الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 10  – الجسد ولذة الحياة

في صحبة ابن رشد: 10  – الجسد ولذة الحياة

كوة: العلوي رشيد

تتأرجح ثنائية الجسد الروح بين الفناء والخلود منذ الفلسفة اليونانيَّة، حيث ظل الانفصال الفج بينهما مسيطراً على التفسيرات والتأويلات المتعددة التي صُنِّفت ضمن مجال الانطولوجيا – الميتافيزيقا.

سيظهر الاهتمام بالجسد بشكل مباشر مع تطور الفينومينولوجيا (مع غابرييل مارسيل وموريس ميرلوبونتي…) والأنثربولوجيا، وسيتعزز في مجالات أخرى كالسوسيولوجيا. وقبلها كان ينظر للجسم (وليس الجسد) بما هو موضوع يخص العلم الطبيعي وعلوم الطب، بحيث ستتم الدعوة مع أبيقور إلى ضرورة تحقيق التوازن بين النفس والجسم للتمتع بصحة جيِّدة، وسيدعو أفلاطون إلى ترويض البدن كشرط من شروط ولوج فئة الحَفظَة (الجنود والحراس) التي تضمن الأمن والنظام في المدينة الفاضلة.

كان لابن رشد رأي مغاير للسابقين عليه في موضوع الجسد ونظرُ دقيق للمساواة بين المرأة والرجل وهو ما دونَّه بخصوص المرأة الفيلسوفة – الحاكِمة والتي لا يمنعُ عنها تقلُّد مناصِب سيَّاسيَّة وفكريَّة كانت حِكراً على الرجال.

نشرت التُونسيَّة السمين رشيدة، كتاباً نوعياً حول “الجسد في فلسفة ابن رشد” (بدار نقوش، تونس، الطبعة الأولى 2016)، تناولت فيه سؤال الجسد كما اهتجس به ابن رشد، متتبعة حضوره في مصنفات عدة من شروح وتلاخيص… واعتبرت نظره للجسد نظراً متميزا بالمقارنة مع سابقيه الذين اعتبروه موضوعاً عمليّاً لا يستحق الاهتمام كما تستحقه موضوعات أخرى محض نظريَّة محاولاً النَّظر إليه من زوايا عدة: أخلاقيَّة، تربويَّة، اجتماعيَّة، سيَّاسيَّة. وهكذا استطاع أن يعلِي من قيمته التي تعادل قيمة النَّفس: فكيف يمكن للنَّفس أن تنفلت من قبضة الجسم؟

أبدى ابن رشد ثقة كبيرة بطاقات الانسان الجسديَّة والعقليَّة وأصرَّ كما فعل أفلاطون وغيره إلى العناية به من جهة الجماع والدلك والرياضة. بل أوصى بضرورة تنقيح ثقافتِنا التي تعتمد على الخرافات والأساطير الغيبيَّة لما لها من أثر في تنشئة الأطفال لأن من محاسن تربيَّة الصبي – في نظره – ألاَّ نحدِّثه عن “شياطين يهدمون الجدران على الناس، ويفتحون الأقفال، وأنهم يرون ولا يرون، ويحضرون حيثما أرادوا، ويتشكلون بالشكل الذي يريدون، لأن مثل هذه الأشياء تغرس في قلوب الصبيان الخوف والجبن فيرسخ ذلك في نفوسهم” (الضروري في السياسة ص 89)، وذلك “لأن الناس تعتقد أن الشر يصدر عن إبليس أو الشياطين”. وهو بذلك يعيد الاعتبار للتدبير العقلاني المطلوب للعلاقات التربويَّة في المدينة الأندلسيَّة.

تعتبر رشيدة السمين أن للجسد كمدلول ثقافي (وليس كعضو فيزيولوجي (الجسم)) اهتمام خاص في مدونة الفكر العربي (أو الفلسفة العربيَّة) بحيث كتب عنه الفقهاء والمفكرون والأدباء والفلاسفة رغم تفاوت نظرهم حوله، لهذا أخضع الجسد عندنا إلى ثلاثة قوى رئيسة: السُّلطة، الدِّين، المجتمع، مما دفع العرب إلى تحقيره بحيث لم يكتبوا تاريخ أجسادهم ولم يعتبروه عنصرا أساسيَّا لفهم ذواتِهم.

وقفت في كتابها عند مجموع الرؤى التي حكمت النَّظر الفلسفي في الجسد وميزت بين النَّظر

الأنطولوجي – الميتافيزيقي، والنَّظر الفيزيائي – الابستمولوجي، والنَّظر الأخلاقي – الاثيقي، لتعرب عن فرادة ابن رشد في تصنيف الجسد ضمن الجانب العملي لأنه يدخل ضمن العلم الطبيعي والطب، وحثه على العناية الصحيَّة بالجسد والتربويَّة والأخلاقيَّة والاجتماعيَّة. وبالتالي أخرجه من التأمل النظري ليضعه موضع الفحص العملي، غير أنها تقر بالدور الهام الذي لعبته الفينومينولوجيا في إعادة الاعتبار لثيمة الجسد شأنه شأن موضوعات فلسفيَّة أخرى كانت مهملةً كليّاً في ماضينا.

ستتكرس النظرة الاحتقارية للجسد حتى في الفلسفة الحديثة حيث يصرف ديكارت نظره عن قيمته وأهميته وعن كل الاحساسات لأنها تفسد عملية التفكير لذلك يقول في التأمل الثالث: “سأغمض الآن عينيّ، وسأصم أذنيّ، وسأنصرف كل حواسي، وسأمحي حتى من فكري كل صور الأشياء الجسمية، أو على الأقل، لأن هذا قد لا يكاد يحدث، فإني سأعتبرها باطلة وخاطئة؛ وسأحاول، محافظاٍ فقط على ذاتي، ومتأملا داخلي، أن أغدو شيئاٍ فشيئاً معروفاً أكثر ومألوفاً أكثر لدى ذاتي. فأنا شيء يفكر” إلا أن أبحاث هارفي وغيره من ميكانيكيي القرن السادس عشر كانت بداية لفك لغز الجسد، بحيث تواصلت في خضم الصراع مع الكنيسة لتزيح القلب كعضو محوري في الجسم – الآلة لصالح الدماغ محور الجسم – الأعصاب الذي اعتبر مع بداية القرن العشرين مركز المعرفة والانفعال، وتنامى اكتشاف خلايا الجهاز العصبي “العصبونات” مع غولجي وكاجال 1906 والتي ساهمت في نمو وتطور بيولوجيا الأعصاب مع جون بيير شونجو الذي ربط الوعي والحالات العقليَّة بالسُيالات العصبيَّة. وساهمت فينومينولوجيا هوسرل في وضع فلسفة حقيقيَّة للجسد، كما غيرت نظرة ميرلوبونتي للجسد العديد من الأفكار من منطلق أن الجسد هو بوابة الذات نحو العالم والآخرين والوسيلة العامة لامتلاك الأشياء بفضل ما تمنحه من معانٍ للعالم والأشياء معاً. وبفضلهما تصور لفيناس منذ كتابه “الزمن والآخر” الجسد على أنه: ما يتجاوز السيطرة والملكيَّة من خلال الشعور؛ وما يعرض أمام النظر قابليَّة الكائن البشري للجُرح وهشاشته مدى الحياة. وهكذا اتخذ الجسد معناه ومدلوله الثقافي ليعبر عن سؤال الغير والذات والوجود عامة، متجسدا في أشكال تعبيرية شتى فرضت نفسها دوما في مختلف الثقافات.

شاهد أيضاً

العادة السريّة والمسألة الجنسية عند إيمانويل كانط

لحسن وحي لحسن وحي إن الإنسان كائن كغيره من الكائنات الحية، غير أنه ينفرد عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *