الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد 4 – شائِعاتُ مُغرضة

في صحبة ابن رشد 4 – شائِعاتُ مُغرضة

كوة: العلوي رشيد

عديدة هي الشائِعات التي رُوِّجت لأغراض ايديولوجيَّة حول فكر فيلسوف قرطبة ومراكش، منها أساساً أنه كان يُقدِّس أرسطو دون غيره، والحقيقة أنه اشتغل على العديد من الفلاسفة الذين كان لهم شأو عظيم في التراث الفلسفي: أوقليدس، أفلاطون، جالينوس، ثامسطيوس، نيقولاوش، فوفوريوس، الإسكندر، الفارابي، ابن سينا، الغزالي، ابن باجة…

كما يقال عنه عند أهل “العباءة الدينيَّة” أنه يُمجِّد الحقيقة المزدوجة ويؤمن بخلود العقل الهيولاني، وأنه يوفق بين الدين والفلسفة إلى آخره من الأحكام المسبقة التي لا علاقة لها لا بالشخص ولا بفلسفته.

حاولت بيان بطلان نظريَّة التوفيق المزعومة في فكر ابن رشد، لما اشتغلت على سؤال الجوهر في فكره، واعتبرت أن هذا العمل قد يعيد النَّظر في النَّزعة التوفيقيَّة: “نحن على يقين أن المُغالاة في النَّزعة التوفيقيَّة من شأنِه الإساءة إلى أبي الوليد، وقبر اجتهاداتِه ومساهماتِه التي تحتمل كل تأويل. تلك المساهمة التي لا تنحصر في التفسير والتلخيص فقط، بل تتجلى كذلك في قدرته على قراءة أرسطو وفق شروط العصر، ووفق تفسيره، حيث أضاف إليه ما هو مناسب وجدير بالإضافة، وحذف منه ما هو غير مناسب وزائد، وأكثر من ذلك، في قدرتِه على معالجة قضايا عصره وتطوير ما استلزم ذلك في النَّص الأرسطي. وبهذا وضعنا فيلسوف قرطبة ومراكش أمام إنتاج فلسفي غير مسبوق في التقليد العربي – الإسلامي، من حيث اتجاهه العقلاني الصارم وبرهانيته التي قطعت مع تأويلٍ وشرحٍ أفسد الكثير في التقليد الأرسطي العربي واللاتيني. وبفضل ذلك الجهد دخل العالم الأوروبي – اللاتيني من بابه الواسع”.

صرخ محمد عابد الجابري عن النزعة التوفيقيَّة في مقدمة تحقيقه لكتاب “فصل المقال” قائلاً: “إن القضية الجوهريَّة التي يطرحها هذا الكتاب ليست “التوفيق بين الدين والفلسفة”، كما درج على القول بذلك كل من كتب عن ابن رشد. إن فيلسوف قرطبة لا يُوفِّق، بل يُقرِّر توافق وعدم تعارض الشريعة والحكمة، ويقرر بقوة أن التعارض هو بين كل من الفلسفة وظاهر الشرع، وبين تأويلات المتكلمين” (ص 50). وقد استغلت النزعة التوفيقية للتبخيس من قيمة اجتهاد ابن رشد لبيان أن حقيقة الحكمة هي نفسها حقيقة الشرع، وبالتالي يصفون ابن رشد بأنه مارق وزنديق يقلل من شأن الحكمة الربانيَّة ويُماثِلها بحقيقة الفلاسفة، ويقول الجابري في هذا: “أما بالنسبة لابن رشد فالأمر يختلف، إن مشروعه الفلسفي يقوم أساسا على الفصل بين الفلسفة والدين حتى يتأتى الحفاظ لكل منهما على هويته الخاصة، ويصبح في الإمكان رسم حدودهما وتعيين مجال كل منهما” نحن والتراث 306).

يستدعي هذا التغليط في حقه إعادة المراجعة والتقييم، وهي تعود في تكريسها إلى صنفين من المشتغلين والمهتمين بفلسفته: صنف أول وهو من غير الرشديين والذين تعاملوا بانتقائيَّة مع أقواله ومؤلفاته ليأخذوا منها ما يخدم بالأساس البعد الأيديولوجي دون المعرفي، وهم من أسميناهم “أهل العباءة الدينيَّة”. وصنف ثانٍ وهو ينتمي إلى مدرسة الرشديَّات منذ العمل الأول لإرنست رينان إلى اليوم، والذي كان ضحيَّة الالتصاق بالنَّص في حرفيته دون أن يبني نظرة عن مجموع المتن الرشدي، ولعل العديد من المغالطات التي روجها بعض الرشديين تعود بالأساس إلى مشكلات متصلة بالمدة الزمنيَّة التي كلَّفت المدققين في أثره لإخراجه إلى حيز الوجود، تحقيقاً وترجمةً، رغم أن العديد من ذلك الأثر لا يزال مجهولاً إلى اليوم، وهذه الانتقائيَّة ليست معرفيَّة فقط، بل منهجيَّة أيضاً.

لسنا بحاجة كبيرة إلى إعادة قراءة وتدقيق مضامين كتاب فصل المقال لبيان بطلان أزعومة التوفيق بين الدين والفلسفة بدعوى أن “الحق لا يضاد الحق” وهي العبارة التي تم تأويلها لتكريس مغالطة القول بالحقيقة المزدوجة، لأن بعض مراجعات الرشديِّين أنفسهم كانت ضروريَّة، فكيف يمكن أن نفسر مثلاً تحرر ابن باجة من النزعة التوفيقيَّة كما هي متوارثة في التراث المشرقي وحضورها عند تلميذه؟

من المعلوم أن كل مشتغل بالفلسفة في زمن ابن رشد يُخندَق في مواجهة الأيديولوجيا السائدة ف: “الاشتغال بالفلسفة كان يعني في ذلك الوقت وفي الأندلس بالذات تبني وترويج أيديولوجيا معادية للسلطتين السياسية والثقافية السائدتين: سلطة الحكام “السنيين” وسلطة الفقهاء المتزمتين” (نحن والتراث، 252/253)، وذلك بفضل الإرث الثقيل للدِّين، من جهة، وللحفاظ على مصالح واقتصاد البيوتات، من جهة أخرى.

يحضر هذا النص الرشدي في مقرر الفلسفة الخاص بالجذع المشترك في ثانوياتنا المغربيَّة ولم تعطى له أحقيته في الوفاء لفكر وفلسفة صاحِبه، بل يتم الاكتفاء بالتصريح أن فيلسوف قرطبة ومراكش يوفق بين الشريعة والحكمة للتدليل على أن الفلسفة لا تتعارض مع الشريعة، إرضاء للتمثلات السائدة حول الفلسفة في مجتمعنا. وما الهجوم الأخير لمقرر التربيَّة الإسلاميَّة إلا انسياقاً وراء نزعة متزمتة تريد التبخيس من قيمة التفكير النَّقدي، وتحط من دعوة ابن رشد إلى ضرورة إعمال العقل كما تحث على ذلك الشريعة. ولهذا فإن تسفيه الفلسفة في فتوى ابن الصلاح يمكن أن يكون بالسجال والمناقشة مدخلاً لإعادة الاعتبار للفلسفة.

 

شاهد أيضاً

جدل الجدل والمجانسة النوعية

علي محمد اليوسف   علي محمد اليوسف تمهيد: في هذه المقالة أتناول مناقشة ألقانون الاول من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *