Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / أدب وثقافة / مساهمات / فِتنة الحسيمة

فِتنة الحسيمة

كوَّة

تجدد الحديث عن الفتنة مباشرة بعد الحركة السيَّاسيَّة الديمقراطيَّة التي اجتاحت بلداننا نهاية سنة 2010. واعتبر البعض أن موجة صراعات أهليَّة ستنطلق لا محالة، وقد كان الصراع حول السُّلطة الذي انطلق في ليبيا وبلغ أشده في سوريا، دليلاً على وجود قوى مستعدة للتضحيَّة ببلدانِها ومكتسباتها لصالح لعبة دوليَّة أو إقليميَّة. واتخذ الصراع حول السُّلطة لُغةً عنيفةً وخطاباً دينيّاً مُغالياً في امتلاك الحل السِّحري باسم الشريعة.

احتل موضوع الفتنة مكانةً هامَّة في تاريخ المسلمين منذ الفتنة الكبرى، وكتب عنه معظم المفكرين والمثقفين المرموقين طوال ذلك التاريخ، وعادة ما تمَّ ربط الفِتنة بالدِّين باعتبارها اضطراب الأوضاع السيَّاسيَّة داخل دولة ما.

وفي سياقنا الخاص استعمل مصطلح الفتنة إشارة إلى أعمال عنف محتملة يتسبب فيها أناس يضحون بمصلحة الوطن أو ما سميَّ في حالة الحسيمة ب “الإخلال بالولاء للوطن”، في حين أن الفتنة، إنما هي تعبير عن اختلاف الناس حول قضايا معينة تهم نظام الحكم من جهة والمواطنين من جهة أخرى. بحيث تشبث سكان الحسيمة بمطالبهم المشروعة والتي لا تكلف الكثير، فالناس لا يملكون الوسائل ولا الأدوات لإيقاظ الفتنة (يعتقد أن الفتنة هي دوماً نائِمة في مجتمعاتنا) وللهجوم على قوى الأمن والدرك والجيش، بل لا يملكون حتى وسائل الدفاع عن النفس غير إعلان: سلميَّة، سلميَّة، وكأنهم يحملون الرصاص والبنادق ويعلنون عدم استعماله.

أصر نظام الحكم على الالتفاف على مطالب الساكنة بوسائله المعهودة، وكانت خطبة الجمعة الأخيرة المفروضة من السلطة المركزيَّة وما وقع في مسجد محمد الخامس بالحسيمة فرصة لإعادة إذكاء مؤامرة الفِتنة للإجهاز على مطالب الساكِنة. لذلك، سنحاول هنا قدر الإمكان بيان كيفية التحكم في الشأن الديني وتوجيهه لخدمة مصالح نظام الحكم.

لجأ الحسن الثاني في نهاية السبعينيات (1979) إلى هيكلة الحقل الدِّيني والتحكم السيَّاسي فيه من خلال جملة اجراءات صارمة من قبيل:

  • إلغاء خطبة الفقيه الحرة عن طريق فرض خطبة موحدة ومملاة من المركز (الرباط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة)، وتتلى على مسامع المصلين وهي خطبة موجهة دينيّاً وسيَّاسيّاً بهدف الهيمنة على فئة الفقهاء لتمرير خطابات ايديولوجية لحشد أنصار ومؤيدين جدد لبرنامجها السيَّاسي وهو ما يحدث في جميع الخطب التي تتزامن مع الانتخابات التشريعيَّة (أنظر مثلا خطبة 7 اكتوبر 2016…).
  • إعادة هيكلة المجالس العلميَّة من خلال التحكم في نظام الإفتاء، وهكذا صارت الفتوى مُملاة من قبيل لجنة الافتاء داخل المجلس الأعلى العلمي لسد الباب أمام فوضى الفتاوي والذي يمكن أن يحدث خللاً في التوازن المجتمعي. لأن نظام الافتاء يرتبط بشكل لصيق بشؤون الناس عامة من جهة وآلية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أخرى، مما قد يغرق المجتمع في صراعات أو نزاعات دامية.
  • حفز التعليم الدِّيني وتحديثه: مدرسة الحديث الحسنية، جامع القرويين، التعليم الأصيل، المدارس العتيقة، الكتاتيب القرآنية، كليات الشريعة، شعبة الدراسات الإسلاميَّة… وذلك رهانا على نخبة دينيَّة تتماشى مع مصالح السُّلطة السيَّاسيَّة، إلى درجة أن التعليم الدِّيني العتيق يشكل منظومة وقطاعا قائم الذات ومستقل عن وزارة التربية الوطنيَّة، لأنه أسند إلى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة (مديرية قائمة الذات لها ميزانيتها وبرامجها ومناهجها وآليات تنفيذ سياستها). فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة تعتبر فاعلاً دينيّاً حقيقيا كوزارة سيَّاديَّة يتكلف الملك بتعيين وزير لها خارج الآليات الدِيمقراطيَّة المتعارف عليها والتي تسري على الوزارات الاخرى، وذلك بالنظر إلى مكانتها في تجديد النخب الدينيَّة وفي رعاية الشرعيَّة السيَّاسيَّة للملكية، كما تتكلف بأنشطة أمير المؤمنين: توزيع الهدايا والجوائز الدينيَّة وهدايا الزوايا ودعم النخب الدينيَّة: الأئمة والفقهاء والعلماء…

وحرصا على ضمان هيمنة الملكيَّة، تعتمد هذه الأخيرة على بناء مشروعيتها عبر مزج غريب لكن ذكي لجوانب العصرنة بموازاة التقليدانيَّة. فالملك رئيس دولة (الفصل 42) وأمير المؤمنين (الفصل 41). وقد استطاع الجديد استطاع عبر مسلسل الانصاف والمصالحة إخضاع النخب المعارضة ومحو صورة الحسن الثاني عن نفسه، ليطور منذ خطاب 30 ابريل 2004 توسيعاً فعالاً للمشروعيَّة الدينيَّة انطلاقاً من مفهوم إمارة المؤمنين.

وقبل ذلك وسع طقوس البيعة لتشمل عند اعتلائه العرش سنة 1999 الرموز الكبرى للنُّخبة العسكريَّة والسيَّاسيَّة، كما يحرص دوماً على انضباط الجميع (بمن فيهم المتبجحون بالحداثة والقيم التقدميَّة) لكل الأشكال التقليدانيَّة كحفل افتتاح البرلمان وحفل الولاء والدروس الرمضانيَّة، واستعمال ذلك كأدوات للإخضاع (ارتداء الزي التقليدي من طرف اليساريين: عبد الرحيم الجامعي وعبد العزيز النويضي كشرط لاستقبالهما حول مخطط إصلاح العدالة من طرف الملك في رمضان 2013)، إلى جانب بيانات القصر الملكي حول بعض الانزلاقات أو التصريحات التي تمس شخوص المؤسسة الملكيَّة: محمد بوستة ونبيل بن عبد الله.

توسيع المشروعيَّة الدينيَّة للسُّلطة السيَّاسيَّة عبر ثلاث محاور رئيسية:

  • إعادة هيكلة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة
  • توسيع النُّخبة الدينيَّة عبر الرابطة المحمدية للعلماء ثم المجلس العلمي الأعلى ومجالسه المحلية وضمنه هيئة الافتاء
  • دعم الإسلام الطرقي.

ومن خلالها يمكن تلخيص الأهداف الأساسيَّة للحكم في:

  • التحكم في مؤسسات إنتاج النخب الدينيَّة وهو ما يرومه إصلاح مناهج دار الحديث الحسنية وإعادة هيكلة وزارة الأوقاف، ثم تطوير نظم التعليم بالمدارس العتيقة وربطها بالوزارة لضمان الولاء وعدم الانفلات، ومؤخرا (2016) إصلاح مقررات التربية الإسلاميَّة.
  • توسيع النُّخبة الدينيَّة ورفع نسب التأطير الدِّيني في المجتمع، حيث انتقل عدد المجالس العلمية المحلية من 30 إلى 70، وتم تسيِّيج عمل هذه النخب ب”ميثاق العلماء”، وتوسيع عدد المرشدين والقيمين الدِّينيين، إضافة إلى تنشيط برنامج محو الأمية بالمساجد وإذاعة وقناة محمد السادس للقرآن.
  • التحكم في المساجد والأئمة لضمان عدم استعمال المعارضة الدينيَّة لهذه المؤسسة.
  • الحضور القوي للملكية في مؤسسات الإسلام التقليدي كالزوايا ومواسم الأضرحة.

الدرس الآخر الواجب استخلاصه هو النظر إلى إمارة المؤمنين ليس فقط من زاوية المؤسسات الدينيَّة التابعة لها، ولكن أولا في تشعباتها العلائقية وقوة تأثيرها في شرائح واسعة بأسفل الهرم الاجتماعي. وثانيا في فهم أن إعادة انتاج الثقافة الدينيَّة للسُّلطة السيَّاسيَّة تغزو كافة مناحي التأطير في المجتمع بدءا من المقررات المدرسية والجامعية، مرورا بالمساجد والأوقاف، وصولا للزوايا والأضرحة.

عموما يمكن القول بأن فعالية “إمارة المؤمنين” في إضفاء طابع القداسة الدينيَّة على نظام الحكم لتوسيع مشروعيته وقاعدته الاجتماعيَّة، مسألة يتم توظيفها كآلية لتحقيق الإجماع حول الملك. حيث كانت مناورة المبادرة الوطنيَّة للتنمية البشرية مكملة للسيَّاسة الدينيَّة بشكل جعل الملكيَّة قادرة على هزم “الإسلام السيَّاسي”، وترويض باقي الفاعلين كنوع من التأديب.

البلاغ الذي أصدرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية يوم أمس والذي استعمل مصطلح “الفتنة الكبرى”، يؤكد مما لا يدع مجالا للشك أن مختلف مؤسسات الدولة هي في خدمة نظام الحكم، وقد استعمل الدين دوما لتغيير الصراع السياسي لصالح الحكام ولقمع المعارضين، وعلى هذا الأساس فإنه لا سبيل ولا خلاص من نظام ديمقراطي مبني على الفصل الحقيقي بين السلط والفصل بين مجال الدين ومجال السياسة.

شاهد أيضاً

بقايا استعباد قديم للعقل

هناء السعيد هناء السعيد ماذا لو تركونا نفسر الكتب المقدسة الآن؟ مزاعم تجديد الخطاب الديني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *