الرئيسية / ترجمة / “ذاكرة الشر وإغواء الخير”: نص لتزفيتان تودوروف

“ذاكرة الشر وإغواء الخير”: نص لتزفيتان تودوروف

ترجمة: سلمى بالحاج مبروك – تونس

“إذا كان الفعل الأخلاقي هو بالضرورة فعل فردي ويتطلب الهروب من المجال العام، فإن هذا الأمر لا ينطبق على الأفعال السياسية لأن الحكم على الأفعال السياسية يكون من خلال ما تتركه من نتائج، وليس من خلال دوافع فاعليها. والسياسي الذي يسهم في رفاهية شعبه يظل سياسيا جيدا، حتى لو كان مدفوعا من قبل رغبته في المجد. لذلك يأخذ الخطر هنا شكلا آخر، يمكن أن نطلق عليه صيغة “إغواء الخير”.

هذا الأمر، يمكن أن نقول في الواقع، أنه أكثر شيوعا من “إغواء الشر”، وأيضا، من المفارقة أن يكون ” إغواء الخير “، أكثر خطورة من “إغواء الشر” إذ يكفي اختبار تاريخ أي جزء من العالم لمواجهة وفهم معنى البداهة التالية: إنّ ضحايا “طموح الخير” أكثر بكثير من ضحايا “طموح الشر” لأن الخيارات الأخلاقية عادة ما يتم إخضاعها للغايات والأهداف السياسية. فالزعيم السياسي كثيرا ما يرى نفسه مجسدا للخير وعليه أن يفرضه على الآخرين لا في الحياة الخاصة فقط وإنما أيضا في المجال العام: انه في مجمله خلط بين الأخلاقي والسياسي المتناظر وقلب لما تمارسه الأنظمة الشمولية.

بالنسبة لهؤلاء الأشخاص الخيارات الأخلاقية تخضع للأهداف السياسية، فالخير هو ما يخدم هدفنا في هذه اللحظة، من انتصار الثورة أو ديكتاتورية الحزب. هنا، ومع ذلك، تصنع الوحدة باسم الأخلاق التي تملي الخيارات السياسية . هكذا ستكون الحياة السياسية في دولة ثيوقراطية ، إذا كنا نتخيل تعويض ، اللاهوت بالأخلاق في الخارج (فرض الخير على الآخرين، سواء أرادوا ذلك أم رفضوا ) وفي الداخل، حكومة الفضيلة، واضطهاد ” للأخلاقيات الخاطئة “.

إن دولنا ومعها الديمقراطية الليبرالية ليستا مهددتان من طرف هذا التوجه بما أن مؤسساتنا تبقى علمانية بالإضافة إلى أن مجتمعاتنا ليست محصنة ضدها. فليس من السهل دائما أن تجد طريقا بين اللامبالاة الأخلاقية وموقف الشخص الأخلاقي. ومع ذلك، فإنه يمكننا أن نحاول. إن اختفاء الأخلاق الرسمية المرتبطة بالدولة نفسها يخلق هواء جديدا: الكل واحد، بمجرد أن يفعل بطريقة عمومية، فيجد الشخص نفسه مضطر إلى ذكر مجموعة من القيم الأخلاقية، والتي يفضل أن تتجسد في قصة نموذجية. بهذا المنطق تتصرف جماعات الضغط التي تتعارض بالضرورة مع بعضها البعض لكسب موقف أقوى داخل نفس المؤسسة. وهذا هو الاتجاه المسيطر على عصرنا “الفرداني”: إنه يدفعنا لتعويض ما ينقصنا .

ومع ذلك ، فإن هذه الدعوات لا تضيف شيئا إلى فضيلة من يحددها .و مجتمعاتنا ليست مهتمة بالخضوع إلى “إغواءات الخير ” . وبالتالي كل واحد منا يمكن التعامل مع ضغوطات هذا القرن، إما ” بالإذعان أو بالمقاومة ” ، كما قال روسو سابقا”.

المرجع: تزفيتان تودوروف “ذاكرة الشر، وإغواء الخير” ط. روبرت لافونت، ص285 باريس، 2000.

 

شاهد أيضاً

بيتر سلوتردايك: فتجنشتاين

جميلة حنيفي ترجمة جميلة حنيفي نصف قرن تقريبا بعد وفاته، ما يزال اسم الفيلسوف لودفيغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *