الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / ملف تدريس الفلسفة: 1 – فعل التفكير بما هو محفّز على التعلّم 

ملف تدريس الفلسفة: 1 – فعل التفكير بما هو محفّز على التعلّم 

– عمر بوجليدة تونس 

استهلال:

ولأن الفلسفة، فضاء من المعرفة لا يقدم- الإجابة، و إنّما يضاعف السؤال فينا، فإن الفكرة تتحول في هذا الفضاء، من كونها معطى إلى كونها مهمة، حيث يتحول السؤال إلى مساءلة، تتغير بمقتضاها مواقعنا و مباشرتنا لأشياء العالم، فنصبح مهمومين بالاحراجات و الإشكاليات. و لعل أهم رهانات الفلسفة ليس حيازة أو امتلاك المعرفة و إنّما الدربة على تحصيل المعرفة وحسن استعمال العقل،ففي الفلسفة نجد أنفسنا في مواجهة المشكل أمام هوّة المعضلة و صعوبة المساءلة، إنّه هنا بالتحديد يبدأ وجه الاقتران بين الفلسفة و الحوار: الحوار مع العالم، مع الأشياء، مع ذواتنا، ومع الآخر.

و في تقديرنا أن المفارقة تتجلى هاهنا: بين مطلب الفلسفة، من حيث هي تفكير ذاتي، حرّ و واع، و مطلب التربية، كدافع للتنشئة، و التهذيب، ذلك أن التربية في شكلها الأعم تفرض نوعا من السلوك       و تدعو إلى أشكال من القيم معينة. لا سيما أن التربية تستلهم مبادئها من الفضاء الاجتماعي و الثقافي والتاريخي لمجموعة ما، يتوضح ذلك جليا في التحديد المفهومي للتربية بما هي ” العمل الذي تقوم به أجيال الكهول على تلك التي لم تنضج بعد للحياة الاجتماعية و الذي يهدف إلى تطوير الملكات التي يتطلبها كلّ المجتمع و الوسط العائلي الذي يعيش فيه الطفل”[1]إيمانا بها مجالا تتحقق من خلاله تدريجيا ذاتية الإنسان، و تتبين معالمه و يتجسد شكل حضوره، تأصلا في العالم، أين يستمد الإنسان ماهيته وقيمته من مدى تأثير التربية على سلوكه: « L’homme n’est ce qu’il est que par l’éducation »[2]

 

في الأساليب المنهجية والبيداغوجية:

ليس يمكن التعرف على أهمية التربية في حياة الإنسان إلاّ بإثارة مسألة التعليم بما هو ” تغير ثابت نسبيا في السلوك يحدث نتيجة الخبرة”[3] إذ نلاحظ أنّه يلعب دور العامل الجوهري في تحقيق غايات التربية: فهو الفضاء الذي يجسد أهدافها اعتبارا لتعدد أبعاده، و اختلاف أشكاله. يستفاد من ذلك أن الصلة بين الفلسفة و التربية وثيقة اعتبارا للدور التربوي للدرس الفلسفي في رهانه الأقصى: بناء لإنسانية الإنسان، من حيث أساليبه التحليلية و أبعاده النقدية و أشكاله الحجاجية. و هو ما يسمح بتشخيص ما يستطيع المتعلم تحصيله من الدرس الفلسفي، كشكل من التقكير، متميز، تلافيا لمعاثر و متاهات يشعر بها المتعلم، فتدفعه إلى النفور و الإدبار بدل التعلق و الإقبال.

يبدو أن صعوبة الرهانات و الأهداف التي نسعى إلى تجسيدها من خلال الدرس الفلسفي، تحتم إحكام زمام الأساليب المنهجية و البيداغوجية التي من شأنها تحقيق تلك الأهداف بالسبل اليسيرة اعتبارا لخصوصية الدرس الفلسفي. و الشاهد على ذلك تعدد المحاولات المنهجية و المشاريع البيداغوجية . و لا يسعنا هنا إلاّ التسليم بأن ما يجعل من الدرس الفلسفي، متميزا مخصوصا هو أنّه لا يتمأسس بطريقة مباشرة على السرد و التلقين بل انطلاقا من سند: تتنوع وظائفه بتنوع أهدافه ( النص… الصورة).   فتدريس الفلسفة يمثل – بما هي ضمان للمواطنة الحرة و تنمية ما هو إنساني في الإنسان– استجابة  ملحة لمطلب حقوقي، يتجلى في إرساء ” الديمقراطية ” في شعب يفكر و يستنير فلسفيا بالتربية التي تعطى له في مدرسة “الجمهورية”.

إن خيارا من هذا القبيل، يجد نفسه ملزما بمحاورة وسائله و طرائقه و مقاصده، من أجل جعل مادة الفلسفة: مفيدة / و مقتدرة على التكيف، – من وجهة نظر براغماتية- مع المسلمة / المطلب: “الاضطلاع بمهمة تنمية قدرة الناشئة على التفكير و تكوين شخصيا تهم بشكل متوازن و تسليحهم عمليا و نظريا، بما به تستقيم حياتهم النشيطة – استقامة القادر على العمل و الفاعل في الفضاء المدني[4]

و ما يمكن استجلاءه أن هذا” الرهان / الإحراج ” و الذي ينسلك عملنا في أفقه، قد يجد نفسه بضرب من انقلاب الأوضاع في مواجهة اعتراضات و مزالق على قدر من الخطورة و الحساسية، و ليس أقل الأمارات على ذلك الصراع المعلن في – فرنسا- بين “الكراسي الجامعية” ( = نفوذ المرجعية و حرمة تاريخ الفلسفة) و “تعلمية الفلسفة”(= ميشال توزي و جماعته).

إنّه يمكننا أن نؤكد أن هذا الإحراج لا يكون ممكنا تجاوزه بغير التلفت إلى مسألة الرهانات: فأي وسيلة مقتدرة حقا على تدبر ما يسمح بموازنة بين مقاصد الفعل التربوي و أهدافه من ناحية و رغبات “الكراسي الجامعية” من ناحية أخرى؟

لمثل هذا اعتبر من باب الارتجال و التسرع،  إعلان  (= السند الواحد ، “الصورة” مثلا … ) ، رهانا بامتياز، إذ أن اختلاف القراءات (= بما أن الصورة جهاز من الرموز يمكن تفكيكها و تأويلها ) لا تسمح بانجاز فعال للرهان الاتيقي، ذلك “أن التربية تمثل من جملة الأعمال الإنسانية الأخرى أهم و أخطر ممارسة وجب القيام بها بعيدا عن الصدفة و العشوائية و لا يكون ذلك إلاّ إذا اعتمد المربون طرق عمل منظمة و رشيدة         [5] 

           غير أن ذلك ليس يعتريه شك هو أن الفعل التربوي الرشيد، يقتضي من القائم به أن يكون واعيا بالأهداف التي يقصد إلى تحقيقها و الوسائل المزمع استعمالها متمثلا لحاجات المربي و إمكانياته، إنّه في هذا السياق الدقيق وضحP. Osteriet  “أن من غرائب ما لاحظت في عالم التربية أن سؤال المعلمين عن الأهداف التي يرمون الوصول إليها من وراء تدريسهم غالبا ما يدخل عليهم الاضطراب” [6]

و حول ذات الأمر يمكن أن نوضح، إن توجها من هذا القبيل هو الذي سيشرع لوضع مخصوص للقول الفلسفي داخل درس فلسفي واع بأهدافه و مقاصده، ضمن برامج تعليمية مضبوطة بطريقة تضمن تكوين ” عقول مفكرة بدل حشو الأدمغة، عقول قادرة على تجاوز حب البقاء إلى حسن البقاء[7]

هنا تتبيّن الأهداف التي على ضوئها يمكن تحسس هذه الوضعية / المنزلة:

  • تمكين التلميذ من التمرس بالحرية بفضل ممارسة التفكير من خلال أعمال كبار الفلاسفة و المفكرين
  • تمكين التلميذ من فهم أفضل و تأويل أعمق لما يعرف سلفا و الوعي بذلك وعيا أوضح و أشمل.
  • تحرير التلميذ من قوالب الآراء المتداولة و من سيطرة الأحكام المتسرعة.
  • إعداد التلميذ إعدادا يمكنه من تحصين نفسه تحصينا يربيه على التبصر في الحكم و الثقة في النفس و الثبات على المبدأ دون سقوط في الوثوقية و الاعتدال في الموقف و التسامح في التعامل دون سقوط في التبعية.
  • مساعدة التلميذ على الارتقاء ذاتيا من وضع اللامبالاة إلى موقف واع يسند اختياراته فكرا و سلوكا و يحمله على الإبداع و يقيه التسطيح الفكري و الوجداني و الاستسلام إلى المجهود الأدنى [8].

و لأن مفهوم المعرفة ليس مكتسبا، بل تطور تدريجيا في فترة وجيزة، بحكم تطور المعرفة في حدّ ذاتها، إذ النزعة الغالبة في الوقت الحاضر، تتمثل في اعتبار التعلم سيرورة يبني بواسطتها الشخص، ذاته، عن طريق التفاعل المباشر و غير المباشر مع الآخرين و البيئة الاجتماعية، حرصت ” اللجنة المؤلفة للكتاب المدرسي” على إكسابه شرعية بيداعوجية عندما جعلت طموحه “فتح تدريس الفلسفة على جيل جديد من الكتب المدرسية يستجيب للتجديد البيداغوجي في مستوى تمشيات التعليم و التعلم التي تراهن على جعل تلميذ اليوم محور العملية التربوية بما يرقى به إلى المشاركة الفاعلة في بناء الدرس استنادا إلى ما يمكن أن يغنمه بنفسه من خلال ما يقترحه الكتاب من معارف و تمارين[9]

و ما يلفت النظر هنا أن هذا الخيار التربوي، في التعامل مع المادة المعرفية، يستوجب التخلي عن العقلية السكولائية/ المدرسية، فكانط مثلا: كان قد وضحّ أن رهانات التجربة الفلسفية، عندما حدّد الدرس الفلسفي على أنّه إنّما ما يمكن أن يعلمنا فعل التفكير: أي بما هو محفز على التعلم – لا فلسفة الفلاسفة- فيصبح من رام أن يكون بحق قريبا من موقع التلميذ قادرا على إكتساب عادات و مهارات و أساليب في التفكير و الفعل، و تعديل الوسائل المؤدية إلى المعرفة، كان عليه أن يكون مهجوسا بسؤال: ماذا يعني أن نتعلم؟ أي هدف نريد تحقيقه؟ أي موقف و أي آليات يمكن توظيفها لذات الغرض؟

فليس العبرة في المقاصد و سموها بل العبرة في ما يتعلمه التلاميذ فعلا”  [10]

يصبح بينا إذن أن الدرس الفلسفي هو شرط إمكان إكتساب التلاميذ القدرات و المهارات المطلوبة، و ذلك يكون ممكنا فقط على ضوء أهداف إجرائية تحكم الدرس و توجهه. و لعل هذه الملاحظات هي التي ستسمح بتحسس الإحراج الذي يواجهه إمكان الدرس الفلسفي   ” ما هي أغراض درس الفلسفة سواء على المستوى المعرفي أو على مستوى المهارات الذهنية؟ بل ما هو دور العلاقة بين تلك المهارات و بين المحتوى المعرفي في تحقيق  أغراض درس الفلسفة؟

   في نحت الشخصية وتأصيل الكيان:

إن ما يشكل خاصية مميزة للخطاب الفلسفي بعامة، هو أنّه ضرب من ضروب التفكير المغاير                       و المختلف، من حيث هو مرتبط بعمليات عقلية مجردة. بيد أن ذلك لا ينفي أن الفعل الفلسفي متجذر في الواقع الإنساني:إنّه هنا تحديدا يتقدّم الدرس الفلسفي برهانا، يشهد أن الفلسفة أثر و علاقة بالواقع، عند هذه العتبة من التحليل، نستطيع أن نستشف المفارقة الحاصلة بين خصوصية الخطاب الفلسفي، الذي هو ينبني على ما هو عقلي – تجريدي– و ما به تتميز عملية التدريس من جزئية و مباشرتية . ضمن هذا الأفق، بدأنا نستبين بأي معنى يكون حقيق بنا، التساءل: كيف يمكن الملائمة بين معرفة لا تتحقق أهدافها إلاّ في المجال المجرد و المطلق (= المعرفة الفلسفية) و فعل عمله دائم في جوار النسبي و الجزئي (= الدرس الفلسفي)؟.

إن غرضنا هو أن نعمل على اشتشفاف منابت الإجابة، متى تكون يسيرة، ممكنة، و ملائمة، تجاوزا للمفارقة: و قد ظفرنا بالإجابة – التي تشترط الوعي بأن تدريس الفلسفة لا يطلب لأجل الفلسفة ذاتها ( = التكوين المعرفي) بل ينشد إلى غاية أساسية مساعدة للتلاميذ على الرغبة في التفكير- و إعمال العقل: يقول كانط: ” تجرأ على استعمال عقلك“. مع أهمية الوعي بأن امتلاك دربة التفكير يساعد على صنع إنسان (= يقول المثل الصيني: لا تعطني سمكا بل علمني كيف اصطاد). و إذ قد بان لنا الأمر و توضح، فإنّه ليس من حقّ أية مرجعية أن تدعي لنفسها حقّ احتكار/ اختزال المغامرة الفلسفية، و يتعين علينا أن ندرك أن كلّ طريقة في التدريس أو أي عرض منهجي و أي معطى بيداغوجي، لا يمكن أن يدعي بلوغ أهداف آلية (= الانتقال من البعد التقني للدرس الفلسفي إلى البعد الجمالي أو الإبداعي).

حقا في الإمكان تبين أن ما ينتج المناقشات حول تدريس الفلسفة قيمة و مشروعية (= البحث عن الإضافة) لم يكن سوى تلك المسلمة التربوية التي توضح بأنّه ليس صحيحا أنّنا في مجال إنتاج    “شيء” بل إنّما نحن في إطار = رمزي = يجتهد لنحت شخصية و تأصيل كيان و بناء منظومة من الأفكار متماسكة و توفير أساليب إجرائية للتفكير.  لقد أظهر الفلاسفة دائما – دعمهم لهذه الرهانات وذلك برفضهم المع رفة المعتمدة على النمط التقليدي – النقلي، ذلك لأنّ القيمة الإجرائية للفلسفة– سواء على الصعيد النظري (= مجال المعرفة) أو على الصعيد الفعلي – العملي (= مجال المواقف) لن تتحقق إلاّ بأقدار المتعلم على ما به يطلب التفكير: الفهم/ التحليل/ النقد. وما يلفت النظر أن تعدد المحاولات التأسيسية لمجمل مشروعات البيداغوجيا، على تنوعها –     و التي تهدف إلى توفير الطرائق و الأساليب التي تلاءم، عملية تدريس الفلسفة، تجسيدا لأهدافها- لم يمنع من التأكيد على أن تعلم الفلسفة لا يمكن أن يكون منتظما و آليا (= استبعاد النظرة الوسائلية) ذلك أن ما يشكل مؤشر التفكير الذاتي، هو ما يحاذي القرار الشخصي الحر : و هو ما يقتضي حسن توظيف الأساليب و المقاييس و المعايير التي تنمي الرغبة و الإقبال على إعمال العقل.

لمثل هذا، أعتبر –داخل تعليمية الفلسفة- التمييز بين ما يستطيع “المتعلم” معرفته و ما يرتبط بشروط التفلسف، من جهة، و بين ما يمكن أن يتأدّى إليه و عملية التفلسف ذاتها. هاهنا تتبدّى وجاهة احترام هذه القاعدة و التي من شأنها أن تيسر الدرس الفلسفي تحقيقا لعملية بناء ما هو إنساني في الإنسان، و هذا ما إستشفه ميشال توزيTozzi  بقوله : «Il nous faut être attentif aux conditions qui permettent à l’élève de ne pas sentir perdu en pays inconnu, il nous faut chercher ce que l’on veut exactement  que l’élève sache faire et mettre en place les méthodes requises ».[11]

و نلمس أن الأهداف العامّة التي ترتبط بالدرس الفلسفي إنّما توضح أهمية و حجم المهمة المناطة بعهدة “المعلم” فهذا الدور لا يتوقف عند حدود المهام الضرورية، داخل القسم و التي تتلخص في “بناء الدرس”، ” توظيف النصوص” ، “إدراج الصورة- المشهد“.  و إنمّا تتمثل في جعل القسم، فضاء، و سيعا، يجد فيه المتعلم، ما يساعده على الانتقال بسلاسة من المدرسة إلى المجتمع، و ذلك من خلال الانخراط أكثر – في زمن العالم– و في العصر و مشاغله، و إثارة المشكلات الفلسفية، التي توفر للناشئة وسيلة طيّعة، فيها من المضامين  و الأساليب ما به يتحقق المسعى التربوي البيداغوجي- الفلسفي. فمما أسلفنا ذكره يظهر لنا أن وعي ” المعلم” بخصوصية البرامج، ضرورة، و ذلك باختلاف السنوات و الشعب، و الوعي بالرهانات و الغايات، كما الوقوف على أبرز المخاطر التي تحف بهذه المهمة (= كنقور المتعلم من مادة الفلسفة و الحال أنّنا نشتغل على مقصد الترغيب و التحسيس بأهمية المساءلة الفلسفية). و ملخص هذا النفور، في الموقف السالب، الناتج عن الأحكام المسبقة، و الآراء المتداولة الشائعة: مثل الاعتقاد في صعوبة / عسر الفلسفة.

إنّه هنا تحديدا، إنّما ينكشف لنا وجه إقدامنا على دراسة و تحليل و مساءلة الممارسات المهنية السائدة، في التعامل مع المعرفة المدرسية و مع تلاميذ الفصل، و بالتالي التأكيد على أنّه من غير الحقيق بنا، التعامل مع ” المتعلم” باعتباره:” حالة عادية في القسم” يتقبل المعارف و المعلومات، على النمط التقليدي – التلقيني.  ذلك أن الدرس الفلسفي يمكن أن يتحوّل إلى عكس مقصوده و تنقلب علاقة “المعلم” “بالمتعلم” إلى علاقة سلطة و “اضطهاد معرفي“، لحظتها يكون “المتعلم” فاقدا للقدرة على التفكير الحرّ، نظرا لتعوده على ” المعارف الجاهزة” التي لا تهيأ معنويا و لا ماديا، و التي لا تحرك لدى الشخص مبادرته إلى الانخراط في الفعل و الاستمرار في الانجاز ” كلما أنهمك التلاميذ في تخزين المعلومات، المعطاة لهم- كلما ضعفت قدرتهم على التفكير الناقد، الناجم عن تفاعلهم مع العالم و كلما قبلوا الدور السلبي المفروض عليهم كلما أصبحوا أميل إلى التكيف مع العالم بالشكل الذي يوجد عليه[12] . و اعتماد نمط مغاير، يكون أكثر جدوى، و أكثر استجابة لحاجات و انتظارات و قدرات التلاميذ، إنّما ينميالدافعية” التي تتجلى من خلال حركية “المتعلم” و حضوره الذهني و شغفه بالعمل (=كذلك الدافعية تتطلب وجود هدف قابل للتحقيق كالارتقاء إلى موقع اجتماعي أفضل من موقع المنشأ و لا بدّ لها من حافز كالعدد أو الثمن… أو الثقة في الذات…).

نجمل ما بسطنا الكلام فيه، فنوضح أ ن النزعة الغالبة في الوقت الحاضر: تتمثل في اعتبار ” التعلم” سيرورة، يبني بواسطتها الشخص ذاته عن طريق التفاعل المباشر و غير المباشر مع الآخرين و البيئة الاجتماعية بصورة عامّة:

  • تغير في السلوك (= اكتساب، عادات، مهارات،….)
  • بنى معرفية و أساليب التفكير و الفعل و كذلك بمراقبة و تعديل الوسائل المؤدية إلى هذا التغير ذاتيا: أي إنماء معرفة الكينونة و معرفة الصيرورة.

فما هو شرعي هو أن يكون “درس الفلسفة” فضاء يكتشف فيه ” المتعلم” ذاته من حيث هو كينونة عاقلة قادرة على التفكير و الحكم على الأشياء، ذلك أن التفكير ليس ما أرثه و ليس ما أتعلمه بل ما أتعقله من خلال ما اكتسب من قدرة على استعمال المنطق (= الحجاج) و القدرة على عقلنة المسائل، أين لا تصبح للكم المعرفي من قيمة إلاّ في ارتباط بالأهداف التربوية التي تطوع لها.

On voit ces observations a quel point les connaissances sont nécessaires mais non suffisantes.[13]

هنا نستلمح دلالة تدريس الفلسفة الذي لن يكون سوى سعي إلى تحقيق جملة من الأهداف الجزئية و الإجرائية التي ترتبط بمهارات الكتابة الفلسفية و إن كان يهدف أساسا إلى تحقيق رهان التفكير الحرّ، أيضا البعد البيداغوجي المنهجي التعليمي في الدرس الفلسفي و ترتبط هذه الأهداف جميعا بالمجال المعرفي و المجال السلوكي (= المواقف) و المجال المنهجي (= المهارات) و إن تجسيم هذه الأهداف يتطلب في الحقيقة ترشيدا للفعل التربوي و عقلنة للدرس الفلسفي.

خاتمة:

إذا أمعنا النظر تبينا أنه لا تكاد كتابة / مناقشة / مناظرة…. في معضلة تدريس الفلسفة، تخلو من التركيز على عقلنةRationalisation  ليس لأن العقلانية Rationalisme  هي إحدى أهم سمات الفكر الفلسفي فحسب، و إنّما لاستشعار المهتمين بالحاجة إلى ضرورة ترشيد الدرس الفلسفي داخل الممارسة التربوية بالقسم الدراسي. من هنا تتحدّد دعوة ديداكتيكية الفلسفة إلى ضرورة ترشيد العملية التعليمية الخاصة بهذه المادة أو عقلنتها للخروج من ” التسيب الكلامي” و “الميوعة المفاهيمية” إلى “الضبط المعقلن[14]

ذلك أنّه من أجل عقلنة العملية التعليمية- الإنشاء الفلسفي: نموذجا- ينبغي تجنب التلقائية،           و الارتجال الذي غالبا ما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة التي حين حدوثها. لا ينفع معها، إلاّ إعادة النظر في كيفية التعامل سواء مع الفاعل التربوي أو مع المضمون الذي يتوسط به أو مع التقنيات المستخدمة لتبليغ المضمون و من ثمّة لتحقيق هدف ما.

د/عمر بوجليدة / باحث / كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية / تونس .

باحث ومترجم تونسي، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس. نشر العديد من الأبحاث والدراسات في مجلات عربية. من مؤلفاته: “الحداثة واستبعاد الآخر/ دراسة أركيولوجية في جدل العقلانية والجنون” (2013).

——-

[1] أحمد شبشوب ، مدخل إلى علم النفس التربوي ، ط1 المطبعة الرسمية تونس 1992

[2] Reboul, La philosophie de l’éducation, PUF Paris 1981 . p3

[3] أحمد عبدالخالق ، أسس علم النفس ، الطبعة 3 ، دار المعرفة الجامعية الاسكندرية 2005

[4] برامج الفلسفة / تونس 2006 ص 17/ 3

[5] أحمد شبشوب ، الأسس النظرية للتربية والتدريس  ، التونسية للطباعة وفنون الرسم ،  تونس 1988

[6] P. Osteriet , Faire des adultes , Ed, Ossart Bruxelles 1964 .

[7] برامج الفلسفة ، سبتمر 2006 / تونس ص 17/3

[8] برامج الفلسفة ، سبتمر 2006/ تونس ص17/4 .

[9] كتاب الفلسفة لتلاميذ السنة الثالثة من التعليم الثانوي ، آداب ص 3 .

[10] D’Hainaut .L. Des Fins aux objectifs de l’éducation

[11] Tozzi . M . Apprendre a philosopher . Ed .Hachette . 1992 . p8 .

[12] محمد نبيل نوفل ، باولو فريري ، فلسفته واراؤه في تعليم الكبار وطريقته في محو الامية . 1998 .ص 51 .

[13] Raffin . F. la lecture philosophie , Ed , Hachette 1994 .p 15 .

[14] عبدالرحيم تمحري ، محمد رويض ، ديالكتيكية النص الفلسفي ، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ، 1993 .

شاهد أيضاً

في معنى”نكبة إسرائيل”

سامي عبد العال سامي عبد العال        شاعَ مصطلح ” النكبة” في العبارات والتحليلات السياسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *