الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / “من أجل ثقافة بديلة تؤسس لمجتمع ديمقراطي”

“من أجل ثقافة بديلة تؤسس لمجتمع ديمقراطي”

ميثاق جمعية فينكس للثقافة والتنوير بتزنيت

تقديم:

إن من الصعب محاولة إعطاء تعريف نظري أكاديمي محدد غير مبهم ولا ملغوم لمفهوم الثقافة، ففي بدايات البحث عن تعريف إجرائي يمكن تبنيه وتنزيله من طرف جمعية فينكس للثقافة والتنوير، نجد أن لمصطلح الثقافة في الأنثروبولوجيا الثقافية أكثر من 160 تعريفا، الأمر الذي يخلق حالة من الإرتباك في تبني أحدها، لكن محاولة البحث أو خلق تعريف إجرائي قد يسهل على الجمعية تنزيل ثقافة تراها بديلة للثقافة التي تراها سائدة زائفة ومزيِّفة. ولمحاولة الخروج بهكذا تعريف، وبدل طرح السؤال “ما هي الثقافة وما هو التنوير؟” يمكن طرح السؤال على الطريقة التالية: ما القناعات التي تدفع أعضاء ومنخرطي جمعية فينكس إلى العمل الثقافي التنويري وترسيخ ثقافة بديلة؟ ما الثقافة البديلة التي تطرحها جمعية فينكس للثقافة والتنوير؟

هذه الأسئلة التي قررت الجمعية الإجابة عنها في هذه الوثيقة التي سمتها “ميثاق الجمعية”.

القناعات التي ترتكز عليها الجمعية في عملها:

إن الثقافة السائدة في المجتمع المغربي منطلقة من قناعات ترسخت عبر تراكمات تاريخية من خليط ديني وعرفي وفلسفة وتوجه كان سائدا ولا يزال. ترى جمعية فينكس أن هذه القناعات تترجم لسلوكات تراها واضحة جلية سواء في العلاقات الإجتماعية أو القيم الأخلاقية أو الفنون أو المناهج التعليمية والمقررات المدرسية أو في لغة الخطاب الإعلامي أو الممارسة السياسية، بل تنعكس على كل مجالات الحياة، كما يتفق أعضاء الجمعية أن هذه السلوكات الناتجة عن تلك القناعات هي الثقافة التي ترفضها لتطرح ثقافة بديلة ترسخ لقناعات وبالتالي سلوكات هدفها الأول بناء مجتمع ديمقراطي، تلخصها في الفقرات أسفله.

المبادئ الأساسية التي تحكم عمل الجمعية:

ترتكز الجمعية على مبادئ تحكم توجهها وطبيعة عملها تجعل منها في نفس الوقت مبادئ داخلية ومحورا للثقافة البديلة التي تشتغل الجمعية على ترسيخها نلخصها في الإستقلالية والديمقراطية والعقلانية والعلمانية.

**الإستقلالية: مبدأ أساسي من مبادئ الجمعية، تنظر له الجمعية من جهتين: الإستقلالية عن السلطة بكل ألوانها، والاستقلالية عن أي حزب أو منظمة أو إتجاه سياسي، و من هذا المنطلق تستمد الجمعية مواقفها فقط من خلال مبادئها و أهدافها المسطرة في هذا الميثاق و قانونيها الداخلي و الأساسي و من خلال اجتماعات مجلسها الإداري.

**الديمقراطية: تتخذ الجمعية من الديمقراطية أساسا لتعاملها الداخلي لضمان مشاركة كافة أعضائها في تحديد مواقفها و قراراتها، كما تأخذ على عاتقها مهمة المشاركة في نشر هذا المبدأ خارج الجمعية و التعريف به و العمل على شيوعه داخل المجتمع كأساس لبناء مجتمع ديمقراطي يتسع للجميع دون تمييز على أساس ديني أو عرقي أو جنسي.

**العقلانية: تتبنى جمعية فينكس الفكر العقلاني التنويري والحداثي كمرجع فكري لها، هذا الفكر المبني على استعمال العقل و الاستنتاج العقلي المنطقي للوصول إلى الحقائق كبديل للفكر المبني على الأحكام المسبقة والأفكار الخرافية و الحقائق المطلقة و المقدسة.

**العلمانية: تتخذ الجمعية من العلمانية مبدأ للانتساب لعضويتها بغض النظر عن اعتقادهم الديني، كما تدعو إلى العمل على بناء مجتمع علماني يتم فيه إبعاد الدين عن السياسة و التعليم و المجال العام، إيمانا منا في الجمعية أن العلمانية هي مرتكز أساسي من مرتكزات الديمقراطية.

ما الثقافة البديلة التي نطرحها؟

إن فلسفة الجمعية في عملها الثقافي أساسه تغير اجتماعي وتحول لا عنفي يعكسه تنوير فكري واستخدام للعقل. ومصطلح تنوير بمعناه الأدبي “هو إلقاء مزيد من النور”، ويقابله مصطلح تعتيم.

تعمل الجمعية بمبدأ التنوير الذي يعكسه قول الفيلسوف كانط:”تجرأ على استخدام عقلك”، وهو المبدأ الذي لا يمكن أن يتواجد دون جذب انتباه المواطن لكل المواضيع بدون قيود في حرية التعبير والرأي، وهو الانعكاس الأول لمفهوم التنوير كما تفهمه الجمعية، أي إلقاء الضوء على كل المواضيع التي تهم حياة المواطن المغربي بصفة خاصة، وهو ما سيساهم في زيادة الوعي والإطلاع وتوسع مجال الحرية والنقد البناء وثقافة التساؤل ومحاولة مقاربة الحلول البديلة بدل ثقافة الاستهلاك الفكري على غرار الاستهلاك الاقتصادي. كما ترى الجمعية أن التنوير لا يمكن أن يتأتى بموازاة مع نسبة الأمية والعزوف عن القراءة بالنسبة لغير الأمي، فجعلت الكتاب صديقا لها، وستعمل على ترسيخ ثقافة القراءة النوعية النقدية والفكرية التي تؤسس لثقافة ديمقراطية يسودها التعارف والتعايش وقبول الاختلاف، مما أوحى إليها بأن ثاني الأولويات بعد ثقافة الحرية والتحرر من قيود الثقافة السائدة عبر القراءة والنقاش والبحث والنقد، هي أولوية حقوق الإنسان الفرد دون أن تنسى أنه عضو في المجتمع، هذه الثقافة التي ستعمل الجمعية على ترسيخها بشراكة مع جمعيات صديقة تتقاسم معها بعض مظاهر الثقافة البديلة التي تحاول جمعية فينكس تنزيلها والتي تسخر لها كل الآليات للعمل على ذلك، باستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والانفتاح على مختلف أنواع الفن وخصوصا منها الأكثر تأثيرا كالموسيقى والمسرح والجداريات والأدب القصصي والشعري، مع وعي تام بأن هذه الآليات هي جزء لا يتجزأ من هذه الثقافة البديلة.

الثقافة الرقمية

إن من بين أعضاء جمعية فينكس للثقافة والتنوير أعضاء متخصصين في المجال الرقمي يعون تماما أهمية الثقافة الرقمية السائدة وخطورتها في إنتاج مستهلكين رقميين مفعول بهم بدل أن يكونوا فاعلين، ثقافة الاستهلاك هذه التي يتم التركيز عليها بتواطئ مع بعض الشركات العالمية التي تجد المجتمع المغربي أرضا خصبة للاستهلاك الرقمي، مع تعتيم تام، وخصوصا بالنسبة للمواطن غير المتخصص، وهو حال الأغلبية، بتعلم الصناعات الرقمية التي تشكل أكثر من 28% من الاقتصاد العالمي، وتعتيم على مجالات البرمجيات الحرة التي لا تكلف شيئا للمواطن العادي ولا للإدارات العمومية، ومن هذا المنطلق ستعمل جمعية فينكس على ترسيخ ثقافة رقمية بديلة تعتمد على البرمجيات الحرة التي تجعل المستعمل سيد نفسه وغير خاضع لأي سلطة رقمية كانت، مع الحفاظ على خصوصية وأكبر قدر من الأمن لمعلوماته ووعي تام بالأدوات الرقمية التي تخدمه وتحميه ولا تمس قدرته الشرائية ولا تهدده بالمتابعات القانونية وهو شق أساسي في الثقافة الرقمية البديلة كما تراها جمعية فينكس.

الثقافة الحقوقية

من بين المجالات الثقافية وخصوصا ما يتعلق منها بالقيم أخذت فينكس على عاتقها نشر ثقافة حقوق الإنسان ببعديها الكوني والشمولي بتركيزها على الحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية مع وعيها التام بأن الجزء لا يكون دون الكل.

تركز جمعية فينكس في ثقافتها الحقوقية البديلة وإعمالا لمفهوم التنوير كما تفهمه الجمعية، على الحق في التعبير واعتناق الآراء والأفكار بكل حرية ودون قيد أو إقصاء أو تجريم. كما تشتغل الجمعية في مجال حقوق المرأة وتصبو نحو المساواة الفعلية بين الجنسين دون إقصاء أو تمييز بتبنيها لمبدأ الكفاءة.

الثقافة الفنية

لا يمكن الحديث عن ثقافة فنية بدون العودة إلى أصول جميع الفنون باعتبارها ميزة إبداعية تأتي من رحم الطبيعة ولها ارتباط مباشر بالقضايا الحقيقية للمجتمع، تولد من رحم المعاناة وتلامس هموم وقضايا ومشاكل الناس الاجتماعية والاقتصادية، كوسيلة هامة للشباب المبدع، الغرض منها تفجير القدرات والطاقات الإبداعية الشبابية بالخصوص. إنها الرسائل الهادفة الموجهة للجمهور والمتلقي، رغم محاولات الدولة المبذولة لقوقعتها وحصرها بالخصوصيات الدينية والعقدية أو حتى العرفية داخل المجتمع، المتخلف بالخصوص، وتقييدها وتنميطها بل أكثر من ذلك تسعى جاهدة لتوفير كل الإمكانات والوسائل المادية والمعنوية الممكنة لتشجيع الفن المحافظ الذي يخدم مصالحها ويحارب الفن الحقيقي الذي يعري زيف شعاراتها. ومن أجل هذا الهدف المنشود، نأخذ على عاتقنا إعداد ورشات ودورات تكوينية وندوات حول مواضيع ذات علاقة بالفنون بغية تطوير القدرات الفنية والإبداعية للشباب الناشئ وربط شراكات مع الجمعيات والفرق الغنائية والمسرحية التي تحمل نفس توجه الجمعية لأجل إنشاء قطب فني تنويري يكون مدرسة قائمة بذاتها يتتلمذ فيها الشباب المبدع الناشئ إضافة إلى إنتاج نخب محلية قادرة على التغيير ترفع الوعي الثقافي الفني التنويري للمجتمع.

الثقافة العلمية

تعتبر شريحة كبيرة من المجتمع أن العلوم مقتصرة على نخبة معينة من الباحثين والمخترعين، هذا الفهم الخاطئ الناتج عن شبه غياب لثقافة علمية مرتكزة على تبسيط العلوم وإيصالها إلى المواطن باستعمال اللغة التي يتواصل بها في شؤونه اليومية أو اللغة التي يتمكن منها.

كل هذه الأسباب جعلت الجمعية تفكر في ترسيخ ثقافة علمية مبنية على المنهج العلمي وثقافة التساؤل ومقاربة الجواب وترجمة العلوم وتعلم اللغات وخصوصا منها الإنجليزية التي تعتبر اللغة العلمية العالمية اليوم، كما ستعمل الجمعية على دعم المشاريع العلمية ذات الصلة بأهدافها.

الثقافة البيئية

الثقافة هي تجريد للسلوك الفعلي، وتمثل نسق الفكر والعادات والتقاليد التي تكشف عن جوانب أساسية في علاقة الإنسان بالبيئة، كما أن الثقافة ربما تكون أو تمثل معوقا من معوقات تنمية الوعي البيئي.

ويعبر اقتران مفهوم البيئة بالثقافة على أن الوعي بمشكلات البيئة وعي مكتسب، ووعيا منها بدورها في عملية إكساب الفرد لهذه الثقافة تعمل الجمعية على تنمية الوعي البيئي وخلق المعرفة البيئية الأساسية، وذلك من خلال العمل على نشر ثقافة ايكولوجية تحمل الإنسان على الوعي بمحيطه بغية بلورة سلوك بيئي ايجابي وتجعله قادرا على نقل هذا السلوك للآخرين في أفق خلق مجتمع يستطيع أن يعي الأخطار المحدقة به وبالأجيال اللاحقة، ويعي بأنه لا يمكن مواجهة هذه الأخطار إلا بغرس قيم ثقافية وسلوكية عقلانية تؤمن بأن البيئة حق من حقوق الإنسان.

تعمل الجمعية على ترسيخ ثقافة بيئية لا تختزل البيئة في المنظومة الإحيائية فقط، ثقافة تؤمن بأن انتهاك الحق في البيئة هو انتهاك صريح لحقوق الإنسان حاضرا ومستقبلا. وذلك من خلال غرس قيم سلوكية بالتربية على البيئة وتنمية الوعي البيئي لدى الأفراد.

شاهد أيضاً

إدغار موران: الهويّة واحدة ومتعدّدة

د. خديجة زتيلـي تقديم وترجمة: د. خديجة زتيلـي تحميل المقال كاملا ترجمة القسم الأول من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *