الرئيسية / Non classé / نقد ابن رشد لنظرية المثل الأفلاطونية

نقد ابن رشد لنظرية المثل الأفلاطونية

كوة: العلوي رشيد

استأثر نقد ابن رشد لنظرية المثل باهتمام الباحثين، بالنظر إلى أهمية هذا النقد الذي يتوجه من خلاله لا إلى الفلسفة اليونانية، وإنما إلى علم الكلام، وإلى بعض الفلاسفة الذين اختلط لديهم أرسطو بأفلاطون. فلو كان الأمر يتعلق بالفلسفة اليونانية لاكتفى أبو الوليد بعرض أراء المعلم الأول، فهي أولى بالصدق وبالحقيقة من أقواله هو، هذا ناهيك عن أنه قد أدرك بطريقة أو بأخرى الآثار الأفلاطونية في مذهب الحكيم، وهذا بارز في سكوته عن بعض القضايا التي كانت مدار خلاف بين المشائين، وأحيانا أخرى نجده غير مبال باتخاذ موقف من القضايا التي أدرك أن المعلم الأول قد وقع فيها تحت تأثير معلمه أفلاطون. لهذا فإننا سنركز هنا على الاعتراضات التي قدمها ابن رشد على نظرية المثل، و على القضايا الخلافية التي أثارها علماء الكلام المسلمين، وبشكل خاص على مسألة العلاقة بين الماهية والوجود أولا (مجال الأنطولوجيا)، وعلى مسألة الجوهر والواحد والمحرك الأول ثانيا (مجال العلم الإلهي أو الثيولوجيا).

1 – الماهية والوجود:

أولى القضايا تلك التي تتعلق بالعلاقة بين الماهية والوجود، والتي يرى أنها علاقة اتصال. حيث أقر استحالة انفصال الماهية عن الموجودات. وهذا على خلاف الرأي الأفلاطوني الذي يزعم أن ماهية الموجودات توجد خارجة عنها ومنفصلة، أي متعالية. ومن أهم الأدلة التي يسوقها ابن رشد نذكر ثلاثة رئيسة:

أ – فصل الماهية عن الشيء، سيجعل منها شيئا قائما بذاته، في حين أن الماهية لا تقوم بغير الشيء. وبهذا تكون العلاقة بين الماهية والموجودات كعلاقة بين المادة والصورة، فالصورة لا وجود إلا في مادة، في حين أن المادة لا توجد بالفعل إلا بفضل الصورة. فإذا صارت الماهية شيئا فينبغي البحث لها عن ماهية، وهكذا دواليك، سنكون أمام زيادة لا متناهية.

ب – مفارقة الماهية للشيء يحول دون معرفة ذلك الشيء، لأن معرفة الشيء تتم بفضل ماهيته. وهذا يعارض انفصال الماهية عن الشيء.

ج – المثل لا يمكن أن تكون أسبابا وعلل مادية ولا فاعلة بالنسبة للجوهر أو للأعراض، لأن الكون يكون إما عن الطبيعة أو الاتفاق أو الصناعة، ووجود الأشياء هو وجود واحد سواء خارج النفس أو داخلها. وكل الأشياء تكون من مادة وبفعل فاعل[1].

إذا كانت المادة هي أصل التكون، فإن المثل لا يمكنها أن تغير المادة ولا أن تتدخل فيها وأن تقوم مقام الصورة، فالاتحاد كما سلف الذكر بين المادة والصورة هنا ضروري لبيان أصل الكون. فالإنسان لدى ابن رشد يتكون من الإنسان، وهذا ما يمكن أن ننعته بالدليل البيولوجي أو نظرية التكون الذاتي[2]. وبصدد هذه المسألة يقول الدكتور محمد المصباحي: “عملية الخلق البشري، ذات طبيعة بيولوجية في صميمها، أي أنها تتم بقوى وأعضاء وآليات معلومة في الكائن الحي يمكن وصفها والبرهنة عليها تجريبيا وعقليا. وبذلك يكون ابن رشد قد ابتعد، في ذات الوقت، عن التفسير الأفلاطوني، والتفسير السينيوي، والتفسير الكلامي، وتفسير أهل الكمون لعملية التولد البشري”[3].

وفي ارتباط مع نقد أفلاطون يذهب ابن رشد إلى أن مسألة التكون هي دليل على ارتباط الكلي بالجزئي، بل أكثر من ذلك دليل على أن الكليات ليس متقدمة على الجزئيات، بل إن السبيل لمعرفة الكليات هو الجزئيات، حيث يقول: “الكليات أمور غير موجودة خارج النفس، وغنما هي أمور تجتمع في الذهن من الجزئيات (…) وينبغي أن يكون معروفا لنا عند هذا النظر الذي نحن بسبيله أن هذه الأسباب لنا أن نقولها مع مسبباته على طريق الكلية ولنا أن نقولها على طريق الجزئية. مثال ذلك أن لنا أن نقول أن دم الطمث هو هيولى للإنسان وأن الإنسان هو مولد للإنسان. ولنا أن نقول أن زيدا هو مولد عمرا الذي هو ابنه وأن دم الطمث الذي لهذه المرأة هو هيولى هذا الشخص المشار إليه”[4]. فالكلي هنا لا يقال بمعزل عن الجزئي، ولا يقال الجزئي بمعزل عن الكلي. وهذا كله لبيان أن الجوهر ليس من الكليات. إذا فهمت الكليات بمعناها الأفلاطوني الذي يجعلها منعزلة عن أي العالم الطبيعي، منكرا بذلك أي صلة بين الجزئيات الحسية والكليات المجردة. وهو الأمر الذي من أجله ذهب ابن رشد إلى نقد نظرية المثل.

قلنا إنه لم يكن غرض ابن رشد من نقده لنظرية المثل، الرد على أفلاطون وبيان خطئه إنصافا للمعلم الأول، وإنما الرد على القائلين بنظرية “واهب الصور”، حيث وجه انتقادات لاذعة للفارابي ولابن سينا فيما يتصل بمفهوم العقل الفعال أو العقل المبدع الذي يعتبرانه لا يتدخل في عملية النشوء والتكون. وفي هذا يقول: “فتوهم اختراع الصور هو الذي صير من صير إلى القول بالصور، وإلى القول بواهب الصور، وإفراط هذا التوهم هو الذي صير المتكلمين من أهل الملل الثلاث الموجودة اليوم، على القول بأنه يمكن أن يحدث شيء من لا شيء، وذلك أنه إن جاز الاختراع على الصورة، جاز الاختراع على الكل”[5]. نفهم من هذا الكلام أن ابن رشد اتجه نحو نقد أراء الفارابي وابن سينا من جهة، ونقد أراء المتكلمين من جهة أخرى، إلى بيان الخلفية التي كانت وراء “فلسفة الجمع بين الحكيمين”، ومدى تأثير الفارابي وابن سينا بنظرية الإبداع الكلامية. في محاولة إلى ضم الكلام إلى الفلسفة، وهو الأمر الذي يرفضه صاحبنا منذ بداية مشروعه الفلسفي، أي أن تخليص الفكر الفلسفي من بقايا علم الكلام كانت المهمة الأولى التي كرس لها ابن رشد حياته الفلسفية، هذا إن لم نقل إنها أساس فلسفته النقدية.

يسوق أرسطو دليلا آخر في نقده لنظرية المثل، ويتعلق بدليل الحركة، وهو الأمر الذي نلفيه أيضا لدى ابن رشد، فجوهر الأجسام الطبيعية وكل الجواهر المحسوسة بنوعيها: السرمدية وغير السرمدية. فالحركة في نظره لا توجد منفصلة عن الأجسام المحسوسة بل هي جوهرها، بل إن ماهية المحرك الذي لا يتحرك تتأصل بدليل الحركة، وما يعنيه ذلك من أن الجواهر المفارقة بدورها تعود في نهاية المطاف إلى المحسوسة، فما دام الموجود يوجد في حركة فإنه يمكن أن يتحول إلى غير ما هو عليه أي أن الموجود لا يكون ما هو تماما وهذا شبيه بالعلاقة التي يسوقها أرسطو في هذا المستوى من النقد بين الجزئي والكلي. ولكن يتوجب التمييز هنا بين نوعين من الموجودات:

– الموجودات البسيطة

– الموجودات المركبة

ففي النوع الأول نكون إزاء موجودات يتطابق وجودها مع ماهيتها، في حين أننا في النوع الثاني (سواء كانت مركبة من جواهر وأعراض، أو من مادة وصورة) إزاء موجودات يكون وجودها منفصلا عن ماهيتها.

2 – الجوهر والواحد والمحرك الأول:

وثاني القضايا التي يسوقها ابن رشد في سبيل دحضه لنظرية المثل أو الفيض تتعلق ب: قضية الجوهر والواحد والمحرك الأول:

يرى ابن رشد أن غاية الجوهر هو البحث عن الواحد، أي الوصول إلى الجوهر المفارق المالك لمعقوليته الذاتية والكافية لنفسها بنفسها، حيث يقول في مقالة الياء: “ثم قال، ولكن كمثل ما في الألوان يطلب لون واحد بعينه كذلك في الجوهر أيضا يطلب جوهر واحد هو الواحد بعينه، يريد، الذي هو مبدأ وجود الجواهر ومبدأ عددها الموجود في الجوهر وإنما قصد بهذا أنه إذا أضيف إلى هذا ما تبين في السماع من ها هنا محركا أول أزليا بريا من كل مادة، ويبين مما بعد أن هذا ليس هو مبدأ أعلى أنه محرك فقط بل وعلى أنه صورة وعلى أنه غاية تبين أنه هو هو الواحد بعينه الذي تبين ها هنا أنه مبدأ للجوهر كما تبين أنه الفعل الآخر الذي لا يشوبه قوة أصلا”[6]. وهنا نلاحظ تأثير ابن رشد بمنطق المقولات، أو ما أسميناه في هذا البحث بالجوهر المنطقي، حيث الجواهر الثواني تابعة لجوهر واحد بعينه، هو هو الواحد، الذي لا بعده جوهر، ولا يمكن أن يعود في وجوده إلى جوهر غيره. أي أن الغرض من توظيف منطق المقولات فيما بعد الطبيعة يتجه دوما في خدمة النسق الفلسفي الأرسطي، الذي ينتظم في وحدة منسجمة ومتناسقة.

يذهب الدكتور محمد المصباحي إلى أن نظرية ابن رشد في المبدأ الأول وعلاقته بالمبادئ المفارقة هي أكثر نظرياته غموضا[7]، متتبعا سيرة تطور الفكر الرشدي في إشكالية المبدأ الأول والمحرك الأول في علاقته بالعالم، ويرى أن فكر ابن رشد بصدد هذه العلاقة مر بثلاثة مراحل: حيث كان في المرحلة الأولى متأثرا بنظرية الفيض السينوية. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة مواجهة الغزالي والتي تخلى فيها عن بعض مبادئ نظرية الفيض نظرا لتأثره بدعاة القول بالإبداع والخلق. واعتبر أن المرحلة الثالثة هي مرحلة النضج حيث دافع صراحة عن نظرية أرسطو في الربط بين المحرك الأول والعالم عن طريق الحركة.

يرفض ابن رشد نظرية الفيض لصالح فلسفة أرسطية خالصة من الشوائب لذلك فلا حاجة للوسيط بين الله والعالم وبالتالي لا حاجة لوجود مبدأين: المحرك الأول والمبدأ الأول لأن افتراض وجودهما معا مناقض لقانون الحركة، وبالتالي سيكون أحدهما (المبدأ الأول) عاطلا، لأن الحركة ستنسب للآخر (المحرك الأول). ووجود العطالة عن الفعل هو ما تأباه الطبيعة، وسيقود هذا إلى نكران وجود جوهر أول هو أقدم من محرك الكل (المحرك الأول) حيث يقول ابن رشد: “وأما ما قاله المتأخرون من أن ها هنا جوهر أول هو أقدم من محرك الكل فهو قول باطل، وذلك أن كل جوهر من هذه الجواهر هو مبدأ الجوهر المحسوس، على أنه محرك وعلى أنه غاية، ولذلك ما يقول أرسطو أنه لو كانت ها هنا جواهر لا تحرك لكان فعلها باطلا”[8].

يستعمل ابن رشد المبدأ الأول وكأنه المحرك الأول حيث يقول في شرح البرهان: “لا سبيل إلى تبيين وجود المحرك الأول إلا بدليل في هذا العلم أعني العلم الطبيعي، لا على ما ظنه ابن سينا. وقد وضعنا مقالة في تبيين فساد الطريق الكلي الذي ظن ابن سينا أنه به يمكن صاحب العلم الإلهي أن يثبت وجود المبدأ الأول”[9]. وبهذا نصل إلى الغاية التي من أجلها عالجنا مسألة الرد على نظرية المثل والفيض، والتي لا تخرج عن غرض هذا البحث وهي إثبات الصلة القائمة بين الطبيعة وما بعد الطبيعة، أي بين عالم المبادئ (العلم الطبيعي)، وعالم المعقولات (علم الموجود بما هو موجود)، وما لعالم المحمولات (علم المنطق) من دور في ذلك الاتصال الظاهر من جميع الوجوه. وعن هذا الربط يعلق المصباحي ويقول: “يتأكد بأن البرهان من وراء الدفاع عن وحدة المحرك الأول بالمبدأ الأول هو ربط مصير علم ما بعد الطبيعة بالعلم الطبيعي، لا بالنظرية العامة للوجود التي تعود بأصلها إلى المنطق، كما فعلت نظرية الفيض مع الفارابي وخاصة مع ابن سينا[10]. بل إن الأمر يتجاوز مسألة البرهان، ذلك أن نظرية الاتصال بحاجة إلى صياغة لمختلف تمظهراتها الوجودية، لبناء رؤية للعالم تتسم بالنسقية وبالترابط والانسجام بين كافة عناصرها. وهذا خير ما ورثه ابن رشد من أرسطو. ولو هذا الترابط في فلسفة ابن رشد لما كان إسهامه قادر على الخروج من شرنقة التفكير السائد. والذي ينسجم والمصالح الإيديولوجية للطبقات الحاكمة. لقد كان اختياره اختيارا صارما لا يشوبه أي لبس ولا يكتنفه الغموض البتة. ولكن مع ذلك تبقى العديد من التساؤلات عالقة حول صلة ابن رشد بنظار زمانه، ومدى التأثير الملحوظ في فلسفته: منها صلته بابن تومرت على مستوى صياغة القول الفقهي ضد المعتزلة من جهة والأشاعرة من جهة أخرى. وصلته بابن باجة وابن طفيل فيما يخص الطبيعيات. وصلته بابن سينا والفارابي على مستوى المنطق والإلهيات… قلنا تبقى هذه الصلات المحتملة والقائمة بين ابن رشد والفلاسفة الأخرين بحاجة إلى العناية الفائقة. ولقد أشرنا إلى وجود ملامح سينوية مثلا في فلسفة ابن رشد في الفصل السادس، ولكن المقام لا يسمح بتتبع خيوط ذلك التاثير. وسنكتفي بمعالجة البعض منها والذي له علاقة مباشرة بموضوعنا.

 

[1]  – وفي هذا يقول ابن رشد: ” لو كان التكون عن صور مفارقة لما أمكن أن تكون هذه الصور عللا لما يظهر من أن المكون والمتكون اثنان بالعدد واحد بالصورة، وهذا لازم في كل مكون”، التفسير، مقالة الزاي، ص 870.

[2]  – يقول في هذا: “الجوهر الكائن الفاسد إنما يتكون عن جوهر كائن فاسد هو مثله بالنوع والجنس. وأن المتكون والفاسد هو الشيء المجتمع من الصورة والهيولى وأن الصور ليس بكائنة ولا فاسدة إلا بالعرض. وأنه لما كان هذا ليس للصور الأفلاطونية غناء في الكون إن كانت موجودة أعني الصور المفارقة التي يقول بها أفلاطون. وبين أيضا أن الكليات ليس بجواهر موجودة خارج النفس وإن كانت تدل على جواهر. وأن الصور جواهر لا على أنها أسطقس ولا على أنها مركبة من أسطقس بل على أنها جوهر ثالث” التفسير ص 1403. والجوهر الثالث المقصود هنا هو المركب من الصورة والمادة معا، وهو الجوهر المحسوس السرمدي كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الذي بحثنا فيه مشكلة الجوهر عند انب رشد.”، التفسير، مقالة اللام، ص 1402.

[3]  – أنظر: محمد المصباحي: “مشكل الاتصال: الإنسان بين البيولوجيا والميتافيزيقا عند ابن رشد”، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، فاس العدد السابع، 1983 – 1984، ص 77.

[4]  – التفسير ص 1543 – 1544.

[5]  – التفسير، ص 1503.

[6]  – التفسير ص 1277 – 1278

[7]  – الوحدة والوجود، نفس المعطيات السابقة، ص 251.

[8]  – تلخيص ما بعد الطبيعة ص 107 نشرة عثمان أمين.

[9]  – شرح البرهان، تح بدوي، ص 298.

[10]  – الوحدة والوجود ص 257

من كتابنا: “مشكلة الجوهر في فلسفة ابن رشد” 2016.

شاهد أيضاً

فريديريك غرو: الحكمانية الأمنية (حول مفهوم الأمن)

محمد ازويتة ترجمة: محمد ازويتة                    مدخل أولا ، تكمن قيمة مثل هذا المقال القصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *