الرئيسية / Non classé / سعيد ناشيد حراك الحسيمة، وأزمة سياسة الذاكرة بالمغرب

سعيد ناشيد حراك الحسيمة، وأزمة سياسة الذاكرة بالمغرب


حراك الحسيمة، وأزمة سياسة الذاكرة بالمغرب..
إن ما يجري في منطقة الريف ( شمال المغرب ) لهو أمر بالغ الخطورة على مستقبل وطننا. ولقد أصبحت التطورات تنزلق رويدا رويدا نحو خط اللاّعودة. في كل الأحوال تبقى إرهاصات التطرف الديني كامنة في انتظار ساعة التمكين، وتبقى إرهاصات الانفصال السياسي أيضا كامنة في انتظار ساعة الصفر. لكن ليس من المروءة بأي حال أن ننتظر حدوث الكارثة حتى نزعم بأن المنطلق كان خاطئا منذ بدايته. فالحكمة لا تأتي بأثر رجعي. وفي الفكر الاستراتيجي علينا أن نستحضر الاحتمالات السيئة لكي نتفاداها لا لكي نبني عليها موقفا آخر.
اتهام أحزاب الأغلبية الحكومية لأنصار “الحراك الشمالي” بالنزعة الإنفصالية يُعتبر سقطة سياسية مدوية، فضلا عن أنه دعاية مجانية لأنصار الاحتمالات السيئة إن وُجدوا. غير أن الاتهام دليل آخر على عمق الأزمة السياسية التي يعاني منها بلدنا المغرب، أزمة زعامات شعبوية أصبحت –بعد مسح الطاولة من الزعامات التاريخية- عاجزة عن إنتاج أي فكرة، عاجزة عن إنتاج أي تصور، عاجزة عن إنتاج أي رأي، عاجزة عن طرح أي مبادرة قوية في أي اتجاه كيفما كان، مبلغ همها شرح الخطب الرسمية، ثم إخفاء عجزها ونهمها خلف التعليمات السامية. لقد أصبحت بهذا المعنى عالة على الشأن السياسي، وعالة حتى على المؤسسات العليا للدولة. لعل الأمر متعلق بلعبة مطمئنة في ظاهرها، لكنها خطرة بكل المقاييس.
بلا شك، طبيعي أن تكون هناك مشاكل، ومطالب، واحتجاجات، سواء في شمال المغرب أو جنوبه، شرقه أو غربه، لكن الأمر غير الطبيعي هذه المرّة، وبالضبط في السنوات الأخيرة، أن الأحزاب السياسية والنقابات فقدت بصفة نهائية القدرة على التأطير الاجتماعي. ما أفضى إلى فراغ مريب وصمت مهيب. بمعنى، الموت السريري للسياسة.
سيكون من باب التذاكي أن نعتقد بأن الفراغ، والصمت، والرهان على النسيان، وكل ذلك، يفيد في الاستقرار. إذ لستُ أشك قيد أنملة في أن سياسة الذاكرة تعدّ الجانب الأكثر أهمية ضمن ما يسمى بالحكامة الراشدة. على سبيل المثال، لقد كانت جرائم الحرب التي مارسها الاستعمار الإسباني في شمال المغرب جرّاء استعمال الغازات السامة ضد قوات الأمير عبد الكريم الخطابي، فرصة للسلطات المغربية حتى تدشن ملاحقة قضائية دولية للمطالبة بالعدالة والتعويض للضحايا. وكان من شأن تلك المعركة أن تضمد بعض الجراح، وتساهم في تعزيز روابط التضامن الوطني على قاعدة تمتين الذاكرة المشتركة للشعب المغربي. غير أن غريزة الخوف من الذاكرة قد غلبت في الأخير، وانتشرت كالعدوى داخل أروقة الدولة. بل أصبحت الذاكرة الوطنية في برامج التعليم والإعلام والنقاش العمومي مجرد ثقوب سوداء هي أقرب إلى فقد الذاكرة منها إلى الذاكرة. فكان من الطبيعي أن تظهر ذاكرات دينية أو عرقية بديلة تحاول ملء الفراغ.
المشكلة ليست في “نوايا” الحراك؛ لأن الحس السليم يدرك بأن المآلات لا تحددها النوايا القبْلية، بل لا يوجد مآل مرسوم ومحدد سلفا، ولا توجد نوايا لا تتغير، لكن المشكلة –كل المشكلة- أن ننتظر أن تسوء النوايا في الأخير، ونحن نعلم بأن ذاكرتنا مليئة بالجروح الصامتة. المشكلة في آخر التحليل أننا بدأنا نفقد القدرة على الكلام. وليس هذا بالوضع الآمن.

شاهد أيضاً

عدسات متصدعة: التنويعات البنيوية المختلفة للأيديولوجيا

يوسف شوقي مجدي يوسف شوقي مجدي  كانت الثورة البرجوازية (اقتصاديًا ؛ نمط الإنتاج الرأسمالي ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *