الرئيسية / منتخبات / عامة / احتجاج مواطن بسيط 

احتجاج مواطن بسيط 

بقلم: عبد الإله الحلوي

عرف المغرب في الخمس سنوات الأخيرة انتكاسات خطيرة على المستويين الاجتماعي والسياسي، تراجُعات حقيقية في مختلف المجالات. وإن كان المواطن البسيط لا يفهم لغة الأرقام التبريرية التي تستعملها الحكومات، فإنه بالملموس يعاني من السياسات العمومية البئيسة الراكعة لإملاءات المؤسسات المالية الدولية، التي أدت إلى ضرب قدرته الشرائية، بموازاة  تحرير أسعار المواد  الأساسية، دون أن يرافق ذلك الرفع من الدخل الفردي الذي تراجع رغم تحسن معدلات النمو.

إن المواطن البسيط لا تعنيه كثيرا المسائل السياسية والإيديولوجية، بقدر ما يشغل باله قوته وقوت أسرته، وتحقيق الحد الأدنى من الخدمات العمومية البسيطة، ولكنها أساسية جداً لحفظ كرامته في التعليم والصحة والشغل والعدل والسكن والنقل… فهو لا يبحث عن الكماليات  السياحية المخملية، ثم ماذا سيفعل ” بتي جي في ” وهو لا يجد ثمن تذكرة لحافلة نظيفة، وماذا سيفعل بالمنتجعات وفنادق خمس نجوم، وهو لا يجد ثمن كراء غرفة بئيسة تقيه الحر والقر، وماذا سيفعل بمتحف الفن المعاصر،  وهو لا يقدر على توفير ثمن الكتب المدرسية لأطفاله… إن سؤال المواطن البسيط في كل مكان هو سؤال العيش الكريم.

منذ الاستقلال إلى اليوم لا أحد يمكنه الحديث عن تنمية حقيقية ما دام هناك موطن واحد بدون كرامة، وما دامت دمائه   تمتص بالضرائب وارتفاع الأسعار، ومادام يموت موتا بطيئا بلا رحمة،  بالفقر والجوع والمرض والجهل… أي تنمية؟ وهناك مواطن يعيش بدريهمات في اليوم، محروم من خدمات أساسية بسيطة، ونحن في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة، أي تنمية؟ والمواطن ينتظر قفة مساعدات تقدم له كمتسول في وطنه، أي تنمية؟ في ظل هشاشة حقيقية واقعية وملموسة.

إن ” الحراك ” الذي يعرفه المغرب اليوم، لا يتعلق بمنطقة بعينها تعرضت للتهميش والإقصاء لسنوات. فكل المناطق سواء في الهشاشة والإقصاء وغياب فعل تنموي حقيقي، كما أن هذا ” الحراك ” لا يرتبط بشخص بعينه، إنه ردة فعل طبيعية منتظرة نظرا للحالة الاجتماعية الهشة، ونظرا لخيبات أمل المواطن البسيط، الذي يبدو أنه أكثر فئات المجتمع خوفا على الوطن واستقراره وأمنه ولكن ليس على حساب تجاهل مطالبه وإهمال صرخاته.

إن دولة تعي أن ما يحرك ” فعل الاحتجاج اليوم ”  اجتماعي تنموي صرف،  وليس ما هو سياسي، فالمواطن البسيط لا تهمه الديباجات الدستورية إن كانت ملكية برلمانية أو ملكية دستورية، كما لا تهمه المفاهيم السياسية الفضفاضة، أو الشعارات الحزبوية الجوفاء إذا تحقق له العيش الكريم. نعم إنها مطالب “خبزية” ولكنها مطالب متشابكة، فلا عيش كريم بدون تنمية حقيقية ولا تنمية بدون القضاء على الفساد والريع، ولا يمكن محاربة الفساد بدون محاسبة بدل التجبر على الضعفاء،  هذا كله لن يتم إلا إذا غيرت الدولة عقليتها، وأنصتت لأصوات أجسادٍ أنهكها الجوع والمرض.

شاهد أيضاً

تعثر التفلسف في نظر طه عبد الرحمن: نقد وتوثيق

حسن العلوي   تأتي هذه المقالة في سياق الحوار الذي دشناه مع فكر طه عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *