الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / ملف: 3 – وضع تدريس الفلسفة في المغرب: العلوي رشيد

ملف: 3 – وضع تدريس الفلسفة في المغرب: العلوي رشيد

قليل من أصدقائنا من باقي البلدان الذين يعرفون بدقة ما يجري في تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب، ورغم أن المشكلات المتصلة بطرق التدريس وبالعدد المعتمدة بيداغوجيا وديداكتيكيا تبقى إلى حد ما مشتركة على الأقل في البلدان التابعة للنظام الفرنسي، ناهيك عن المشكلات السياسية المتصلة بالأنظمة الحاكمة والأهداف العامة المقيدة لحرية إعمال العقل، فإن أغلب المهتمين بوضع الدرس الفلسفي يمجدون التجربة المغربية بالمقارنة مع تجارب دول مغاربية أو عربية أخرى، ولهذا السبب ولغيره ارتأينا أن نعمم هذه الدراسة لرسم صورة واضحة عن تعليم الفلسفة عندنا، باعتبارها جزء من دراسة مقارنة بين المغرب وتونس، سننشر فيما بعد تكملته.

  • مناهج وبرامج تدريس الفلسفة في التجربة المغربية

سنحاول أن نعرض أولا مختلف الاصلاحات التي عرفها المغرب طوال هذه الفترة لان كل ما سنرصده عن تدريس الفلسفة مرتبط بهذه الاصلاحات في سياقها العام.

أولا: أهم إصلاحات التعليم بالمغرب[1]

سنركز هنا تحديدا على الاصلاحات التي عرفها النظام التعليم بالمغرب بعد الاستقلال، لأن ما قبل الاستقلال يصعب الحديث عن نظام وطني للتعليم بالمغرب[2]، كما يؤكد ذلك المكي المروني، وإنما عن تعليم تقليدي نخرته سلطات الحماية العامة، عبر الاقرار بنظام مزدوج، في إطار “مقولة التطور البطيء للمجتمع المغربي[3].

عرف نظام التعليم المغربي خمسة إصلاحات متتالية هي:

إصلاح  1956 – 1963 / إصلاح 1964 – 1972 / إصلاح 1973 – 1983 / إصلاح 1984 – 1999 / إصلاح 2000 – 2012… بدون حسبان بعض التعديلات التي رافقت معظم هاته الاصلاح والتي مست جوهر النظام التعليمي وأحيانا المناهج وبعض المواد.

بعد أن أعلن الحسن الثاني اقتراب السكتة القلبية، لم يسلم قطاع التعليم من انتقادات لاذعة تركزت أساسا حول التوجيهات التي قدمتها مذكرة البنك الدولي حول المغرب لسنة 1995، والتي كانت الشرارة الأولى التي أطلقت نقاشات واسعة رسمية وغير رسمية وتشاورات وطنية بين مختلف المتدخلين والفاعلين في القطاع والمعنيين بالمسألة التعليمية، حيث تم انتداب لجنة ملكية لإصلاح التعليم سميت باللجنة الوطنية لإصلاح التعليم، وهكذا خرج في أواخر الألفية الثانية وثيقة “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، الذي دشن عشرية إصلاح جديد، طموح. وبعد مرور سبع سنوات من تطبيق وأجرأة بعض بنوده الميثاق وما رافقه من تعديل النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية وإقرار مليون محفظة لدعم تمدرس التلاميذ… جاء تقويم المجلس الأعلى للتعليم ليضع الأصبع على الجرح من جديد، وهو التقرير الذي تلته مجموعة من الخطابات النارية حول التعليم. وبعد سنة من النقاش تم الحسم في إخراج مشروع البرنامج الاستعجالي 2009 – 2012: لتسريع وأجرأة ما جاء به الميثاق، وتفعيل مقتضياته.

ومن الخلاصات الأساسية التي يمكن تسجيلها بشأن هذا المسار الإصلاحي المتدبدب هي:

  1. غياب استمرارية للسياسات التعليمية المتبعة، وتغيرها من وزير إلى آخر، وكأن الدولة ليست لها سياسة تربوية واضحة لإصلاح منظومة التربية والتكوين، ناهيك عن معضلة القرار السياسي والتربوي وفي هذا الإطار يتوجب إقران المسؤولية بالمحاسبة: “إن مجال السياسة العمومية المتعلقة بمجال التعليم غير محددة، والإطار الذي تنجز فيه الأشغال هو ايضا غير محدد، مما يخلق نوعا من الارتباط… فللسياسة التعليمية قواعد لمساءلتها… لا يمكن الحديث عن السياسة العمومية في مجال التعليم بغض النظر عن المواعيد والمقاييس المسطرة في هذا الإطار، وهناك مواقع لمتابعة السياسة العمومية (…) الفعل السياسي غير اعتباطي، ولا يمكن سن سياسة وتركها، الشيء الذي يخلق اختلافات يجب أن تكون هناك محاسبة ومتابعة ويجب العمل بهذا المفهوم لتقييم السياسة العمومية لمعرفة مدى نجاحها أو فشلها في كل المجالات”[4]؛
  2. نهج سياسة تربوية متمحورة حول معارف جاهزة خدمة للاديولوجية السائدة، وهو ما تعبر عنه المناهج المدرسية المتبعة في بعض المواد وخاصة في الإنسانيات والاجتماعيات؛
  3. عزل التعليم عن حاجات المجتمع، وعدم إسهامه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعبر عن ضعف المجتمع والدولة معا؛
  4. إفراغ التعليم من روح المبادرة بتهميش الجدي منها، وعدم تشجيعها، وتنامي الخطابات التي تشير إلى أن التعليم يثقل كاهل الدولة، وتدعو إلى ترشيد النفقات (سياسة التقشف)؛ مما أفقد التعليم قيمته الاعتبارية في المجتمع المغربي؛
  5. غلبة الطابع التقنوقراطي على إصلاحات التعليم بحيث ينشغل المخططون بالأرقام “إلى حد التضحية بالعناصر الكيفية للمشاكل (…) فنفس الملاحظات تتردد دائما في مختلف التقارير مع مر السنوات كأن الظروف البيداغوجية لا تعرف التطور أبدا: النقص في البنايات والتجهيزات والتأطير، كثافة المقررات، عدم ملائمة المضامين والطرق البيداعوجية، العدد المحدود للتكوينات المتوفرة… لا نجد في هذه التقارير شيئا يتعلق بما يجري في الواقع اليومي داخل المؤسسات التعليمية والفصول الدراسية، لا نجد شيئا عن سلوك وعلاقات وردود فعل التلاميذ والطلبة والمدرسين والعاملين بالإدارة، أي عن السير الحقيقي والواقع المعاش للنظام التعليمي”[5]؛
  6. تشجيع التعليم الخصوصي بما يخدم مصالح الطبقات المتوسطة والبرجوازية الكبيرة؛ وما رافقه من انعكاسات سلبية على التعليم العمومي.
  7. عدم التمييز بين الاشكالات الهيكلية والبنيوية والتي تحتاج إلى خطط عمل استراتيجية لا تنفصل عن مخططات التنموية الجهوية والمحلية – بحيث لا يعقل التفكير في بناء مدن وأحياء حضرية كبرى بحجم مدن صغيرة دون التفكير في المرافق العمومية عامة والمؤسسات التعليمية خاصة – وبين الإشكالات التي يمكن التغلب عليها في خطط وبرامج قصيرة أو متوسطة المدى؛
  8. تفكيك التعليم العمومي؛ من خلال السعي نحو تحريره في المستقبل: بيع المدارس العمومية، فرض رسوم التسجيل، الاكتظاظ، الخصاص في الأطر…

ثانيا: تاريخ تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي المغربي

مع كل تغير في المناهج والبرامج الدراسية بحسب مسلسلات الاصلاح التي عرفها المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم، عرفت تدريس الفلسفة مناهج متعددة بحسب التوجيهات الرسمية التي تنص عليها الاطر المرجعية المؤطرة للمادة، وهكذا عرف المغرب اعتماد منهجين بيداغوجيين رئيسين:

  • بيداغوجيا الغايات والأهداف:
  • بيداغوجيا الكفايات: والتي أقرها الميثاق الوطني للتربية والتكوين مطلع الألفية الثالثة.

بعد حصول المغرب على الاستقلال، ارتكز مخطط الدولة الوطنية على أربعة مبادئ أساسية كانت بمثابة الركيزة الأساسية الموجهة لنظام التعليم بل وللإدارة الوطنية عامة:

التوحيد: والذي بموجبه تسعى الادارة المغربية الجديدة إلى توحيد أنواع التعليم التي كانت سائدة آنذاك: نظام تقليدي يتمثل في المدارس العتيقة والكتاتيب القرآنية والمدارس الحرة التي أسسها الوطنيون عهد الاستعمار ومدارس التعليم الفرنسي (البعثات) والاسباني.

التعريب: والذي تم بوجبه تعريب الفلسفة ومختلف المواد بحيث كانت البرامج والأطر والعدد ونظام التقويم كلها فرنسية بامتياز.

المغربة: والذي يستهدف مغربة الأطر أي تعويض الأطر الفرنسية في كل الادارة المغربية – بما فيه التعليم – بأطر مغربية.

المجانية: والذي يسمح للمواطنين المغاربة بالاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية والتعليمية والخيرات الوطنية على قدم المساواة.

وبطبيعة الحال كان من اللازم على الاطر المغربية العاملة في الشأن الفلسفي ونقصد المدرسين الأوائل الذين درسوا الفلسفة بالفرنسية كان على عاتقهم ترجمة هذه المبادئ من جهة التعريب والتوحيد، وهكذا ظهرت لأول مرة البرامج المغربية لتدريس الفلسفة نرصد تاريخها من خلال الوقوف على مختلف الكتب المدرسية التي أنتجتها الأطر الوطنية:

أهم المقررات الدراسية التي شهدها تاريخ تدريس الفلسفة بالمغرب منذ سنة 1966:

السنة اسم المقرر المؤلف
1966 “دروس في الفلسفة لطلاب البكالوريا” محمد عابد الجابري, السطاتي, العمري.
1966 “دروس في الفكر الإسلامي” محمد عابد الجابري ,السطاتي, العمري.
1966 “مدخل إلى الفلسفة” محمد عباس نورالدين, محمد مصطفى القباج.
1967 “الموجز في الفلسفة” الطاهر واعزيز , مراجعة نجيب بلدي.
1968 “الفكر الإسلامي والفلسفة” محمد رونق, عبد الرفيع الجوهري.
1971 “دروس في الفلسفة” محمد عابد الجابري, السطاتي, العمري.
1971 دروس في الفكر الإسلامي” : محمد عابد الجابري, السطاتي, العمري.
1973 نصوص فلسفية – دورية غير منشورة. وزعتها الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة على أساتذة المادة
1974 مذكرات تشمل خطاطات للدروس ونصوصا فلسفية مختارة. وزعتها وزارة التربية الوطنية على الأساتذة
1978 “الفكر الإسلامي والفلسفة” لجنة تأليف مجهولة عينها الملك، ويشاع أن رئيسها سامي النشار
1978 “نصوص في الفكر الإسلامي و الفلسفة” لجنة تأليف مجهولة عينها الملك، ويشاع أن رئيسها سامي النشار
1989 نسخة منقحة من كتاب “الفكر الإسلامي والفلسفة” لسنة 1978, أصدرته وزارة التربية الوطنية
1991 كتاب” الفكر الإسلامي والفلسفة”. وزارة التربية الوطنية
1996 “الفكر الإسلامي والفلسفة”. وزارة التربية الوطنية
ابتداء من 2006 اعتماد سياسة الكتب المتعددة والتي أسقطت الفكر الإسلامي من العناوين مؤلفات جماعية معتمدة من طرف الوزارة

 

منذ سنة 1991 تم اعتماد مقاربة واضحة في تدريس الفلسفة بالمغرب من خلال التمييز بين كتاب التلميذ وبين التوجيهات التربوية الخاصة بالفلسفة أي المنهاج، وهو أول منهاج للمادة جاء ليتبنى ثلاثة مقاربات ديداكتيكية واضحة المعالم: المقاربة التيماتية thématique، المقاربة الإشكالية problématique، المقاربة المفهومية   notionnelle. وهي نفس المقاربات المعتمدة في منهاج وبرامج 1996، والتي لم تتغير إلا مع المنهاج الجديد للمادة سنة 2007 والذي سنركز عليه بالدرجة الاولى في هذه الدراسية بالنظر الى كونه هو المدرس اليوم وبالنظر الى جدته وتميزه، بحيث يمكن اعتباره حصيلة التجربة التاريخية التي رصدناها الى حد الآن.

ثالثا: عدد الساعات المخصصة لتدريس الفلسفة في المغرب

تختلف عدد الساعات المخصصة لتدريس الفلسفة في التعليم الثانوي المغربي بحسب سلسلة الاصلاحات التي شهدتها المنظومة التربوية والتعليمية المغربية، كما تختلف من شعبة إلى أخرى ومن مسلك إلى آخر. إلا أنه ومع تعميم الفلسفة في كل مستويات التعليم الثانوي التأهيلية منذ سنة 2004: الجذع المشترك (أي السنة الاولى ثانوي) والسنة الاولى بكالوريا (أي السنة الثانية ثانوي) والسنة الثانية بكالوريا (أي السنة الثالثة ثانوي)، وعلى مختلف التخصصات والشعب والمسالك بما فيه التربية غير النظامية والتعليم الأصيل (هو نوع من التعليم الديني الذي يسمح بإعادة تسجيل الراغبين في استكمال دراستهم بعدا انقطاع طويل)، صار عدد الساعات موحدا، بحيث يخصص للجذع المشترك بمختلف شعبه ساعتين في الاسبوع، وللسنة الأولى بكالوريا بمختلف شعبه (الآداب، العلوم الرياضية، العلوم التجريبية، العلوم الزراعية، العلوم الاقتصادية، العلوم الشرعية…) ساعتين في الاسبوع، ويبقى معامل المادة أيضا موحدا في الجذع المشترك والسنة الأولى بكالوريا حيث حدد في 2.

أما السنة الثانية بكالوريا، فخصص للشعبة الأدبية – مسلك الآداب واللغات ثلاث ساعات في الأسبوع والمعامل 3، ولمسلك العلوم الإنسانية أربع ساعات في الاسبوع والمعامل  4. في حيث أن مختلف الشعب العلمية الاخرى بجميع مسالكها فخصص لها ساعتان في الأسبوع والمعامل 2.

وهي في المجمل مبينة في الجدول التالي:

 

المستوى عدد الساعات في الاسبوع المعامل في التقويم المستمر المعامل في الامتحان الوطني
الجذع المشترك شعبة العلوم 2 2
  شعبة الآداب 2 2
السنة الاولى بكالوريا شعبة العلوم 2 2
  شعبة الآداب 2 2
السنة الثانية بكالوريا شعبة العلوم والتقنيات مختلف المسالك 2 2 2
شعبة الآداب والعلوم الانسانية مسلك الآداب واللغات 3 3 3
مسلك العلوم الانسانية 4 4 4

 

رابعا مبادئ ومرتكزات منهاج مادة الفلسفة – النسخة الجديدة 2007

نروم من خلال هذه الدراسة وضع أرضية لإثارة النقاش واغنائه حول جملة المبادئ والمرتكزات التي تأسس عليها المنهاج الجديد لمادة الفلسفة في التعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب في نسخته الأخيرة (نونبر 2007). وسننطلق أول الأمر من  الأسئلة المحورية التالية:

  • ما هي المبادئ والمرتكزات التي انبنى عليها منهاج مادة الفلسفة بالمغرب؟
  • هل ينفصل منهاج مادة الفلسفة عن المشروع المجتمعي الذي صاغه وانطلق منه الميثاق الوطني للتربية والتكوين؟
  • ألا يحمل المنهاج إيديولوجية رسمية تؤطر الفعل التربوي برمته؟
  • ألا ينادي منهاج الفلسفة إلى تربية مواطنة وقيم أنوارية في مجتمع غير أنواري، تختفي فيه المواطنة؟

لا نرى أهمية كبرى في الوقوف على تاريخ منهاج الفلسفة في المغرب ومسار تكون الدرس الفلسفي وتطور برامج تدريس الفلسفة، بقدر ما نرى ضرورة التركيز على القضايا التي يثيرها المنهاج في ضوء الأسئلة المطروحة أعلاه.

ينطلق المنهاج من تعريف أولي للفلسفة باعتبارها مادة مدرسية متفاعلة مع بقية المواد المدرسية المقررة في التعليم الثانوي التأهيلي، ومتكاملة معها فكريا ومنهجيا وثقافيا، أي أننا ازاء فلسفة مدرسية خالصة تختلف بهذا القدر أو ذاك عما نسميه فلسفة. ونعتقد أن هذا التمييز لا يدع مجالا لبعض المدرسين الذين يعتقدون أن مهمتهم في التعليم الثانوي هي تعليم الفلسفة بما هي فلسفة. وهي مادة تتكامل مع المواد الأخرى وتساعد التلميذ على :

  • تكوين نظرة متكاملة للمعارف والآراء التي يتلقونها؛
  • ممارسة التفكير النقدي الحر والمستقل والمسئول؛
  • التشبع بالقيم: التسامح، المساواة، النزاهة، السلم، المواطنة، الكونية…

وبالطبع فإن هذه المهام التي حددها المنهاج ترتبط بطيعة مادة الفلسفة التي لا يمكن ان تكون إلا نقدية، تسمح للتلميذ بتكوين نظرة شمولية غير مجزأة للمعارف، بحيث يستطيع الربط بين كافة الحقول المعرفية وهو مسلح بأدوات التفكير الذاتي المستقل والمسئول.

وتقدم مادة الفلسفة: معرفة شمولية مركبة من مختلف المعارف العلمية والأدبية والفنية. وتعتمد على طريقة في التفكير تقوم على:

  • تأمل التجربة الانسانية الفردية والجماعية، وتحليلها تحليلا نقديا يتيح: اتخاذ المسافة ازاء ما هو قائم والتحرر من البداهات وسوابق الراي والعادات الفكرية التي تكون في الغالب مضادة ومقاومة للتقدم والتطور في اتجاه حياة انسانية أفضل.

وتفيد السمة النقدية في التحديدات أعلاه: أن المضامين لا تقدم معرفة حقيقية وجاهزة، بل كحلول ممكنة مبنية على حجج ومفاهيم.

ويهدف المنهاج الجديد في ما يصرح به إلى:

  • إتاحة الفرصة للتلميذ لتحقيق النضج عبر السؤال والمساءلة والتحليل والنقد قبل القبول والاقرارـ وتعلم وممارسة اتخاذ القرار بحرية واختيار,
  • تعلم التحرر من السذاجة الفكرية والعاطفية ومن الاحكام والآراء المسبقة والتعصب والانعتاق من حجة السلطة، ومن سلبية التلقي التي تضعه فيها وسائل الاعلام وخاصة البصرية منها المعتمدة على الصورة.
  • تعلم الشجاعة في استخدام العقل وفي التعبير عن الرأي المدعوم بحجج…
  • تحمل المسؤولية تجاه الذات واتجاه الغير والجماعة.
  • الارتقاء بالسلوك والتعامل من مستوى الاندفاع والعنف إلى مستوى التحكم الواعي والقصدي الموجه بالقيم الانسانية الكونية، ومن الذاتية المنغلقة الاقصائية الى التبادل والمشاركة والانفتاح القائم على الاحترام والتسامح والحوار والتواصل على اساس قيم الخير والحق والجمال.

ويتوخى المنهاج الجديد لمادة الفلسفة[6] تحقيق الائتلاف والانسجام بين مقتضيات الفلسفة كنمط فكري معرفي متميز، وبين مكونات الاطار المرجعي لمراجعة المناهج والبرامج على مستوى:

  1. مدخل القيم والكفايات؛
  2. مواصفات التخرج من السلك التأهيلي؛
  3. الاختيار البيداغوجي الإجرائي: العمل بالمجزوءات والطرق النشيطة والتفاعلية.
  • في المبادئ:

يصرح المنهاج الجديد أن مجموع المبادئ والمرتكزات التي تأسس عليها مستمدة من المناهج السابقة (وعلى الأخص منهاج 1996)، إلى جانب التوجيهات الرسمية التي ارتكز عليها مراجعة المناهج التي أقرها الميثاق الوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض.

ينص المنهاج على ثلاثة مبادئ أساسية: تعليم الفلسفة؛ شمولية المنهاج؛ مبدأ التدرج.

1 – تعليم الفلسفة:

يهدف تعليم الفلسفة في السلك الثانوي التأهيلي إلى:

  • تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل؛
  • التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي (الدوغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف والآراء والمعلومات، السلوك الآلي اللاواعي، العنف، الخوف، الجبن الاخلاقي،…)؛
  • ينمي حس المواطنة الايجابية والفاعلة والتشبع بالقيم الانسانية الكونية.

وبخصوص الهف العام فالمنهاج ينص على “تكوين وتربية مشروع مواطن كوني متحرر ومستقل ومسئول، يرتقي بشخصيته وتاريخه الخاص المحدودين في الزمن والمكان الى مرتبة الكرامة الانسانية”، وهو هدف لا نرى امكانية تحقيقه، لأن الدرس الفلسفي لا يستطيع وحده تحقيق هذا الهدف، بل إن إصلاح التعليم برمته لا يمكنه تحقيق هذا الهدف ما دام المجتمع يعاني من جملة اكراهات وترسبات تاريخية تجعله مجتمعا منغلقا ومحافظا، يتمكن بواسطة التنشئة الاجتماعية من اعادة انتاج نفس الافراد ونفس القيم والادوار الاجتماعية. أي أن قوة المجتمع تكمن في قدرته على التأثير في الافراد بفضل بنيته التقليدية وسياساته التي لا تتلاءم ومتطلبات الكونية. ولعل الصورة النمطية التي يكرسها المجتمع المحافظ ضد الفلسفة ذاتها خير نموذج على ما نقول، فالتلميذ يحمل معه سلفا تمثلات مسبقة ضد الفلسفة ومدرسيها معا، ويظل المدرسون في صراع فارغ لا يستطيع حتى الخروج منه. صحيح أن قلة قليلة من التلاميذ الذين يلجون المرحلة الثانوية يستطيعون تغيير نظرتهم الى الفلسفة وقيمها، ولكننا نعتقد أن مجموع المهام التي يرسمها المنهاج تظل مع ذلك بعيدة عن الواقع الذي نعيشه ونعاينه يوميا. ورغم ذلك لا يصح اعتبار هذه المبادئ والقيم خالية المعنى والمضمون، بل على العكس من ذلك يتوجب خوض الصراع في سبيل مواطن كوني متشبع بروح المسئولية والاستقلالية والحرية، مواطن فاعل في محيطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي…

2 – شمولية المنهاج

يؤكد المنهاج الجديد على مسألة تبدو في نظرنا ايجابية جدا إلى أقصى حد، وتتعلق ب”استحضار الفكر الاسلامي على قدم المساواة مع الفكر العالمي للحضارات الانسانية الاخرى لا يقل عنه ولا يفوقه“، في الوقت الذي كانت فيه البرامج السابقة في تاريخ تدريس الفلسفة بالمغرب تفصل بين الفكر الاسلامي والفلسفة. إلا أنه رغم هذه الايجابية يبدو لنا أن حضور نصوص الفلسفة الإسلامية والفكر العربي ـ الاسلامي المعاصر والحديث ضعيفا جدا، وكأننا لانزال في مرحلة اللااعتراف بمجهودات مفكرينا ونخبتنا في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والانسانية والاداب وكافة الحقول الأخرى.

3 – مبدأ التدرج:

يتعلق هذا المبدأ بملائمة تدريس الفلسفة للمستويات العمرية العقلية والسيكولوجية. بحيث يتوافق المعلن عنه في دروس الفلسفة والقيم التي يحملها مع المراحل العمرية لنمو التلميذ من الناحية العقلية والسلوكية.

أ – الجذع المشترك:

يهدف تعليم الفلسفة في هذا المستوى إلى:

  • التعرف على الفلسفة كنمط فكري متميز يلتقي به التلميذ اول مرة، ويتم هذا التعرف من خلال: فعل وظروفه نشأة الفلسفة، واللحظات الاساسية من تاريخ الفلسفة: اليونانية والوسيطية: المسيحية والاسلامية، والحديثة والمعاصرة، والكشف عن معالمها المميزة ونمط وادوات اشتغالها.

ويشترط هذا التعرف:

  • بساطة التناول والدعامات البيداغوجية: نصوص مناسبة، وضعيات تعليمية حافزة للانخراط في التفكير، المشاركة الفعالة للتلاميذ في بناء معارفهم الاولى بالفلسفة.

نعتقد أن برنامج هذه السنة تعترضه جملة من المشكلات الجوهرية والمرتبطة أساسا باللقاء الأول لتلامذة الجذع المشترك بهذه المادة، وبما يحملونه من تمثلات حول الفلسفة. ناهيك عن وضعية المدرسين الذين يحولون جهدهم في معظمه الى صراع حول التمثلات طوال السنة، مما يوحي بأن درس التعرف لم تتم صياغته بما يكفي من الوضوح بحيث يستطيع التلميذ أن يحدد موقفه من الفلسفة منذ السنة الأولى من التعرف وهو موقف يعود في معظم الحالات إلى طبيعة المدرس وطرق اشتغاله وبناءه لدروسه ولقناعاته الفردية. هذا ناهيك عن جملة اكراهات أخرى مرتبطة بكثافة برنامج السنوات الاخرى (الاولى والثانية بكالوريا)، وتعدد المستويات والشعب والاكتظاظ، وهي اكراهات تجعل الاستاذ في حصة الجذع المشترك في وضعية “استراحة المحارب”، يكتفي بانجاز التلاميذ لعروض كلاسيكية الهدف منها بالنسبة للمدرس هو الاستمتاع بقسط من الراحة، هذا إذا لم نضف لهاته الاكراهات ثقل ساعات العمل الاضافية في المدارس الخاصة او في الدروس الليلية أو المنزلية… ونستطيع الذهاب أبعد من هذا ونقول إن بعض الاساتذة تحولوا الى متخصصين في الجذوع المشتركة لأنه يعفى من المستويات الأخرى، ويكفي أن يتخاذل المدرس حينما تسند له الاقسام الختامية لتسند له الادارة الجذوع المشتركة.

يتضمن برنامج الجذع مجزوءتين يخصص لكل واحدة ما مجموعه 30 ساعة في الاسدس (نصف السنة الدراسية):

  • المجزوءة الأولى: ما الفلسفة؟ وهي بمثابة مدخل عام يتعرف فيه التلميذ عن هذه المادة من خلال استقصاء الشروط التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي ساهمت في ظهور الفلسفة لدى الاغريق، وعلى أهم مراحل تطور الفلسفة: اليونانية والاسلامية والمسيحية والحديثة والمعاصرة، لينتقل الى فهم أدوات فعل التفلسف: الشك، الدهشة، السؤال، النقد…
  • المجزوءة الثانية تتضمن سؤال العلاقة بين الطبيعة والثقافة، وهي مقاربة تدمج الابحاث الانثربولوجية والسوسيولوجية مع السؤال الفلسفي حيث يدرك التلميذ جوهر الاختلاف بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي في السلوك البشري، ضمن رؤية تاريخية لتشكل الحضارة البشرية، لادراك الفرق بين الانسان ككائن واع والانسان بما هو كائن حي، وفهم عمق انتاجاته الثقافية ضمن جدلية الكوني والخصوصي.

ب – الاولى بكالوريا:

يتمنى المنهاج أن يرتقي برنامج السنة الأولى بكالوريا بالتلميذ إلى ممارسة التفكير الفلسفي من خلال المفاهيم والتيمات (القضايا) بالاعتماد على المضامين (النصوص): القراءة المنظمة  والتحليل والتعليق، ووضعها في سياقها التاريخي والنسقي.

بحيث يتعرف من خلال مجزوءتين: ما الإنسان؟ والفاعلية والإبداع. على خصائص الجنس البشري عن الانواع الاخرى من خلال مفاهيم: الوعي واللاوعي، الرغبة، المجتمع، وعلى مميزاته ككائن مبدع وفاعل وصانع من خلال مفاهيم: التقنية والعلم، الشغل، التبادل، اللغة، الفن… ويلتقي بأطروحات فلسفية متعارضة فيما بينها لامتلاك حس نقدي يمكنه من الاختيار بين الاراء أو تكوين رأي خاص من خلال المعارف التي تقدم له أو يبنيها بنفسه. ومن خلال احتكاكه بالنصوص يتعرف على الاطروحة والمواقف ويستخرجها ويبني حججها ويتعود على اللغة الفلسفية بعد تملكه للمفاهيم – المفاتيح، ليوظفها في كتابته الانشائية التي تراعي التدرج. إلا أن برنامج هذه السنة أيضا تعترضه عوائق عدة منها: أن الأساتذة لا يستكملون البرنامج لأنه غير مرتبط بامتحان نهاية السنة أولا، وثانيا عدم اهتمام التلاميذ بهذه المادة لأنها ثانوية غير مرتبطة بالتقويم الجهوي، وثالثا: عادة ما تحذف في هذه المادة في الدورة الثانية أو تحذف ساعة واحدة من الساعتين المقررتين رسميا، وخاصة في المدارس الخاصة. وأصبحت هذه الظاهرة مستشرية يتوجب اعطائها أهمية قصوى بالنظر إلى تأثيرها على العملية التعليمية – التعلمية. ومما يثير الانتباه في هذه المشكلة هو قبول الاساتذة لها، بل المطالبة بتطبيق هذا الإجراء بدعوى أن الثانية بكالوريا بحاجة إلى إضافة ساعات أخرى لاستكمال البرنامج.

ج – الثانية بكالوريا:

ينطلق المنهاج من اعتبارين أساسيين بصدد هذه السنة من تعليم الفلسفة، حيث يؤكد أن التلميذ مدعو إلى:

  • ممارسة التفكير الفلسفي المستقل نسبيا انطلاقا من المفاهيم والقضايا الفلسفية وفق اللحظات الثلاثة: المفهمة والاشكلة والمحاجة.
  • اعتماد دعامات اخرى بيداغوجية الى جانب النصوص وموارد مساعدة على التفكير المستقل، وتوظيف الكفايات مجتمعة.

ولكننا نتساءل في ظل واقع التلميذ المغربي اليوم: هل نحن ازاء تلميذ يفكر وقادر على ممارسة التفكير الفلسفي؟ ما المقصود هنا بالتفكير الفلسفي؟ هل يراد به أن يكون التلميذ في مستوى الفيلسوف؟ هل يستوعب المفاهيم التي يتأملها ويفكر فيها؟ أم أنه لا يتعلم إلا الاستظهار؟

لا أحد منا ينكر واقع التلميذ المغربي اليوم، ولا حتى مستواه اللغوي (نقصد بالأساس اللغة العربية التي تدرس بها الفلسفة). ولا أحد منا ينكر معاناة التلاميذ مع مادة الفلسفة (النقل في الامتحانات الوطنية وفروض المراقبة المستمرة). هذا واقع حقيقي لا نستطيع نكرانه. بل يتوجب النظر إلى سلبيات المنظومة التعليمية ككل، لأن مشكلات الاستظهار والنقل لا ترتبط بمادة الفلسفة لوحدها، بل أصبحت ظاهرة تؤرق المسؤولين عن المنظومة ككل. بحيث تثار جدالات عمومية حادة في كل سنة مع موعد الامتحانات، ولكنها لا ترقى الى مستوى الجدة والصرامة المطلوبة لوضع حد لها.

يعترض إنجاز برنامج السنة الثانية العديد من العوائق الموضوعية والذاتية معا والمرتبطة بساعات العمل، والاكتظاظ، مزاولة التدريس في القطاع الخاص، عدم احتساب العطل المدرسية والاضرابات في الغلاف الزمني لانجاز المقرر الدراسي، كثافة البرنامج…

ويتضمن برنامج السنة الثانية بكالوريا أربع مجزوءات تتضمن كل واحدة مجموعة من الدروس بحسب الشعبة والمسلك:

اسم المجزوءة الشعبة الأدبية بمسلكيها الشعبة العلمية بكل أسلاكها
الوضع البشري الشخص، الغير، التاريخ الشخص، الغير
المعرفة النظرية والتجربة، الحقيقة، العلوم الإنسانية (ويخصص لمسلك العلوم الانسانية درس إضافي تحت عنوان علم الاجتماع منهجه وموضوعه ونظرياته) النظرية والتجربة، الحقيقة
السياسة الدولة، الحق والعدالة، العنف الدولة، الحق والعدالة
الأخلاق الواجب، الحرية، السعادة الواجب، الحرية

 

  • في المرتكزات

ينص المنهاج على خمسة مرتكزات محورية: أ – اعتماد المفاهيم؛ ب – اعتماد المجزوءة؛ ج – الحفاظ على وحدة البرامج وتماسكها؛ د – الفلسفة والعلوم الدقيقة والانسانية؛ ه – وضعية الكتب المدرسية.

وهي المرتكزات التي أضفت على المنهاج مشروعية جدته، بحيث أقر منظورا جديدا بيداغوجيا وديداكتيكيا لتدريس المادة، بالموازاة مع إقرار منظور تعددي (تحرير التأليف المدرسي) للكتب المدرسية، وبيان طبيعة العلاقة بين الفلسفة والعلوم الانسانية الأخرى. وهو ما سنبينه في ما يلي:

أ – اعتماد المفاهيم

يشدد البرنامج على المفاهيم وليس الموضوعات كما رأينا في البرامج السابقة، من منطلق أن “المفاهيم موارد متصلة بالتفكير الفلسفي” و”تتيح امكانية ممارسة التفكير الفلسفي على نحو اشكالي (الالتباسات والمفارقات)“. وهو ما يمكن التلميذ من التمرس على الصياغة المفاهيمية، من خلال الاحتكاك بنصوص الفلاسفة ومواقفهم من القضايا التي تعترض الانسانية. ذلك أن البرنامج الجديد يتميز ب “إدراج المفاهيم الازواج للوقوف على تمفصلاتها وتقابلاتها وابراز كيفية تميزها“، وهو ما يتيح للتلميذ إدراك البعد الإشكالي للمفاهيم – الأزواج، بغض النظر عن البعد التعليمي الذي يمكن التلميذ من التعرف بدون لبس عن الموضوعات المقترحة في التقويم بكل انواعه.

وتنسجم المقاربة بالمفاهيم مع المرتكز الثاني والمتعلق بالمجزوءة:

ب – اعتماد المجزوءة

يرى المنهاج أن نظام المجزوءة يستمد اصله ومصدره من مباحث الفكر الفلسفي ومحاوره الرئيسة، وتتصل المجزوءة بحسب المنهاج بالراهن والمعاصر (أي مجموع القضايا التي يعيشها التلميذ يوميا) وتتيح:

  • للمدرس: امكانية ترتيب المفاهيم المندرجة ضمنها واعادة تشكيل البنية المفاهيمية لمكونات المجزوءة (الحرية في الاختيار)؛
  • للتلميذ: امكانية الربط بسهولة بين المفاهيم لحظة التقويم.

ويتضح هذا البعد أكثر فيما نسميه التركيب الكلي للمجزوءة، والذي يتيح امكانية الاختزال وتجنب التكرار، والربط بين المفاهيم داخل نفس المجزوءة أو مع مفاهيم في مجزوءة أخرى، وهو الأمر الذي يقره المرتكز الثالث:

ج – الحفاظ على وحدة البرامج وتماسكها:

على الرغم من استقلال مفاهيم البرنامج فإن هناك وحدة فيما بينها، بحيث تمثل في الجذع المشترك مرحلة تمهيدية، وفي السنة الاولى بكالوريا امتدادا نوعيا للمفاهيم السابقة، وفي السنة الثانية بكالوريا يتضح بجلاء هذا الترابط بحيث يستدعي التلميذ مجموع مكتسبات السنوات الماضية. وتخدم وحدة البرامج هاته أهدافا مشتركة بين التلاميذ والمدرسين معا يجملها المنهاج في:

  • اقتصاد الجهد؛
  • تجنب التكرار غير المفيد؛
  • استعمال الوقت على احسن وجه؛
  • توظيف المكتسبات السابقة في تناول المفاهيم اللاحقة؛
  • امكانية تقويم المجزوءة وليس المفاهيم فقط، ولما لا البدء بالمجزوءة المناسبة مما يتيح للاستاذ الحرية في انجاز البرنامج وفق تصوره.

د – الفلسفة والعلوم الدقيقة والانسانية:

هناك علاقة لا محيدة عنها بين الفلسفة والعلوم الدقيقة والانسانية. ولقد ركزت المناهج السابقة على استحضار العلوم الأخرى في تفاصيلها وجزئياتها ودقائقها الفرعية، وكإشكالات مرتبطة بتلك العلوم، مما يعوق سيرورة التعليم، بحيث ينتقل التلميذ من البناء الاشكالي والمقاربة الفلسفية إلى العلوم بما هي تخصصات مستقلة عن الفلسفة. إلا أن المنهاج الجديد أعطى أولوية للفلسفة، وجعل العلوم الاخرى مجالا للتناول الفلسفي، وتحضر هذه العلوم بنتائجها كسند للتفكير الفلسفي في قضايا واشكالات مشتركة بينها وبين الفلسفة، او تحضر كموضوع للتحليل النقدي الفلسفي (الابستمولوجيا).

ه – وضعية الكتب المدرسية:

المنهاج هو وحده الاطار المرجعي الملزم وطنيا. أما مضامين الكتب والمقاربات والطرق البيداغوجية والتقنيات الديداكتيكية المقترحة فللأستاذ حرية التصرف فيها، ووفق الشروط العينية لواقع التدريس…. مع مراعاة التنسيق عموديا وافقيا.

لقد ساهم تحرير مجال التأليف المدرسي (من احتكار الوزارة) على الاقرار بتعدد الكتب المدرسية، ذلك أن وجود أكثر من مقرر واحد لنفس المادة يعني عمليا امكانية تعدد المعلومات والمصادر وتنوعها، ويوفر للتلميذ والاستاذ معا الاختيار بين الكتب المدرسية. إلا أن الاكراهات الادارية وضوابط التوزيع العادل للامكانات المتاحة لانصاف الناشرين يحول دون ذلك. وهذا ما يثير الشكوك حول مصداقية أهداف تعدد الكتب المدرسية، ذلك أننا أصبحنا أمام ضغوط تجارية وسمسرة مفروضة بقوة القانون. في حين أن توحيد المقرر هدفه الأساس هو تحقيق التكافؤ بين التلاميذ جميعا، ويمكن استثمار الانتاجات الموازية كمورد إضافي يحقق مجال الحرية ويغني امكانات التلميذ والاستاذ معا. هذا ناهيك عن أن هذا التعدد يشمل أساسا السنة الثانية ويغيب في المستويات الأخرى.

[1]  – يقصد بمفهوم الإصلاح: “تغييرا أو مجموعة من التغييرات المحدثة في النظام التعليمي من أجل أن يستجيب هذا النظام (أو يستجيب أحسن) لهدف أو أهداف معينة وتمس هذه التغييرات مكونا من النظام أو مجموعة مكونات”، المكي المروني، الاصلاح التعليمي بالمغرب 1956 – 1994، منشورات كلية الآداب الرباط، المغرب، الط 1، 1996، ص 11.

[2]  – والذي يقترن ببناء جهاز الدولة الوطنية؛ الصراع حول السلطة، خلق مؤسسات تمثيلية. المكي المروني ص 31.

[3]  – المكي المروني، ص 18.

[4]  – عبد الله ساعف: “اصلاح قطاع التربية والتكوين:، سلسلة المعرفة للجميع، أبريل / ماي 2001، ص 129 – 130.

[5]  – المكي المروني، مرجع سابق، ص 224.

[6]  – وزارة التربية الوطنية: “التوجيهات التربوية الخاصة بمادة الفلسفة”، الرباط، 2007.

شاهد أيضاً

فكر طه عبد الرحمان: الأيديولوجيا والسلطة

حسن العلوي      لا يسع الإنسان ذي العقل البشري الطبيعي الفطري، الذي يتقاسمه ويشترك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *