدرسة فرانكفورت وأغلب ممثلي تيار ما بعد الحداثة، الذين وقفوا بشكل مطول عن البعد السلطوي عند المدرسة الوضعانية ذات النزعة العلمية وعن إرادة القوة التي تمارسها، والآليات التي توظفها وتستمرها في ذلك.

لقد جعل أبو الفلسفة الوضعية من السوسيوليوجيا علما سيكمل حدوث الثورة في الغرب، وهكذا أسس لفلسفة اعتبرها الأساس الديني للغرب يقوم على علم جديد واضح وتفسيرات جادة، ففي نظر كونت كان نوع من المجتمعات قيد الاختفاء، إنه المجتمع الذي يحكمه نمط الفكر التيولوجي المشروع بسلطة الكنيسة، والذي اختفى وعوضه مجتمع علمي صناعي، لهذا فإذا كان العصر البائد يحكمه رجال الدين فإن العصر الراهن يحكمه العلماء. وبالتالي الثورة الاجتماعية رهينة بثورة علمية، وهذا الأمر لا يمكن أن يتأتى إلا بخلق سياسة وضعية؛ فقد اعتبر كما هو الحال لباقي معاصريه أن المجتمع الغربي في أزمة والسبب قي ذلك يكمن في وجود تناقض بين النظام الاجتماعي التقليدي التيولوجي الذي هو قيد الاندثار، ونظام اجتماعي صناعي قيد النشوء. ولعل قانون الحالات الثلاث الذي يعلن فيه كونت أسراره الفكرية، وفيه قسم الفكر الإنساني إلى ثلاث مراحل تاريخية:

  • العصر التيولوجي أو الخيالي : وتعلق بطفولة الإنسانية ويتم فيه تفسير الظواهر بعوامل خرافية سحرية.
  • المرحلة الميتافيزيقية :مرحلة مراهقة الفكر الإنساني وفيها يحاول الفكر تفسير الظواهر بالقوى المطلقة كالطبيعة والعقل “المنهج الفلسفي”.
  • العصر الوضعي: ويعتبر العصر الذي عبر فيه الفكر الإنساني عن قوة ذكائه، وفيه يطرح العقل السؤال حول الأسباب الحقيقية للظواهر من أجل معرفة القوانين الفعلية لحدوث الأشياء.

هكذا وكما يعتقد كونت مكن الفكر الوضعي من ترك النظريات العامة لصالح المعرفة الدقيقة الإجرائية والمرتبطة بأحداث واقعية، واعتبرها عهدا واقعيا عهدا جديدا للفكر الإنساني. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن كونت كان شغله الشاغل  هو أن يجعل من السوسيولوجيا علما وضعيا؛ حيث يمكن من معرفة القوانين التي تتحكم وتحكم المجتمع، وتحكم كذلك تطوره، وحل المشاكل الاجتماعية حاملا بذلك شعار”المعرفة من أجل التوقع والتوقع من أجل التحكم” وبهذا المعنى يكون المنهج الوضعي ضروريا في العلوم لإعتماده على الملاحظة والتجربة واكتشاف القوانين ومن تم وجب معالجة المواضيع التي كانت حكرا على التيولوجيين والميتافيزيقيين باستعمال هذا المنهج الوضعي.

إذن فهل هذا المنهج الذي كان أسس له كونت كان كفيلا لإخراج المجتمع الغربي من أفكاره المسبقة والمعتادة ؟

إن الفهم العميق لفلسفة كونت الوضعية لا يمكن أن يتم إلا باستحضار الخصم الذي كانت تواجهه، فقد ظهرت كرد فعل ضد الاتجاهات الفلسفية النقدية الهدامة، والتي برزت في فرنسا وألمانيا على الخصوص، خاصة مذهب هيغل ومن سار على نهجه،  والذين رأو أن كل ماهو واقعي قائم أو حالة راهنة ينظر إليها في ضوء العقل تصبح سلبية وعارضة، ويعتريها التغيير والتحول بمعنى تعود صورة زائلة داخل عملية ديالكتيكية لا تتوقف عند حد معين.

تجدر الإشارة إلى أن المشروع الفلسفي الذي وضعه كونت والذي حاول من خلاله التأسيس لعلم الاجتماع بمنهجية جديدة، كان يسعى من خلاله وضع حد فاصل بين الفلسفة وعلم الاجتماع، وبالتالي جعل المجتمع موضوعا لعلم مستقل هو علم الاجتماع، ولقد كان كتابه الموسوم ب “دروس في الفلسفة الوضعية” أهم مؤلف طرحت فيه أهم أفكاره الوضعية.

ت- الوضعانية من حيث هي الند المقابل للفلسفة:

كانت الوضعانية التي وضع كونت أسسها معرضة للنقد الشديد من لدن الاتجاهات الفلسفية نذكر منهم على الخصوص رجال مدرسة فرانكفورت الألمانية، والتي اعتقدت في الوضعية المساهم الأكبر في تحقيق التقنية، وكانت أهم مدعم للنزعة الرأسمالية من خلال ثلاثة أمور:

  • قصور الوضعانية في تقديم تفسير كامل وشامل للواقع.
  • الارتباط بين الاتجاه الوضعي والسياسي المحافظ.
  • الوضعانية هي الإطار الذي تظهر فيه المعرفة العلمية والاديولوجية.

هوركهايمر على وجه التحديد يرى أن الوضعانية كانت سببا في بزوغ العقل الآداتي، الذي هو ملكة التصنيف والاستقراء  والاستنتاج التي يتميز بها الإنسان والتي هي عبارة عن نشاط تجريدي نقوم به حينما نمارس عملية التفكير، وما يميز هذا العقل الآداتي هو اعتماده على المنهج، وبالتالي فهو وسيلة للحصول على معرفة لموضوع ما، كما انه لا يعير أي اهتمام للأهداف والغايات المنسجمة مع المعقوليات الحقيقية وبالتالي ينهج سلوكا ذاتيا محضا “فإن الأخذ بوجهات النظر التي لا تعترف إلا بالعقل الآداتي وحده، معناه الحكم على الفكر بالعجز عن تحديد ما إذا كان هدف من الأهداف موضوع فيه لذاته.”[7] ومن هذا المنطلق يظهر أن هذا العقل الآداتي يبرز بصورتين: الأولى صورة إبستيمولوجية بمعنى ملكة فردية لتحصيل المعرفة بواسطة الإحساس والتجربة والصورة، والثانية صورة أخلاقية تبرز الغاية المنفعية والذاتية. إذن وبهذا المعنى قد تحول العقل إلى مجرد أداة فارغة وقوالب صورية معرضة للأخطار الكبيرة.

الجدير بالذكر أن مثل هذا الوضع الذي يسيطر فيه العقل الآداتي سيحول سلوك الإنسان الحقيقي وكل القرارات والأفعال إلى قرارات محكومة بأشياء أخرى غير العقل، وهنا يحدث للعقل أن يصبح آداتا تستعمل وتستغل لجميع نشاطات المجتمع، ومجرد ملكة للتنسيق.

إلا أن الفلسفة لا يمكن أن تستسلم لهذا الوضع لأنها لا ترضى أن تدعي التفكير في الحاضر دون محاولة لمعرفة الواقع الذي أدى إليه، وأن العلوم الامبريقية تصبح واحدة من مهام الفلسفة حيث يسعى الفكر الفلسفي إلى مناقشة خطاب العلوم الامبريقية، وخاصة “العلوم الاجتماعية والتي يمدها بتوضيح نقدي حول ذاتها والذي سيكون له أثر إيجابي على تطبيقاتها الفعلية.”[8] إن الفلسفة وكما هو الحال هنا، وكما يقول زكرياء إبراهيم في كتابه “مشكلة الإنسان” إذا أغلقت عليها الباب عادت لتفاجئك من النافذة.

هكذا سعى زعماء مدرسة فرانكفورت إلى محاولة التأسيس الفلسفي للسوسيولوجيا، إذ أن العلوم الاجتماعية تتدخل في بناء الحاضر، لكن هذا البناء يحتاج إلى دراسة إبستمولوجية معقلنة بنظرة نقدية، وبهذا تكون الابستمولوجية والنظرية النقدية مرتبطان بكل عميق. لاشك أن المجتمعات الصناعية المعاصرة أصبح فيها العلم والتقنية إديولوجية بكامل صفاتها، ولهذا وجب على الفلسفة وبطريقتها النقدية، أن تقنن السوسيولوجيا والتقنية والعلم كذلك، وبالتالي فإن “للتفكير النقدي بالمعنى الكانطي حول المعارف أهمية مباشرة بالنسبة  للنقد الاجتماعي الذي يؤسسه.”[9]

هكذا تكون الفلسفة تفكيرا في الحاضر لأنها في نهاية المطاف نقد للمعارف الموجودة والتأمل حول الخطاب يشكل منهجها الوحيد، كما تسعى إلى بناء وتأسيس العلوم الإمبريقية نظريا بل محاولة دراستها بمفاهيم تصبح من خلالها الفلسفة مؤسسة للنظرية الاجتماعية.

الجدير بالذكر أن السوسيولوجيا ومحاولتها التأسيس من جديد من خلال سياق ثراث الأوائل (الاتجاهات الكبرى المؤسسة )، عبر استخدام طريقة علمية في التعامل مع الظواهر تنطلق من أدوات رياضية لتفسير الواقع، بما يجعل علم الاجتماع منسجما مع العلوم الدقيقة، ويفسر الظواهر بواسطة القوانين الرياضية وبطريقة إمبريقية تعتمد على التجريب والتجربة والقابلية للقياس والتحقق. إن هذه النزعة الوضعانية خلقت نوعا من التوتر للعقل الإنساني والتي سلكت به طريقا ذو بعد واحد ألا وهو عالم العلم والتقنية.

لهذا كان لابد لأدورنو أن يرفض هذه النظرة المركزة للسوسيولوجية، والتي تعطي لنفسها وصفا إمبريقيا مستقلا عن الفلسفة، وعليه كان مجبرا على التجديد في منهجه بغية التمهيد لفلسفة اجتماعية نقدية تتجاوز النمط السوسيولوجي التقليدي، ويرتقي به إلى نموذج جديد يجمع فيه بين الدراسة السوسيولوجية والدراسة النقدية، ومن هنا يكون “علم الاجتماع في الأصل يقدم نفسه باعتباره علما تاريخيا كاملا للحاضر، بمعنى مزدوج للوسط الذي يجد فيه أصله والموضوع الذي يجعله مركزيا ولكن أيضا بوصفه علما يدمج تأمل الوعي بتاريخية المعرفة كما يفرزها.”[10]

من هنا كان لزاما على الفلسفة والسوسيولوجيا أن يتجاوزا الفروق التي تفصل العصور والمدارس فيها، وبالتالي توظيف كل الأفكار السابقة التي أصلت لها فلسفات الماضي “وهنا تكون الفلسفة الاجتماعية التي تكمن في وظيفة الفيلسوف ووضعيته لا تكون أشد وضوحا إلا في العلاقة التي يقيمها الفلاسفة مع التاريخ.”[11]

نخلص من هذا أن العقل التقني وسيطرة التقنية لم تكن حادثة صدفة، وإنما كانت لها بواعث متعددة يمكن إرجاعها إلى تحولات الفكر الأوربي المتمثلة في مبادئ عصر الأنوار الذي أعلن عن ميلاد التقنية، وهذه الأخيرة لم تخرج عن مرحلة الحداثة كمرحلة علمية بالدرجة الأولى، هيئت الظروف للوضعانية لتسود ويسود معها العقل الآداتي المخيم على المؤسسات، مما جعل الصورة التي سادت على الوضع الأوربي هي رأسمالية اقتصادية، الهدف منها هو الإنتاج والجودة ولا تعترف بالإنسان كإنسان، هذا فضلا عن تهميش الفلسفة وأسلوبها النقدي مما خلق الفكر الطيع المؤمن بثقافة القبول والإيجاب، وهكذا سعت الوضعانية إلى الإستقلال عن الفلسفة لتضع أسس علم جديد يعتقد أنه قادر على دراسة المجتمع بتغيراته بشكل علمي.

 

نقد هابرماس للتقنية :

  1- ماركوز والمجتمع ذو البعد الواحد :

كان للعلاقة بين الحياة الاجتماعية والنظام الاقتصادي، وهو المجتمع الذي يطلق عليه المجتمع الحديث، أو المجتمع الصناعي أو الإستهلاكي، أو مجتمع وسائل الإعلام والرأسمالية، أثارا وخيمة على المجتمعات من فترة الستينيات وهي الفترة الانتقالية الرئيسية، والتي انتقد فيها ظهور الإستعمار الجديد والحاسوب الآلي، والمعلومات الالكترونية وغزو الفضاء وهكذا “أصبح الفرد في العالم المعاصر أشبه ما يكون مهاجرا في الزمن مثلما كان أسلافه مهاجرين في المكان.”[12] والتي فرضت نوعا جديدا من الحياة حيت ساد التأنق، الذي وجد منبعه في الوضعانية أو الفكر الايجابي، وهذا النمط من الحياة يعكس تطور المجتمع الأحادي البعد، وأشكال الرقابة التيقنوقراطية الوضعانية والعلموية، وملازم للغة الفعالية والإنتاجية التي هي أساس النظام التكنولوجي الجديد، وهكذا سادت حضارة صناعية مليئة بالرفاه والمنافع والمصالح، كلها علامات تدل على ميلاد مجتمع ذو البعد الواحد، يقصي العقل البشري ويجعله في مأزق داخل مايعيشه، إذن ماذا يقصد بالمجتمع ذو البعد الواحد؟

يقول هاربرت ماركوز: “إن كانت صورة معذب في الأرض تعكس صورة إنسان البلدان المتخلفة اقتصاديا، فإن صورة الإنسان ذو البعد الواحد تعكس صورة إنسان البلدان الصناعية المتقدمة.”[13] ذلك أن الرفاه والفعالية واقتصار الحرية في إطار ديمقراطي يعكس صورة الحضارة الصناعية المتقدمة، ويعلن عن ميلاد عالم التقدم التقني، مما أصبح يعكس كذلك إلغاء الفردية التي تعني إلغاء الحرية عن طريق مكننة الأعمال الضرورية اجتماعيا والتي كانت نتيجة فكرة تحديث المجتمع، القائم على تغيير ثقافة مادية وفكرية بالية بثقافة أخرى أكثر فعالية وعقلانية. كما امتزج الاقتصاد بالسياسة وعاشت المؤسسات وضعية جدية قائمة على تحديث الإدارة، وإعطائها صورة جديدة وعصرية “وبكلمة واحدة، إن الإبحار يموه المقدمات.”[14]

كذلك  تم مزج الإنتاج والتوزيع بالحريات الفردية، مما جعل الأفراد يذوبون داخل النشاط الحماسي، ذلك أن التصورات التكنولوجية في ميدان المكننة والتنشيط يمكن أن يعكس للأفراد مجالا من الحرية لم تعرفه الإنسانية من قبل.

لكن العكس هو الذي حصل فنظرا للطبيعة الراهنة للفلسفة التقنية، فإن المجتمع الصناعي المعاصر بدأ يركز أجهزته التنظيمية على النزعة الكلية والاستبدادية، والتي وصفها ماركوز بالتنشيط السياسي للإرهاب، والذي تتخذ فيه السلطة السياسية اليوم مطلق حريتها باعتمادها على صيرورة ميكانيكية. فكل الحكومات اليوم أصبحت تمارس نشاطها عن طريق استغلال الإنتاجية التقنية والعملية والميكانيكية الضروري لمجتمع صناعي.

كنتيجة لهذا المجتمع الإستهلاكي أنتجت قيم تضطهد الفرد، وتمارس عليه ثقافة الإقناع والإشباع والوعود الكاذبة، ووسائل الترويح عن النفس واللهو معتمدة على آليات الدعاية كنمط جديد لتسويق منتجاتها من جهة، ومن جهة أخرى ممارسة الرقابة التقنية عن طريق مراقبة الأشخاص في كل زمان ومكان. وهنا يميز ماركوز بين العقل ماقبل التكنولوجي والعقل التكنولوجي، هذا الأخير كان السبيل الوحيد للسيطرة على الإنسان بشكل جديد وهو حل محل تبعية العبد للسيد وتبعية القن لصاحب القصر…الخ، إلى تبعية من نوع خاص؛ تبعية تخضع الأفراد لنظام الأشياء الموضوعية (القوانين الاقتصادية، إقتصاد السوق…) وهكذا انتشرت البيروقراطية والهرمية مما أصبح معه الهروب من السيطرة من المحالات، ومن تم أصبح الإنسان يجد نفسه مكبلا من كل الجوانب وفي كل الميادين مما يعني بشكل أو بأخر أنه أصبح فاقد الحرية في عالم يدعي الحرية المطلقة.

يوجه ماركوز هنا النقد للماركسية في صيغتها الجديدة والتي كانت في الماضي سلبية ومتعالية ذات طابع معارض، والتي تحولت إلى معارضة ايجابية تعبر عن “وعي كاذب يجد تغييره في جهاز تقني سائد ومهيمن لا يني تجدده باستمرار.”[15]

لقد بدأ عالم الموت وهذه المرة اتخذ موتا تقنيا كشف العورة عن الإنسان الحقيقي وحوله إلى إنسان مولع بالحياة، حياة الترف والبذخ والتمتع بما لذ وطاب، بمعنى الحياة الزائفة حسب تعبير هايدغر، وهنا نكون نؤدي ضريبة التقدم والتقنية كسلطة جديدة في عالم جديد، ذات طابع اديولوجي تدعي الخير، وتسيطر على الإنسان في آن واحد. والجدير بالذكر هو أن التكنولوجيا باعتبارها اديولوجيا لا تنفك عن العلم، وكلاهما يرميان للسيطرة على الطبيعة وعلى الإنسان في آن واحد. والغريب في الأمر كيف يسطر شيء صنعه الإنسان على الإنسان بعينه؟ في الحقيقة سؤال محير فالإنسان كان سيد الآلة وهو الذي صنعها، لكن تعود لتضعه تحت قديمها وتنظر إليه أسفل سافلين، وتستعبده، بل أصبح لعبة بين يديها، وعبدا طيعا لسيده يمتثل ويخضع بعقله، هذه السيطرة تلعب فيها وسائل الإعلام دورا هاما إذ أصبحت “إلا مظاهر لقدرة التكنولوجيا الرهيبة على الإسهام في السيطرة على الإنسان واستعباده وتسخيره.”[16]

يعتقد ماركوز أن الوضع أصبح أمرا متعارفا عليه، إذ تحولت التكنولوجيا من استلاب بالمعنى الفيورباخي، إلى عبودية تلقائية أصبح الناس يعيشون من أجل أن يكونوا عبيدا وعبيدا فقط، ويعتقدون أن العبودية هي أقصى ما وصل إليه الناس، وهكذا كانت التقنية اديولوجية وليست فقط مجموعة من الأدوات والوسائل وهي أفق  فكري وطريقة استكشاف، ونمط للعلاقة مع الآخر ومع العالم والآداتية الخالصة، تحول كل شيء إلى أدوات ووسائل فهي بكل بساطة عالم التشيء reification  الذي تصبح فيه العلاقة بين الناس أو العلاقة بين الإنسان والأشياء علاقة آداتية ونفعية. ويمكن تلخيص “الأوجه المختلفة للتقنية في الصيغ التالية :

  • التقنية من حيث هي آداة ترويض للطبيعة وتسخيرها لفائدة الإنسان.
  • التقنية من حيث هي آداة تحرر اتجاه حدود واكراهات وحتميات الطبيعة.
  • التقنية من حيث هي سيطرة سياسية داخل كل دولة، وفيما بين الدول، فهي الآداة الأساسية للإستثمار الجديد والإمبريالية.”[17]

  2-    العلم – التقنية – إرادة القوة عند هابرماس

لقد سمح النموذج الفكري عند هابرماس من إقامة تصور جديد لفكرة الحداثة، والتي بدأت تدخل قفص الاتهام، من خلال ما آلت إليه المفاهيم التي بلورها  عصر الأنوار (الحرية– الفردانية – المساواة –الديمقراطية– العلمانية ).

فمن كانط الذي جعل من نسقه الفلسفي أول معطى حول فكرة التحديث إلى جانب هيغل، مرورا بدريدا واستلهامه للسؤال النتشوي، وعودته إلى ماركس وعلاقات الإنتاج، وماكس فيبر ومفهوم العقلانة وهايدغر والنظرية النقدية وبياجي والتحليل النفسي عند فرويد، يظهر أن هابرماس اعتمد على خليط زاخر من الأعلام الفكرية لوضع نظرية فلسفية ذات سياق فكري معاصر، يربط الحداثة بسياق العصر الجديد الذي بدأ في التأسيس معتمدا إعادة بناء النظرية النقدية وجعلها أكثر استجابة للواقع الجديد. ومن أجل هذا الأمر وأمور أخرى كانت أكثر أهمية في ذهنه، عمد هابرماس إلى الاستناد إلى ما جاء به هاربرت ماركوز ليجعله مقدمة ومدخلا لبناء أفكاره التي جمعت بين الراديكالية من جهة ونظرية التواصل من جهة ثانية. وقصد بيان هذا الأمر لابد من الوقوف على حديث صاحب “العلم والتقنية كإديولوجيا” في هذا السياق مستحضرين أهم ما قدمه في كتاباته حول مأزق الحداثة التقنية.

حاول هابرماس من خلال اهتماماته بإشكالية الحداثة، أن يقف على دواعي الخلل الذي بات مهاجما للمجتمع الغربي في الآونة الأخيرة؛ مستندا إلى قراءات ماركوز في الموضوع ليعلن أن العلم والتقنية كان سببان مباشران في التراجع الفكري والثقافي للإنسان الأوربي؛ حيث يعتقد بعدم حيادية وبراءة وصفاء العلم، هذا الأخير الذي أصبح له إرادة قوة كما قال نيتشه.

بناءا على هذه الرؤية يشن هابرماس على غرار أساتذته ومعاصريه، هجوما على الوضعانية كمذهب أصبح يفرض أجوبة مباشرة على الواقع الحاضر، فالوضعانية هي ذلك الاتجاه الذي يعتقد بأن العلم هو القادر على تقديم أجوبة على كل الإشكالات المطروحة، وهذا الجنوح العلمي فيما يرى هابرماس “يرتبط بالعقلنة المتقدمة للمجتمع وبمأسسة التقدم العلمي والتقني.”[18] وهكذا يغزو العلم والتقنية كل المؤسسات الاجتماعية التي تتحول عن سياستها التقليدية وتصبح ذات وظيفة جديدة تدعي عقلنة المجتمع.

سعت العقلانية فيما فهمه ماركوز من ماكس فيبر إلى عقلنة المجتمع بمعنى السيطرة عليه سياسيا، من خلال استراتيجيات مقننة تسعى إلى ضبط الأفراد من خلال إدخالهم في خط مؤسساتي خاضع لعقلنة تقنية تتخذ صبغة اديولوجية، وكما يقول هابرماس “إنما التقنية ذاتها سيطرة على الطبيعة وعلى الإنسان.”[19] وعلى هذا المنوال تكون التقنية عبارة عن مشروع اجتماعي – تاريخي يبرز هيمنة مجتمع المصلحة على حساب مجتمع الإنسان الحقيقي، فقد أصبح الإنسان  ووفقا لهذا الوضع مماثلا للأشياء، ومن تم لم تبقى السيطرة قمعية بالمعنى التقليدي، وإنما اتخذت شكلا قمعيا رمزيا يوظف فيه المجتمع سياسات تقنية عقلانية تخفي في دوالبها سيطرة سياسية.

إن الرفاه والحياة السعيدة التي يعيش في كنفها الإنسان المعاصر، ليست إيجابية على الإطلاق في عموميتها، بقدر ما هي تمارس شرعية السيطرة انطلاقا من الطابع الرأسمالي الاقتصادي القائم على علاقات الإنتاج والتوزيع، مما يحتم على الأفراد الانصهار  بغير إرادتهم داخل العمل المستمر، مما يعني أن القمع الممارس هو قمع خفي بصورة خفية رمزية، وهكذا يحمل هابرماس على عاتقه الكشف عن الوهم التقني والعلموي الذي يحمل سمة الفكر الحديث الراقي، حيث تدعي الوضعانية بصحيح العبارة أن عالم التقنية هو الشكل الأكثر فعالية لعلاقة المعرفة العلمية والممارسة السياسية. كما يبرز الوجه الذكي للتكنولوجيا المتمثل في السلطة الخفية الممارسة على الأفراد، مما يعكس أن التقنية تحول الأشياء والذوات إلى مجرد أدوات ووسائل.

يؤكد أن العقلنة الفيبرية هي التي أعطت الطابع المؤسساتي للعلم والتكنولوجية، وأصبح الإنتاج هو الهاجس المركزي لكل مجتمع صناعي. وبهذا المعنى يدعي المجتمع في صيغته هاته صفات العيش الجيد والحياة السعيدة للأفراد. ومن هذا المنطلق تكون العقلانية هي “المعيار التسويغي الذي يمكن أن تسوغ على أساسه علاقات الإنتاج، هذه بوصفها إطارا مؤسساتيا مطابقا لوظيفته.”[20]

يبدو أننا هنا أمام نوعين من السيطرة: سيطرة قمعية وسيطرة محررة وبالتالي فإن التعبير الحقيقي الذي يبين لنا علاقة العلم والتقنية مع السلطة العقلانية (الاستغلال) هو يتخذ صيغة تاريخية مرتبطة بمصلحة طبقة معينة، في إطار مشروع عالمي، وهكذا تستمر السيطرة على الطبقة من خلال السيطرة على الإنسان، ولهذا تتخذ طابعا كليا ببناء شمولي.

يحاول هابرماس وهو يحاول فهم الخلل، تعديل وجهة نظر كل من ماكس فيبر وماركوز في تصورهما للعقلانية التقنية، وإعطائها صورة حقيقية من خلال تمييزه بين السلوك العقلاني الهادف والسلوك الآلي؛ فالأول “يقوم على تحليل علمي ويتجه نحو استراتيجيات معينة، ويتضمن مشتقات من نظم قيمية ومبادئ عامة، والسلوك العقلاني الهادف يحقق أغراض محددة ضمن الشروط المعطاة، بينما السلوك الآلي كوسيلة مناسبة وغير مناسبة يقوم على مقاييس قوية لضبط الواقع.”[21] ويقترح هابرماس نوعا جديدا من الفعل هو الفعل التواصلي الذي يعكس شروط التفاعل الذي يحدد التواصل بين ذاتين فاعلتين على أقل تقدير.

نفهم من اعتراض هابرماس على عقلانية فيبر، أن العلم والتقنية شكل من أشكال الوعي الجمعي الوضعي، الذي يعكس في ذات الوقت وعيا تقنوقراطيا يشكل نوعا جديدا من الايدولوجيا البورجوازية. ومن هذه الوجهة يكون الوعي التقنوقراطي يضلل الحقيقة عندما تتخذ صورة السلوك العقلاني الهادف.

دفع القلق الذي أصاب هابرماس حول الوضعية الراهنة، للتساؤل كيف يمكن أن نحصل على معرفة موثوقة؟ هكذا ذهب إلى قراءة تاريخية حاول الوقوف فيها على طبيعة العلاقة بين المعرفة والمصلحة معلنا أن السبب الحقيقي يتجلى في تراجع المعرفة على حساب تطور العلم. وبالتالي تراجع التأمل والفلسفة لصالح الوضعية، وهكذا كانت الفكرة الجوهرية داخل كتابه المعرفة والمصلحة جديرة بالإعجاب، وهي فكرة تبرز محتواها من خلال مايلي:

  • أزمة نقد المعرفة، بدءا من نقد هيغل لكانط، ونقد ماركس لهيغل حول مفهوم السلب والتركيب من خلال العمل الاجتماعي، وطرح نظرية المعرفة كنظرية المجتمع.
  • الوضعية والبرغماتية والتاريخية، من أوغست كونط إلى ماخ، منطلق البحث عند تشارلر بيرس، حول موضوع التأمل الذاتي للعلوم الطبيعية ونظرية الفهم والهوية والتواصل اللغوي.
  • النقد من حيث وحدة المعرفة والمصلحة.

إذن إلى هذه الحدود يعيد هابرماس للفلسفة دورها الفعال، فهو رغم تجاوزه للكانطية والهيغيلية والماركسية والنظرية النقدية لرواد مدرسة فرانكفورت الأوائل، فهو يحتفظ بمنجزاتهم ليبرز بأن حقيقة النظرية النقدية نشأت عن طريق الأسس الإبستمولوجية للنظريات. معلنا تحويل العقل من الوظيفة الترانسندنتالية المتعالية إلى وظيفة الحوار والتواصل والتفاعل مع العلوم الأخرى؛ وهذا معناه أن هابرماس يعلن وضع عقلانية اجتماعية سمتها عقلانية تواصلية بدل عقلانية آداتيه. ولهذا كان هدفه “عقلنة الحياة الاجتماعية بأسس عقلانية منطلقها أن العقل مازال لم يستنفد جميع طاقاته للقيام بمراجعة ذاته وتصحيح مساراته تجنبا للسقوط في الأسطورة.”[22]

رغم إعجاب هابرماس بكانط ونموذجه النقدي الذي كان حاضرا في مخيلته باستمرار، فإن رائد الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت، انتقد مفهوم التناقض عند صاحب المثالية الترنسندنتالية الذي يعزز اديولوجية النظام الذي كانت تعيشه ألمانيا (عصر فرديريك الثاني) فكانط كان يؤسس لمبدأ الأخلاق الكونية المتعالية التي اعتبرها هابرماس حلما من أحلام الفلاسفة.

كما انتقد كارل ماركس حول فكرة العمل في تطوير الإنسان من خلال الفعالية المادية ونظرية البراكسيس، والعمل والتأمل في آن واحد. ولهذا يرفض هابرماس بكل معنى من المعاني الرؤية الميتافيزيقية المعتمدة على ثنائية في فهم الظواهر الإنسانية مثلما تفهم العلوم الطبيعية والعلوم الحقة. وهكذا “يتم هذا البراكسيس داخل الزمن التاريخي براكسيس يقوم بالوساطة بين الطبيعة الذاتية للأفراد مع حاجاتهم من جهة، وبين طبيعة مموضعة في العمل في داخل الأفق الذي تشكله الطبيعة المحيطة الكونية من جهة أخرى.”[23]

 

3- التقنية – التواصل: ثنائية الكائن وما ينبغي أن يكون

لقد كان هابرماس واثقا كل الوثوق بأن أزمة الحداثة لا يمكن أن تخرج عن بعض الهفوات التي يمكن تجاوزها في إطار علاقة التواصل الخالصة بين الفكر والواقع، وعلاقة التصالح بين النظرية والممارسة، وهي علاقة تنطلق من فلسفة نقدية تواصلية قائمة على ثلاث عناصر أساسية:

  • جدلية النظرية والممارسة.
  • الفكر النقدي التواصلي.
  • مفهوم الفضاء العمومي.

يضعنا هابرماس من خلال هذا التقسيم الذي يلخص بشكل عام الهدف الأساسي لنظريته الفلسفية الاجتماعية، بأن التقنية في صيغتها السلبية لا تتخذ شكلا مطلقا ولا  تتخذ صبغة ايجابية بشكل مطلق، وهذا راجع بطبيعة الحال إلى حوار العقل مع ما ينتجه طبقا لحاجيات العقل في علاقته مع المحيط والطبيعة.

إذن ومن هذا المنظور فهو يتوجه لهيدغر من جهة لتصوره السلبي للتقنية، ولماركس كذلك وتصوره الايجابي للتقنية، رغم أن هذا الأخير يعترف بكل تلقائية بأن التقنية هي تتخذ وجهين لعملة واحدة، فهي من جهة وسيلة لتحرير الإنسان وانقاده من الأمراض القاتلة والأوبئة وجبروت الطبيعة، ومن جهة أخرى يعلن عن أخطارها من جراء الاستغلال الخارق للعادة لعناصر الطبيعة، مما يهدد حياة البشر ويرمي بهم في مستقبل مبهوم.

استنادا إلى هذه الاعتبارات سارع هابرماس للتفكير في وسيلة لفك العزلة عن العقل الإنساني في حواره مع الطبيعة، وبالتالي يكون الفكر النقدي التواصلي أوجه وسيلة للخروج من مأزق الحداثة؛ ولهذه الأسباب يعرف هابرماس الفعل التواصلي كفعل إنساني من زاويتين:

  • علاقة داخلية قوية بين التقنية المعروفة من قبلنا، وبين السلوك العقلاني الهادف.
  • الاتحاد بين قرار عقلاني وسلوك آلي.

يضعنا هابرماس هنا أمام إعادة النظر في واقع التقنية، من خلال الأسلوب العقلاني الموجه لها بصورة ايجابية تتلاءم مع خصوصيات العقل التواصلي العقلاني. إن التقنية حسب هابرماس هي كما هي عليه، لكن الإنسان هو المسؤول الأول في توجيهها سواء في ما يخدم الإنسانية، أو ما يسعى إلى تهديدها، إن الحروب وأشكال الدمار الشامل التي يعرفها العالم نابعة من التوجيه السلبي للتقنية ، وهي وسيلة تجعل منها أسلوبا جديدا في الحياة، حيث أنه بعد التطور المهول للإختراعات والصناعات المتنوعة، بدأت التقنية تنفلت بالتدرج من سيطرة الإنسان الكلية، لتستقل بمقاصدها التي أصبحت موجهة للإنسان بدل أن يكون العكس. وهكذا عادت التقنية لتنتصب أمام الإنسان وكأنها “مارد جبار أو عفريت أفلت من قمقمه وماعاد بالإمكان السيطرة عليه.”[24]

الملاحظ أن هابرماس يريد التأسيس لنظرية اجتماعية تهدف إلى عقلنة الحياة وبنائها على أسس عقلية، تجعل من قدرة العقل الأساس والجوهر في كل معرفة إنسانية، وكذلك أن قدرة العقل على الاستمرار، لأنه لم يستنفد جميع طاقاته للقيام بمراجعة ذاته وتصحيح مساره. وهنا يظهر التفاعل الداخلي بين الذوات، حيث يصبح الفعل والقول التواصليان هما الطريق الأقوم لبناء مجتمع حواري يتخذ من فعل المناقشة أساسا لواقعه المعاش، مستبعدا كل غاية مصلحية في المعرفة، هذه الأخيرة كما يعتقد هابرماس ينبغي أن تقوم على مصالح عقلية عادلة. وهذا لا يتحقق إلا عن طريق ممارسة نقدية لكل العلوم التجريبية بما فيها التقنية، وهنا يكشف هابرماس من خلال فلسفته النقدية عن ثلاث أنواع من المصالح :

  • المصلحة المعرفية التقنية التي تتضمنها العلوم التجريبية التحليلية.
  • المصلحة العملية التي تتضمنها العلوم التاريخية التأويلية.
  • المصلحة التحررية ذات الأصول التقليدية في الفلسفة وتتضمنها العلوم النقدية.

كنتيجة لهذا الأمر فإن العلوم النقدية فيما يراه هابرماس كشفت عن المصالح النقدية والعلمية الخادمة لما يرغب فيه ويحتاجه المجتمع، للحصول على السعادة والخير الدائمين وعلى قدرة أكبر، دون مراعاة خصوصيات الإنسان العقلية والفكرية.

  4                                         هابرماس واستمرارية مشروع التحديث

كانت الغيرة التي ورثها هابرماس من النقد الكانطي سارية المفعول في دفاعه عن العقل والعقلانية، ولهذا كان أسلوبه الفكري في مجمله دفاعا مستمرا على ترجيح كفة العقل النقدي، وهو يسير في هذا النهج كان مسعاه إعادة الاعتبار لتيار الحداثة الذي بدأ يفقد حقيقته في ظل سيادة الفكر الما بعد الحداثي، الذي كان من سماته الأساسية إيمانه بالإختلاف والتعدد وانتقاد كل علاقة بالشمولية والتوتاليتارية.

عقل التنوير فيما يعتقد صاحب العلم والتقنية كإديولوجية، لم يمت ولم ينحل عن أداء دوره كما اعتقد أساتذته الأوائل في المدرسة التي ترعرع فيها، ولكن سقط في بعض الإنزلاقات التي وقع فيها المجتمع الرأسمالي الحديث، المتطبع بأفكار التقنية المهيمنة، ولهذا الأمر سارع هابرماس إلى إيجاد حل  لإنقاد الحداثة من التهم الموجهة لها، لكي ينقدها من الوقوع في مزبلة التاريخ.

يعتقد هابرماس أنه لا أحد يمكنه أن ينكر أو يتنكر لما قدمته الحداثة للإنسانية من حرية الفكر والتعبير، من فكر ديمقراطي ومنجزات علمية وتقنية غاية في التطور، عبرت عن حضارة غربية مليئة بالأمل المقدم للإنسان في الحقوق والحريات …إلخ.

الجدير بالذكر أن واقع الحداثة هو واقع التقنية، التي اعتقد فيها البعض خلاص الإنسانية من هيمنة الطبيعة وسيطرتها على الإنسان، كما أن هناك من اقتنع بأن التقنية هي الأخت الشقيقة للطوفان الذي يسحق كل ماهو إنساني على حساب تهديد حرية البشر وعيشهم في غربة واستغلال دائم، إن عصر التقنية هو عصر السيطرة الرمزية بامتياز. ولكن هابرماس لم يلبث أن خلق حلا لهذه الأزمة ليجد مخرجا للحداثة، لان النقد الجديد ينفي كل استمرارية مع هذا القول المضاد، حيث لم يعد الأمر يتصل بأعمال مشروع الحداثة (هابرماس)، بل إن ما يجب القيام به هو مراجعته.

إن الحداثة لم تقتصر على فترة تاريخية معينة، وإنما هي سارية المفعول تعطينا وعيا محددا بالراهن الذي نعيشه، وفي نظر هابرماس “أنه بدلا من التخلي عن مشروع الحداثة يجب القيام بالفحص النقدي لهذا المشروع.”[25] ومن هنا يقف هابرماس ليرد على الهجوم اللاعقلاني للعقل والتنوير والحداثة، لأنه لا يمكن أن نتحدث عن بديل للعقل إلا العقل ذاته، ومن تم “لا بديل للحداثة إلا حداثة أكثر إنسانية وإبداعا.”[26]

يظهر مما سبق أن الخلاصة التي يمن أن نستشفا بوجه عام، هي أن التقنية نقطة تحول في تاريخ الإنسان الغربي، الذي كان يعلق عليها آماله من خلال الإرتقاء به وتحسين حياته ونمط عيشه، لكن العكس هو الذي حصل، حيت إنقلب السحر على الساحر، فأصبحت التقنية مهددة للإنسان بما هي سياسة قبل أن تكون أي شيء، وهذا ما دفع كل من هابرماس وماركوز وجل أنصار النظرية النقدية، إلى انتقادها بصيغ مختلفة، حيت وصفها هابرماس مثلا بأنها إرادة قوة بالمعنى النتشوي.

 

العقل التواصلي كبديل للعقل الآداتي التقني

 1-معنى العقل التواصلي وإعادة الاعتبار للعقل النقدي

ساعد التعدد الثقافي وتنوع القراءات التي انفتح عليها يورهن هابرماس والتي دفعته إلى اتخاذ موقف من إشكالية الحداثة وما بعدها، بهدف إعادة انتاج فلسفة جديدة تستطيع تفسير الواقع من خلال نظرية العقل التواصلي القائم على سياسة عقلانية سليمة. ويحدد هابرماس الفعل التواصلي بأنه تلك الأفعال التي تكون فيها مستويات الفعل بالنسبة للفاعلين المنتمين إلى العملية التواصلية غير مرتبطة بحاجيات سياسية بل مرتبطة بأفعال التفاهم، وحسب هابرماس لا يكون إلا بتوفر اللغة كعامل أساسي لفهم العلاقات التواصلية داخل المجتمع. إن العقل التواصلي الهدف منه هو البحث عن الطريقة الناجحة لخلق تواصل وتوافق متبادل. والعقل التواصلي هو مفهوم صاغه هابرماس لمحاولة تثمين البعد الموضوعي الإنساني للعقل، ولذلك يطلق على العقل عند هابرماس “العقل التواصلي”  وهذا العقل لديه فاعلية تتجاوز العقل المتمركز حول الذات والعقل الشمولي المنغلق الذي يدعي أنه يتضمن كل شيء. والعقل الآداتي الوضعي الذي يفتت ويجزئ الواقع ويحول كل شيء إلى موضوع  جزئي حتى العقل نفسه.”[27]

هابرماس ومن خلال العقل التواصلي، يحاول البحث في العقلانية الحديثة؛ أي إعادة الاعتبار للعقل النظري من خلال فلسفة تتجاوز المعنى الميتافيزيقي للتقنية، وهكذا يوجه هابرماس العقل وجهة جديدة تتجاوز النظرة السلبية التي وضعه فيها الرواد الأوائل لمدرسة فرانكفورت، معلنا وضع مفهوم للعقل أكثر قوة وحداثة، فهو عقل يجمع بين الفكر الحداثي والفكر النقدي في صيغة تتجاوز العقلانية الآداتية.

إن العقل التواصلي هو عقل ينسج علاقات مع غيره، وهو يتجاوز ذاته إلى الآخر في سياق العلاقات التفاهمية وقبول الآخر في إطار ما يعرف بالتواصل الكامل. إن هذا المذهب الهابرماسي الجديد والموسوم بالعقلانية التواصلية، هو مذهب يأخذ بعين الاعتبار وجود الطرف المحاور؛ أي العلاقة المستمرة بين الذات والآخر وضبط العلاقة بينهما.

يعتقد هابرماس أن حسن الحوار والتواصل هو السبيل الحقيقي لمجتمع اقتصادي اجتماعي سياسي فاضل. إن الاجتماع البشري لن يكون له قيمة إلا في إطار تواصلي منظم بين الأفراد لتحقيق الهدف الأسمي وهو تحقيق السعادة لأكبر قدر ممكن من الأفراد. وهكذا يكون جوهر الفعل التواصلي هو الفعل التواصلي القوي والذي يكون فيه المشتركون متوفرون على إمكانية النقد، “كما أن تماسك أي وحدة لأية جماعة، إنما يتم عبر التفكير السلبي، الذي يعمل على هدم التمايز والتمييز ومراعاة التفاهم والتواصل والحوار.”[28]

بناءا على هذا يكون هابرماس متجاوزا للفلسفات المتعالية التي تعتمد على التحليل الحدسي القائم على وعي الذات بنفسها، ولهذا يقترح هابرماس طريقا جديدا تندمج فيه الذات مع الآخر وفي نطاق المشاركة في المناقشة والتفاعل، وهكذا “يتحرك المتكلم والمستمع على خلفية ما يكون عالمهما المعاش المشترك، ويتم هذا بدون علم المشاركين الذين حدسيا لا يرون هنا سوى خلفية معروفة تشكل كلا لا إشكال فيه، ولا يمكن تجزيئه.”[29]

جاءت نظرية العقل التواصلي لتجمع مافرقته الفلسفة الذاتية وتعيد الاعتبار للعلاقة بين (العلم والأخلاق والفن) باعتبارها تشكل أعمدة الاستقرار الاجتماعي، وبالتالي لا يكون التقدم في مجال من هذه المجالات إلا وارتبط بالمجالات الأخرى، وهنا يجيب هابرماس كيف يكون الفعل الاجتماعي فعلا تواصليا بالدرجة الأولى؟ هنا يدخل هابرماس في منعطف جديد تأثر فيه بفلسفة اللغة خاصة مع غادمير الذي قرر أن اللغة لا تنفصل عن العقلانية الاجتماعية ، فاللغة هي أساس كل تواصل وتجاور، هذه اللغة لا تخرج عن تأويلات المجتمع. فاللغة حسب غادمير ليست مجرد نظام لغوي يخضع لبعض القواعد  ولكنها في حقيقة الأمر علاقة حوار وتفاهم مع الآخر “الغيرية”.

كما أن تجاوز الخلافات والصراعات رهين بإمكانية الحوار والمشاركة، وقبول الآخر بأفكاره  وأرائه. إن البينداتية حسب هابرماس تقتضي ضرورة اللغة كأحد مكونات الفعل التواصلي الجيد، عن طريق توظيف الجمل والعبارات ومن تم يمكن إيجار شروط العملية التواصلية كما يحددها هابرماس في:

  • النشاط التواصلي من خلال تفاعل بين مجموعة من الذوات.
  • التواصل يتم بواسطة اللغة التي بواسطتها تنشأ علاقة بين المتشاركين.
  • هدف التواصل هو الاتفاق بين مجموع من الذوات على تسيير شؤونهم.
  • ديمقراطة الحوار.
  • حرية التفكير وحرية الرأي والرأي الآخر مع تجنب الضغط والهيمنة.
  • تمكين المتحاورين من الدفاع عن أرائهم بكل حرية.

 2-أخلاقيات المناقشة عند هابرماس :

كان لإهتمام هابرماس بالعقل التواصلي وقع كبير في إعادة إحياء أدبيات المناقشة التي أسسها كانط، من خلال إنزالها من طابعها المتعالي إلى شكل واقعي حواري يتخذ من الأخلاق مبدأه الأساس. وأخلاقيات المناقشة عند هابرماس تهتم بمجموعة من المعايير التي تخص العقل التواصلي الحقيقي القائم على الحرية والديمقراطية التشاورية، وهي معايير تحظى باحترام الجميع وقبولهم.

أخلاقيات المناقشة هي في حقيقة الأمر أخلاق المسؤولية، وقد كان ابل وهابرماس من أهم المهتمين بهذا الجانب واللذان حاولا إعادة صياغة الأخلاق الكانطية. وهذا ما أعلن عنه هابرماس في كتابه أخلاقيات المناقشة “في السنوات الأخيرة شرعت في محاولة إعادة صياغة الأخلاق الكانطية إلى جانب ابل، وذلك بتأسيس المعايير اعتمادا على وسائل مسندة من نظرية التواصل.”[30]

بعد هذه المحاولة المشتركة التي كانت بمثابة مساهمة منهما لمواصلة مشروع تغيير البراديغم من فلسفة الوعي إلى فلسفة التواصل. يبدو أن هابرماس وابل كان هدفهما المشترك هو إقامة مبحث إجرائي، يسعى إلى وضع الشروط الضرورية لتنظيم الحوار والمناقشة التي يسعى كل فرد أن يلتزم بها، قصد تحقيق هدف الوصول إلى اتفاقات عقلانية قائمة على معايير أخلاقية ذات طابع كوني، يأخذ بعين الاعتبار مصلحة جميع الأطراف المعنية، فأخلاقية المناقشة بهذا المعنى هي أخلاق إجرائية تتجاوز المرحلة المعيارية.

أخلاقية المناقشة هي حسب هابرماس تقليد ألماني مشتق من كلمة distkursethik، وهي مناقشة عقلية كونية، تتخذ من الفكر بنية منطقية تعتمد على البرهان والحجة من أجل التقعيد لما يختاره الإنسان من النظم. وهكذا يجعل كل من هابرماس وابل النقاش مسؤولية جماعية مشتركة، بمعنى أنها مسؤولية يتداخل فيها كل عنصر من أعضاء المجتمع، وكل واحد يتحمل تبعات المسؤولية. هنا يكون النقاش في إطار تشاركي ديمقراطي يأخذ بالحسبان مسؤولية التضامن إزاء الأفعال الجاهزة.  وهي كذلك “مجرد أخلاق واقعية مؤسسة على حجاج واقعي يستحضر مبررات عقلانية بهدف تبرير المعايير الأخلاقية المطلوب الإلتزام بها.”[31]

الهاجس التواصلي يظل محايثا لحياة هابرماس وفكره، فهو كان الداعية الأكبر إلى فلسفة التواصل في نموذجها المعاصر الذي تجاوز من جهة الوعي الذاتي الذي بدأ مع فلسفة الأنا الديكارتية، ثم تجاوز الأخلاق الكانطية المتعالية من جهة ثانية، ليعلن بداية ميلاد الإنسان الجديد الذي يحمل شجاعة العقل لكن في إطار حوار تواصلي يعتمد على حرية المناقشة بين المتناظرين مع مراعاة الرغبات والدوافع مما يعطي للنقاش قيمته الحقيقية.

من تم يكون النقاش الفعال هو الذي لا يخرج عن الشروط التالية:

  • مشاركة كل الذوات القادرة على الفعل والكلام بوصفها ذوات معنية بالمعايير الخاصة للمناقشة.
  • بإمكان المتشاركين في العملية التواصلية أن يعملا على تقديم الحجج في كل المستويات.
  • تجنب التحفظ في الموضوعات المناقشة، سواء السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية والثقافية…إلخ.

3- الفضاء العمومي عند هابرماس :

الفضاء العمومي Espace public  أحد المفاهيم الأساسية في ذهنية هابرماس، وهو أحد الاهتمامات المبكرة له، والتي اقترنت بحديثه عن الفلسفة السياسية، خاصة في ظل المناخ السياسي الذي عاشته ألمانيا المتزامن مع الإحتلال النازي، وكان هذا الحدث من بين دواعي اهتمامات الرجل السياسي منذ بداية الستينيات. وحديث هابرماس عن الفضاء العمومي يعكس رغبته في مجتمع ديمقراطي متشبع بتقافة المساواة والفهم الجيد لأسس الحوار بين المواطنين والمؤسسات.

كانت فكرة الفضاء العمومي رغم الاسم الجديد الذي أفرزه فكر هابرماس لفكرة قديمة ترفع أبويتها إلى ساحة الآكورة عند اليونانيين. ففي مقالة “حدود الفلسفة” توقف هابرماس عند أهمية الفلسفة في المجتمعات من خلال منظور أفلاطوني وأرسطي محض، في تصورهما لمفهوم الخلاص والحياة السعيدة على التوالي.

يحاول هابرماس وهو يضع عينيه على مفهوم الفضاء العمومي، الوقوف على ثنائية النظرية والممارسة، بمعنى كيف تصبح الفلسفة عملية تبرر الواقع المعاش، وقد تزامنت أفكار هابرماس مع معايشته لما يقع من أحداث سياسية داخل المجتمع الألماني من قبيل “الحرب الباردة، الوحدة الألمانية، الإصلاح الجامعي والعودة إلى العنف، القومية الألمانية والمحافظون الجدد …”[32]

لهذا كانت علاقة الفلسفة بالفضاء العمومي علاقة وطيدة متشابكة، يمكن أن نعالج من خلالها دور الفيلسوف في العصر الحالي، كمشارك في العملية السياسية وتأثيره فيها من خلال عملية النقد معترضا على كل استعمال آداتي للمعرفة والعقل.

يعتقد هابرماس أن الفيلسوف متصف بالاستقلالية وهذه الأخيرة تمكنه من الدفاع عن القيم الأخلاقية، ولهذه الأسباب كان تدخل الفيلسوف ضرورة ملحة من أجل الانتقال من الوضع القائم إلى وضع أفضل يكون فيه دور الفيلسوف هو دور المواطن الغيور على وطنه.

يعيد هابرماس في كتابه (الطالب والسياسة) البحث في الوعي السياسي لدى الطالب في الجامعة الألمانية، وهو عمل انتقد فيه ملامح الديمقراطية التمثيلية، مقترحا بدلها الديمقراطية التشاورية وهو بهذا العمل وأعمال سابقة كان يحاول “التأسيس فلسفيا لمقولة الفضاء العمومي بما هو فضاء للمناقشة الخالية من الإكراه والعنف “فلا مجال إلا لسلطة أفضل حجة.”[33]

ارتبط مفهوم الفضاء العمومي بالمجتمع البورجوازي على الخصوص القائم على فكرة الدعاية لترويج أفكاره السياسية، وهي وسيلة اعتمدت عليها البورجوازية لبسط نفوذها وسيطرتها على المجتمع، وبالتالي نشر أفكارها واديولوجيتها، هكذا يكون الفضاء العمومي خاصا بالبورجوازية المثقفة  لأنه مجال يخص كل من هو حامل للعلم والمعرفة وقادر على المناقشة بالحجة والبرهان، وهو إذن يقصي الشرائح الاجتماعية الأخرى. إن الدعاية التي اعتمدت عليها البورجوازية لم تكن إلا وسيلة لانتشار الفكر الإغرائي الذي يعتمد على الإقناع والأذواق، من هذا المنطلق يقصي هابرماس بتصوره هذا الطبقة العاملة كمحرك للتاريخ. هذا لم يمنع ولم يشفع له من الاتهامات التي وجهت إليه خاصة من طرف غونتر لوتو، الذي كتب أطروحة أعاد فيها الاعتبار إلى الفضاء العمومي الشعبي، كرد على الفضاء العمومي البورجوازي عند هابرماس. وكان توجه هابرماس هذا دليلا على سعيه نحو تحقيق الديمقراطية التي كان يرى فيها الحل والبديل لانقاد ألمانيا من أي كارثة محتملة مستقبلا.

ساعدت مجموعة من العوامل في نشر الفضاء العمومي أهمها: انتشار الإعلام والقنوات، ثم الأحداث العظمى من الثورة الفرنسية والصناعية وتطور الطباعة وانعكاساتها على تطور الوعي السياسي لدى المواطن. مما ساعد على نشر الروح النقدية في المجتمع الأوربي، وجعله يعترف بالفضاء العمومي البورجوازي، بما هو فضاء نقدي تحرري، فضاء ضد السلطة السياسية بالإضافة إلى ظهور الصحافة التي شكل وجودها عنصرا فعالا في إحداث تحولات عميقة في الوعي السياسي الأوربي.

لقد كان الشغل الشاغل لهابرماس هو إحداث فضاء عمومي كوني في أقرب الآجال، وهو فضاء يمثل الحل الوحيد والأنسب، كما أنه مشروع ديمقراطي يتسم بالعقلانية والرفاهية بشكل عالمي، ويحتوي الإنسان في كل مكان عن طريق حق الاستماع للآخر والاعتراف بالحق في المشاركة السياسية وفي تحديد المصير. وهذه الأهداف لن تكون إلا بإرساء فضاء عمومي يتجاوز الحدود والحواجز، ويتبني الانفتاح بغض النظر عن اختلاف اللغة والوطن والثقافة والنظام والدين والعادات والتقاليد …إلخ.

نخلص مما تقدم بأن هابرماس عمد من خلال نقد التقنية والعقل الاجتماعي الآداتي، إلى التأسيس لنظرية العقل التواصلي ومحاولة وضع توابث البعد الاجتماعي والموضوعي والإنساني للعقل، إنه أفضل وسيلة لتجاوز العقل المتمركز على الذات والعقل الشمولي من خلال:

  • انتقاد الوضعانية كفلسفة عملت على تهميش الفلسفة وإقصائها.
  • تجاوز الإكراه والهيمنة من أجل علاقات اجتماعية سليمة.
  • التقنية آلية تهميش العقل الإنساني وإقصائه.
  • الحداثة مشروع لا يزال ساري المفعول يحتاج إلى إعادة الإصلاح.
  • العقل التواصلي كبديل للعقل الآداتي.
  • العقل التواصلي يكرس الفعل الموضوعي النزيه الذي يقتضي روح المناقشة الحرة والتشاركية.
  • أهمية اللغة كوسيلة  للحوار والتواصل مع الآخرين.
  • البعدالأخلاقي كبعد أساسي في أخلاقيات المناقشة العقلانية.
  • الفضاء العمومي أسلوب جديد للفلسفة السياسية، يعتمد أكبر قدر من الحرية والنقد.

في ختام هذا نستطيع أن نقول بأن هابرماس سعى إلى وضع عقل تواصلي، الغاية منه تكوين مجتمع متشبع بتقافة الحوار والمناقشة الحرة، القائمة على الحجة الأفضل، وهذا يحصل بنشر مبادئ وأخلاقيات المناقشة المنافية للنظريات السابقة عليه. وهو بهذا المعنى يضع العقل التواصلي في أفق البديل للعقل التقني، معلنا ميلاد حرية الفكر من جديد بعدما هيمنت عليه التقنية، وإعادة الإعتبار لعنصر النقد.

 

خاتمة

يظهر من خلال قراءة هابرماس للمجال الغربي، ومن خلال دراسته المعمقة لمشروع الحداثة وتجلياتها المختلفة، بأنه بدل جهدا متعبا في إعادة الإعتبار للحداثة، وهو بهدا عمل على كشف الملابسات والإنزلاقات التي سادت في أوروبا خلال مرحلة التحديث، والتي أعطت أهمية قصوى للعلم، مما سمح بزعزعة الكيان والعقل الإنساني. ولقد كان مراد هابرماس من وراء هذا كله هو الإقلاع بالعقل الأوروبي، مما سقط فيه من تبعية للتقنية التي ما فتئت تقصي مهمة العقل وتجعله مجرد تابع لما يحصل.

لكن هابرماس وبناءا على إيمانه بمجهودات الفكر التنويري، لازال وفيا لمبادئ الأنوار، معتقدا أن ما حدث هو أن المفاهيم التي سادت في عصر الأنوار، لم توضع في المكان اللائق بها، وبالتالي سقطت في التقنية لتحول المجتمعات إلى مجتمعات تقنوقراطية، هدفها إشباع الحاجيات الضرورية فقط.

من خلال هذه الرؤية الهابرماسية، يبدو الأمر أبعد من ذلك، حيث فكر بأن الحداثة لازالت لم تستنفد مقوماتها. وما ينبغي فعله هو إعادة الإعتبار لمبادئها بما يتوافق مع عقلنة المجتمع من جديد، والكشف عن ما يروج ويجول في الواقع. وبهذا المعنى لا يتوافق هابرماس مع فلاسفة ما بعد الحداثة، كما هو الحال عند الرواد الأوائل لمدرسة فراكفورت، في أنهم فكروا أن الحداثة مرحلة من مراحل التاريخ لم يعد لها حضور، حيث حلت محلها ما بعد الحداثة، التي تعبر عن عصر الإختلاف والتنوع والتعدد، البعيد عن كل سياق شمولي ينسج العالم في إطار وحدة توتاليتارية لا تراعي الخصوصيات.

هابرماس يدعوا إلى عقلنة التقنية، ذلك أن كل أمر تحصل قيمته بمدى توجيهه إما إلى الأسوء أو إلى الأصلح. إن مسألة العقل التقني فيما يراه هابرماس لا يمكن أن تنطلق من فراغ، وإنما ينبغي وضع دراسة نقدية، تعطي أهمية للعقل في التعامل مع الأشياء ومع الواقع على حد سواء، من خلال احترام أخلاق تواصلية تربط بين القول والفعل، قصد خلق الإتفاق والتفاهم والإجماع، بطريقة تسودها ديمقراطية الحوار والتواصل الفعال والبناء القائم على تقافة البرهان والحجة والإقناع، من أجل نظام سياسي ديمقراطي يضمن للأفراد حقوقهم ويجبرهم على أداء واجباتهم بكل تفان وحرية.

 

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع

 

  • إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، دار الساقي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2012.
  • أبو النور حمدي أبو النور حسن، يورغن هابرماس الأخلاق والتواصل، المكتبة الفلسفية ، توزيع دار الفارابي، بيروت، لبنان.
  • أحمد عبد الحليم عطية، ليوتار والوضع ما بعد الحداتي، الفكر المعاصر، سلسلة أوراق فلسفية، دار الفارابي، بيروت الطبعة الأولى، 2011.
  • إيمانول كانط، نقد العقل العملي، نقله إلى العربية أحمد الشيباني، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة والنشر.
  • بيار دوهم، مصادر الفلسفة العربية، نقله من الفرنسية إلى العربية أبو يعقوب المرزوقي، قدم له روجي ألداز ، دار الفكر، دمشق، 2005.
  • بيير بورديو، الرمز والسلطة ، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثالثة، 2007.
  • جوزيف فان أس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ترجمة سالمة صالح، الجزء الأول، منشورات الجمل، الطبعة الأولى.
  • ديكارت، مبادئ الفلسفة، ترجمة عثمان أمين، دار التقافة للنشر والتوزيع.
  • ستيفان هابر، هابرماس والسوسيولوجيا، ترجمة وتقديم محمد جديدي، منشورات ضفاف، منشورات الاختلاف، بيروت، الطبعة الأولى 1433 هـ، 2012 م.
  • ماكس هوركهايمر، النظرية التقليدية والنظرية النقدية، ترجمة مصطفى الناوي، مراجعة مصطفى خياطي، الناشر عيون المقالات، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 1990.
  • ماكس هوركهايمر، تيودور أدورنو، جدل التنوير شذرات فلسفية، ترجمة جورج كثورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس ، الطبعة الاولى، 2006 .
  • محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني كيف نفهم الإسلام اليوم، ترجمة وتعليق هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت.
  • محمد سبيلا، الحداثة ومابعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الطبعة التانية، 2007 .
  • محمد سبيلا، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان.
  • محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1997.
  • محمد عبد السلام الاشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2013.
  • منيف الرزاز، فلسفة الحركة القومية العربية الخلفية الفلسفية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، طبعة ثانية منقحة، 1978.
  • نيقولا ميكيافيلي، الأمير، قدم له وأعده هبة، فضاء الفن والثقافة.
  • هاربرت مركيوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابشي، منشورات دار الأدب، بيروت، الطبعة الثالثة، 1988.
  • هيغل، محاضرات في تاريخ الفلسفة مقدمة حول منظومة الفلسفة وتاريخها، ترجمة خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعة للدراسة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1407ه/1986م.
  • وول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح الله محمد المشعشع، مكتبة المعارف، بيروت، الطبعة السادسة.
  • يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، منشورات سوريا للثقافة، دمشق، سوريا، 1990.
  • يورهن هابرماس، العلم والتقنية كاديولوجيا، ترجمة حسن صقر، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2003.

 

 

 

 

 

 

نبذة عن الباحث:

  • الاسم الكامل: عبد الرحيم البرادي
  • طالب باحث بجامعة القاضي عياض، كلية الآداب والعلوم الإنسانية مراكش.
  • حاصل على شهادة البكالوريا شعبة الآداب 2011.
  • الإجازة في الدراسات الأساسية شعبة الفلسفة 2014.
  • الماستر في الفلسفة ) ماستر الفلسفة تأويل وإبداع (
  • عنوان المقال: نقد العقل التقني والبديل التواصلي عند يورغن هابرماس.
  • رقم الهاتف 0666848505.
  • البريد الإلكتروني: elbouradiabderrahim@gmail.com

 

[1]– محمد سبيلا، الحداثة ومابعد الحداثة، دار توبقال للنشر، الطبعة التانية، 2007 ، ص. 26.

[2]– ماكس هوركهايمر، تيودور ادورنو، جدل التنوير شذرات فلسفية، ترجمة جورج كثورة، دار الكتاب الجديد المتحدة، طرابلس ، الطبعة الاولى، 2006 ، ص. 24 .

[3]– ماكس هوركهايمر، تيودور أدورنو، جدل التنوير شذرات فلسفية ، مصدر سابق، ص. 34.

[4]– نفس المصدر، ص. 37.

[5]– يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، منشورات سوريا للثقافة، دمشق، سوريا، 1990، ص. 178.

 

[6]

[7]– محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1997، ص. 58.

[8]– ستيفان هابر، هابرماس والسوسيولوجيا، مرجع سابق، ص. 27.

[9]– نفس المرجع، ص 29.

[10]– ص نفس المرجع، ص. 34.

[11]– بيير بورديو، الرمز والسلطة ، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثالثة، 2007 ، ص. 320.

[12]– محمد سبيلا، مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، ص. 204.

[13]– هاربرت ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، مصدر سابق، ص. 5.

 

[14]– نفس المصدر، ص. 37.

[15]– نفس المصدر، ص. 182.

[16]– محمد سبيلا، مدارات الحداثة، مرجع سابق، ص. 206.

[17]– محمد سبيلا، الحداثة وما بعد الحداثة، مرجع سابق، ص. 78.

[18]– يورهن هابرماس، العلم والتقنية كإديولوجيا، ترجمة حسن صقر، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، 2003، ص. 43.

[19]– نفس المصدر، ص. 45.

[20]– يورهن هابرماس، العلم والتقنية كإديولوجيا، مصدر سابق، ص .46.

[21]– إبراهيم الحيدري، النقد بين الحداثة ومابعد الحداثة ، مصدر سابق، ص. 242.

[22]– نفس المصدر، ص. 251.

[23] – يورغن هابرماس ، القول الفلسفي للحداثة ، مصدر سابق، ص. 422.

[24]– محمد سبيلا ، الحداثة ومابعد الحداثة ، مرجع سابق، ص. 84.

[25]– أبو النور حمدي أبو النور حسن ، يورهن هابرماس الأخلاق والتواصل ، مرجع سابق، ص. 122.

[26]– إبراهيم الحيدري ، النقد بين الحداثة ومابعد الحداثة ، مصدر سابق، ص. 256.

[27]– أبو النور حمدي أبو النور حسن، يورهن هابرماس الأخلاق والتواصل، مرجع سابق، ص. 135.

[28]– إبراهيم الحيدري ، النقد بين الحداثة ومابعد الحداثة ، مصدر سابق، ص. 259.

[29]– يورغن هابرماس ، القول الفلسفي للحداثة ، مصدر سابق، ص. 457.

[30]– محمد عبد السلام الاشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2013، ص. 35.

[31]– نفس المرجع، ص. 40.

[32] – محمد عبد السلام الاشهب، أخلاقيات المناقشة في فلسفة التواصل لهابرماس، مرجع سابق، ص. 159.

[33]– نفس المرجع، ص. 160.

شاهد أيضاً

انتفاضات العالم العربيّ

الطاهر بن قيزة   الطاهر بن قيزة   1.     ليس من السهل أن نفكر في ثورة لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *