الرئيسية / أدب وثقافة / مقالات / ” الهيمنة والاختلاف في تدبير التنوع الثقافي[1]”

” الهيمنة والاختلاف في تدبير التنوع الثقافي[1]”

قراءة موجزة للكتاب

ايت المقدم نور الدين – المغرب

 

تمهيد :

يحاول المؤلف في كتابه الإحاطة بالإشكالية الثقافية للمغرب المعاصر، انطلاقا مما يحتويه من ممتلكات رمزية من آداب وفنون وأفكار، ينتجها فاعلون ينتمون إلى فضاءات مختلفة، منها تلك الراسخة في المحيط المحلي ومنها تلك التي تفرضها العولمة.

وهنا يبرز السؤال الجوهري لدى الباحث، الذي يحصره في آليات اشتغال هذه السوق، والقوانين التي تهيكله بين التوجه اللبرالي وتوجه الدولة الرعاية؟ فهناك مساءلات مركزية يتعين الوقوف عندها فيما يخص تدبير الموارد الرمزية التي تكون الحقل الثقافي المغربي، انطلاقا من المرجعية القانونية للاعتراف بالتنوع الثقافي في المغرب وأهليته بين الحقيقة الواقعية والطموح المنتظر؟.

هل دستور 2011 قادر أن يحتوي النظام الرمزي الموروث ويدبره بشكل عادل؟

إننا أمام إشكالية الإطار القانوني، وأمام المجال الرمزي، بحيث الأول ساكن لا يتحرك، وغير متغير، إلا تحت مطالب خاصة. والثاني روح متحركة، ومتغيرة باستمرار.

اعتمد الباحث في دراسته وتحليله لإشكالية الثقافية الرمزية على تحليل علمي منهجي أنتربولوجي، وسوسيولوجي، وتاريخي، وسوسيوإقتصادي سياسي، في مقاربة نسقية أنتروبولوجية معاصرة متكاملة.

– الإطار المفهومي والتصوري للباحث:

استلهم الباحث أعمال بير بورديو ” الهيمنة، الاختلاف، الرأسمال الثقافي، الحق الثقافي، اقتصاد الموارد الرمزية… “، وقد ابتعد المؤلف عن الإطارات المرجعية الكلاسيكية للمفاهيم واعتمد ما هو معاصر فيها:

مفهوم الهوية: وهي مجموع الخصائص التي تميز مجموعة بشرية عن غيرها، مثل المجال والتاريخ والثقافة واللغة…

مفهوم الثقافة: إن الثقافة نظام تعبيري ونسق متكامل أنتربولوجيا لمجموعة بشرية معينة ،لذلك يعتبر الباحث  أن الثقافة هي ثقافات، ولو داخل بنية اجتماعية واحد كحال المغرب.

مفهوم الخطاب: باعتباره مجموعة منتجة ومبنية ومهيكلة على أساس الطروحات   المعروضة في السوق الرمزية، علما أن الباحث مدرك أن السوق الثروات الرمزية مجال مجرد وملموس في آن واحد، والثروات المقصودة هي في الأساس: منتجات ثقافية ولغوية وفنية… تؤدي في خضم تفاعلها إلى ميلاد الهيمنة الرمزية في إطار السيطرة التي تتمتع بها الفئات المستفيدة من مآل الصراع، وتنافس الثروات الرمزية وما يتماشى مع الاختيارات السياسية الثقافية واللغوية للدولة، لتمرير سلطتها المادية عبر السلطة الرمزية.

الاختلاف الرمزي: يمثل الصيرورة التي تعبر من خلالها مجموعة الأفراد عن تميزها الثقافي أو اللغوي في علاقاتها بالثقافة أو اللغة التي توجد في وضعية الهيمَنة. لذلك فإن إثبات الاختلاف أمام الهيمَنة هو إستراتجية وقائية للهوية الجماعية أو الفردية. وهنا يحضر السؤال التالي: إلى أي حد هي قادرة على الحفاظ على هوياتها أمام التلاقح اللامتناهي مع ثقافات الآخرين؟

السلطة الرمزية: وتعني نمط من السلطة يفرضه الدعم المؤسساتي، أو الاعتراف المجتمعي ويتمثل في أنواع مختلفة من السلطة قد تكون اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو غيرها، فالسلطة الرمزية تستطيع بنوع من المخاتلة والمكر أن تخفي حقيقتها كسلطة تمارس العنف والتعسف ونجاعتها في احتكارها للمعرفة العالِمة.

مفهوم الرأسمال الرمزي: هو أشكال من الرأسمال المختلفة: الاجتماعي والثقافي والفني والرياضي… الخ ، حيث يحظى الفرد بالاعتراف به داخل المجتمع، وهذه الأشكال غير منفصلة عن معايير التقسيم وترتيب الأنماط التراتبية والكفايات المعرفية والمهاراتية، للرأسمال الرمزي الذي يحدد الوضع الاجتماعي للأفراد.

← اعتمد الباحث في تفصيله وتحليله لهذه المفاهيم على مقاربة أركيولوجية

للمعرفة المنتجة في المغرب، أي الحفر في مختلف الخطابات التي تروم التنظير والإمساك بشرعية الخطاب داخل الحقل الثقافي والهيمنة عليه، فالباحث يدرك أن مختلف الخطابات توجهها مشاريع، وتحركها عقلانيات مختلفة، لذلك ذهب الباحث في استعماله لمفهوم الثقافة استعمالا أنتربولوجيا واسعا( ثقافات )، لأن الفرق الاجتماعية  تختلف من حيث موقعها في التراتبية الاجتماعية. وهو القدر نفسه في اختلاف تفكيرها وممارستها الرمزية داخل البنية الاجتماعية عينها، على غرار التصور الإيديولوجي للثقافة باعتبارها وحدة مجردة متراصة، ومتجانسة تخفي الاختلاف باسم أسطورة الوحدة.

لذلك فالخطاب الثقافي أيضا مجموعة منظمة من القضايا المعلنة انطلاقا من موقع خاص للإنتاج الرمزي من طرف فاعلين ثقافيين، ومنه تصبح مختلف البراديغمات المهيكلة لحقل الإنتاج الرمزي في حالة التنافس معبرة عن رؤية حول العالم بين مجموعات متضاربة، وتكمن وظيفتها الاجتماعية في امتلاك السلطة الرمزية وإستراتيجياتها المؤسسة على العنف الرمزي .

← من هنا فالباحث سيتحرك على مستوى التعدد الثقافي واللغوي:

العربية الفصحى، الدارجة والأمازيغية، باعتبارها ثروات للامادية مع كشفه وإظهاره لمسألة تبخيس ثقافة الهامش بالتلازم، والهيمنة باعتبارها منتوج ذات شروط منتجة وذلك عبر أربعة فصول رئيسية تتمحور في:

الفصل الأول: دينامية الحق الثقافي

الفصل الثاني: جدلية الهيمنة الرمزية والاختلاف الثقافي

الفصل الثالث: العولمة والتفاعل الثقافي

الفصل الرابع: رهانات تدبير التنوع الثقافي

ليختم المؤلف كتابه بلازمة يؤكد من خلالها همه الفكري والإنساني تجاه إشكالية تدبير التنوع الثقافي، ثم خاتمة مع تحديد المراجع المعتمدة وثبت المصطلحات.

وتتمحور إشكالية المؤلف: حول هيكلة الحقل الثقافي ودينامية علائق مكوناته وجدلية الهيمنة الرمزية والاختلاف الثقافي والتفاعل بين أوجه الثقافة المحلية، ومظاهر من العولمة الثقافية، ثم الرهانات الأساسية التي تواجهها عملية تدبير التنوع الثقافي، بالتركيز على التراث، والحداثة، والتغيير، والديمقراطية والتنمية، مع تشديد الباحث على أهمية النظرية والتنظير للرهانات الثقافية في المجال المحلي على ضوء معطيات العولمة، باعتماد مقاربة تحليلية نقدية.

ملاحظة: المادة الخام لهذا المؤلف تتكون من مقالات، سبق وأن أصدرت للكاتب باللغة الفرنسية.

 

الفصل الأول: دينامية الحقل الثقافي

يحاول الباحث أن يصف فيه سيرورة تكون الحقل الثقافي المغربي عبر مختلف حقب التاريخ.

مرحلة ما قبل الإسلام، ثم المرحلة الممتدة من الفتح الإسلامي إلى فترة الاستعمار الأوربي، ثم مرحلة ما بعد الاستقلال. ولكل فترة خصائص ومميزات.

“تتمثل أطروحة العمل التي يشملها التحليل المقترح في هذا الفصل في كون المجتمع قد عرف عبر تاريخه على ما يبدو ثنائية ثقافية قطبية، ممثلة في التعايش المتوازي لثقافة النخبة أي ثقافة الخاصة من جهة، وثقافة العامة من جهة أخرى، فالقطب الأول ينتمي إلى السلطة الرمزية أي سلطة النفوذ، وسلطة الجدارة والإيهام، والقدرة المؤسسية على تشكيل رؤية العالم، وشرعنة الخطاب المهيمن، وتسمى ثقافة عالمة وكلاسيكية ونخبوية، أو كذلك ثقافة مهيمِنة. ويتمثل القطب الثاني في الثقافة غير العالمة، وهي الثقافة المنتجة والمستهلكة في إطار الفضاءات الاجتماعية الهامشية ولذا تنعت بالفلكلور، أو الثقافة الشعبية وأيضا الثقافة المعيشية”[2].

– حول الإنتاج الرمزي لفترة ما قبل الإسلام:

تناول فيها الباحث مرحلة ما قبل الرومانية، والرومانية، وكيفية مساهمة النخب الأمازيغية إلى جانب الثقافة الرومانية في إنتاج ثقافة مهيمِنة، والمنحدرة خاصة من الولايات الرومانية.

– مواقع الإنتاج الرمزي في الفترة الإسلامية:

يقول الباحث في هذا الصدد: “وفي واقع الأمر، فإن الدولة الموحدية، هي التي جعلت من المغرب موقعا مميزا للثقافة العربية الإسلامية العالمة، سواء في أشكالها الأدبية أو منجزاتها الفنية”[3].

إذن، مع الفتح الإسلامي على بلاد المغرب والثقافة العربية الإسلامية تعوض الثقافة اللاتينية، والنخب المسيحية، ليرتبط المغرب في أشكاله الثقافية العالمة بالثقافة المشرقية والأندلسية.

ففي البدايات الأولى قبل أن تتطور الثقافة المغربية العالمة وتتخلص نسبيا من وصاية الثقافة المشرقية، والأندلسية، وذلك ابتداء من عهد السعديين بشكل جلي. برزت ثقافة مغربية متميزة غير ممركزة مستقلة نهائيا عن الأندلس المفتقدة، مع الانتقال من فاس إلى الهوامش، كالجنوب مثلا، مما ساهم في بروز نخب من المغرب العميق وليس فقط من أصول أندلسية.

مع بداية العلويين تأثر الأدب المغربي العالم بتيارين: الشعر العربي الفصيح، وتيار الشعر الأندلسي، مع فن المعمار: نموذج قصر مكناس، دار المخزن مسجد فاس، وكانت مواقع الإنتاج الثقافي المغربي الرمزي تتمحور حول فاس ومراكش وسوس (القرن 17، 18 و19).

يقول الباحث على لسان J.Berque عن فاس، أنها تعتبر قطبا مميزا لكبار علماء التقليد العربي الإسلامي، والطرق الصوفية. وتكمن قوة مدرسة فاس في مساهمتها في مجال البلاغة والأسلوب… كما تمثل مراكش القطب الجنوبي لهذا المشهد… ومن مميزات الإنتاج  الرمزي لمراكش أنه شفهي بصفة خاصة حيث يتكون من العبادات، وفن القضاء… أما جهة سوس فقد مثلت القطب الثالث للإنتاج الثقافي في تاريخ المغرب، في الدائرة الرسمية للزاوية الجازولية… وقد تخصصت المدرسة الجازولية في الفقه والنحو والأدب، وتتمثل أصالتها في استعمال اللغة الأمازيغية في التعليق على النصوص المكتوبة باللغة العربية…

ç من هنا نستنتج كيف تتكون، وستتكون سيرورة الإنتاج الرمزي وتتهيكل ببروز طبعا الثقافة المهيمِنة وكيفية تطورها وبسط نفوذها، بارتباطها بالدائرة الرسمية، والنخب العالمة المركزية، منها والهامشية. وهذا ما لاحظه أيضا صاحب المقدمة ابن خلدون: “حضارة الأمم هي من صنيع الدول وهي تتطور في علاقتها بتطور الدولة”[4]. فقد انطلق تطور الثقافة والحضارة بالمغرب في عهد الموحدين، انطلاقا من جدلية أهل الحكم وعلاقتهم بالنخبة التي تدعم وتساير مجالاتهم تلك.

علاوة على وضع الثقافة الهامشية، أو غير العالمة، حيث وضعها في الغالب مجهول، يقول الباحث في هذا الإطار “… وضع الثقافة غير العالمة للجماعات القروية وضع مجهول في الغالب العام، اللهم بعض الاستثناءات”. أي تلك الثقافة المنتجة خارج مواقع الإنتاج الرمزي الرسمي، كالموروث الشفهي العربي الدارج، كأشعار المغراوي ورباعيات الشاعر الصوفي سيدي عبد الرحمان المجدوب.

ينقسم الأدب العربي التراثي إلى قسمين: الزجل والملحون، وبفضل إعجاب الملوك بالشعر، اعتنوا به، وتغنوا به، كالسلطان مولاي عبد الحفيظ الذي كان ناظما للملحون، ومن هنا تساءل بعض الباحثين إذا كان الملحون ينتمي إلى الثقافة العالمة، أو الثقافة الشعبية؟ لأن من مفارقات الملحون، هو أنه مظهر من مظاهر ثقافة المركز، وأيضا الملحون منتوج الحرفيين، وروافد ثقافة الحنطة. وخصوصيته الشعبية أنه يردد أو يكتب بالعربية العامية.

“أما بخصوص تعبيرات التراث الأمازيغي فلم تنل حظها من العناية، في حين أنها تتضمن كنوزا من الأشعار والحكايات والخرافات والأمثال والأقوال المأثورة، والفنون القروية، مثل المعمار والحلي والزرابي، والجلد… إلخ”[5].

فما يتضمنه الإنتاج الفكري الأمازيغي الذي وصلنا ما هو إلا نصوص مكتوبة، تتمحور خاصة: حول مسائل العقيدة، والفقه، والتصوف، وأشهرها مخطوطات “أزناك” و”أوزال” وهي بلسان تشلحيت، إلى جانب مخطوطات أخرى تهم الفلك والطب التقليدي والسحر، من إنتاج علماء وفقهاء من أمثال الهلالي والدرقاوي.

ç إن آليات الإنتاج الرمزي تابعة بالدرجة الأولى للحكم المركزي، كما أن ثنائية الثقافة العالِمة وثقافة الهامش، خاضعة لدينامية القوى الاجتماعية. كما أن تأثير وهيمنة السلطة المركزية تتسع رقعتها كلما تتقوى تلك السلطة، وهذا ما يساهم في هيمنة ثقافتها وبروزها كنموذج أمثل يحتدى به على حساب الهامش، مما يولد تناقضا مختلفا بين الثقافتين، تبرز من خلاله وفي لحظات معينة ثقافة مضادة تسعى إلى تشكيل ثقافة متميزة ومختلفة على كلا الثقافتين (نموذج التصوف)، علما أن هذه الثقافة المضادة هي الأخرى تعرف ثقافة عالمة وثقافة شعبية، فمثلا التصوف العالِم متأثر بالإمام الغزالي (دراسة العلوم الشرعية وتكوين المريدين أمثال الشادلي الجزولي بن مشيش)، والتصوف الشعبي متجدر في الجماعات القروية، ويتميز بطقوس بسيطة وبممارسة الحضرة (أمثال مولاي بوعزة الأمازيغي والأمي الذي عاش في القرن 12 وعبد الرحمان المجدوب الذي عاش في القرن 16 والصنهاجي الدوار).

– في الحقل الثقافي المعاصر:

مع دخول الاستعمار كانت الضحية الأولى لهيمنة الثقافة الغربية هي الثقافة العالمة التقليدية، فمع الاستعمار دخلت ثقافة المركز، وثقافة النخبة التقليدية، وثقافة المخزن، في أزمة وانحصرت العربية، لغة، وثقافة، في حصنها التقليدي المتمثل في التعليم الديني والقضاء الشرعي، وبرزت على المشهد الثقافي اللغة الفرنسية وثقافتها بحيث اليوطي سيبدع في رؤيته الخاصة للحفاظ على البنيات التقليدية للمخزن، مع إرساء سياسة الهيمنة الفرنسية على الاقتصاد المغربي الموازي لنمط الإنتاج الرأسمالي.

فمع الفعل الكلونيالي ظهرت أجناس أدبية مستحدثة: كالراوية، والقصة، والكتابة  الدرامية والمسرح والسينما والرسم التشكيلي والتصوير على المستوى الفني…

← من هنا خلخل الدخول الأوربي بنية الثقافة العربية الإسلامية بخلق نموذج سوسيوثقافي حديث غير مسبوق. ودليل الباحث في ذلك هو ظهور نخبة مغربية حديثة تكتب باللغة الأجنبية من أمثال أحمد الصفريوي، إدريس الشرايبي، عبد الكبير لخطيبي، الطاهر بنجلون، عبد اللطيف اللعبي، ليلى السليماني وأيضا في مجال السينما والمسرح (بناني، بنجلون، عيوش، لعلج، الزروالي…) ومجموعة من الرسامين والمصورين.

نحن إذا أمام هوية مغربية ثقافية متنوعة، مما سيعطي تعدد الخطابات والأصوات وتنوع الرؤى، ومسالك الانطلاق، في تدبير القضية الرمزية المغربية.

حينما يتم إدراك هذا التنوع في شكله وجوهره، يتيح الأمر الفرصة لبروز خطابات تعبر عن فضاءات ذهنية وأنطروبولوجية مميزة.

يرى الباحث أن الثقافة الشعبية قاومت الهجوم الغربي أكثر من الثقافة العالمة، لأسباب عدة منها: أن الثقافة الرسمية العالِمة تم حرمانها من الدعم المؤسسي وحصرها على مستوى الفقه والأدب والوظائف القضائية، في حين استفادت الثقافة الشعبية من نوع من الدعم في إطار تحويلها إلى مادة فلكلورية تسويقية، وهي بذلك لا تمثل منافسا عتيدا بالنسبة لثقافة المستعمر، لتحاول بعد ذلك نخب الحركة الوطنية بعد الاستقلال إعادة تدبير المجال الثقافي، واللغوي العربي، الذي لا يخفى لأحد وذلك بالعودة إلى العربية الفصيحة.

تمثل الثقافة المنتجة داخل الزوايا ثقافة عالمة، وهي ثقافة مضادة تنافس ثقافة السلطة المركزية، في حين أن المجتمع القروي يمثل ثقافة الهامش، بينما تمثل مؤسسة الحكم القائم منبع الثقافات المهيمِنة من فئات حضرية في الغالب، ومحصورة في المدن التاريخية مع بعد الاستثناءات، “وتستمد هذه الثقافة نفوذها من الدائرة الرسمية للسلطة وهي متمثلة في الثقافة القرطاجية في زمن قرطاج، والثقافة اللاتينية إبان الحقبة الرومانية والثقافة العربية الإسلامية مع الفتح الإسلامي، والثقافتين الفرنسية والإسبانية في عهد الحماية الأوربية”[6].

وتمثل الثقافة العالمة ذاتها في وعاء لغة الكتابة، مقابل التقليد الشفهي كنمط يعبر عن الثقافة الهامشية (الألسن المحلية الأمازيغية بصورها).

– جدلية ثقافة المركز وثقافة الهامش:

الاعتماد على النظرية الاقتصادية في تحديد إشكاليات التفاعل بين العناصر التي تعكس المحلية (الهامش)، والعناصر الدالة على الوطنية (المركز). فما هي طبيعة العلاقة (أو العلائق) التي تربط بين ثقافة الهامش وثقافة المركز؟

ثقافة الهامش لماذا هي كذلك؟

  • لأنها وليدة فضاءات هامشية قروية أو صحراوية، عكس المركز والمحاور الحضرية.
  • كونها تنتج وتعيش أساسا داخل مجموعات بشرية مستضعفة من فلاحين ومأجورين.
  • هذه الثقافة تتموقع خارج دائرة اهتمامات الثقافة المهيمنة وانشغالات نخبها.
  • وسم هذه الثقافة بالهشاشة والتبخيس، بفعل إعلاء قوانين الوظيفة المهيكلة لسوق الثروات الرمزية لمنتجات الثقافة العالمة النخبوية كقيمة عالية، في مقابل تبخيس العرض الثقافي للهامش.

وهنا نسجل ملاحظة مهمة لدى الباحث بخصوص ثقافة الهامش وهي، كون هذه الثقافة تحتل موقعا تابعا في سوق الإنتاج الرمزي، نتيجة اشتغال القوانين التي تحكم هذه السوق، فثقافة الهامش حسب هذه المرجعية أو الملاحظة تعتبر متأخرة ومتقهقرة قياسا إلى القيم الجمالية والأنماط الاجتماعية المهيمنة، وبالتالي لا توظف منتجاتها سوى باعتبارها أشكالا فلكلورية أو منتجات استهلاكية مبتذلة (استمتاعية تذكيرية…) ومع ذلك فتمة بعض المفارقات منها:

أن المستفيدين الأوائل من تسويق المنتجات المادية لثقافة الهامش هم المستثمرون، والمتاجرون الحاملون للثقافة المهيمنة، وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء أنفسهم هم من يستهلك أرفع المنتجات جودة وجمالية. ومن رموز الثقافة الهامشية الغنية التي وقف عندها الباحث: الأغاني (تمديازت وتماوايت في الأمازيغية) الزجل والملحون (شعر العيطة والطقطوقية) الشعر الشفهي والنثر بأجناسه (الحكاية، الأسطورة، المثل، القول المأثور، اللغز والأحجية) ثم مسرح الحلقة (بقشيش نموذجا)… هذا الأدب الشفهي هو ما يمثل صوت الشعب والجمهور.

← فإلى حدود 1970 كان الأدب الأمازيغي شفهيا، ومع سبعينات القرن الماضي بدأ نوع من التوجه نحو المكتوب، وذلك بفضل نخبة جديدة قررت النهوض بالثقافة والمرور بها من الشفهي نحو الكتابي. علاوة على ما فرزته هذه النخب من تيارات متباينة في الحقل الأدبي الأمازيغي بين أنصار التقليد وأنصار التحديث.

يخلص الباحث على أن ثقافة الهامش تشهد العديد من التحولات الملازمة للتطورات التي تعرفها البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي، وتحدياتها تحمل شدة التنافسية تجاه الثقافة المهيمِنة وسيما منتجات الثقافة الإعلامية العالمية.

يقول الباحث “… إن تأثير وسائل الإعلام العالمية التي تنشر على المستوى الكوني ثقافة إعلامية يصطلح على تسميتها ثقافة كونية تساهم في المثاقفة، خاصة وسط الشبيبة التي لم تعد مرجعياتها الثقافية تتمثل في “عنترة”، ولا “أنامير”، ولا “سيدي حمو”
ولا “شوقي”، بقدر ما تتجسد في “باطمان” و”ننيجا” و”بلادن” و”داعش” وإجمالا، رموز المنتجات الإعلامية الغربية ورموز الثقافة السلفية الجهادية، وهنا يكمن الرهان العميق للتحول الثقافي”[7].

إن السوق الثقافية المغربية من هذا المنظور غير متجانسة، كما هو حال باقي ثقافات العالم. تجاه هذا الواقع اختار المغرب من خلال دستور 2011 أن يعتمد رؤية ثقافية مؤسسة على حماية التنوع الثقافي وتنميته. وهذا الاختيار لم يأتي صدفة بل نتيجة حراك طويل للمجتمع المدني.

هذا التنوع الثقافي حسب الباحث يزعج الكثير، بحيث يرون فيه مصدر خطر يهدد التجانس الثقافي، والوحدة الهوياتية، التي لا تقبل في نظرهم إلا أن تكون واحدة، تتميز بالاتصال والوحدة، وليس بالاختلاف والتعدد. ولهذا التناقض انعكاسات على بينة الحقل الثقافي يمكن تمثيلها في صيغة ثنائية التقليد والحداثة. مع سيادة الدولة الوطنية وهيمنة عولمة مبادلات المنتوجات المادية والرمزية.

أمام هذا الوضع لم يعد الهامش يعني حصرا ضاحية المجموعات الحضرية
أو القروية، ولا المركز يحيل حصرا على الفضاء الحضري، بحيث مكونات التقليد والحداثة تتخلل كلا العناصر والمجالين، فنحن لم نعد أمام القطبية الإيديولوجية الاستعمارية بين ثنائية المغرب النافع والغير النافع، “إذ أصبح الحقل الثقافي يتغذى من تلاقح الأنماط المختلفة، وكذا من التنافس بينهما”[8].

إن تجليات المنافسة من “أهم الظواهر التي تسم المجال اللغوي المعاصر، هي ظاهرة التنافس الشديد بين الألسن، وبين اللغات، بفعل توسيع مجال الألسن واللغات القوية، وخاصة العربية العامية للسهول الأطلسية، والعربية الفصيحة والفرنسية، على حساب بعض الألسن الأمازيغية”[9].

← من هنا يمكن قراءة المستجد اللساني التي جاءت به الدولة في الدستور الأخير بخصوص السياسية اللغوية للدولة بترسيم الأمازيغية وتعضيد وضعها القانوني والمؤسساتي والثقافي الاجتماعي.

فضعف أدب الهامش في تنافسه من أدب المركز بسبب خاصيته الشفهية على مستوى التعبير، والقيم التقليدية على مستوى المضمون، جعله منسيا بالرغم ما يحمله من جمالية مميزة ذات بعد شعري وسردي خاص، وذا طبيعة بدوية معيشية، ناتج عن وضعية سوسيواقتصادية محددة. لذلك لا يجب الحكم على هذا الأدب انطلاقا من زاوية إثنية مركزية تجعل من ذاتها مركزا أو نموذجا وثوقيا، فتحكم على الأدب الهامشي أنه مشحون بالأساطير وخرافات المجتمعات البدائية، معتقدين من تلك الزاوية الوثوقية أن الشخوص والمواضيع المألوفة في الأدب الغربي في العصور القديمة وفي أدب القرون الوسطى، هي نفسها في الأدب الأمازيغي إضافة إلى تكريس نظرة تجاه الحكاية كأنها بنية جامدة ذات مضمون محافظ غير قابل للتطور… وهذا ربما ما ساهم في استضعاف أدب الهامش إضافة إلى ما تعرفه البنية الثقافية القروية من تغيرات معاصرة.

ويبقى “المبدع المنتمي للهامش ليس سوى ذلك الفلاح الذي يحرث ويزرع ويحصد ويسهر على قطيعه، أو ذلك الحرفي الذي يمارس البناء أو يصنع الأدوات والحلي، وتلك المرأة التي تنسج الزربية أو تنحت الخزف… إلخ”[10].

فما الذي سيدعم اللغة والثقافة الهامشية في المنافسة الرمزية؟

إن الذي سيدعم اللغة وثقافة الهامش في المنافسة الرمزية هي محاولات الشعراء والكتاب الشباب الذين تلقوا تكوينهم في المدرسة، بكتابة ما هو منتج، وتدوينه، إضافة إلى محاولاتهم التي بدأت تحمل بذور تحديد هذا الأدب انطلاقا من الأجناس الحديثة من قبيل المسرح، والرواية والقصة القصيرة، وهذا ربما سينعش الحقل الثقافي راهنا ومستقبلا.

إن أوضاع مبدع  الهامش اقتصاديا ومعيشيا في (القرية مثلا) غالبا ما تؤدي به إلى الرغبة في الهجرة نحو المدينة، طامحا للرفع من سلمه الاقتصادي والاجتماعي بتملك قسط من الرأسمال المادي والرمزي، لكن سرعان ما يفرض عليه داخل مشروع الاندماج مع المجموعة المهيمنة ضرورة التخلي التدريجي عن اللغة الأولى الأم، والثقافة الأولى سعيا لولوج حقل التنافس الرمزي الذي يكون في غالب الأمر عسير، لأنه خاضع لقوانين يسطرها من بيدهم زمام السلطة الرمزية، وهذا ما يفرز ظاهرة الثتاقف وحظوظ غير متساوية بين المترشحين. “لأن آلية اشتغال سيرورة إعادة إنتاج النخب تجعل أغلبية المحرومين لا يلجون إلا الحد الأدنى من الثقافة الناجعة اقتصاديا، والذي تسمح به علاقة الإنتاج المجتمعية”[11] وهذا يفسر أيضا مدى قوة المدينة على حساب المجتمع القروي وما عرفه من تدمير للقاعدة المادية والتوترات السيكوسوسيولوجية التي فرضت الهجرة على الأهالي، إما نحو المدن، أو نحو الخارج، كضرورة حيوية لضمان العيش للفرد والجماعة.

من خلال هذا الوضع. وجد المهاجر نفسه بين رغبتين الأولى تمثل رغبة الوجود والحفاظ والتشبث بالهوية الأولى، والثانية تتمثل في رغبة التملك لرأسمال مادي بالاندماج في البنية الحضرية، والمنطق السليم هنا سيظهر على أن الشخص الذي هرب من تقلبات اقتصادية ومعيشية هشة، وفقيرة، سيكون مجبرا على التخلي التدريجي عن لغته الأولى وتغيير سلوكه الاجتماعي والثقافي كتطبع أو habitus يفرض عليه دوما في المدينة إن أراد ضمان ولوج النسق الثقافي الذي تمثله طبقته والحفاظ على نسج علاقات مربحة داخل الشبكات الاجتماعية الجديدة، ونفس الشيء يحدث مع المثقف الذي ينحدر من الأصول القروية “إذ يفرض عليه ضمنيا كبت لغته وثقافيته الأولى إن كان يطمح في اكتساب رأسمال رمزي مربح”[12]. وهذا يجعل وعي القروي منفصم عن جذوره مما يولد يتما رمزيا ونمطا من الحنين إلى مسقط الرأس بجوها الثقافي المرتبط بالطرب والرقص الجماعي والقيم الجمالية الغائبة في معيشه الجديد.

ومن هذا الجيل يولد جيل ثاني بالمدينة، وقد تخلص من علامات البداوة التي كانت مثقلة وحاضرة عند الأول كحنين، فالجيل الثاني “سلوكه متأرجح في شأن نظرته لثقافته الأصلية”[13] فهناك من يرى أن ثقافته الأم فقيرة ومتخلفة ومتأخرة في كثير من مظاهرها من الأفضل إنكارها والاعتماد على أنماط ثقافية ولغوية أرفع شأنا وأفضل قيمة كتلك المكتسبة في المدرسة على اعتبار أنها تيسر الارتقاء الاجتماعي وتوفر المعرفة الصحيحة لفهم العالم بشكل عقلي، كما تسمح بالتواصل الكوني وتفتح أبواب ولوج الحداثة. ومن هنا “فالأمازيغية بالنسبة لهؤلاء تعني التقهقر والتخلف”[14] وهذا ما يجعلهم يتطبعون بالأنساق الثقافية المهيمنة ويكبتون جوهرهم الثقافي الأول مما يجعل في حالة انفصام.

وفي مقابل هذا الجيل المستلب ظهر “… اتجاه آخر في سياق بزوغ الوعي الهوياتي لدى النخبة المتثقفة، ولدى النسيج الجمعوي الساعي إلى حفظ الذاكرة الجماعية والنهوض بالأمازيغية”[15] فأصبحت هذه القضية اللغوية والثقافية من الإشكالات المركزية المطروحة في المسرح الفكري الراهن. فنتجت عنها تيارات وفرق مختلفة في إنتاج الخطاب الثقافي وهيكلته في إطار توجه تقليدي، أو توجه حداثي، كسمة طبعت الرؤية الوطنية بدءا من منتصف القرن الماضي دون أن نستثني نواة نخبة الهامش الناطقة بالأمازيغية. “… والتي جعلت من اللغة والثقافية الشعبيتين موضوع مشروعا للبحث العلمي والإبداع الثقافي والفني”[16] والمميز في هذا العمل هو الخلفية المفهومية الأنتروبولوجية لمفهوم الثقافة الشعبية كمجموع قيم ومعارف وممتلكات وتمثلات وإحساسات… من خلالها يتنفس الأفراد داخل عالمهم الطبيعي والرمزي.

يقول الباحث في هذا الإطار “وصفة هذه الثقافة أنها شعبية، على اعتبار أن مبدعيها ينتمون عضويا إلى الفئات المجتمعية المستضعفة من فلاحين وأجراء صغار، وهي ناطقة بالأمازيغية والدارجة بصفتهما لغتي التواصل والإبداع الأساسية لمبدعيها. وبهذا التحديد يكون مفهوم الثقافة الشعبية مفهوما له تعريف محدد ووظيفة مركزة في إطار سوسيولوجية الثقافة المغربية. وتفاديا للحمولة القدحية الملصقة بها في الخطاب النخبوي، قد يستعمل مصطلح ثقافة الشعب للدلالة على نفس الموضوع”[17].

← أمام عدم إنصاف الثقافة العالمة للثقافة الشعبية وتكريسها لنوع من التهميش، والتحقير، في نظرتها الدونية لثقافة الشعب الشيء الذي يرتبها في مرتبة دونية على صعيد الممتلكات الرمزية عامة وهذا بدوره يعكس صورة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية السائدة انطلاقا من هيمنة الإنتاج النقدي الرأسمالي على يد الفئات التي تحتكره كما تحتكر بالموازاة نموذجها الثقافي اللغوي وتفرضه كمرجع أعلى يحتدى به في سوق العلاقات الرمزية الثقافية.

وهذا قد يمثل نوع من الثقافة الوطنية بمرجعية بورجوازية في إنتاجها واستهلاكها، في مقابل ثقافة شعبية من إنتاج واستهلاك الجماهير الشعبية التي تستعمل في تواصلها العامية والأمازيغية.

ومنه يتضح غياب العدل بين الثقافتين لبروز “سلطة رمزية للثقافة العالمة بصفتها الركيزة الأساس للثقافة الوطنية، والمتمثلة في تعابير وتمظهرات متنوعة منقولة باللغة العربية الفصيحة وباللغة الفرنسية، تمارس عمليا هيمنتها على الحقل الثقافي بصورة عامة، وبالنسبة إلى الثقافة الشعبية والتي تتخذ الأمازيغية والعامية أداة لها فهي، عموما، تعتبر غير مشروعة…”[18] لذلك يعود الفضل إلى الدارسين والباحثين في مجال اللهجات والفلكلور والأدب الشفهي والفنون الشعبية في التعريف بهذا التراث وإخراجه من المجال المسكوت عنه إلى المكشوف “والجدير بالذكر أن هذا الإرث أضحى منبوذا بعد استقلال المغرب بفعل سلطوية الخطاب القومي العروبي السائد، والرافض للتراث الثقافي اللغوي الشعبي باعتباره منتوجا استعماريا هجينا يقصد بالنهوض به النيل من العربية لغة وثقافة وحضارة”[19].

خلاصة:

لقد سعى المؤلف فيما سلف ذكره إلى اعتماد مقاربة تفكيكية لحقل الإنتاج الرمزي المغربي والتي كشفت له عن وجود حقلين ثقافيين مختلفين من حيث الموقع الرمزي، والسلطوي، وعلاقة هيمنة أحدهما على الآخر، ويتعلق الأمر هنا بالثقافة العالمة وتمثلها نخب مندمجة ومستفيدة من حضن السلطة المركزية، على غرار ثقافة الهامش التي تنسب عموما للضواحي والقرى والفئات الهشة داخل علاقة الإنتاج الرأسمالي، وبهذا “يمكن القول أن المغرب المعاصر يمثل مظهرا رمزيا للتعدد والتنوع الأصواتي”[20].

وهذا يفرض النظر إلى الثقافة المغربية كثقافة مركبة لا فرق بين مكوناتها مضمونا وشكلا. ولعل هذا الحياد الذي بدأ يبرز في الأفق ساهم في ظهور مواقع مستقلة مستجدة في الأشكال والإبداع والإنتاج والنشر (الجامعة، الجمعيات الثقافية، مجلات…).

الفصل الثاني: جدلية الهيمنة الرمزية والاختلاف الثقافي:

– الهيمنة والاختلاف في ثقافة الهامش:

التركيز على أوجه التنوع الثقافي في المغرب انطلاقا من شقين (ثقافة الهامش) الذي يتمثل في مسرح الحلقة وشق (ثقافة المركز) ويمثله إنتاج محمد المختار السوسي، وهذا سيفضي إظهار التلازم بين الهيمنة والاختلاف.

تناول الباحث نموذج فن الحلقة وبالخصوص إنتاج فارس بقشيش الذي “ينحدر من سفوح الأطلس الكبير الغربي، وهو منشط شهير بساحة جامع الفنا، بمراكش… إلى أن وافته المنية”[21] والغرض من توظيف “المتن المسرحي الذي يصطلح عليه بالمسرح الشعبي أو الحلقة”[22].

هو تبيان مدى اختلاف الثقافة المدينية والثقافة القروية على مستوى الأنساق المؤطرة للسلوك والقيم السائدة. يقول الباحث في هذا الإطار “فالثقافة المدينية تتميز بالنزعة الفردانية للأشخاص، وبالعنف الذي يطبع العلائق الاجتماعية. أما الثقافة القروية فتتسم بقيمة التضامن بين أفراد العشيرة، والاحترام المتبادل، وإكرام كل غريب…”[23].

وحتى يبين الباحث صور هذا الاختلاف فقد جسد في كتابه نماذج من المشاهد التي كانت تعرض في المسرح الشعبي، وأيضا نماذج الشخوص المحتقرة والتي تتبوأ درجات دنيا أو غير مرضية في الهرم الثقافي العلائقي من قبيل كلمات الحرطاني، الشلح، اليهودي، العروبي، والنسا…

نذكر على لسان الباحث نماذج من تلك الشخوص الموسومة بالاختلاف والاحتقار انطلاقا من الكتاب ص 83-84-85:

“الحر بالغمزة والعبد بالدبزة” (الحرطاني)

“الشلح مثل ورقة اللفت، لو قمت بطبخه لمدة أسبوع فلم تزول المرارة من طعمه”

“إذا ضحك يهودي في وجه مسلم، فاعلم أن الأمر فيه خدعة”

“بع لي، اشتري مني، واعبد عني الوزاني والشاوني”

“معرفة الرجال كنوز، ومعرفة النساء أوساخ”

← انطلاقا من هذا المتن وغيره يؤكد الباحث على أن الثقافة الشعبية تضمن رأسمالا رمزيا في نسيج المعيش الوجودي للجماعات يمكن استثماره أنطروبولوجيا.

– محمد المختار السوسي أو الصدمة الثقافية: “تنشر الثقافة العالمة خطابا إقصائيا بنفي حق الاختلاف”[24].

– اللحظة الاستعمارية والحنين إلى العودة إلى الهوية العربية الإسلامية.

إن محمد المختار السوسي بصفته ينحدر من أصول سوسية قروية ذو ثقافة هامشية وقد أصبح بعد أن تدرج في سلم المعرفة العالمة آنذاك ينتمي إلى النخبة العالمة يحده نزوع إلى التشبث بثقافته وهويته الأم، وهذا ما هو منعكس في أعماله كباحث حاول أن يجمع ويدرس ثقافته المحلية في عدة تجليات كعادات وتقاليد المنطقة وطقوس الفلاحة والزواج إلخ. وهذا يبين مدى ابتعاد المختار السوسي كذلك عن الفكر المحافظ وانفتاحه شيء ما على الهامش بالرغم من أن الرجل مقتنع بسمو اللغة والثقافة العربيتين. لكن بمقارنته مع أغلب علماء وفقهاء عصره سنجدهم يتجاهلون الموضوع “أي الثقافة الهامشية” ويجعلونها من اللامفكر فيه لأنها لا تمثل سوى خرافات وتدجيل لا علم ولا فائدة منها. “إن محمد المختار السوسي كان متأرجحا بين موقفين متناقضين، أحدهما يمثله تمسكه بالسلطة الرمزية في علاقته بمحيطه الأول، ونخبة بلدته السوسية، والآخر يكمن في إصراره القوي على الاختلاف الجوهري في علاقته بنخب المدينة”[25].

← هذا نموذج من مظهر اختلاف تدبير التنوع الثقافي في شخصية محمد المختار السوسي كنموذج.

السلطة الرمزية والمقاومة:

سيحاول الباحث من خلال هذه الزاوية “طرح بعض تمظهرات إشكالية الهيمنة والاختلاف في ضوء اشتغال آليات السلطة الرمزية، المتمثلة في المعرفة العلمية التي تجعل من مادة ثقافة الهامش موضوعا لها، والتي قد تفضي إلى تبخيس هذه الثقافة”[26] وهنا لابد من إلقاء نظرة على ظاهرة الأورومركزية الثقافية انطلاقا من مصدر تاريخي للأدب الأمازيغي في عشرينيات القرن الماضي لهنري باصي H.Basset في كتابه Essai sur la littérature des berbères ، هذا المؤلف يحمل “خلفية إيديولوجيا تجعل من الأدب الأمازيغي نتاج عقلية بدائية من حيث أساليبه ومضامينه”[27]. يكتب الباحث على لسان هنري في الكتاب ص 97 عن جودة التراث الأدبي الأمازيغي “سيكون من الخطأ النظر إليه باعتباره عملا واعيا، فريدا في التشريع” ويورد قولا آخر لهنري “إن القصائد الشعرية لا تمثل أصالة كبيرة لا على مستوى الأفكار ولا على مستوى التعابير”[28].

هذه المقاربة هي التي ظهرت مع نخب هذه البلدان المستعمرة “استبطنتها إلى درجة عالية، نخب بلدان الهامش في تعاملها مع ثقافة الهامش”[29] بإفراز أحكام قيمة يمكن تفسيرها وربطها بزمن الاستعمار وهيمنة إيديولوجية حمل رسالة التمدن للآخر البدائي “لقد ظل البربر في أسس المشروع تاركين الأحجار مبعثرة، لافتقارهم للمهندس الضروري، المؤهل الوحيد لضمها، وهو المخيال المبدع”[30].

أما فيما يخص نقل الأدبي الشفهي إلى أدب مكتوب فقد سجل الباحث عدة ملاحظات جد مهمة وهي ذات بعد لسان بنيوي تفقد الأدب الشفهي جماليته ورموزه ومعانيه، فرغم فاعلية الكتابة بوصفها معطى حضاري خاص بالإنسان، إلا أنها قد تؤدي إلى إفقار وتجريد ما هو شفهي لمجموعة من العناصر الأساسية ذات دلالات ومعاني قد لا توفي بها الرموز المستعملة في الاستنساخ والتدوين، ومن هذا المنبر يدعو الباحث إلى استغلال: “الوسائل السمعية البصرية التي توفرها التكنولوجيا الحديثة –كوسائل- كفيلة بتجاوز هذا القصور، وذلك بالاحتفاظ للإنتاج الأدبي الشعبي بكل مقوماته ومميزاته، وحينئذ تجوز المقارنة مع الأدب النخبوي المكتوب”[31].

– في العنف الرمزي والثقافة المضادة:

يبرز الباحث من خلال هذا الباب التحولات التي شهدتها شمال إفريقيا أو بلاد الأمازيغ بصفة عامة في واقعهم التاريخي والثقافي، وكيف أن الثقافة الأمازيغية عبر التسلسل التاريخي تهيمن عليها الثقافة الدخيلة بدءا من الفترة الإغريقية حينما أطلقوا مصطلح بربر على كل من لا ينتمي للعالم الثقافي واللغوي للإغريق. كما عرفت المرحلة الرومانية هيمنة اللغة اللاتينية، ونفس الشيء مع المد الإسلامي حيث هيمنت الثقافة الإسلامية واللغة العربية، مع الإشارة إلى أن كل مرحلة تبرز فيها نخبة أو أنتلجنسيا أمازيغية مستلبة من لغتها، وتظهر من أفضل ممثلي النخبة في عصرهم، كما الأمر نفسه في الفترة المعاصرة، حيث هناك نخبة أمازيغية لا تكتب بلغتها الأم بقدر ما تتجه إلى اللغات الأجنبية يقول الباحث “… تبني لغات الوافدين من طرف الأمازيغ أنفسهم على اعتبار أنها لغات الحكم الدنيوية أو الروحانية، قد حد من حظوظ تطور النمو الذاتي للمجتمع الأمازيغي، مما عاق تطور لغته وثقافته”[32]. ومنه استنتج الباحث على أن الأمازيغية لم تكن لغة وثقافة سلطة واعية بخصوصية هويتها، لذا أضحت الثقافة، أساس ثقافة التقليد الشفهي. ففي الوضع السوسيولساني “الأمازيغية تعيش وضعا موسوما بالهشاشة في السوق اللغوية… أي وضع اللغة الدونية والمقصية من المؤسسات، خاصة من المدرسة والإعلام والإدارة”[33].

← من هنا تجد مسألة التدبير اللغوي نفسها بين تيارين متنازعان إيديولوجيا، فهناك من يجاهد ويصارع من أجل الاعتراف الرسمي بالثقافة واللغة الأمازيغيتين كأحد محددات الهوية الوطنية الأساسية المتجذرة تاريخيا وجغرافيا وقانونيا. وهناك من تحده إرادة تاريخية ماكرة من موقع الإيديولوجية الإسلاموية والعروبة، فيسعى جاهدا إلى رفض الأمازيغية وإقصائها معتبرا إياها مهددة لكيان التماسك والوحدة العربية الإسلامية كركيزة للدولة الوطنية.

– الاعتراف والحماية والقانونية:

لذلك فإن “مشروع إيدولوجية أمازيغية يحتاج إلى تأسيس منظومة فكرية متماسكة ذات أبعاد تاريخية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية”[34]. تمكن من خلالها الحركة الأمازيغية بناء وتأهيل قدراتها الفكرية والسياسية والحقوقية والتنظيمية، فيما يخص مطالبها وأهدافها الإستراتيجية والمرحلية. وفيما يلي مقتطف من مطالب الحركة الأمازيغية من قلم الباحث “ومن بين المطالب الأساسية للحركة الأمازيغية بالضبط، وجوب استرجاع الذاكرة الجماعية وضرورة إعادة قراءة تاريخ دول المغارب، على أساس موضوعي وعلمي، واستحضار العمق التاريخي للبلاد حيث إن تاريخ إفريقيا الشمالية تم التنكر له سواء من طرف المؤرخين الرسميين، أو من قبل المؤرخين المدافعين عن إيديولوجيا القومية العربية، والذين التزموا الصمت عمدا حيال أمازيغية المنطقة، بإقصائهم لمراحل التاريخ القديم وتحريفهم لبعض الوقائع التاريخية، خاصة المقاومة الأمازيغية لمختلف الغزاة، والاغتصابات التي مورست ضد الساكنة الأصلية من طرف فيالق الغزاة، وسلب ثرواتهم، واختطاف الإناث لمتعة الأمراء، والخلفاء الأمويين… إلخ هذه العودة النقدية للتاريخ أمر صحي لأنه يمهد للمصالحة مع الذات والوفاء للذاكرة الجماعية، حتى يتم الاعتراف بالشرعية التاريخية للبعد الأمازيغي لهذه المنطقة من العالم وفق مقولة “ابن خلدون” في كتابه حول تاريخ البربر، والتي مفادها أن الأمازيغ (البربر) كانوا على الدوام شعبا قويا، مهابا، شجاعا، وكثير العدد، شعبا حقيقيا مثل شعوب أخرى في العالم مثل العرب والفرس واليونان والرومان”[35].

← من هنا يمكن أن نفهم لماذا الحركة الثقافية الأمازيغية تحتل بقوة الحقل  الإيديولوجي منذ زمن قريب على باقي المنظمات التقليدية التي تعتبر مدافعة عن الأمازيغية، بحيث أن الحركة الثقافة الأمازيغية هي حركة اجتماعية وتنظيمية تسعى من خلال قوة الحق الإنساني للدفاع عن المطالب الثقافية واللغوية والاجتماعية للناطقين بالأمازيغية. ومنه يمكن أن نستشف آليات اشتغال السلطة الرمزية والذي لا يخرج عن آليات ممارسة العنف من أجل حماية واستمرارية هيمنة الثقافة العَالِمة المؤسساتية ولعل هذا ما يولد بنوع “لدى المجموعات المستضعفة ردة فعل تتخذ أشكالا مختلفة، منها بالأساس استراتيجية ترنوا صوغ ثقافة مضادة بتدبير التنوع الثقافي تدبير معقلنا ومنصفا (…) في اتجاه إعادة الاعتبار للغة وللثقافة الأمازيغيتين، تتمثل أساسا في مقتضيات الفصل الخامس من دستور 2011، وعلى رأسها ترسيم  اللغة الأمازيغية إلى جانب اللغة العربية، ناهيك عن التدابير الإجرائية الرامية إلى النهوض بالأمازيغية نهوضا يطول قطاعات مختلفة، وخاصة التعليم والإعلام والثقافة”[36].

الفصل الثالث: في العولمة والتنوع الثقافي:

← يمكن معاينة الهيمنة والاختلاف على المستوى العولمي انطلاقا من أسس التبادل الثقافي غير المتكافئة بين المجتمعات نظرا لاختلافها على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي والثقافي والعسكري. ومن هذا المنطلق تبرز الوضعية الثقافية للعالم على شكل ما هو محلي في علاقته بالكوني على شكل تبادل المنتجات، وقد ساهم هذا الواقع في بروز حركات اجتماعية جديدة في مغرب اليوم “تنتج إنتاجها خارج مجال السلطة السياسية”[37] كالجامعات والجمعيات الثقافية والمناضلة… من أجل تعزيز وتنمية الثقافة، وهذا أدى إلى إعادة تشكيل خريطة المسرح الثقافي في مغرب اليوم بحيث انحاز الحقل السياسي عن مركزية الإنتاج الرمزي ولم يعد يمثل مركزا مهيمنا عليه بشكل كلي، إضافة إلى تراجع دور الزوايا الدينية في المجال نفسه وتحولت إلى حركات “اجتماعية تقية، أو إسلاموية أصولية”[38]. وهذا التحول والتغير والانزياح لم يأت اختيارا بقدر ما فرضته جدلية المحلي والكوني في حقل الآداب والفنون في إطار العولمة كظاهرة كونية، بدءا من الصدمة الاستعمارية للمغرب المعاصر والذي أفضى على انبثاق نمطين ثقافيين أساسيين، أحدهما تقليدي وآخر تجديدي، كركيزين للثقافة الوطنية. ومن هنا ضرورة ضمان تساوي وتوافق الشروط المؤسساتية والقانونية والاقتصادية والتربوية لتنمية المنتجات الثقافية الوطنية، في تنوعها الجهوي المحلي، مع إرساء شروط تكافؤ الفرص أمام تنافسية المنتجات في السوق الوطنية والعالمية.

– في العولمة وثقافة الهامش:

يمهد الباحث لهذا المبحث بكون العولمة ظاهرة كونية لا رجعة فيه مع ضرورة الانفتاح عليها بشكل اختياري وإرادي خصوصا وأن المغرب قد عرف ظاهرة العولمة منذ القدم، في إطار علاقاته المتسلسلة مع الحضارات القديمة كالفنيقية والرومانية وأيضا مع زمن المد الإسلامي العربي والإسباني والبرتغالي والفرنسي.

لذلك سيعلق الأمر بما هو هامشي وفقير على مستوى الثقافة والذي يمكن نعته بثقافة المغرب الغير النافع حسب الباحث، بحيث تأسس هذه الثقافة الفقيرة على أشكال من الفلكلور واللهجات التي لا فائدة منها “بما أن الشعب مُهَيمَن عليه وفقير، فإن، ثقافته، (الثقافة الشعبية)، فقيرة، وغير ذات بال، وفي المقابل فإن ثقافة الطبقات المهيمِنة على المستوى الاقتصادي غنية ومتميزة”[39] ويتم اعتبار المكون الثقافي الأمازيغي أيضا جزء من الثقافة الشعبية. إلا أنه “لم يعد مقبولا اليوم مع الاعتراف المؤسسي بالثقافة الأمازيغية وترسيم اللغة (…) إن الأمازيغية اليوم، لغة مكتوبة، لغة  وثقافة مدمجتان في قلب المنظومة التربوية، ووسائل الإعلام السمعية البصرية، وتعرف تطورا غير مسبوق …”[40].

أمام هذا التنوع المختلف لمكونات الثقافة الوطنية والذي يشترط تكافؤ الفرص، وجب تسلح السياسات العمومية بحكامة جيدة تضمن تنمية ودفع الثقافة الشعبية لتتبوأ مستوى التحديات العولمية في إطار حكامة مواطِنة اجتماعيا ودوليا وعدم إخضاع هذه الثقافة بما فيها المكون الأمازيغي لأي صراع إيديولوجي، فهي “ليست ملكية خاصة لأية جهة، فبالأحرى أن تحصر في عرق ما، وأحسن ضمانة لعدم استغلالها سياسويا هي التوافق الضروري على حمايتها دستوريا وأجرأتها مؤسساتيا. وهو أيضا أحسن دعم يقدم للثقافة لتقوية مكانتها في سوق الثروات الرمزية، ومن ثمة، تقويتها في إطار تنافسها مع الثقافات الأخرى الحاضرة على مستوى المجتمع والمؤسسات”[41].

من هنا يمكن للثقافة الأمازيغية أن تخطو خطواتها الأولى في مسار انفصال تدريجي عن مجال الثقافة الشعبية وذلك بالاهتمام بأنساقها ومنتوجاتها مع تجديد أشكالها ومضامينها وتقنياتها كشرط لانخراط الثقافة في الحداثة العولمية بعزم سياسي واقتصادي واجتماعي محلي.

– المابين الثقافي:  المفارقات والتمثلات

في هذا الباب يعرض الباحث لمجموعة من الشهادات الحية لأشخاص مختلفون: تاجر وطالب وعامل مهاجر وباحث أنطروبولوجي أمريكي، يبين من خلالهم للمفارقات التي تحملها الذوات على مستوى تمثلاتها الثقافية الهوياتية التي تتقاسهما مرجعيات ثقافية مختلفة، تجعل الشخص إما يحن إلى الأصل والهوية الأولى التي نشأ فيها وإما إلى الرفض والتعلق بالوضع الجديد، أو الرفض المزدوج لكلتا الحالتين، أو سعي الذات إلى بناء علاقات التسامح والمجاورة والانفتاح والتقارب الثقافي وتقبل الآخر المختلف لتقاسم القيم الروحية والثقافية واللغوية والتاريخية ذات رؤيا اندماجية ومنفتحة للهوية، وهذا نموذج شهادة الباحث الأنطروبولوجي الأمريكي [42]Rabinow.

 

– التفاعل الثقافي بين الواقع واليوتوبي:

في هذا الباب يقف الباحث على خطاب عبد الكبير الخطيبي كنموذج بارز لخطاب التفاعل الثقافي بين الأنا والآخر كمبدأين للنقد المزدوج أي “نقد الأنا ونقد الآخر في هذيانِهِما وانحرافِهِما. يتوجب نقد الأنا عندما ننغمس في التقليدانية ونندمج في الفكر والممارسة المغلوطين تاريخيا، وكما يلزم في الآن نفسه نقد الآخر عندما يتباهى بالهيمنة التقنية، ويفرض معايير جماليته”[43].

← يمكن أن نستنتج على ضوء التفاعل الثقافي نسبية كل ثقافة على حدة، مما يلح ويفرض الرغبة في الانفتاح على الآخر، وملاقاته بالحوار والتسامح طبعا، هذا على مستوى المنطق السليم، لكن على مستوى الواقع قد تواجه ثقافة معينة هذا الانفتاح بالرفض والإغلاق والانكماش حول الهوية الأصلية بدعوى أنها هي الحقيقة المطلقة والأصل المثالي على باقي الثقافات، وهذا حال مثلا السلفيين والأصوليين الذين يرون أن “سلام الجماعة العربية الإسلامية يكمن في العودة إلى تقليد السلف الصالح…”[44] من هذا المنظور يصبح التفاعل الثقافي خطرا يهدد الهوية والقيم الإسلامية. نفس الشيء مثلا مع القوميين العرب بحيث “خطاب التفاعل الثقافي يشكل مؤشرا للهيمنة الامبريالية الغربية”[45]. وبذلك يمثل المثقفين المعنيين خطرا على النسق اللغوي والثقافي العربي تحت ذريعة (الأمة العربية خير أمة أخرجت للناس).

– التفاعل الثقافي بين المركز والهامش:

علاقة المركز بالهامش هي علاقة غير متكافئة كما سلف الذكر ويقف الباحث هنا على علاقة المغرب بفرنسا نموذجا بحيث يظهر فعلا مدى حضور الثقافة واللغة الفرنسية في المغرب والقيمة الرمزية التي تتخذها في الوسط الثقافي المغربي (الهامش) “وفي المقابل، نعلم أن المؤسسات الفرنسية لا تولي أية أهمية تذكر للثقافة المغربية، والدليل على ذلك هو المكانة غير اللائقة للغتين العربية والأمازيغية داخل المؤسسات الفرنسية بفرنسا. كما أننا لا نجهل أن ثمن حضور اللغة والثقافة الفرنسيتين في المغرب يتحمله الطرف المغربي، سواء في التعليم العمومي أو التعليم الخاص الخصوصي”[46].

من هنا يخرج الباحث باستنتاج حول عدم براءة التفاعل الثقافي والحوار الثقافي، لأن العلاقة بين الثقافتين محكومة بعلاقة هيمنة المركز على الهامش بأسس مادية ورمزية داخل مجال التراتبية التي تصيغها عولمة الأنجلوسكسونية. وهذه النظرة والتراتبية “مستوعبة جيدا من طرف النخب (المحلية) المقتنعة أن ولوج العولمة يمر عبر التربية الأنجلوسكسونية، والتي توكل تربية أبنائها إلى المؤسسات الأمريكية الشمالية تدريجيا”[47]، وهذه خطة نفعية وذات بعد برغماتي عند الطبقات المهيمِنة في الهامش من أجل السيطرة على البنية المادية والروحية لثقافة المجتمع والهيمنة عليها. ومنه إعادة إنتاج واقع التدبير غير العادل واللامتكافئ للثروات الرمزية، ولذلك يبقى مجال التفاعل الثقافي مشروع في مجال يوتوبيا إنسانية مؤجل.

الفصل الرابع: رهانات تدبير التنوع الثقافي:

– في رهان التراث:

← لقد دمرت القوة الاستعمارية جزءا من أنساق الثقافة التقليدية بما فيه تهميش الدور الوظيفي للنخبة التقليدية، وبداية بروز نخبة حديثة من أنساق الثقافة الفرنسية، مما أدى إلى الدعوة للعودة إلى التراث الثقافي كنموذج “استطاع أن يحقق نهضة فكرية ودينية بعد الاستقلال في ظل ظروف سياسية لعبت فيها السلطة دورا حاسما”[48].

هذه العودة أو النزعة التراثية تجد مرجعيتها في العقيدة الإسلامية، وهذا مشروع الثقافي الأصولي يرفض المشروع الغربي وقيمه الثقافية والسياسية ويحث بكل الوسائل للعودة إلى الأصول. كركيزة للحفاظ على الهوية وأصالة الأمة. وهذا ما يجعل منه مشروعا يتسم بالعنف المادي والرمزي في علاقته بالأنماط الثقافية المختلفة معه والتي تشكل حسب الباحث تراث عالمي.

ويقدم الباحث نموذج للسلفية المغربية في إطار المذهب السني في شخص شعيب الدكالي ومولاي العربي العلوي، والمختار السوسي، وعلال الفاسي، بحيث أن هذا الفكر السلفي يقوم على مبدأ العودة إلى كلام الله الذي هو القرآن والسنة، وهما مبدأين لا يتناقضان والتقدم العلمي في نظرهم، وهذا بفضل الدعوة أيضا إلى استعمال العقل، وهذا وذاك ما يشكل قاعدة لمشروع المجتمع على مستوى الفكر والاقتصاد والسياسة تحت مظلة الإسلام كبنية لهذا التراث.

من هذه الزاوية سيبرز سؤال التحديث، حول كيف يمكن تحديث البنيات الثقافية للمجتمع المغربي؟ دون الإخلال بأصول العقيدة القرآنية؟

“وفي هذا التصور كان تعريب التربية والتكوين والعدل، أي استبدال اللغة الفرنسية باللغة العربية، القرار الرمزي لاستعادة الهوية الضائعة”[49].

هذه النظرة التوفيقية في المشروع السلفي أفضى إلى نتائج فاشلة نظرا “لتعارض الأجوبة التي تقدمها للأسئلة العميقة التي يفرضها الاندماج في العالم الحديث، واستحالة التوفيقية بين التقليد والحداثة”[50].

كما يذهب الباحث إلى نقد خطاب الرؤية النوستالجية في الثقافة الأمازيغية كانفتاح لتراث مكبوت يعلي من شأن الذات الأمازيغية ويؤسس لخطاب مثالي “يقوم الخطاب التراثي الأمازيغي على (…) المبالغة في تثمين العنصر الأمازيغي في تقويم الهوية الثقافية المغربية عبر بناء ميثولوجيا ارتكاسية تظهر فيها الأمازيغية باعتبارها منظومة مثالية”[51].

← هكذا يحاول الخطاب التراثي أن يقدم بدائل أو نماذج إطلاقية ووثوقية للإنسان في علاقته بالعالَم والخالق كمرج مطلق لا بديل له.

– في رهان الحداثة:

في هذا الرهان تطرح مجموعة من الأسئلة في صيغة ثنائيات أبرزها الذات والآخر، والتقليد والحداثة، في إطار سؤالين أساسيين: “ما هي المسببات الثقافية للتخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟ وهل الحداثة مدخل مجد يوفر الحلول الناجعة والكمينة لتدارك هذا التخلف؟”[52].

إذا كان خطاب التراث يرى أن التخلف والجهل يعود إلى كون الإنسان العربي المسلم قد ابتعد وتخلى عن قيمه الإسلامية الأصلية أو عن ركائزه القيمية الأمازيغية، فإن خطاب الحداثة يرى أسباب التخلف على مستوى البنيات الثقافية لمجالات المجتمع والذي يرجع بالدرجة الأولى إلى ارتباط الإنسان العربي بأشكال التقليد الجامدة، واستلابه فيها. وبذلك فخطاب الحداثة عامة يلح على ضرورة القطيعة مع هذا التقليد من أجل نهضة مستحدثة قادرة على الانخراط في ثقافة كونية كملك إنساني قابلة للتطور.

وقد اعتمد الباحث نماذج من خطاب الحداثة وهي كالتالي: التاريخانية في شخص عبد الله العروي، والعقلانية في خطاب محمد عابد الجابري، والمثاقفة انطلاقا من كتابات عبد الكبير الخطيبي.

هذه الخطابات تؤكد التخلف المرتبط بطغيان الخطاب الإسلامي والأصولي على الحقل الرمزي المغربي من جهة وكذلك رفض ذلك التماهي المفرط حد الاستلاب للثقافة الغربية.

ويرى الباحث بعين فاحصة وناقدة “أن الخطاب التاريخاني لا يقترح نسقا فكريا متجانسا وكونيا”[53]، فهذا الخطاب حبيس النقد للتقليد الثقافي الأصولي والسلفي من جهة، ومن جهة ثانية يقدم ذاته كمنهج تاريخي يمكن من ولوج العقلانية المعاصرة.

كذلك هناك مفارقات على مستوى خطاب العقلانية العربية أبرزها حددها الباحث في المفارقة الخامسة كالتالي: “إن النزعة إلى إصدار حكم دون تدقيق في حضور اللغات والثقافات الأجنبية في الحقل الثقافي العربي يجعله يعتبر مثلا أعمال المفكرين العرب، الذين يكتبون باللغات الأجنبية، لا تنتمي إلى الخطاب العربي، ومن الأمثلة على ذلك، الحبابي والعروي والخطيبي، إلخ”[54].

وعلى عكس الخطابين الحداثيين السالفي الذكر، يرى الباحث في خطاب المثاقفة شخص عبد الكبير الخطيبي أنه يمثل “المحاولة التنظيرية الأكثر حضورا في مجال التفاعل الثقافي باعتباره مجال التعايش على مستوى الفكر، والسلوك الفردي والاجتماعي لتصورات ثقافية تنتمي إلى عوالم رمزية مختلفة ومنفتحة في الآن نفسه”[55].

هكذا يحث هذا الخطاب على ضرورة انفتاح التعددية الثقافية واللغوية من أجل تفاعل ثقافي بناء متسامح، وتدبيره بشكل جيد كعجلة لانفتاح المجتمع برمته على الحداثة. وهنا دور المثقف الذي لابد وأن يؤدي وظيفته ومهمته التي تتجلى في “إيقاظ الفكر ومخاطبة مجتمعه وليس حكامه”[56].

وكخلاصة لخطاب الحداثة كمكون لسوق الإنتاج الفكري المغربي يرى المؤلف على أن هذا الخطاب غارق في صورة مثالية وطوبوية لكون “الخطاب الحداثي يسند للمثقف مهمة اجتماعية وسياسية لا تتلائم وقدرته الذاتية الفعلية، وموقعه الواقعي في المجتمع”[57] ويضيف الباحث في نفس السياق “كما تجد المثقفون يتقوقعون في نواد تراتبية على قاعدة بنية علائق الشيخ بالمريد، مكررين الأنماط الفكرية والسلوكية العقيمة نفسها. والأدهى أنه غالبا ما ينحرف النقاش إلى الجدال والإثارة، والعنف اللفظي. ويصير الهدف ليس هو الحوار، ولكن قتل الآخر قتلا رمزيا. وهو ما يفسر عدم وجود تراكم علمي وتجاوز وقطيعة مع النموذج السلفي. ومن الأمثلة الدالة على هذه الأزمة، غياب النقاش الفكري الحر بين العروي، والجابري، والخطيبي، والمنجرة على سبيل التمثيل. كما أن التناظر والحوار بين هؤلاء، وبين عبد السلام ياسين وغيره من السلفيين كان من المفيد أن يتم لمصلحة الثقافة والمجتمع…”[58].

– رهان التغير:

← أدى تفكيك بنية الأسس الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع القروي الأمازيغي إلى استيلاب هويته، وذلك بتهميش ثقافته ولغته في سوق الممتلكات الرمزية في إطار النزوح والهجرة نحو المدينة، مما يجعل هوية المهاجر الأمازيغي في صدمة، وخصوصا ما يطالها على مستوى ضرورة التغير اللساني، مما ينعكس عليه نوع من عدم الاستقرار اللغوي والثقافي. مما يولد في آخر المطاف مع الأجيال الصاعدة نوع من أحادية اللغة باكتساب العربية العامية لصالح لغته الأم. وهذا ما بدأ يُنتَبه له من طرف الفئات المهاجرة من الصنف الثاني، وبداية بروز وعي هوياتي حداثي كإرادة تدعو إلى ضرورة الاهتمام باللغة والأدب والموسيقى كانشغال وجودي.

في هذا الإطار خلص الباحث في دراسة ميدانية على أن الفرد الناطق باللغة الأم ولتكن أمازيغية عندما يخرج من مجاله الجغرافي، والثقافي، والاجتماعي نازحا أو مهاجرا، إلى رقعة جغرافية وثقافية مغايرة، ينتهي الحال به (نفس الناطق) إلى الترميز والنطق بلغة ثانية غير لغته الأولى، مرورا بمراحل تفتقد فيه لغته الأم كنهها وقوتها، داخل نسقه اللغوي أو كما يسميه الباحث بريبرطواره اللغوي. وذلك بفعل منافسة لغة أقوى منها ومهيمنة على الحقل الرمزي المتداول. وهذا ما يسمى في علم اللسانيات الاجتماعي بالازدواجية اللسنية الاستعاضية.

علاوة على ما سبق وفي السياق الحالي/الراهن ومع الآفاق الواعدة التي رسمها الدستور الأخير يقول الباحث “إن الإجراءات التي تروم تأهيل اللغة والثقافة الأمازيغيتين في أفق مأسستهما، تتخذ مظاهر ثلاث، البحث العلمي والإنتاج الثقافي والإشعاع الفكري والفني”[59]. هذا في إطار التهيئة اللسانية على مستوى الكتابة الخطية (تيفناغ) والإملائية وما يرافقها من معجم ونحو، وهذا ما ساهم فيه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بشكل حيوي، وهذا يعطي أملا في المستقبل لرفع التهميش عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين، داخل حقل الثروات الرمزية، بنقل الإرث الثقافي الشفهي إلى إرث مكتوب مع تربية أجيال ونخب منتجة لكلمات جديدة، تغني بها قاعدة جسر المرور من الشفهية إلى الكتابة.

وهذا ما يفرض ضرورة البحث العلمي كدعامة أساسية لتغيير صيرورة وضع ثقافة الهامش داخل سوق الممتلكات الرمزية كثقافة دونية والدفع بها نحو حال أحسن.

وفي هذا الباب يقول الباحث “تم إنجاز عدد لا يستهان به من المعاجم المتخصصة، وضمنها معجم الرياضيات والتربية والمعمار والنحو والمعلوميات والإعلام العام والإعلام السمعي البصري، والجيولوجيا والإدارة العمومية والمعجم الدستوري إلخ. ولا شك أنه يتعين تعميق هذه الممارسة من أجل تعميم التجربة في أفق تأهيل اللغة، (الأمازيغية) بوصفها لغة رسمية حتى تؤدي وظائفها كاملة”[60]. ويرجح الباحث المؤسسات الأكاديمية بكونها ستتولى “مهمة تهيئة اللغة ومعيرتها”، نظرا لأهليتها العلمية والمؤسساتية في إطار تحقيق الهدف المتوخى من طرف المعهد، في إطار تهيئة لغوية ممعيرة وموحدة من حيث الشكل والمضمون على المستوى الوطني.

وهذا وقد تطرق الباحث لمسألة الإنتاج الثقافي الرمزي من مبدعون وفنانون ويشمل مجال الأدب الشفهي من حكايات، وحكم، وألغاز، والأغنية بشكلها التقليدي والعصري. وأيضا مسألة الإنتاج الثقافي المادي الذي تمثله منتجات الصناعة التقليدية كفن الزربية، والخزف، والخشب، والمعمار… كأسس للجمالية الثقافية القروية التي تواجهها مخاطر في سياق العولمة والتي لا تخفى على أحد.

أما في مجال التربية فتحدث المؤلف عن الأهمية البالغة التي حظيت به اللغة والثقافة الأمازيغيتين بعد إدماجهما في التربية والتعليم. بدءا من سنة 2000 كشروع أولي في المدرسة المغربية، وهذا المبدأ التربوي معترف به على نطاق دولي واسع بما فيها منظمة اليونسكو… بالرغم أن هذا الطموح لازال لم يكتمل بعد، نظرا للمشاكل التي لازالت تتربص به، ولذلك فالباحث متفائل مستقبلا إذا ما “ترسخت الشروط التربوية، بإيجاد موارد بشرية مؤهلة ومنهاج وبرامج ملائمة، من اليقين أن تدريس اللغة سيعرف ارتقاء، وسيفتح أفقا غير مسبوق للمواطن المغربي ولديمومة ثقافته في تنوع وتكامل روافدها”[61].

إلى جانب مجال التربية والتعليم ينتقل الباحث إلى تشخيص سريع للمجال الإعلامي المحلي في علاقته بالعالمي، وما يلعبه من أدوار التفاعل الثقافي الذي غالبا ما يكون لصالح “المجتمعات المنتجة لعوامل التغير والمصدرة له”، لذلك تساءل الباحث عن كيفية تعامل الإعلام المحلي مع الأمازيغية؟.

فكان الجواب أنه في البدايات الأولى كان هشا وباهتا، قليل ما يصادفه المرء على البث الإذاعي في السنوات الماضية القليلة أواخر القرن العشرين، “لكن مع حلول القرن الحالي، وبفضل تنامي الوعي الحداثي لدى النخبة… وبعد إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (…) –تم- إنشاء القناة التلفزية الناطقة بالأمازيغية، وإدماج الأمازيغية، لغة وحرفا وثقافة، في بعض المنابر الإعلامية المكتوبة”[62].

ç من هنا يخلص الباحث إلى أن التنوع الثقافي واللغوي ظاهرة كونية، قد تكون صحية إذا كان تدبيرها تدبيرا متكافئا وعادلا.

 

 

– رهان الديمقراطية والتنمية:

في الباب من الفصل الأخير يذهب الباحث إلى توضيح مدى قصور المقاربات السالفة الذكر، كالعروبة والأصولية، والعولمية، في تدبيرها للتنوع الثقافي المغربي، ليأخذ في المقابل التصور الديمقراطي كمسار ممكن وناجع لتدبير هذا التنوع الثقافي، وكرهان مركزي يواجه الإنسانية برمتها راهنا. وتدخل القضية الأمازيغية على المستوى الوطني في سجال وصراع داخل الساحة الفكرية بين إرادات مختلفة، ومتناقضة، في رؤيتها لتدبير أو احتواء الأمازيغية. فهناك من يعتمد إقصاءها، وتهميشها. وأخرى تدافع لمؤسستها وتعزيز مكانتها، داخل حقل الثروات الرمزية المغربية، كقاعدة بنيوية لهوية مغربية مركبة، ومنفتحة. لهذا يؤكد الباحث ضرورة الاقتناع بمبدأ المساواة بين روافد هذه الهوية الثقافية المغربية، “بمعنى أن على المغربي الناطق باللغة العربية أن يتحلى بالسلوك الإيجابي حيال الثقافة الأمازيغية، ذهنيا وسياسيا وممارسة، كما يفعله شقيقه الناطق بالأمازيغية تجاه الثقافة العربية، اعتبارا لمبدأ المعاملة بالمثل، وعلى أساس مقومات الفكر الحداثي”[63].  كفكر يتجاوز التعصب والدغمائية والارتباط بالمجد، وسيرة السلف، نحو أفق الانفتاح على الآتي والجديد، وتقبل الآخر، في إطار التعدد اللغوي والثقافي، والانفتاح على الغير باختلافاته الجوهرية في إطار تعايش ديمقراطي، يؤمن بالاختلاف والاحترام والنسبية. من أجل تحقيق تعايش مشترك. يخدم باستمرار هويتنا الغنية لروافدها المركبة والمختلفة. وهذا ما يؤكده الباحث بحيث “أن الاعتراف بالأمازيغية وإنعاشها رهينان بالإرادة السياسية (…) سيما وأن السلطة السياسية هي التي تقرر، في آخر المطاف، إدماج الأمازيغية في المؤسسات التعليمية والإعلامية وغيرها، أو تقرير التمادي في إقصائها”[64]، إضافة إلى تعامل أحزاب اليمين واليسار وجماعات الإسلام السياسي مع القضية الأمازيغية تعاملا سياسويا جافا خاضع لحسابات مصلحية لحظية صرفة. وهذا ما يفرض ضرورة العمل مع الإرادات التي تشترك القيم الديمقراطية والحداثية والكونية لتأسيس “مجتمع ديمقراطي حداثي مبني على مفهوم التعاقد الاجتماعي، وهو مفهوم يتنافى والهويات المطلقة والأصولية كالهوية الإثنية والهوية العرقية والهوية الدينية”[65].

أمام هذا المشروع المجتمعي يمكن تحقيق أيضا رهان التنمية انطلاقا من تشكيلة اجتماعية ذات هوية متنوعة ومركبة تتغذى من اختلافها، وتنوعها، كطاقة تنموية واقعية وليست مجردة أو منفصلة عن النظام الاجتماعي. فالثقافة “بمثابة أحد أقوى العوامل التي تساعد على النمو والتشغيل، والتي تتمثل في كل من الإبداعية ونوعية المعيش والابتكار والتجديد”[66].

وهذه المسألة التنموية بدأت تتخذ الثقافة قاعدة لمنطلقاتها وبرامجها بفضل تعالي أصوات هذا القرار على المستوى الدولي، خاصة مع تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية 1996، والإعلان العالمي لمنظمة اليونسكو بشأن التنوع الثقافي والمؤتمر الدولي بهانغجو (الصين)، حول موضوع “الثقافة: مفتاح التنمية المستدامة في ماي 2013 الذي احتضن أو منتدى عالمي لمناقشة دور الثقافة في التنمية المستدامة”[67].

إن مشروع الجهوية المتقدمة بالمغرب “مؤهل أن يستوعب أهمية الثقافة في التنمية أكثر فأكثر، انسجاما مع توصيات إعلان هانغجو. ومن أهم هذه التوصيات ما يأتي: إدماج الثقافة في سياسات وبرامج التنمية، تعبئة الثقافة والفهم المتبادل من أجل تعزيز السلام والمصالحة، ضمان الحقوق الثقافية للجميع من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية الجامعة، اعتماد الثقافة من أجل تعزيز الاستدامة البيئية مع تقدير والاعتزاز بها وصونها ونقلها إلى الأجيال المقبلة، تسخير الثقافة كمورد لتحقيق التنمية على نحو مستدام.

وأخيرا الاستفادة من الثقافة لتعزيز نماذج مبتكرة ومستدامة للتعاون وتشاطر أفضل الممارسات”[68].

ولتأكيد نجاعة ربط التنمية المستدامة بالثقافة كدعامة أساسية بجانب الدعامات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، يقف صاحب الكتاب على بعض التجارب التي قام بها المجتمع المدني، في جهات مختلفة من المغرب والتي تعتبر إيجابية ومشجعة، من بينها ما تنجزه وتقوم به تعاونيات مختلفة بسوس مثلا فيما يخص، الاعتناء بشجر أركان بيئيا، والاستفادة من مشتقاته ومنتوجاته، وفي مناطق أخرى نجد تعاونيات شجرة الزيتون، وتعاونيات في ميدان تربية الجمل ومنتوجاته في الأقاليم الجنوبية، إضافة إلى السياحة الجبلية والإيكولوجية بالجنوب الشرقي والأطلس… ومنه يوضح الباحث مدى أهمية الممتلكات التراثية “في تنمية الأنشطة الثقافية والمعارف والمهارات التقليدية والكفاءات التي طورها الإنسان عبر حقب طويلة من التكيف مع محيطه”[69].

إن هذا الإرث المادي والرمزي هو ما يشكل بؤرة الحوار الثقافي والتفاعل الثقافي عن طريق التبادل سواء على المستوى المحلي أو العالمي، بحيث تذوب فيه الذات المتمركزة حول وثوقيتها، لتخرج إلى الغير وتكشف ثرواته وإبداعاته ورؤاه للعالم المختلفة، ولعل هذا ما سيسمح بإحلال الحقيقة النسبية محل الحقيقة المطلقة. ويسهم في تدبير عادل للتنوع الثقافي الإنساني عبر العالم. وتقسيم ثرواته المادية الرمزية بشكل منصف للخروج من الفقر، الذي غالبا ما تعاني منه المجتمعات الهامشية والمُهَيمَن عليها، كحال الساكنة الأمازيغية في المغرب والتي تعتبر بدلائل تقريرية لمنظمات دولية ووطنية أنها من أفقر سكان المملكة. بالرغم مما تتوفر عليه من غنى مادي ورمزي، فهي لا تستفيد منهما ما عدا بعض المداخيل الهزيلة مقارنة لأثمان هذا الرأسمال المادي والرمزي في السوق الوطنية والعالمية، ويقدم الباحث كمثال على ذلك: نموذج من منتوجات ومشتقات أركان والصبار والزعفران وأرز الأطلس… إلخ.

لذلك تبقى المقاربة الناجعة للثقافة، وتدبير تنوعها هو بالأساس احترام هذا التنوع الثقافي، وتعزيزه، وجعله في مرتبة متساوية مع بعضه البعض “توافقا مع مقتضيات الدستور المغربي، وما يفتحه مشروع الجهوية المتقدمة من آفاق واعدة”[70].

Û ينهي الباحث مؤلفه بلازمة ترتكز بالأساس على رؤية فكرية، إنسانية، موضوعية، تستمد جذورها من فكر نظرية الممارسة “في إطار الإشكالية العامة لاقتصاد تبادل الثروات الرمزية كما تم تطويره في المشروع الفكري والعلمي Bourdieu”[71] السوسيولوجي الفرنسي المعاصر.

لقد حاول الباحث في مؤلفه إبراز وإظهار تراتبية الثروات الرمزية التي تكون البنية الاجتماعية والاقتصادية المغربية حسب موقعها وقيمتها. في السوق التنافسية الاجتماعية، وبذلك تترأس الثقافة المشروعة بمنتوجاتها أعلى الهرم على باقي المنتوجات الثقافية الأخرى، بحكم سلطة المؤسستين السياسية والاقتصادية، مما يجعل هذه الثقافة التي تساندها المؤسسة، والنخب المركزية، تهيمن على مختلف الثروات الثقافية الرمزية الأخرى المشكلة للهوية الوطنية، مما يفرز “حقول رمزية كبرى وحقول أخرى صغرى”[72] هذا إلى جانب كون سوق الثروات الرمزية الوطنية، غير منفصلة عن منتجات الثقافة الكونية، وانعكاسات هذه العلاقات المحلية والكونية على هبيتوس الفاعلين الاجتماعيين، “حيث بعضهم ينتج الثقافة العالمة، وبعضهم ينتج الثقافة الشعبية، وكلاهما يرتب هذه المنتوجات بحسب ضبطهم لقوانين تقييمها في سوق الممتلكات الرمزية”[73]. مما يساهم أيضا في تصنيف الفاعلين الاجتماعيين حسب رأسمالهم الرمزي، وموقعهم في اكتساب الثروات الرمزية، وإنتاجها، وتبادلها في تراتبية اجتماعية، إما مُهَيمِنة أو مُهَيمن عليها، بحسب ما تقدمه من جودة وقيمة في سوق الثروات الرمزية. وعلى ضوء ما سلف ذكره “فإن منتجات الثقافة العالمية تمثل رأسمالا أقوى من رأسمال الثقافة العالمة الوطنية، والذي يمثل بدوره رأسمالا أقوى من رأسمال منتجات الثقافة الشعبية. وهنا تتضح علائق التراتبية بين الثقافة المستقوية بحكم العولمة وسند السلطة المؤسسية، والتعبيرات الثقافية المستضعفة”[74]. ولعل هذه القضية هي التي شرعنت أهمية البحث العلمي الموضوعي لدى الباحث، كنشاط يروم من خلاله تحقيق غاية اجتماعية وإنسانية كونية، تنبه إلى ضرورة العمل على “تدبير أنجع للموارد المادية والرمزية للمجموعات البشرية”[75]. وهذه المسألة لن تتحقق إلا بتجاوز جدلية الانغلاق والسيطرة وصراع المصالح للقوى المهيمنة، نحو الانفتاح على قيم الديمقراطية، والعدالة الإنسانية، في تنوعنا الثقافي الخلاق، ومن أجل الحفاظ على الشروط الوجودية للكائن حاضرا ومستقبلا، في نطاق علاقاتنا الثقافية من جهة، وفي علاقتنا بمحيطنا الإيكولوجي والبيئي من جهة أخرى.

ايت المقدم نور الدين

 

[1] – بوكوس أحمد ، الهيمنة والاختلاف في تدبير التنوع الثقافي، مطبعة المعارف الجديدة  الرباط 2016.

[2] – قول الباحث ص 24.

[3]  – ص 28.

[4] – ص 32 المرجع كتاب المقدمة، ص 322.

[5]– ص33.

[6] – ص 42.

[7] – ص 62.

[8] – ص 64.

[9] – ص 65.

[10] – ص 68.

[11] – ص 69.

[12] – ص 70.

[13] – ص 70.

[14] – ص 70.

[15] – ص 71 .

[16] – ص 72.

[17] – ص 73.

[18] – ص 75.

[19] – ص 75-76.

[20] – ص 76.

[21] – ص 82.

[22] – ص 82.

[23] – ص 83.

[24] – ص 86.

[25] – ص 92.

[26] – ص 93-94

[27] – ص 94.

[28] – ص 97.

[29] – ص 98.

[30] – ص 105 عن هنري باصي.

[31] – 106.

[32] – ص 111.

[33] – ص 112.

[34] – ص 114.

[35] – ص 115.

[36] – ص 118.

[37] – ص 125.

[38] – ص 126.

[39] – ص 135-136.

[40] – ص 136.

[41] – ص 137.

[42] – للتفصيل انظر ص 153-154.

[43] – ص 163.

[44] – ص 165.

[45] – ص 166.

[46] – ص 167.

[47] – ص 168.

[48] – ص 171.

[49] – ص 183.

[50] – ص 184.

[51] – ص 186.

[52] – ص 192.

[53] – ص 198.

[54] – ص 203-204.

[55] – ص 204.

[56] – ص 212.

[57] – ص 214.

[58] – ص 216.

[59] – ص 233.

[60] – ص 236.

[61] – ص 230.

[62] – ص 240.

[63] – ص 253.

[64] – ص 254-255.

[65] –  ص 255.

[66] –  ص 263.

[67] – للتفصيل انظر ص 262 و263.

[68] – ص 264.

[69] – ص 264.

[70] – ص 268.

[71] – ص 271.

[72] – ص 271.

[73] – ص 272.

[74] – ص 272.

[75] – ص 273.

شاهد أيضاً

شذرات فلسفية حول مشكلة القيم

بقلم: يونس فارس شكل موضوع القيم ولا يزال مجالا خصبا للدراسات الفلسفية التي تقوم على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *