الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / الدراسة المنظمة للنص الفلسفي: الأستاذ محمد بوتنبات

الدراسة المنظمة للنص الفلسفي: الأستاذ محمد بوتنبات

يسعدني أن يشاطرني الزملاء الأعزاء هذا العرض الذي كنت قد تقدمت به في إطار تكويني سنة 1992. وبالرغم من كونه يتعلق بمقرر سابق فلربما منهجيته لازالت صالحة لمعالجة النصوص، وليطلع الزملاء الجدد على بعض ما تراكم من اجتهادات شخصية في تدريس المادة.

الدراسة المنظمة: تمهيــد

الغرض من هذه المداخلة هي المساهمة في توضيح الدراسة المنظمة كإحدى المقاربات في التعامل مع النص في الدرس الفلسفي.

لماذا وقع الاختيار على هذا الموضوع ؟

أولا لأن النص هو قدر معلمي الفلسفة . فإذا لاحظ جورج زيمـل G. Simmel في كتابه la philosophie de la modernité أن هناك ثلاثة أصناف من الفلاسفة الصنف الأول ينصت إلى ” دقات قلب” الأشياء ، والصنف الثاني ينصت إلى “دقات قلب ” الإنسان، أما الصنف الثالث فانه ينصت إلى “دقات قلب “المفاهيم ، فلم لا يكون هناك صنف رابع وهو صنف معلمي الفلسفة الذين ينصتون إلى “نبضات” النصوص ؟ علما أن للإنصات دورا أساسيا في عملية التواصل بل يعتبر أحد مكوناتها ، أن نتكلم وأن ننصت هما أمران متلازمان حسب هوسرل Husserl .أن ننصت إلى نبضات النص ، معناه الاقتراب من فكر ما لاكتشاف بنيته بكل تمفصلاتها ، وإدراك حركيته بكل ثناياها ، واستجلاء مقاصده بكل تلاوينها. ولا يتسنى لنا ذلك إلا إذا تمرسنا بمنهجية واضحة ، وتمكنا من قواعد تساعدنا على السير بخطوات ثابتة لتحقيق الهدف الذي وضعناه من دراسة النص .

ثانيا ، إذا رجعنا إلى الوثيقة التربوية الخاصة بتداريب استكمال تكوين أساتذة مادة الفلسفة لسنة 1992، لألفينا أنها تجعل من الدراسة المنظمة إحدى المقاربات التي يمكن استخدامها في التعامل مع النص ، إلى جانب المقاربة الإشكالية والمفاهيمية والتيماتية ، وهذا شيء جديد بالنسبة لأنواع المقاربات التي تم الإشارة إليها في كتاب التوجيهات لسنة 1991 .

لهذه الأسباب وقع الاختيار على هذا الموضوع لنساهم في تبيين طبيعة الدراسة المنظمة ، وخطواتها ، والخصائص التي تميزها عن أشكال المقاربات الأخرى .

1ـ تحديدات أولية

1ـ1ـ النص : للنص تعاريف عديدة تعكس توجهات معرفية ونظرية ومنهجية مختلفة ، فهناك التعريف البنيوي ، وتعريف اجتماعيات الأدب ، والتعريف الدلالي ، وتعريف اتجاه تحليل الخطاب … وأمام هذا الاختلاف يرى أحد الباحثين و هو محمد مفتاح أنه لا يسع المرء إلا التركيب بينها جميعا لاستخلاص المقومات الجوهرية التالية :

ـ مدونة كلامية : يعني أنه مؤلف من كلام وليس صورة فوتوغرافية أو رسما …

ـ حدث : إن كل نص هو حدث يقع في زمن و مكان معينين ، لا يعيد نفسه إعادة مطلقة ، مثله في ذلك مثل الحدث التاريخي .

ـ تواصلي : يهدف إلى توصيل معلومات ومعارف ، ونقل تجارب إلى المتلقي .

ـ تفاعلي : على أن الوظيفة التواصلية ليست هي كل شيء ، فهناك الوظيفة التفاعلية التي تقيم علاقات بين أفراد الجماعة وتحافظ عليها .

ـ مغلق : ويقصد بالانغلاق سمته الكتابية التي لها بداية ونهاية ، ولكن من الناحية المعنوية هو:

ـ توالدي : إن الحدث اللغوي ليس منبثقا من عدم ، وإنما هو متولد من أحداث تاريخية ونفسانية ولغوية ومعرفية ، وتتناسل منه أحداث لغوية أخرى لاحقة له .

فالنص إذن مدونة حدث كلامي ذو وظائف متعددة ، ثم تضاف إليه صفة فلسفي حتى تتحدد هويته بمعايير داخلية وخارجية وتميزه عن نصوص أخرى أدبية أو علمية أو غيرهما ، مـع العلم أن هذه النصوص الأخيرة يمكن أن تخضع بدورها للتحليل والنقد الفلسفيين .

1ـ2ـ التنـاص : وقد حدده باحثون كثيرون مثل كريستيفا ، وأرفي ، ولورنت ، ورفاتير … ، على أن واحدا من هؤلاء لم يصنع تعريفا جامعا مانعا ، لذلك سيلجأ نفس الباحث إلى استخلاص مقومات التناص من مختلف التعاريف ، وهي :

ـ فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت في النص بتقنيات مختلفة .

ـ ممتص لها بجعلها من عندياته ، وبتصييرها منسجمة مع فضاء بنائه ، ومع مقاصده .

ـ محول لها بتمطيطها أو تكثيفها بقصد مناقضة خصائصها ودلالتها ، أو بهدف تعضيدها .

ومعنى هذا أن التناص هو تعالق نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة .

1ـ3ـ الدراسة المنظمة : ما هي الخصائص التي تميزها ؟ وما خطواتها ؟

سأحاول تحديد هذه الخصائص بالسلب ، بمعنى أن ننفي عن الدراسة المنظمة كونها :

1ـ3ـ1 ـ ليست بمنهجية سردية أو تعليقات ذات صبغة تاريخية Le commentaire historique ، ذلك أن المأخذ على تدريس الفلسفة من وجهة نظر تاريخية صرفة ، هو كونها تقتضي من جهة ثقافة تاريخية واسعة ، ومن جهة أخرى ينتج عنها الاعتقاد لدى التلميذ في أن الفلسفة ليست لها من أهمية سوى تاريخية ، وأنها شيء يتعلق بالماضي ، وأن دراستها تماثل حسب عبارة هيجل التسكع بين القبور . إن التكوين الفلسفي يقتضي التفكير مباشرة في اشكالات ومفاهيم فلسفية ، ويساهم تاريخ الفلسفة بصورة ما في هذا التكوين ، إلا أن تعليم الفلسفة/التفلسف ليس في حد ذاته تاريخيا سواء في مشروعه أو في منهجه .

1ـ3ـ2ـ ليست دراسة تجزيئية تقوم على الاكتفاء بتقسيم النص إلى أجزاء يقع الاهتمام ببعضها دون الآخر ، والحال أن الدراسة المنظمة تقتضي بالتعريف الاهتمام بالتسلسل الكلي لأفكار النص مع مراعاة وحدة التفكير وانسجامه .

ـ1،3ـ3ـ ليست دراسة حرفية تدقيقية للنص Pointilliste أي دراسة تركز بصورة دقيقة على كلمات النص وعباراته ، عوض الاشتغال عليه في كليته ، مع التركيز على ما هو مستهدف من دراسة النص . وإذا كانت هذه الطريقة التجزيئية تنطلق من إحساس سليم هو الاهتمام بالنص في كل جزئيا ته ، فإنها لا تتناسب والوظيفة الحقيقية للتحليل بالوقوف على تسلسل الأفكار وتمفصلاتها وأدوا ت ربطها النحوية والمنطقية دون الوقوع في التجزيئية .

 

إذا كانت الدراسة المنظمة هي غير تلك الطرق التي أشرنا إليها ، فماذا عساها أن تكـون ؟ وما خطواتها ؟ إنها دراسة تهدف إلى إبراز إشكالية النص بعد توضيح موضوعته/ تيمته Thème ، وأطروحته Thèse وتحديد الجهاز المفاهيمي الذي ينتظمه . باختصار شديد ، إنها تتضمن كلا من المقاربة الإشكالية والمفاهيمية والموضوعاتية / التيماتية ، وكل مقاربة تستدعي الأخرى ، تغنيها ولا تلغيها .

2ـ خطوات الدراسة المنظمة وموجهاتها الرئيسية

ليس الهدف من هذا الجزء في العرض هو تقديم خطوات آلية إلى حد ما ، حيث يجب الخضوع لها بشكل صارم ، وانما الأمر يتعلق بخطوات وموجهات تتسم بالمرونة وتتكيف مع طبيعة النص والهدف من دراسته . ومن خطوات هذه الدراسة المنظمة :

ـ2ـ1ـ الإشكال :

يعتبر تحديد الإشكال الخطوة الحاسمة في الدراسة المنظمة ، ويقصد بالإشكال في اللغة العادية الحاجز أو العائق ، وفي المنطق المقدمة التي تستدعي البرهنة ، بيد أن هذه المقدمة لا تصبح إشكالا إلا إذا وضعت موضع تساؤل . ومن ثمة فالإشكال بصفة عامة هو عبارة عن تساؤل نقدي يصوغ علاقة بين وقائع أو بين أفكار ، بمعنى أن أية فكرة أو واقعة لا تشكل في حد ذاتها إشكالا . وبناء عليه ، يكون الإشكال ناتجا عن علاقة بين طرفين متناقضين يقتضي كل طـرف البرهنة والتدليل .

إلا أن إبراز إشكال النص وصياغته تستوجب قبل ذلك فهم وتحديد تيمة النص وأطروحته .

ـ2ـ2ـ التيمـة و الأطروحة :

لا يمكن لعملية بناء الإشكال وصياغته أن تتحقق إلا بعد التـعرف على تيمـة الــنص وأطروحته.

فالتيمة هي الموضوع الذي يعالجه النص ، وهو ما يمكن الإجابة به عند السؤال : عن ماذا يتحدث النص ؟ يمكن القول أنه يتحدث مثلا عن التاريخ أو الشخصية أو اللغة … إلا أن هذا التحديد للتيمة يبقى عاما ، ونحن ملزمون في إطار دراسة النص بأن يكون التحديد خاصــا، بمعنى ، ما الذي يميز مثلا نص ابن جني عن نص أفلاطون عن نصوص أخرى ضمن تيمة اللغة ، لذلك ينبغي تحديد التيمة بشكل أدق بدل التواري خلف ما هو عام .

أما الأطروحة فهي الفكرة العامة التي تتحكم في النص والتي يمكن التعرف عليها من خلال الإجابة عن السؤال : ما الذي يراد البرهنة عليه ؟

إن الهدف من التعرف على أطروحة النص هو تحديد مقصدية صاحبه و الرسالة التي يريد تبليغها للمتلقي ، سواء كانت ظاهرة صريحة أو مضمرة ملتوية . كما لا ينبغي ربط الأطروحة بالتصور العام للفيلسوف أو بنسقه ، بل يتم الاكتفاء بموقفه في النص تفاديا لكل تناقض في المواقف .

ـ2ـ3ـ الجهاز المفاهيمي :

ما هو المفهوم ؟ وما خصائصه ؟ وما دوره في دراسة النص ؟

ليس المفهوم كلمة ، ولا شيئا ، ولا العلاقة التي تربط بين الكلمة والشيء ، فالأحرى أن يكون الصورة الذهنية التي تجمع بينهما . المفهوم إذن موضوع للتفكير ، يبنى ويشيد انطلاقا من تمثل يمنح معنى ودلالة واضحة للكلمة وللشيء وللعلاقة بينهما . ونظرا لهذه الأهمية التي يكتسيها المفهوم يرى دولوزـ كاطاري أن الفلسفة هي فن إبداع المفهوم . وهذا ما يجعل من الصياغة المفاهيمية إحدى المهمات الأساسية للتفكير الفلسفي والتي ينبغي الكشف عنها أثناء تحليل النص ودراسته .

ليس المفهوم عنصرا بسيطا ، بل هو وحدة مركبة من مكونات يتحدد من خلالها ، بحيث يعتبر كل مفهوم نقطة التقاء أو تكثيف أو تراكم لمكوناته الخاصة .

لهذا يقتضي التحليل السليم والدراسة المنظمة تحديد الجهاز المفاهيمي ، وذلك بتتبع مساره العضوي واكتشاف تمفصلاته وابراز تنظيمه الداخلي ، إذ الجهاز شبكة من العلاقات بين المفاهيم والتي تشكل بنية النص . وكل تحديد للمفهوم يتطلب الالتزام بمرحلته التاريخية وبالمضمون المناسب كما هو وارد في النص ، دون القفز على مراحل تطوره أو محاولة إسقاط عليه الصورة التي يمكن أن يتخذها عبر مختلف الأحقاب أو مختلف المستويات لأن للمفهوم تاريخا و صيرورة .

بناء على ما سبق ، يكون من الملائم مساءلة معجم النص ، وتحديد دلالات مفاهيمه حسب السياق والمساق ، لأن أي انزلاق في تحديد المعنى يؤدي حتما إلى تبسيط أفكار المؤلف وابتذالها ، إن لم نقل إلى تشويهها .

ـ2ـ4ـ1ـ الأهمية الفلسفية للنص :

تتحدد أهمية النص وقيمته الفلسفية على مستويين :

ـ2ـ4ـ1ـ قيمة الإشكال المطروح ، وأهمية الحل المقترح من طرف المؤلف ، وذلك بالمقارنة مع حلول أخرى سابقة أو لاحقة . وهكذا يمكن إبراز قيمة النص على مستوى تاريخ ا لفلسفة أو على مستوى الواقع أو على مستوى ما يحمل من حلول عملية .

ـ2ـ4ـ2ـ نقد النص :

يقتضي الأمر في هذا المستوى اتخاذ مسافة من النص ، والتمييز بين المعنى الذي هو موضوع الفهم ، والدلالة التي هي موضوع الحكم والنقد . ولا يكون للنقد الفلسفي من معنى وقيمة إلا بعد أن يبذل مجهود لفهم النص والتمكن من أفكاره واستجلاء مقاصده، وإلا كان الحكم خاطئا والنقد فاسدا، ذلك أن النقد بناء يتطلب الموضوعية قبل أن يكون هدما وتحاملا ، والذي يهدم دون أن يبني لهو بمثابة من يحدث جرحا لا يندمل في جسم الفلسفة .

 

 

3 ـ المرحلة التطبيقية :

سأحاول في هذه المرحلة من العرض ربط النظر بالعمل ، وذلك بتقديم خطاطة عامة حول دراسة نص ” اللغة أ إلهام هي أم اصطلاح ؟ ” لابن جني من كتاب ”الخصائص“

ـ3ـ1ـ منطوق النص :

” إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف . إلا أن أبا علي قال لي يوما : هي من عند الله ، واحتج بقوله سبحانه : ” وعلم آدم الأسماء كلها ” وهذا لا يتناول موضع الخلاف ، وذلك انه قد يجوز أن يكون تأويله : أقدر آدم على أن تواضع عليها (…) ، فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به (…) . على أنه لم يمنع قول من قال : إنها تواضع منه ، على أن قد فسر هذا بأن قيل : إن الله سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات بجميع اللغات ، العربية والفارسية والسريانية والعبرانية والرومية ، وغير ذلك من سائر اللغات ، فكان آدم وولده يتكلمون بها ، ثم إن ولده تفرقوا في الدنيا ، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه، واضمحل عنه ما سواها لبعد عهدهم بها . وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا ، وجب تلقيه باعتقاده والانطواء على القول به (…)

ثم لنعد فلنقل في الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيا ، وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه من المواضعة . قالوا : ذلك كأن يجتمع حكيمان أو ثلاثة فصاعدا ، فيحتاجوا إلى الإبانة عن الأشياء المعلومات ، فيصنعوا لكل واحدة منها سمة ولفظا ، إذا ذكر عرف به مسماه ليمتاز من غيره وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين (…) بل قد يحتاج في كثير من الأحوال إلى ذكر ما لا يمكن إحضاره و لا إدناؤه كالفاني ، وحال اجتماع الضدين على المحل الواحد (…) فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم ، فأومئوا إليه وقالوا : إنسان، إنسان ، إنسان ، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوقات ، وان أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك ، فقالوا : يد ، عين (…) فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معناها ، وهلم جرا في سوى ذلك من الأفعال والأسماء والحروف ، ثم لك بعد ذلك أن تنقل هذه المواضعة إلى غيرها ، فتقول : الذي اسمه إنسان فليجعل مكانه مرد [ اسم إنسان بالفارسية ] والذي اسمه رأس فليجعل مكانه سر فوقعت المواضعة عليها ، لجاز أن تنقل ويولد منها لغات كثيرة : من الرومية والزنجية وغيرها (…)

وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كحفيف الريح ، ودوي الرعد وخرير المياه (…) ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد. وهذا عندي وجه صالح ، ومذهب متقبل (…) وان خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها ، قلنا به ” .

ابن جني ، الخصائص ، دار الكتاب العربي بيروت ص . ص . 40 ـ 41

ـ3ـ2ـ منهجية التحضير و إستراتيجية العمل :

تتعلق هذه الإستراتيجية بوضع خطاطة عامة يساهم في تحضيرها كل من الأستاذ والتلميذ بعد أن يتعرف على خطواتها المنهجية .

ـ3ـ2ـ1ـ وضعية النص و موقعه :

نحاول في هذه الخطوة تحديد موقع النص ضمن الإشكالية العامة للدرس ، وذلك لابراز أهميته ودوره داخل الوحدة الفرعية . تتكون موضوعة اللغة من أربع وحدات وهي : اللغة ظاهرة خاصة بالإنسان ، اللغة والفكر ، طبيعة اللغة ، وظائف اللغة . ويقع هذا النص داخل وحدة : طبيعة اللغة . ويأتي بعد نص أفلاطون ليضيف موقفا جديدا من أصل اللغة وطبيعة العلاقة بين الاسم والمسمى ، وهو موقف يتعلق ببعض المفكرين الإسلاميين .

ـ3ـ2ـ2ـ بنية النص :

تتسم بنية هذا النص بالحركية والديناميكية ، حيث ينطلق بجملة توكيدية تكثف المعنى العام وهو التسليم المبدئي بالموقف العقلاني من أصل اللغة ، ثم يستدرك بأداة الاستثناء موقف أصحاب النقل من هذا الأصل ، ويستمر النص في سجال بين الموقفين ، كل يبدي حججه وعلل آرائه ، ليختتم بموقف الطبيعيين الذي ينبني على المحاكاة . وهوا لموقف الذي يرتاح له صاحب النص .

ـ3ـ2ـ3ـ الجهاز المفاهيمي :

يتشكل الجهاز المفاهيمي للنص من المصطلحات التالية :المواضعة ، الاصطلاح ، التوقيف ، المحاكاة ( المدلول حاضر ، والدال غائب ) .

ـ المواضعة : هي اتفاق بين جماعة على تداول شيء ما أو لغة ما.

ـ الاصطلاح : يقوم على الاعتباط ، وهو عدم وجود علة ما لتبرير علاقة ما ، أي أن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة غير معللة .

ـ التوقيف : وهو أن الله ثبت في نفس الإنسان صيغا لفظية ، وعلمه الأسماء كلها أي الأسماء والأفعال والحروف .

ـ المحاكاة : وهي التقليد أو التشبيه ، أي أن اللغة تحاكي أصوات الطبيعة محاكاة حسية لا ما هوية.

بعد تحديد المفاهيم سنبرز بعض مكوناتها حتى نتمكن من استنتاج الرهان الذي تقوم عليه .

ـ مكونات المواضعة ، و تستدعي المفاهيم التالية : الإنسان ، الحرية ، القدرة ، الإبداع ، اللغة ، أي أن اللغة من إبداع الإنسان لما يتمتع به من حرية واقتدار .

ـ مكونات الاصطلاح ، وتستدعي : الاتفاق ، الاستعمال ، العادة ، الحكيم المشرع .أي يكفي أن يشرع مجموعة من الحكماء لغة حتى ترسخ بالاستعمال والعادة دون تعليل .

ـ مكونات التوقيف ، وتستدعي المفاهيم التالية : الله ، الخلق ، اللغة ، أي أن الله هو الذي خلق اللغة وعلمها الإنسان .

ـ مكونات المحاكاة وهي : الطبيعة ، الصوت ، الدلالة ، أي أن لكل أصل من الأصول الصوتية دلالة على الأشياء الطبيعية .

يتبين أن الرهان في اللغة ، شأنها شأن باقي القضايا الفكرية والعلمية والعملية في الفكر الإسلامي ، يدور الصراع حولها بين أصحاب العقل والنظر وأصحاب النقل والسمع . بين من ينادي بحرية الإنسان وقدرته على خلق لغته ، ومن يجعل من الله الخالق الأوحد للغة لا يشاركه فيها أحد من خلقه .

ـ3ـ2ـ4ـ تيمة النص :

يتعلق الأمر هنا بالجواب عن السؤال : عن ماذا يتحدث النص ؟ وما موضوعه ؟

يتحدث النص عن طبيعة اللغة وأصلها ، وعلاقة الاسم بالمسمى ، والمواقف التي اتخذت منها .

ـ3ـ2ـ5ـ أطروحة النص :

يبدو من القراءة الأولى للنص أن صاحبه يميل إلى الموقف الطبيعي (اكراتيل ) الذي يرى أن علاقة الاسم بالمسمى علاقة طبيعية ، بمعنى أن أصل اللغات يعود إلى محاكاة الأصوات المسموعات .

ـ3ـ2ـ6ـ صياغة الإشكال :

وتتم عبر مستويين :

ـ3ـ2ـ6ـ1ـ مساءلة النص ، وذلك بوضع مجموعة من التساؤلات ، من قبيل : كيف يمكن اعتبار اللغة توقيفا والإنسان لازال يصنع أسماء لما يخلقه ويكتشفه ؟ ألا يؤدي القول بالتوقيف إلى محدودية اللغة ووقف لتطورها ؟ ألا يرسخ الموقف الطبيعي الاعتقاد بإمكانية التعرف على كل اللغات مادامت تحاكي أصوات الطبيعة ؟…

ـ3ـ2ـ6ـ2ـ الإشكال / الإحراج Aporie : وهو السؤال أو الأسئلة المحورية ذات البعد الإحراجي : هل أصل اللغة تواضع واصطلاح أم وحي وتوقيف ؟ وهل العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة طبيعية ضرورية أم اعتباطية غير معللة ؟

ـ3ـ2ـ7ـ التدليل على المواقف :

استخراج الحجج والأدلة التي يقدمها أصحاب التوقيف : تأويل الآية ” وعلم آدم الأسماء كلها ” أي أن الله خلق اللغة وخلق اختلافها وتبّثها في نفس الإنسان ليعبر بها عن أغراضه . أما احتمال تأويل الآية بأن الله أقدر آدم على أن تواضع عليها ، فإن هذا التأويل يؤدي حتما إلى نسف دليل التوقيف .

أما دليل أصحاب المواضعة ، فيستنتج من كون المواضعة على لغة ما يحتاج إلى الإيماءة والإشارة والحواس ، وهذه أشياء لا تجوز في حق الله ، بل هي من سلوك الإنسان ، ومن ثمة فاللغة من خلقه .

أما ابن جني فلا يقدم في هذا النص دليلا سوى استحسانه للمذهب الطبيعي الذي يجعل من الأصوات المسموعات أصلا لكل اللغات ، ويقدم على ذلك أمثلة كحفيف الريح ودوي الرعد وخرير المياه . إلا أن واقع اللغة يخالف هذا المذهب .فإذا كانت بعض الكلمات تحاكي أصوات الطبيعة ، فان هناك من الأسماء ما لا يعد لا يحاكيها ، وهذا لا يمنع الناس من استعمالها والتواصل بها .

ـ3ـ2ـ8ـ القيمة الفلسفية للنص :

تتجلى قيمة النص في كونه يعرض لثلاثة مواقف متعارضة حول أصل اللغة وطبيعتها وهي : الموقف الاصطلاحي ، والتوقيفي ، والطبيعي بحيث صار النص فسيفساء من النصوص والأعلام من خلال مواقفهم كسقراط وأفلاطون وهيرموجين واكراتيل وأبي علي شيخ ابن جني . وهذا يدل على أن عملية التناص تساعدنا على إدراك القيمة المعرفية والفلسفية والحضارية لهذا النص .

 

شاهد أيضاً

الفلسفة والأطفال: تأسيس العقلانية المرحة

سامي عبد العال سامي عبد العال        ربما لم يلتفت كثيرٌ من الفلاسفة إلى ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *