الرئيسية / ترجمة / في الحاجة إلى الفلسفة – نص لآين راند

في الحاجة إلى الفلسفة – نص لآين راند

ترجمة الصديق: عقيل يوسف عيدان- الكويت

قد يشقّ على كثير من الناس أن يفهموا ماذا تعني الفلسفة   Philosophy، ولأن أفضل طريقة – ربما – لتعريف الفلسفة هي أن نقدِّم فكرة عما تفعله، فسأبدأ بسرد قصةٍ قصيرة جداً.- إذا افْتَرضنا أن هناك رائد فضاء خَرَجَت مركبته الفضائية عن نطاق السيطرة وتحطَّمت على كوكبٍ غير معروف. عندما يستفيق رائد الفضاء ويجدُ نفسه لم يُصَب إلاّ بأذىً طفيف، فإن أول ثلاثة أسئلة تَرِدُ إلى عقله قد تكون: أين أنا؟ كيف لي أن اكتشف هذا الكوكب؟ ماذا عليّ أن أفعل؟

عندما يستعيد رائد الفضاء وعيه تماماً، فإنه يشاهد أمامه حياة نباتية غير مألوفة، وأن هناك هواءً للتنفّس، وأن ضوء الشمس يبدو شاحباً وبارداً أكثر مما يستطيع أن يتذكّر من أشعة الشمس على الأرض. يتوجَّه بنظره إلى السماء، ثم يتوقَّف. ينتابه شعور مفاجئ بأنه إذا لم ينظر فإنه لن يعرف أنه قد سقط بعيداً جداً عن الأرض، وأن العودة إليه غير ممكنة. وطالما أنه لا يعرف هذا الكوكب الذي تحطَّمت مركبته الفضائية عليه، فإنه حرّ في أن يعتقد بما يتمنَّى، وأنه يعيش تجربة هي نوع من أملٍ ضبابيّ وسار، مع شعور بالذنب.

يعود رائد الفضاء إلى مركبته التي قد تكون معطوبة، علماً بأنه لا يعرف مدى جدِّية هذا العَطب، ولكنه يتوقّف إذ ينتابه خوف مفاجئ في صيغة سؤال: كيف أستطيع أن أثق بتلك المركبة المعطوبة؟ كيف أتأكد من أنها لن تخونني؟ كيف لي أن أعرف ما إذا كانت ستَعمل في عالمٍ/مكان مختلف؟ ثم لا يلبث أن يبتعد عن تلك المركبة.

الآن، يبدأ رائد الفضاء بالتساؤل: لماذا ليس لديّ أيّ رغبة في أن أفعل أيّ شيء؟ يبدو بأن ذلك فيه سلامة أكثر – يقول رائد الفضاء لنفسه. إنني أنتظر أن يطرأ شيء ما ليُغيِّر هذا المأزق. ثم يقول لنفسه: الأفضل ألاّ أدمِّر هذه المركبة الفضائية.

في الأفق البعيد، يشاهد رائد الفضاء نوعاً من مخلوقات حية تقترب، هو لا يعرف ما إذا كانوا بشراً أم لا، لكنهم يمشون على قدمين. في هذه اللحظة يقرِّر بأن هؤلاء سوف يُخبرونه بما عليه أن يفعله، لكنه – للأسف – لم يسمع منهم شيئاً.

يقول الرائد في نفسه: هذا خيال، لا ينبغي أن أتصرّف على هذا النحو، فلا ينبغي أن يتصرّف رائد الفضاء هكذا لكن، في الواقع، هذه هي الطريقة أو الأسلوب الذي يعيش بها الناس على الأرض.

إن معظم الناس يقضون حيواتهم وهم يكافحون/يعملون على تجنّب ثلاثة أسئلة أجوبتها تكمن في تفكير ومشاعر وعمل كل شخص منّا، سواء أدركها بوعي أم لا، هذه الأسئلة الثلاثة هي: أين أنا ؟ كيف لي أن أعرف ذلك ؟ وماذا عليّ أن أفعل؟

مع مرور الزمن، تصبح أعمار الناس كافية لأن يفهموا تلك الأسئلة، وهم يعتقدون أنهم يستطيعون الإجابة عليها. فمثلاً سؤال أين أنا؟ إذا افترضنا أن أحداً منّا سأل هذا السؤال وهو في مدينة الكويت، ثم ألحقه بسؤال كيف يمكن لي أن أعرف هذه المدينة؟ من الواضح أن عليه أن يسأل في هذا السياق أيضاً، ماذا عليّ أن أفعل هنا؟ في هذه الحالة، فإن هذا الشخص يبدو أنه ليس متأكداً مما عليه أن يفعله، غير أن الجواب المعتاد في المواقف المشابهة هو: افْعَل كما يفعل الآخرون. إن الشيء المزعج ههنا، يبدو من أن الناس، عموماً، ليسوا نشيطين جداً، وواثقين تماماً، وسعداء حقاً، وأيضاً ليسوا ذوي خبرة، وأحياناً يخافون بلا مُبرِّر، ولديهم شعور غير محدَّد بالذنب، وهم فوق ذلك لا يستطيعون تفسيره أو التخلّص منه.

إن الناس، عموماً، لم يعرفوا/يكتشفوا حقيقة أن الشيء “المزعج” يتأتّى من عدم الإجابة عن تلك الأسئلة الثلاثة، وأن هناك عِلْماً واحداً فقط يحمل الإجابة عليها هو: الفلسفة.

تدرس الفلسفة الطبيعة “الأساسية” للوجود الإنساني وعلاقته بهذا الوجود. وعلى عكس العلوم المتخصِّصة التي تُعنى بجوانب محددة فقط، فإن الفلسفة تبحث في الجوانب المرتبطة بالكون والعالم التي تتعلّق به الموجودات كافة. ففي مملكة المعرفة، تُمثِّل العلوم المتخصِّصة الأشجار، غير أن الفلسفة هي التربة التي تجعل من تلك الأشجار غابات مُمكنة.

على الرغم من أن الفلسفة لن تخبرنا، على سبيل المثال، إنْ كان أحدنا في مدينة نيويورك أو في زنجبار أو في الكويت – علماً بأنها تعطيك الوسائل لاكتشاف أين أنت – لكنها سوف تخبرنا مثلاً: هل نحن في عالمٍ تحكمه قوانين طبيعية، ولذلك فهو مستقر وثابت وكلِّي ويمكن التعرّف عليه؟ أم أننا في عالم من العجائب والغرائب غير الواضحة، وأمامنا تدفُّقات من الأشياء المحيطة بنا غير معروفة وغير متوقّعة والتي يقف عقلنا عاجزاً أمام فهمها؟ هل الأشياء التي تحيط بنا حقيقية، أم أنها وَهْم فقط؟ هل توجد هذه الأشياء مستقلة عن أيّ إرادة خارجية عنا أم أنها خُلقت من خلاله؟ هل هذه الإرادة الخارجية مادة أم موضوع للوعي البشري؟ هل هذه الأشياء هي حقيقةُ ما هي عليه، أم يمكن تغييرها بمجرد فعل يمارسه وعْينا بصورة ذاتية؟

إن طبيعة أفعالنا وطموحنا ستكون متباينة لا شك، وذلك بحسب أيّ نظام أجوبة سوف نتقبَّله. هذه الأجوبة تقع على حدود ما يطلق عليه في الفلسفة “ميتافيزيقا Metaphysics “؛ وهي دراسة الوجود، أو بحسب كلمات الفيلسوف الإغريقي أرسطو ((وجود أشبه بالوجود))، والميتافيزيقا هي الفرع الرئيس للفلسفة.

قد لا تهم ماهية الاستنتاجات التي نتوصَّل إليها، إذ سوف تعترضنا ضرورة طرح سؤال آخر، هو – في الحقيقة – سؤال لازم: كيف لنا أن “نعرف”؟ إن أهمية هذا السؤال تنبع من أنه مادام الإنسان ليس كليّ المعرفة أو عَالِماً بكل شيء، وبالتالي ليس معصوماً عن الخطأ أو الزَّلل، فإن عليه أن يكتشف ما الذي يستطيع أن يُطلق عليه اسم “معرفة Knowledge “، وكيف يُثبت صدق استنتاجاته. وللتعرف أكثر على حقيقة المعرفة يمكن أن نطرح الأسئلة الآتية: هل يكتسب الإنسان المعرفة من خلال عمليات عقلية، أم عبر إلْهام مفاجئ من قوة فوق طبيعية أو غَيْبية؟ هل العقل هو المَلَكَة التي تُحدِّد وتتساءل من خلال المواد التي توفّرها حواس الإنسان، أم أنه يتغذَّى بأفكار فطْرية مغروسة في عقل الإنسان قبل ولادته؟ هل العقل كفؤ لإدراك الحقيقة، أم أن المرء يملك قوة معرفية أخرى متفوِّقة على العقل؟ هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى اليقين، أم هو محكوم عليه بالشَّك الدائم؟

إن درجة ثقتنا الذاتية بأنفسنا، ومدى نجاحنا في حياتنا سيختلف حسب مجموعة الأجوبة التي نَقْبَل بها. هذه الأجوبة هي مَدار ما يُطلق عليه في الفلسفة “ابستمولوجيا Epistemology”؛ أو نظرية المعرفة، وهي التي تدرس وسائل الإنسان في تحصيل المعرفة.

هذان الفرعان، الميتافيزيقا والابستمولوجيا، هما الأساس النظري للفلسفة. أما الفرع الثالث فهو “الأخلاق Ethics ” الذي يمكن أن يعتبر بمثابة “تكنولوجيا” الفلسفة إذا صح التعبير. قد لا تنطبق الأخلاق على كلِّ شيء موجود في هذا العالم، وإنما على الإنسان فقط، لكنها، في الواقع، تنطبق على كلِّ جانب من حياة هذا الإنسان: شخصيته، أفعاله، قِيَمه، علاقاته مع كل ما هو موجود. فالأخلاق أو “الأخلاقية Morality “؛ تُعرَّف بمجموعة من القيم التي تُرْشِد الإنسان في اختياراته وأفعاله، تلك الاختيارات والأفعال التي تُحدِّد مَسَار حياته.

وكما هو حال رائد الفضاء في قصتنا السالفة، حيث إنه لم يكن يعرف ما كان ينبغي عليه أن يفعل بسبب تعذُّر معرفة أين كان وكيف له أن يكتشف ذلك المكان، فإنه لا يمكننا معرفة ما يجب علينا القيام به حتى نعرف طبيعة الكون الذي نتعامل معه، وطبيعة وسَائلنا لإدراك المعرفة، فضلاً عن معرفتنا لطبيعتنا الذاتية.

قبل أن نُقبل على الأخلاق، ينبغي علينا أولاً أن نجيب عن السؤالين اللذين تطرحهما الميتافيزيقا والابستمولوجيا، وهما كالآتي: هل الإنسان كائن عقلاني قادر على التعامل مع الواقع، أم أنه مجرّد شيء أعمى عاجز أو ريشة تعصف بها قوة كونية غيبية؟ هل الانجاز والمتعة ممكنتان للإنسان على الأرض، أم أنه محكوم عليه بالفشل والكوارث؟ استناداً إلى إجابتنا على هذين السؤالين، يمكننا المضي قُدُماً بالتعامل مع الأسئلة التي تطرحها الأخلاق مثل: ما هو الخير أو الشر للإنسان، ولماذا يكونان؟ هل ينبغي أن يكون اهتمام الإنسان الأساسي هو السَّعي لتحقيق السرور والمتعة، أم الهرب من الألم والمعاناة؟ هل ينبغي على الإنسان أن يتمسَّك بتحقيق ذاته، أم بتدمير نفسه كهدف لحياته؟ هل ينبغي على الإنسان أن يتَّبع قِيَمه الخاصة، أو أن يضع مصالح الآخرين ورغباتهم فوق مصلحته ورغبته؟ هل ينبغي على الإنسان أن يسعى إلى الأثرة أو حبّ الذات، أم إلى الإيثار والتضحية بالنَّفس؟

لا أرى أنه ينبغي أن أشير إلى النتائج المختلفة للإجابات على هذه الأسئلة، لأننا نستطيع أن نرصدها ونراها في كلِّ مكان، سواء في داخلنا أو في محيطنا الذي نعيش فيه.

إن الإجابات التي توفرها الأخلاق تُحدِّد كيف ينبغي أن يُعامل المرء البشر الآخرين، وهذا من شأنه أن يحدِّد الفرع الرابع للفلسفة وهو “السياسة Politics “؛ والتي تحدِّد مبادئ النظام الاجتماعي المناسب. وكمثالٍ على وظيفة الفلسفة، فإن الفلسفة السياسية لن تُطلعنا، مثلاً، على مقدار الماء أو الكهرباء أو الغاز الذي ينبغي أن يحصل عليه كل فرد وفي أيِّ أيام من الأسبوع، لكنها سوف تقول لنا ما إذا كانت الحكومة لديها “الحق” في فَرْض تَقْنين على أيِّ شيء.

الفرع الخامس والأخير للفلسفة هو “الاستيطيقا (الجماليات) Esthetics ؛ أي دراسة الفن، والذي يقوم على أساس الميتافيزيقا والابستمولوجيا والأخلاق معاً. إن الفن يتعامل مع احتياجات “تغذية” وعي الإنسان.

والآن، قد يقول بعض القرّاء كما يفعل كثير من الناس: أنا لا أعتقد في مثل هذه المصطلحات المجرَّدة التي تأتي بها/معها الفلسفة، أريد التعامل مع مشاكل ملموسة من واقع الحياة، وليس في الفلسفة ما أحتاجه إليها؟

إن الإجابة على هذا التساؤل يمكن اختزاله بالقول الآتي: إن حاجتنا إلى الفلسفة لكي نكون قادرين على التعامل مع المشاكل الملموسة في الحياة الواقعية، أي لكي نكون قادرين على العيش في عالمنا، وعلى هذه الأرض.

قد يدَّعي أحد القرّاء – كما يفعل معظم الناس – أنه ليس مهتماً بالفلسفة. لكنني سوف أطلب منكم أن تتفحَّصوا ذلك الادِّعاء. إذ هل فكَّر أحد منّا أو قال أو سمع شيئاً عما يلي: “لا تكن متأكِّداً جداً فلا أحد بمقدوره أن يكون متيقِّناً من أيِّ شيء”. نحن حصلنا على هذه الفكرة بالأساس من الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم (1711- 1776م) – وآخرون كثيرون جداً – بالرغم من أن كثيراً من الناس لم يسمعوا عنه. أو: “هذا قد يكون جيداً من الناحية النظرية، ولكنه لا ينجح في الواقع العملي أو الممارسة”. نحن حصلنا على هذه الفكرة بالأساس من الفيلسوف الإغريقي أفلاطون (427- 347 ق.م). أو: “كان ذلك شيئاً فاسداً القيام به، لكنه إنساني فقط، فلا أحد كامل في هذا العالم”. هذه الفكرة حصلنا عليها بالأساس من القديس أوغسطين (345- 430م). أو: “قد يكون ذلك صادقاً بالنسبة لك، ولكنه ليس صادقاً بالنسبة لي”. نحن حصلنا على هذه الفكرة بالأساس من الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس (1842- 1910م). أو: “أنا لا يمكنني المساعدة! لا أحد يستطيع المساعدة في أيِّ شيء يفعله”. نحن حصلنا على هذه الفكرة بالأساس من الفيلسوف الألماني ج و ف هيغل (1770- 1831م). أو: “أنا لا أستطيع إثباته، ولكنني أشعر أنه حقيقي”. هذه الفكرة حصلنا عليها بالأساس من الفيلسوف الألماني إيمانويل كانتْ (1724- 1804م). أو: “إنه منطقيّ، ولكن المنطق لا شأن له بالواقع”. نحن حصلنا على هذه الفكرة بالأساس من الفيلسوف كانتْ أيضاً. أو: “إنه شرير، لأنه أناني”. نحن حصلنا على هذه الفكرة بالأساس من كانتْ كذلك. أو: “افْعل أولاً، ثم فكِّر لاحقاً”. هذه الفكرة حصلنا عليها بالأساس من الفيلسوف الأمريكي جون ديوي (1859- 1952م).

بعض الناس قد يجيب على ما سلف من أفكار بقوله: “بالتأكيد، لقد قلتُ تلك الأمور في أوقات مختلفة، ولكنني لم أكن أؤمن بمحتواها في كل الأوقات. قد تَصْدق هذه الأفكار البارحة، لكنها قد لا تَصدق اليوم”. حتى هذا القول/الفكرة حصل عليها الناس بالأساس من الفيلسوف هيغل. وقد يقول هؤلاء الناس أيضاً: “لكن، ألاَ يستطيع أحد أن يوفِّق ويقتبس أفكاراً شتَّى من فلسفات مختلفة وفق اللحظة الراهنة؟”. هذا القول/الفكرة أيضاً حصل عليها الناس من الفيلسوف وليم جيمس.

الآن، اطرح على نفسك السؤال الآتي: إذا لم تكن مهتماً في الأفكار المجرَّدة التي تأتي بها/معها الفلسفة، لماذا أنت – والناس كافة – تستخدمها أو تشعر بأنك مُرغم على استخدامها؟

في الواقع، إن الأفكار المجرَّدة هي التصوّر المفاهيمي الذي يستوعب عدداً لا يُحصى من الماديات، وأنه من دون هذه الأفكار المجرَّدة لن تكون قادراً على التعامل مع هذه الماديات، ولاسيما مشاكل الحياة الواقعية.

قد نكون جميعاً – أو بعضنا على الأقل – في وضع طفل حديث الولادة، كل شيء بالنسبة إليه هو ظاهرة فريدة وغير مسبوقة، وذلك لأن الفرق بين حالته العقلية – أي الطفل – وحالتنا كراشدين تكمن في عددِ التصوّرات المفاهيمية التي شكَّلتها عقولنا. ليس لدينا خيار حول ضرورة دمج ملاحظاتنا، خبراتنا، ومعرفتنا بالأفكار المجرّدة، على سبيل المثال، في مبادئ محدَّدة. إن خيارنا الوحيد هو ما إذا كانت تلك المبادئ حقيقية أو زائفة، وما إذا كانت تمثِّل وعينا واعتقادنا العقلاني أو مجموعة من الأفكار المُنْتَزَعَة عشوائياً، والتي مصادرها، صحَّتها، سياقها وتَبعاتها غير معروفة لدينا.

غير أن المبادئ التي نَقْبَل بها – سواء بوعي أو من غير وعي – قد تتصارع مع بعضها البعض، أو تناقض إحداها الأخرى، وهي التي ينبغي أن تكون متكاملة. ولكن ما الذي يؤدِّي إلى تكامل هذه المبادئ؟ إنها الفلسفة. ذلك أن النظام الفلسفي هو نظرة تكاملية للوجود، فنحن ككائنات بشرية، ليس لدينا خيار آخر حول حقيقة أننا نحتاج إلى الفلسفة، فخيارنا الوحيد هو ما إذا كان الفرد منّا قد حدَّد فلسفته/حياته من خلال الوعي والعمليات الفكرية المنضبطة والمصمَّمة بإحْكَام منْطقي، أو أن يدع اللاوعي يُراكم حشداً من النتائج غير المضمونة، والتعميمات الخاطئة، والتناقضات غير المحدَّدة، والشعارات غير المفهومة، والرغبات الغامضة، والشكوك والمخاوف المتجمِّعة بالمصادفة، التي تكوَّنت في اللاوعي الخاص بهذا الفرد على شكل “فلسفة هَجينة”، قد تصبح في هذه الحالة مثل “الكرة والسلسلة”- في المكان الذي يجب أن تنمو فيه أجنحة عقله.

قد يقول بعض القرّاء، كما يفعل معظم الناس، إنه ليس من السهل دوماً التعاطي مع مبادئ مجرَّدة كالتي تأتي بها/معها الفلسفة، وهذا قول صحيح، فهي ليست سهلة أبداً. لكن، كم هو صعب أيضاً أن نتعاطى مع الأمور المختلفة دون أن نعرف ما هي في الحقيقة؟

إن اللاوعي الخاص بنا هو مثل جهاز حاسوب وظيفته الرئيسة هي تكامل أفكارنا. لكن، مَن الذي بَرْمَج هذا الحاسوب؟ إنه عقلنا الواعي. غير أنه إذا ما قصَّرنا في بلوغ الوعي المناسب، ولم نصل بوعينا إلى أية قناعات راسخة، وتمَّت بَرْمَجة اللاواعي الخاص بنا عن طريق المصادفة، أو سلَّمنا ذواتنا إلى سلطةِ أفكارٍ نحن أنفسنا لا نعرف أننا قد قَبلناها، فإن جهاز الحاسوب الخاص بكل واحد منا – بطريقة أو بأخرى – سوف ” يَطْبَع Print ” كل ما تلقَّاه/استدعاه من معلومات/أوراق قد لا تحقّق مراده أو رغبته. بعبارة أخرى، إننا إذا بَرْمَجنا حواسيبنا الخاصة بنا عن طريق التفكير الواعي، فسوف نعرف طبيعة قِيَمنا وعواطفنا… الخ، أما إذا لم نفعل فلن تكون النتيجة مرضية لنا تماماً.

كثير من الناس، ولاسيما في عالمنا اليوم، يدَّعون أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش من خلال المنطق وحده، فهناك البُعد العاطفي في طبيعتنا الذي لا ينبغي أن نغفل عنه وأن نأخذه بعين الاعتبار، فغالبية الناس يعتمدون عليه في توجيه الكثير من أفكارهم/مواقفهم/سلوكياتهم. ولكن المفارقة ههنا، أن قِيمنا وعواطفنا.. مصمَّمة من خلال وجهة نظرنا الأساسية للحياة والتي لن تكون إلاّ من خلال المُبَرمِج النهائي للاوعينا وهو: الفلسفة.

إن نوعية ما ينتجه جهاز الحاسوب الخاص بكل واحد منا يتم تحديده من خلال نوعية الإدْخال، فإذا تمَّت برمجة لاوَعينا عن طريق المصادفة، سوف يكون إنتاجها مطابقاً لشخصيتنا. إن العاملين في مجال الحاسوب يستخدمون مصطلح “GIGO” وهو ما يعني أنه إذا تم إدْخال بيانات غير صحيحة في برنامج الحاسوب فإن النتيجة سوف تكون غير صالحة. إن هذه الصيغة نفسها تنطبق على العلاقة بين تفكير الإنسان وعواطفه. ذلك أن الإنسان الذي تُديره عواطفه وانفعالاته، هو أشبه بإنسان يديره جهاز حاسوب لا يستطيع أن يقرأ ما طَبَعَه من أوامر، فهو لا يعرف ما إذا كانت برمجة ذلك الحاسوب صحيحة أم خاطئة، والمعلومات التي تم إدخالها صادقة أو كاذبة، وإذا ما كان هذا الأمر، بالتالي، يقوده إلى النجاح أو إلى الدمار.

إن الإنسان الذي تُديره عواطفه وانفعالاته هو أعمى على جبهتين: جبهة العالم المحيط به من ناحية، وجبهة عالمه الداخلي من ناحية أخرى، وهو بذلك غير قادر على أن يفهم الواقع المَعيش أو دوافعه الخاصة، كما أنه يحيا في رعب دائم من كليهما. ليست العواطف والانفعالات أدوات للمعرفة، والبشر الذين لا يهتمّون بالفلسفة يحتاجون إليها على نحو عاجل جداً لأنهم عاجزون جداً أمام سطوة العاطفة وطغيان الانفعال.

من نافلة القول أن البشر الذين لا يهتمّون بالفلسفة يستوعبون مبادئها من الأجواء الثقافية المحيطة بهم، أي من الجامعات، المعاهد، المدارس، الكتب، المجلات، الصحف، الأفلام، التلفزيون، الإذاعة… الخ. ولكن إذا تساءلنا عن المَعْنيّ بتحديد وتيرة الثقافة، فماذا ستكون الإجابة؟ إنهم حَفنة صغيرة من البشر يُطلق عليهم الفلاسفة. فخلال حوالي 200 عام وتحت تأثير الفيلسوف إيمانويل كانتْ، تم توجيه النزعة السائدة للفلسفة نحو هدف واحد هو الثقة في قُدرة العقل.

عندما يهجر الناس العقل، لا يكتشفون فقط أن عواطفهم لا تستطيع قيادتهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يخبروا أي عواطف باستثناء واحدة: الجَزع. إن انتشار الإدمان على المخدرات بين الشباب، مثلاً، يدلّ على حالة داخلية لا تطاق بين الناس الذين حُرموا من وسائل المعرفة والذين يسعون، عبر الإدمان، للهروب من الواقع، أي من جَزع عدم المقدرة على التعامل مع الوجود. وليس أدل على ذلك من توجّس أولئك الشباب من الاستقلالية الفكرية، ومن رغبتهم المحمومة في “الانتماء” فتراهم يرتبطون بعضهم البعض في جماعة أو عُصبة. إن غالبية هؤلاء الشباب لم يسمع بالفلسفة قط، لكنهم يشعرون بحاجتهم إلى أجوبة على بعض الأسئلة الأساسية التي لا يجرؤون على طرحها، فيما هم يأملون من قَبِيلتهم أو الجماعة أو العُصبة التي ينتمون إليها أن توضِّح لهم سبيل العيش المناسب. من هنا فإن هؤلاء الشباب على استعداد – وهنا الخطر – لإتباع أو السير وراء أيّ مدَّعي أو مشعوذ أو حتى طاغية. إن أحد أكثر الأشياء خطورة هو أن يُسلِّم الفرد استقلاله العقلي والأخلاقي للآخرين.

والآن قد يسأل بعض القرّاء: على الرغم من أهمية الفلسفة، إلاّ أنها ليست كياناً واحداً، فهناك فلسفات عديدة، وبالتالي فإن كثيراً من نظريات/أطروحات هذه الفلسفات قد يبدو لا معنى له، ولا يحمل أي علاقة بالحياة الواقعية؟

إن من يتبصَّر في تاريخنا الحديث والمعاصر سوف يجد الفلسفة حاضرة في أصلِ كلِّ إنجاز مدني وحضاري، مثل العلوم، التكنولوجيا، التقدّم، الحرية… الخ، وفي أصل كلِّ قيمة نتمتَّع بها اليوم بما في ذلك حقوق الإنسان.

إذا كان بعض الناس يشعر بالمَلَل والسأم عند قراءة النظريات الفلسفية المعقَّدة أو غير المفهومة لدى بعض الفلاسفة، فإن عندهم – ربما – وجهة نظر محقة. ولكن إذا كان هؤلاء الناس يستبعدون أو يُنحّون هذه النظريات تماماً، قائلين: لماذا ينبغي أن ندرس هذه النظريات عندما نعرف أنها بلا معنى؟ فإنهم سيكونون حينها مُخطئين. إن النظريات الفلسفية ليست بلا معنى أو هراء، ولكن الناس لا يعرفون ذلك، علماً بأنه لن يمضي وقت طويل حتى يذهب الناس لقبول استنتاجات الفلاسفة جميعها، بل وجميع العبارات النَّزِقَة التي أنتجها هؤلاء الفلاسفة. كما لن يمضي وقت طويل حتى يُدرك الناس أنهم غير قادرين على دَحْضِ أطروحات الفلسفة.

إن الناس لا يعرفون أن صفة “اللامعنى” أو الهراء الذي يُطلقه بعضهم على الفلسفة، يتعامل مع أهم مسائل الحياة أو الموت في الوجود البشري، ففي أصل كل نظرية فلسفية عظيمة، هناك مسألة “شَرْعية” – بمعنى أن هناك حاجة أصيلة وواقعية للوعي البشري، فبعض النظريات الفلسفية تناضل من أجل أن تمحِّص وتوضِّح، بل وتصارع أحياناً كثيرة من أجل التفسير والتعليل ودَفْع الإنسان إلى المعرفة والاكتشاف. إن معركة الفلاسفة الحقيقية هي الكفاح والنضال من أجل عقل الإنسان، وإذا كنّا لا نفهم نظرياتهم وأطروحاتهم، فسنكون عرضة لنَيْل الأسوأ من الأفكار والآراء.

إن أفضل وسيلة لدراسة الفلسفة هي أن يُقارب الناس بينها وبين نَهج القصة البوليسية؛ أي تتبّع كل دَرْب أو طريق، والبحث عن دليل أو تلميح، وذلك لاكتشاف من هو القاتل ومن هو البَطل. علماً بأن معيار الكَشف/الحقيقة هو الإجابة عن سؤالين رئيسين هما: لماذا ؟ وكيف ؟ هذا وإننا لن نجد كل الأجوبة عن أسئلتنا فوراً، ولكن سوف نكتسب سمة لا تقدَّر بثمن هي القدرة على التفكير في “الأساسيات”.

لا شيء يُعطى للإنسان تلقائياً، لا المعرفة، ولا الثقة بالنفس، ولا السَّكينة الداخلية، ولا الطريقة الصحيحة لاستخدام العقل.. فكلّ قيمة يحتاجها أو يريدها الإنسان عليه اكتشافها، تعلّمها واكتسابها، ومن ذلك الوقْفة الملائمة لأجسامنا. في هذا السياق، يمكن أن نتذكر، مثلاً، وقفة خرِّيجي الكليات العسكرية، وهي الوقفة التي تُبرز شموخ الإنسان الذي تدرَّب على التحكّم في جسمه. كذلك تمنح التمرينات الفلسفية للإنسان الوضعية الفكرية المناسبة، والفخر، والتدريب على التحكّم في عقله. في المهنة الخاصة بالعلوم العسكرية، يعرف العسكريون أهمية تعقّب أسلحة الأعداء، استراتيجياتهم وتكتيكاتهم، ووجوب الاستعداد لمواجهتهم. والشيء نفسه ينطبق على الفلسفة، إذ عليك أن تَفهم أفكار “الأعداء” وتكون مستعداً لدَحضها؛ أي عليك معرفة الحُجج الرئيسة للخصم حتى تكون قادراً على سَحقها.

إن معركةً ضد هذا “العدو” ومن هذا النوع تتطلَّب أسلحة خاصة، إذ لا بد من خوضها بفهمٍ كاملٍ للقضيّة محلّ النقاش، وبثقة كاملة بالنفس، وعلى أكمل وجه من صواب اليقين “الأخلاقي” على حدّ سواء. هذا وليس غير الفلسفة تستطيع أن تزوّدنا بهذه الأسلحة.

إننا ندرس الفلسفة أو النظريات الفلسفية لحماية الذات، ودفاعاً عن الحقيقة والعدالة والحرية، وأيّ قيمة تمسَّكنا بها، أو سوف نتمسَّك بها.

شاهد أيضاً

جين رولاند مارتن: لماذا يجب أن تتغير المدرسة؟

ترجمة: نورة آل طالب أجرى محرر نيو فيلوسوفر زان بواغ مقابلة مع جين رولاند مارتن، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *