الرئيسية / أدب وثقافة / مقالات / كيف تنشأ الشعبوية.. و على يد من تموت ؟ 

كيف تنشأ الشعبوية.. و على يد من تموت ؟ 

رضوان آيار

رضوان أيار

شاهدت هذا في فيلم سينمائي، طفل صغير اعتاد على زيارة قبر أمه كل صباح قبل أن يتوجه إلى المدرسة أو لقضاء أغراض تكلفه بها أخته أو زوجها. ذات صباح و هو يهمس لامه قسوة أخته الوحيدة و نبل زوجها إذ بمجرم فار من السجن يلف عنقه حد الاختناق.. كانت الأصفاد تكبل يديه و رجليه معا، وكان في قمة العفن.. سأله الطفل عن هويته و نيته و كان يرتعد، فأجابه المجرم بنبرة حازمة: ” أنا الشيطان، أنا الجني، أنا قدرك المحتوم.. لكن مع ذلك تمالك نفسك أيها المعتوه أنا ملاك جدا مقارنة بمن يتعقبك.. في هذا المكان شيطان/جني أشد قسوة و شراسة مني يتعقبك، سيجدك، سيقتلك، سيلتهم كبدك ولو اختفيت في صندوق حديدي..” أحس الطفل بالدوار و بالغثيان و بالقرف، واصل الجني الكلام” قل لي يا فتى أأنت ابن الحداد؟ – و لم يكن في القرية سوى دكاكين حدادة و أوراش لصهر الحديد و للتلحيم- ، ازداد توتر الفتى، كيف لهذا أن يعرف مهنة والدي؟ فأجاب، نعم أنا هو، فرد الجني، أعرف أنك هو- انك هو لذلك هو يتعقبك، بينه و بين والدك حساب قديم، سيقتلك،ستدفع ثمن خطايا والدك، لكن ان شئت خلصتك منه، اسمع عرضي، لب دون تردد و سأحميك منه ما حييت”.. أطلق الجني عنق الطفل و نظر إلى عينيه فيما يشبه التنويم المغناطيسي ، “ستجلب لي طعاما كل صباح، خبز و لحم و زجاجة نبيذ، و ان تخلفت يوما، سأقتلك.. قبل ان تصل يد غريم والدك إلى كبدك”.. صار الطفل يجلب الخبز و اللحم و الماء و النبيذ كل صباح يضعه على قبر أمه و ينصرف.. و التتمة سأحكيها لاحقا.

هكذا تنشأ المعتقدات و الآراء، و جدلا هكذا نسمح للشعبوية بالنشوء. المتوازن نفسيا تصعب قيادته كما قال “غوستاف لوبون” في “سيكولوجيا الجماهير” ، فهو يسمح لكل مشاعره بان تعبر عن نفسها( الخوف، الفرح، الغضب، الحب، الكراهية)، لا يخفي ميولاته، و لا يخفي حبه للناس، فيعبر عنه دون مركب نقص، لا يعتبر الحب فضيحة، و لا الفقر فضيحة، و لا اللون و لا الجنس و لا الماضي و لا الحاضر، لا يخفي ميله للاستهلاك لإرضاء نهمه، و لا يخفي نزوعات التقشف التي تسكنه و خوفه من المستقبل.

المتوازن نفسيا هو الشفاف الذي يحي كل الطبائع و لا يغلب عليه طبع واحد، بالمقابل الخائف دائما، المضطرب دائما، المتقلب نفسيا، مهزوز تسهل قيادته، المضطرب يخفي مشاعره ليبدو للناس مزهوا صلبا، صلابة تخفي هزيمة نفسية شاملة..

من خلال المشهد السينمائي، تبدو عملية تكوين الآراء و المعتقدات وحبكة تكوينها كفيلة بتحويل الناس الى مجرد جثت ومومياء، و هو ما يقع في السياسة، و هو ما يجيده الشعبوي. ان تكوين الآراء حسب “لوبون” لا يحتاج جهدا كبيرا، ما يلزم هو فرد/شعب مضطرب/خائف/متوتر أولا ثم نظام من الأعراف و الطقوس، بيئة و لغة و دين، سلطة و منافع، و قائد أو زعيم يجيد العزف على المشاعر المتوترة ، يجيد استثمار الدين و التاريخ لبناء الاعتقادات العظيمة التي يموت من اجلها الجمهور، و المنفعة و السلطة لتكوين الآراء اليومية و تفاصيل العيش المشترك..قائد و زعيم يجيد العربدة و الجعجعة و الترهيب و الترغيب.. الذي تتغلب عليه العواطف تسهل قيادته ، حيث يعرف وثره و يعرف انه لا يفكر ، و ان فكر يكون تفكيره متهافتا و سيئا ، في هذا السياق يقول جون بيير فرنان في معرض حديثه عن الفلسفة كمعجزة بان هنالك دوما نمطين من الخطاب ، العقلاني _البرهاني_الحجاجي ، و خطاب الذاكرة و الخيال و التجييش ــــالخطاب العقلاني ينتج شعوبا تحلل و تناقش و تستدل بالمفاهيم و الوقائع ، و خطاب التحريض مجازي ، مغامر ، عاطفي ، ينتج جماهير تقدس الأشخاص ، تحبهم ، تهابهم ، جماهير هائجة ، مجنونة ،قادرة على فعل كل شيء و أي شيء ، و هي بحكم أنها ميالة للجاهز ، لاتصغي لخطاب العقل فهي تستريح لخطاب النكتة ، لغة الشارع ، لغة الصورة و الابهار ، و هذا ما فهمه الزعماء فصاروا شعبويين أو احتموا وراء الشعبويين .

الشعبوي ببساطة سياسي يمتهن دفع البيادق و تحريك اللعبة ، و هو بقدرته الهائلة على إنتاج الفرجة ، القفشات الآنية ، المحاجة اللفظية ، كلام السلطة و سلطة الكلام ، بقدرته الهائلة على العزف على الدين ، الجنس ، بقدرته على تحميس الناس حولهم من التأمل في الأفكار إلى الانبهار بالصور و الصيغ و الضحك على و مع الصيغ يحول الناس إلى محض جمهور  أكثر حماسة له كشخص و لخطابه و بلاغته ،يدخل الناس إلى ما يشبه الغيبوبة

الشعبوي يحول السياسة إلى دين ، و لا يكتفي باستثمار الدين ، فيصير الحزب كالمعبد و الزعيم مقدسا تماما كما النصوص الدينية ، و يجعل من كل من يزاحم حزبه و تصوراته و مشاريعه في ذات الوقت عدوا للحزب و الناس و الدين و الله و الوطن .

كيف نسمح للشعبوية بالنشوء؟

يقول غوستاف لوبون  بأن القائد الشعبوي كي يقنع الناس لابد ان يفهم عواطفهم و تكونها ، و ان يدعي أنه يتفهمها بخطابات تشق الصدور ، و أن يتظاهر أنه يتقاسم معهم همهم و أنه المخلص و المنقذ، لدلك لابد ان يعرف منشأ المعتقدات فيبدأ بالتحريض عن طريق ربط غير منطقي بين الهدف و الوسائل مستغلا الجهل و الامية ، أمية السياسة و الأرقام، في هذا السياق يقسم غوستاف لوبون العوامل المتدخلة في إنشاء المعتقدات الى داخلية و خارجية:

العوامل الذاتية الداخلية أكيد أنها متعددة ، لكننا سنقترح التفكير في عاملين:

أولا الخلق و المزاج الشخصي للأفراد ، حيث إن أعقل الحكماء لا يقدر على التخلص من سطوة مزاجه و بنيته النفسية الداخلية ، فتجده رغم ثقافته الواسعة إما متهورا و فوضويا او مهادنا ، و في كلتا الحالتين لا يكون متوازنا فيسهل انقياده و تسهل قيادته. المتهور متشنج دائما محب للسلطة و سلطوي ، صدامي يبالغ في الاعتزاز بنفسه ، متسرع ميال إلى تقديس مرجعيته الدينية و الإيديولوجية، هذا المتهور في الخطاب و في العلاقات الاجتماعية معا يحتويه الشعبوي بتمكينه من السلطة و لو كانت رمزية (عضو لجنة ، خلية ، مكتب إقليمي او جهوي…) فتجده مستعدا لعصر الآخرين لمصلحة الزعيم ، و المهادن يداعب الشعبوي فيه اخلاقه و ميله للأمن و الاستقرار، فيحدثه بلغة الدين و الأخلاق العامة و استقرار الاسرة و امن الوطن و المصلحة الشخصية. لهذا نجد في الأحزاب ( التي يقودها الشعبويون)غالبا ثلاث قبائل ، قلة من الحكماء ، كثير من المصفقين و العاطفيين، و أكثرية ممن كان يسميهم الثوار  بالجناح العسكري ، المستعدون لقصف الناس و أعراضهم و حتى لحمل السلاح _كتائب الفيسبوك نموذجا_.

المزاج الشخصي يجعلنا نفهم لم الثوري ثوري و المحافظ محافظ يخاف الثورة و قد يصف الثوار بالكلاب و المنحطين و السفلة، و لم يسمي الثوري المحافظين بالانتهازيين و المتملقين و عبدة المناصب.

ثانيا المثل العليا و النماذج المثالية و متخيل الأفراد، حيث لكل مجتمع حسب لوبون معتقدات دينية و اجتماعية و سياسية ، عندما تكون متجذرة و مقبولة و اقرب للواقع تدكي التعايش ، و قد يصير المجتمع بها عظيما لما فيها من قيم و طقوس ، و بالمثل لكل شخص مثل عليا يسعى لتقمصها و تجسيدها واقعيا فهي خلاصة رغباته ، ترسم في تشابكها الأنا المبحوث عنه ، و كلما كان الشعبوي ماهرا كلما استثمر اعتقادات المجتمع لصالح رؤيته السياسية ، كلما كان ماهرا رسم صورا اقرب الى متخيل الناس أو أكثر جذرية من متخيلهم، فيصير خطابه سحريا و يسحب الناس خلفه او يهشهم أمامه فيما يشبه الراعي و القطيع.

على مستوى العوامل الخارجة عن الذات يمكن ان نتحدث بالدرجة الأولى عن التلقين ، من حيث هو تحويل للآراء و مولد للانفعال ، و من حيث هو إفراغ للذوات من خواصها و تنميط لها، ذلك ان التلقين هو ممارسة يقوم بها راشد إزاء طفل أو متعلم و مثقف إزاء من هم اقل منه تعليما و ثقافة ، و التلقين يمارس بحيل اللغة، و قد يكون بالنفوذ والسلطة ، و الكلام بالطبع اشد تأثيرا، لذلك يكون الشعبوي منوما و محرضا يبث الحب أو الحقد حسب ما تفترضه المرحلة، يؤثر في الشعور بالوعد و الوعيد و السب و الشتم محل البرهان، يأمر بالاصطفافات و يحرض عليها.

في العوامل الخارجية أيضا يمكن ان نتحدث عن ما اسماه الفلاسفة بروح الشعب ، اوهامه، اعتقاداته المشتركة، تأثير العادة و التقليد، ذلك لان للجمهور سلطة على الفرد ، للجمهور الزاماته الواعية و غير الواعية التي يقايض بها الفرد كشرط للاندماج، و هما تحدث ايميل دوركهايم عن أشكال القهر الاجتماعي ، حيث يبدو القهر جليا عندما يتمكن الفرد من حرية نفسه ، فيتحول المحافظ إلى متهور، و المتهور إلى داعية ديني، و يبدو حينذاك انه كان محافظا بالضرورة و ليس بالاختيار، و هنا يكفي الشعبوي أن يدعو الناس إلى مقاطعة فرد ما حتى يضمن ولاءه، او على الأقل إبعاده عن ساحة المعركة، و لنا في استقالات المناضلين من أحزابهم خير دليل.

نهاية الشعبوية …

ختاما، و حتى نعود للطفل و الجني، في آخر مشاهد الفيلم ، تعتقل الشرطة السجين الفار دون مقاومة، فقد كان الطفل يخلط مع النبيذ قطران من القطران، و كانت قوة السجين تقل كل يوم بسبب تشنجات في المعدة ، و نهايته هاته كانت عندما أحس الطفل أن السجين إنما كان يستغبيه، فلا هو بجني و لا بشيطان، إنما هو لص و مخادع… الجماهير من تم تصير جلادة أو ضحية بالنظر إلى موازين قوى السياسة و رهانات الزعيم، لكن ما إن تحس خبثه أو تكالبه حتى تكون مستعدة و بشراسة لان تحرق الأشخاص و الأفكار و المجتمع معا، فتكون نهاية الشعبوي مأساوية على يد من كانوا يعتنقون أوهامه حد الإيمان.

خاص بموقع كوة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

شذرات فلسفية حول مشكلة القيم

بقلم: يونس فارس شكل موضوع القيم ولا يزال مجالا خصبا للدراسات الفلسفية التي تقوم على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *