الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / في مناهضة الذكوريَّة le patriarcat فنيا:

في مناهضة الذكوريَّة le patriarcat فنيا:

جهود كنزة بنجلون من خلال “عربة المدونة” Cady de la Modawana.

كوة: العلوي رشيد

الذكوريَّة معضلة حقيقيَّة في المُجتمعات العربيَّة، التي ترزحُ تحت نير ثقافة ذُكوريَّة باليَّة لا تزالُ منتشرةً كالنار في الهشيم بفضل وسائِل التنشِئة الاجتماعيَّة العتيقة وثقل الإرث الثقافي، ناهيك عن الاختيار السيَّاسي الذي جعل من النِّظام الأُبوي النِّظام الأمثل لقبول الاستعباد والاستبداد السيَّاسي. بحيث يتم تمرير القيَّم الذُكوريَّة في التربيَّة والتعليم، وفي الإعلام، وفي أماكِن العمل وفي الشارع العام. ينضاف إليها غياب الحُريَّات وعدم الاعتراف بالحقوق الفرديَّة واعتبار العديد من أساسيَّات الحياة جريمة في القانون الجنائي: فالحب بما هو قيمة عُليا وساميَّة من خلالها تتعَاضَدُ العلاقات الاجتماعيَّة ونضمن التكاثر وعلاقات سليمة بين الناس صارَ إجراماً، وكذلك الأمر بالنسبة للعلاقات الجنسيَّة خارج إطار الزواج، فلا توجد مُدونَة في العالم العربي تعترِفُ بأن العلاقات الجنسيَّة خارج الزواج أمر عادي جداً وموجود في المجتمع، بل هو جريمة يُعاقِب عليها القانون الجِنائي، رغم تنامي وتزايد ظواهر اجتماعيَّة خطيرة لا تنكُرها تلك الدُول نفسها من قبيل: الأمهات العازِبات، الأطفال غير الشرعيِّين، المثلية الجنسيَّة، الشذوذ، الاغتصاب، العنف الأسري وغير الأسري، الإجهاض… ففي المغرب مثلاً تتحدث أرقامٌ رسميَّة عن 600 حالة إجهاض في اليوم الواحد، وبات أمراً مقلقاً لأنه يتعلق باقتصاد أسود وبحياة مجتمع بأكمله. كما نسمع عن حالات اغتصاب الأطفال والمتاجرة الجنسيَّة في الفتيات إلى حد أن العديد من الشبكات العاملة في هذا المجال كانت موضع محاكمات ولعل خير مثال على ذلك ما يعرف في المغرب بقضية دانييل (مغتصب أطفال) الذي استفاد من عفوٍ مَلكِي رغم كونه سجينا حوكم عليه سلفاً بعقوية سجنيَّة.

 

للثقافة الذكوريَّة تاريخ طويل وتعود إلى ممارسات بدائية في تاريخ البشريَّة، وإذا استطاع الغرب التغلُّب عليها (أو على الأقل على سلبياتِها) من خلال تحقيق المساواة بين الجنسين وتمتيع المرأة بحقوقها كامِلة، وتيسير ولوجها للشغل وللفضاء العام وللمجال السيَّاسي، فإن وضعنا لا يزال قديماً جداً بسبب غياب إرادة حقيقية لتجاوز المجتمع الذُكورِي والانخراط الفِعلي في التقدُّم الحضاري، غير أن هذه الثقافة كانت مدارَ نِقاشٍ واسع منذ بداية القرن العشرين حيث بدأت قضية تحرير المرأة مع رواد النهضة الأوائل، وواصلت الحركة النسائيَّة نِضالها السيَّاسي والمدني في سبيل تعزيز مكانة المرأة في الفضاء العمومي وفي الشُّغل، التعليم… إلا أنها تبقى جهوداً متفاوتة بين البلدان حيث يشكل المغرب الحالة الأكثر تقدُماً، في حين لا يزال الوضع كما هو عليه الحال في بلدان أخرى كالسعودية التي تناقش في ندوة عمومية ورسمية سؤال: هل المرأة إنسان؟

إذا كان المغرب بلداً مُنفتحاً على تيارات العولمة الجارِفة بالمقارنة مع دول عربيَّة أخرى (أنظر في هذا: هشام شرابي: “النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي”، ترجمة، تحقيق: محمود شريح، دار نلسن، 2000)، فإن ذلك لا يعني أنه قد تجاوز الذُكوريَّة وقطع مع ثقافة القرون الوسطى، فلا تزال الذُكوريَّة حاضِرةً في الثقافة الشعبيَّة وفي التقاليد والأعراف وفي المُمارسات اليوميَّة للذُكور وللإناث معاً، إلا أنها كانت دوماً موضع نقدٍ وتحليل وتفكِيك في مختلف المجالات: الأدب (الرواية والقصة)، السيَّاسة، العلوم الاجتماعيَّة والفلسفة والفن أيضاً. هناك أعمال أدبيَّة شهيرة في العالم العربي لقيت تِرحَاباً واسعاً في صفوف الشباب: نوال السعداوي، عبد الصمد الديالمي، فاطمة المرنيسي، غادة السمان، فتيحة مرشد، أحلام مستغانمي…

وفي مجال الفن هناك حقولٌ واسِعة خاضت فيها المرأة المغربيَّة صراعاً مريراً ضِد الثقافة الذُكوريَّة ومن أجل تحرير المرأة، إلا أن أعمال الفنَّانة كنزة بنجلون (الرَّسم والتشكِيل والصِباغَة) في المغرب هامة جداً، حيث تدور موضُوعاتُ اشتِغالِها النَّقدِي حول العلمانيَّة والذُكوريَّة والعُنف والتحرُّر، ومحاربة الفساد… وقد أقامت مؤخراً معرِضاً فنيّاً اختارت له عنواناً دالاً: عربة المُدونة .

تُؤمِن الفنَّانة كنزة بنجلون التي دخلت إلى مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء سنة 1989، أن “لا إبداع بدون حريَّة”، وقد سبق لها ان عالجة سؤال الحرريَّة في معرضها الذي جال بعض المُدن المغربيَّة (حيص حضرت في عرض كلية الآداب عين الشق) والأمريكيَّة معاً في تعاون مع فنانين كِبار، وكان محور العمل: “العصافِير المُهاجرة” التي تحمل معها نسيم الحُريَّة (نظم في بلدة تحناوت ما بين 22 أبريل إلى غاية 02 ماي 2015 بإقامة الفنان التابعة لوزارة الثقافة المغربية، معرض بعنوان: “الطيور المهاجرة” تحت إشراف الناقد الفني والروائي – مندوب العرض موليم العروسي، بمشاركة خمسة فنانين من المغرب هم: كنزة بنجلون، غاني بلمعاشي، محمد مرابطي، الباتول السحيمي، مبارك بوحشيشي، وخمسة فنانين من أمريكا هم: مية يون، بيت ساك، جانيت لينك، ديريك طوماس، بوب رانكين. بهدف تبادل الرؤى والافكار حول التنقل والعبور والحدود رغم الاختلاف الديني والعقدي.)، حيث تُقيم الفنَّانة معرِضها في الفضاء العام وتترك المجال للجمهور للتعبير عما يخالجه وينتابه من أفكار وانفعالات وأحاسيس. وفي حوارها مع مجلة الموجة الثقافية تؤكد: “فيما يتعلق بالحريَّة فإنها ضرورة ملازِمة للفن، فلا يمكن للإبداع أن يكون في غياب الحريَّة. من يُسيطِرُون على حريَّاتِهم أو يكيفونها وفق ضوابطٍ ما لا يمكنهم ادعاء الإبداع: أنا أُبدِع إذن أنا حرة… فالفن والفلسفة معاً يحفُرانِ عميقاً أخدود الوجود. معاً ينتصران للحريَّات، حياتِنا ومصِيرُنا ويؤزِّمَان يقينيَّاتِنا. الفن والفلسفة يُخيفَانِ في البلدان التي يُسيطِرُ فيها القمع لأن من خلالهما تستفيق الأرواح وتتمرد. الفن والفلسفة ميدانان يعبران بطرق مختلفة لكنهما ينهلان من نفس النَّبع: الحياة والموت. أُحِبُ كثيراً جملة جيل دولوز هاتِه في كتابه: ما الفلسفة؟: « الفنانون كالفلاسفة[…] إنهم معلولون لكن ليس بسب مرضهم ولا حتى بسبب عُصابِهم بل لأنهم رأوا شيئاً كبيراً جداً بالنسبة لأيٍّ كان، كبيراً جداً بالنِّسبة لهم والذي طبع عليهم وصمة الموت السِّريَّة، غير أن قدوم الرَّبيع الدِّيمقراطي سيشكل محطةً هامَّةً بالنِّسبة للفنَّانة كنزة بنجلون كما لغيرها من الفنَّانِين المغاربة الذي صاغوا بيان دعم الحِراك وانخرطوا فيه للدَّفع بالفن المغربي إلى مرحلة جديدة وفي هذا تقول كنزة: “بعد 20 فبراير لم يبقى بإمكان صمت التجريد الاستمرار والجواب على خوفي وغضبي… تحوَّل بصري الذي يتطلع لمجتمع حداثي مباشرة نحو ما نعيشه في اليومي، نحو وضعيَّة المرأة في مُواجهة الدَّاعِشيَّة المُجتمعيَّة، في مواجهة البطريركيَّة وفي مواجهة دينٍ مُتحجِّرٍ. أصرُخُ لأعبِّر عن خوفِي ولأفضّح كل ما يُعِيق حريَّاتِنا الفرديَّة وحريَّة المعتقد”. لأن الفرد المغربي ينشأ في تربّةٍ اجتماعيَّة مشحُونّةٍ في التنشئِة بالخوف والحط من قيمة الذات ومن دور الانفعالات في التعبير الداخلي، هكذا وجواباً على سُؤالٍ حول التمرُّد على التقاليد ومن حتميَّة الاصطدام بالمُتلقِي تقول كنزة: “لا أظن أن ذلك كان مقصوداً أو تمَّ عن وعيٍّ مُسبَقٍ؛ في تربيتي كغيري من بنات وأبناء جيلي كبِرنا في الخوف… تعلَّمنا أن نخاف من الغابة، أن نخاف من الله، أن نخاف من الكلام، من المخزن من المدرسة، أن نخاف من الخوف نفسه، خلاصة القول تسكُنُنِي الرَّهبَةُ والفنُّ يُحرِّرُنِي ويمنحُنِي إمكانيَّة مُساءلة حياتي و إعطاءِها معنى. لا تُزعِجُني التقاليد ما دامت الاختيَّارات شخصيَّة ولا يفرِضُها عليَّ أحد… ما يجعلني أنتفض هو هذا المد الفاشِيستِي التقلِيدانِي الدِّيني الذي يأخذ مكانه يوماً بعد يوم في حياتِنا دُون ضجِيج، والذي لن يترُكَ لنا الاختيار في يومٍ ما. أُحسُّ نفسِي مُستهدفةً كامرأة. نحن نعيش نقطة تحول تاريخيَّة حيث يتصارع الحداثيون والتقليدانيون… ولذا فإن صدامي مع المتلقي هو أيضاً جزء من العمل”.

رافقت كنزة مدة قصيرة في عِزِّ الحِراك وأدركتُ معها العديد من التضحيَّات التي تُقدِّمُها في تعليم الشباب، والتضحيَّة بنفسِها في سبيل التعبير الحُر والجريء في الشارع العام، وكان ذلك بالنِّسبة لي حقاً مجالاً جديداً لم يسبِق لي أن حاولت اكتشافه. كان معرضها “قاضي المدونة”، محطة هامَّة لمُساءلَة الذُكوريَّة والتحرش الجنسي ووضعيَّة المرأة وما تتعرض له من تسلِيعٍ بَشِعٍ، فعربتُها التي تحيل على عربة الأسواق المُمتاز تحمِلُ جسداً أُنثويّاً معرُوضاً لِلبيع، في إشارة إلى تسليع وتشيء المرأة التي يُنظّرُ إليها في مجتمعنا بما هي مشبع الرَّغبَات، لأن الرجل لا يرى فيها إلاَّ كذلك بفضل ثِقلِ التقليد والإرث المُحافظ ناهيك عن تخلف بنيات التنشِئة التي لم تتعرض بعد للتحديث. هل سيتعامل الرجل مع المرأة المغربيَّة بما هي مُواطِن لها كامِل الحقوق التي له أو بحوزته؟ تُدركُ كنزة جيِّداً حجم التضحيَّة من خلال تعبيرها الفني الجريء، لأن إرث المُحافظة الذي تحمله الإيديولوجيَّة التقليديَّة والدِّينيَّة كما تقول يحاول أن يُنمِّطَ حياتنا ومجتمعاتنا وفق نموذج وسطوي

شاهد أيضاً

المغربية لبابة لعلج تنجز “أيقونات التشكيل بصيغة المؤنث”

خاص صدر مؤخرا للكاتبة والفنانة التشكيلية لبابة لعلج، مؤلفا جديدا تحت عنوان “أيقونات التشكيل بصيغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *