الرئيسية / منتخبات / عامة / جينالوجيا الحداثة لدى نيتشه – مريم الرئيس – المغرب

جينالوجيا الحداثة لدى نيتشه – مريم الرئيس – المغرب

مريم الرئيس – المغرب

لم يكتفي نيتشه بنقد الأخلاق المسيحية، ولا أخلاق بعض الحكماء كسقراط وأفلاطون، بل تعدى ذلك إلى نقد الحداثة باعتبارها امتدادا للقيم المسيحية لكن هذه المرة  تحت شعار العقل والضمير.  لا تختلف الحداثة عن المسيحية في شيء، فكلاهما يحملان في جوهرهما سمات الانحطاط، من ضعف ووهن وعداء للحياة.. ولهذا انتقد نيتشه كل مجالات الحداثة من موسيقى وكتب وغيرها لكونها تعد رموزا للانحطاط أيضا. لهذا نتساءل: ما هي القيم التي تتشارك فيها الحداثة مع المسيحية؟ كيف يمكن أن تكون الحداثة والمسيحية شيئاً واحداً، بحيث تحملان معا رسالة واحدة مع العلم أن الحداثة جاءت لتحل محل المسيحية؟

على الرغم من أن الحداثة حلت محل المسيحية، إلا أنها حسب نيتشه تأسست على مفاهيم وقيم تسير نحو العدميَّة، وظلت حامِلةً للرسالة المسيحيَّة المتمثلة في استبعاد الحياة واحتقارها، والانتصار لكل أشكال الضعف والزهد والوهن.

استطاع الإنسان الحديث أن يتجرد من الإيمان بالإله الأخلاقي المسيحي لكنه ظل يؤمن به بشكل آخر، ويعلل هذا الإيمان ويبرره وفق العقل والمنطق، فقد تخلى عن السلطة الفوق الإنسانَّية، لكنه تشبت بسلطة أخرى مشابهة لها وهي سلطة العقل والضمير، لذا يقول نيتشه في مؤلفه “إرادة القوة”: “ولما تخلى الناس عن الإيمان بهذه السلطة، بحثوا حسب ما جرى به عرف قديم عن سلطة أخرى تعرف كيف تتكلم لغة مطلقة وتفرض غايات ومهام، فلسفة الضمير تعتبر الآن تعويضا عن السلطة الشخصيَّة (كلما تحررت الأخلاق من اللاهوت كلما أصبحت قهريَّة)”.

تبني الحداثة للنموذج الأخلاقي العلماني، لا يبعدها من أن تكون نموذجاً مسيحيّاً متخفياً وراء شعار العقل، فإذا ما تم النَّظر إلى القيم الحديثة والمفاهيم التي تأسست عليها، ستظهر أنها مسيحيَّة في قالب عقلاني، مثال ذلك أن الحداثة قامت على مفاهيم التعاطف والبحث عن الخير للجميع، والشفقة… الخ. فهذه المفاهيم هي عينها المفاهيم التي تتبناها المسيحية بشكل آخر، وبهذا فالإنسان الحديث لم يستطع الانفلات من قبضة المثل النسكي، إذ أسس أخلاقاً غيريَّة تقوم على أساس محبة البشريَّة، والتي هي عينها الأخلاق المسيحيَّة، الفارق الوحيد أن الإيمان بالأخلاق في المسيحية كان لأجل الرب ومع الحداثة أصبح الإيمان بهذه الأخلاق لأجل الأخلاق. أي أن الأخلاق هنا أصبحث دنيوية.

عبرت الحداثة عن المثال المسيحي من خلال الحركات التي جاءت بها، كالعدالة والديمقراطية، والنفعية، والاشتراكية، وشعارات أخرى مناهضة لحقوق الإنسان، والدعوة للتسامح الخ… كل ذلك يشكل امتداداً للقيم المسيحيَّة المتمثلة في الشفقة والعدالة والأخلاق الغيرية، ونكران الذات، وبالتالي لم تكن الحداثة مجرد امتداد للقيم المسيحية بل سعت لتبريرها وتعليلها. إضافة إلى ذلك ظهرت مجموعة من الأدلوجات الأخلاقية الحديثة التي جسدت النموذج الأخلاقي الكهنوتي، كمذهب طلاب السعادة، ومذهب أهل اللذة، والنفعية،  بحيث يرجع تأسيس المذهب الأول إلى نمط  تفكير يجسد ضعف ووهن أصحابه، أما المذهب الثاني فقد كان ظهوره مرتبط بالخوف والألم والسعي إلى نبذ المعاناة، وهنا يعيب نيتشه على أنصار هذا المذهب، باعتبار أن الألم والمعاناة أمور ضرورية لأجل حياة أكثر سعادة، كون المعاناة تشكل مصدر القوة..

أما مذهب النفعية فيعود تأسيسه لهيلفيسيوس، وتبناه بعده جون ستيوارت ميل وجيرمي بنتام، وشعار هذا المذهب يتمثل في أن كل ما يعود بالنفع فهو خير، وما يصلح به الفرد تصلح به الجماعة، وبالتالي يصبح هدف هذه المنفعة تحقيق السعادة للجميع، لكن نيتشه يعيب على هذا الأمر أيضا حيث يعتبر أن ما يكون نافعا في زمن ما قد يكون عكس ذلك في زمن آخر، وما قد يعتقد أنه شر يمكن أن يكون خيرا والعكس صحيح..

إضافة إلى ذلك ينتقد نيتشه الأدلوجة الرومانسية القائمة على الفضيلة والروح الجميلة وكذا تأليه الذات، والأدلوجة الغيرية التي تنبني على إعطاء الأهمية للغير، وتفضيل الغير على الذات.. وهكذا استطاعت الحداثة أن تجسد الرسالة المسيحية وتبررها، ورغم إعلانها موت الإله الأخلاقي المسيحي، إلا أنها ظلت متمسكة به يحيا في جوهرها، وفي القيم التي تأسست عليها، من فضيلة وشفقة وحس اجتماعي.. كما أن الإلحاد بالنسبة لنيتشه لم يشكل تعبيراً عن موت الإله الأخلاقي المسيحي، مادامت الأخلاق باقية ومستمرة حاملة غاية في ذاتها، والحل حسب نيتشه هو إعادة النظر في هذه القيم، وجعل الإنسان بمعزل عن الخير والشر، وإلغاء أي تعارض بين هاتين القيمتين، وبالتالي فإن موت الإله المسيحي يجب أن يكون وقبل كل شيء تعبيرا عن انهيار هذه الأخلاق.

 

شاهد أيضاً

تعثر التفلسف في نظر طه عبد الرحمن: نقد وتوثيق

حسن العلوي   تأتي هذه المقالة في سياق الحوار الذي دشناه مع فكر طه عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *