الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 6 – وحدانيَّة التسلُّط

في صحبة ابن رشد: 6 – وحدانيَّة التسلُّط

كوة: العلوي رشيد

شهد تاريخ البشريَّة أنماطاً مختلفة من أنظمة حكم التسلُّط تحت مُسميَّات مختلفة: الطُغيان، الاستبداد، الحكم الفردي، الديكتاتوريَّة، الشموليَّة أو التوتاليتاريا… غير أن ابن رشد اختار مفهوم “وحدانيَّة التسلُّط” للإشارة إلى الطُغيان السيَّاسي الذي عاصره وذاق مرارة نفيه بعد التنكيل باجتهاداته وجهوده في الدفاع عن العقل والفلسفة.

لم يأتي هذا المفهوم من مثقف خارج دائرة السُّلطة، بل من مثقف اختار أن يخدُم البلاط كطبيب وكشارح ومستشار، رغم انشغاله طوال النهار كقاضي في شؤون الناس مما لا يفسح له المجال للتفرغ لعمله الفكري والفلسفي إلا أثناء اللَّيل، ولهذا يحكى عنه أنه لم يتوقف عن القراءة إلا ليلتين: ليلة وفاة أبيه وليلة زفافه.

ينبع نقد ابن رشد للتسلُّط من نقد الأنظمة السيَّاسيَّة، ونقد سُلطة البيُوتات حيث يقول: “المدينة الجماعيَّة في زماننا، فإنما كثيراً ما تؤول إلى تسلُّط. مثال ذلك الرِئاسة التي قامت في أرضنا هذه، أعني قرطبة بعد الخمسمائة لأنها كانت قريبة من الجماعيَّة كليّةً، ثم آل أمرها بعد الأربعين وخمسمائة إلى تسلُّط” (الضروري ص 195). وهو بطبيعة الحال يميز بين المُدن الجماعيَّة كما فسَّرها أفلاطون وبين مُدن الغلَبة التي ينضم فيها الجبَّارين إلى الملك لغلبة العامة وهي نوعان:

  • مُدن الشَّهوة: والتي يكون قصدُ أصحابِها في اجتماعهم هو الوصول إلى اللَّذات الحسيَّة من مآكل ومشرب ومنكح.
  • مُدن الضرورة: السعي وراء الحصول على ما هو ضروري: الفلاحة، القنص، اللُّصوصيَّة…

لا يختلف واقع المدينة (الدولة) في عصر ابن رشد عن مدن العبوديَّة حيث تسودُ الفوارق بين الأغنياء والفقراء وتتسع يوماً عن يوم، لأن الناس فيها فئتين: فئة العامة وفئة السَّادة: “وكما هو عليه الحال في كثير من مدننا. وفي هذه الحال يسلب سادتُهم عامتهم، ويُمعن السَّادة في الاستيلاء على أموال (العامة) إلى أن يؤدي بهم الأمر أحياناً إلى التسلُّط، كما يعرض هذا في زماننا هذا وفي مدننا هذه” (“الضروري في السياسة”، ص 176). وهذا التحول الذي عاش وقعه في ظرف أربعة عقود، دفعهُ إلى الدعوة إلى نوع من العدالة الاجتماعيَّة في التوزيع والتدبير لتتجنب قيام الفِتنة التي خصص لها العديد من مساهماته السِّجاليَّة.

ينمو التسلُّط ويتصاعد عبر مجموعة من الممارسات التي تنعكس على السيَّاسة: بحيث إن ما يلحق المدينة من ضررٍ وشُرور وسوء المآل يدفع بوحدانِي التسلُّط (المُستبد) على حال من حالين: إما ألاَّ يعيش؛ وإما أن يعيش مع أشرار آثِمين يكرهُونه.

وبناء عليه استحضر ابن رشد شروط الحُكم (وليس الإمامة كما يدعي العقل الفقهي) التي حددَّها أفلاطون بدِقة في الجمهوريَّة، مؤكداً: إن على الحاكم / الفيلسوف أن يستوفي ما يلي:

أن يكون على قدر من تحصيل العلوم النظريَّة، أن يمارس أنشطة لتقويَّة الذاكرة، وأن يُحِب العلم، ويتحلى بالصدق، ويتجنب اللذات ويعترض عليها، وألا يُحِب المال، وأن يكون عالِي الهمَّة وشُجاعاً وعادِلاً – فاضِلاً، وأخيراً خطيباً فصيحاً.

لن يستطيع الحاكم أن يستوفي هذه الشروط ما لم يتحلى بالحكمة ومحبا لها لاعتقاد ابن رشد أن المدينة الفاضلة – كما عدَّلها – مُمكنة في زمانِه رغم أن التغيرات السيَّاسيَّة عصفت به وذلك لأن “الاجتماعات في كثير من الممالك الإسلاميَّة اليوم (يقول ابن رشد)، إنما هي اجتماعات بيوتات لا غير، وإنما بقي لهم من النواميس الذي يحفظ عليهم حقوقهم الأولى، وبيِّنٌ أن جميع أموال هذه المدينة أموال بُيوتات” (نفسه، 175) ويقصد بأموال البُيوتات: “الأموال المكتنزة أصلاً في هذه المدينة هي اليوم في حقيقة أمرها أموال بيوتات، أعني أنها من أجل بُيوت السَّادة، ولذلك فالجزء الإمامي (الخليفة وأهله) هو اليوم جزء التسلًّط بإطلاق فهذه هي المدينة الجماعيَّة وما اتصل بها من أمور” (نفسه، 176)

يكفي قراءة كتابه “الضروري في السيَّاسة” لتبيُّن الرؤيَّة السيَّاسيَّة التي كانت تحكُمه، فقد تمكن من مراجعة أفلاطون بدِقة ونقَّح جملة الأفكار التي لا يُشاطِرها الرأي وأضاف إليه ما رآه مُناسباً لعصره، وهي قضايا سوف نعود إليها في حلقات أخرى، لنُبيِّن مع محمد عابد الجابري أن ابن رشد لم يتم نفيُهُ بسبب الدِّين، وإنما بسبب هذا الكتاب تحديداً لأنه عبَّر فيه عن اطلاع دقيق بأحوال المُدن آنذاك، وقد استُعمِل الدِّين مطيَّةً لتهجُّم ونِقمة العامَّة عليه.

يتكامل تصور ابن رشد للتسلُّط مع قول معلمه الرازي في معارضة الفلسفة والفلاسفة للحُكَّام: “إن صناعة الفلسفة لا تحتمل التسليم للرؤساء والقبول منهم ولا مساهلتهم، وترك الاستقصاء عليهم، ولا الفيلسوف يحب ذلك من تلاميذه والمتعلمين منه، وأما من لامني على ذلك لا أُعدُه فيلسوفاً، إذ أنه قد نبذ بهذا الصنيع سنة الفلاسفة وتمسك بسنة الرعاع من تقليد الرؤساء وترك الاعتراض عليهم” وهو على وعي تام أن “الاشتغال على الفلسفة كان يعني في ذلك الوقت وفي الأندلس بالذات تبني وترويج أيديولوجيا معادية للسُّلطتين السيَّاسيَّة والثقافيَّة السائِدتين: سُلطة الحكام “السنيِّين” وسُلطة الفقهاء المُتزمِّتِين” ( محمد عابد الجابري: “نحن والتراث”، ص 252 / 253).

شاهد أيضاً

درس محمد عابد الجابري: في العلاقة بالآخر

محمد ازويتة في إحدى المساهمات الثقافية التي قدمها الباحث المغربي عز العرب بناني ، على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *