الرئيسية / كتاب كوة / سعيد ناشيد / من قواعد التديُّن العاقل: سعيد ناشيد

من قواعد التديُّن العاقل: سعيد ناشيد

-1-

القاعدة الأولى: يتطور الدين بفعل الخروج من الدين.

التحليل: ليس أدل على ذلك من أن الصحابة والتَّابعين لم يتقيَّدوا حرفيًا بأي شيء اسمه سنَّة الرَّسول أو سيرته أو وصاياه. ولو كان الأمر على غير ذلك النَّحو لما جمعوا القرآن أصلاً، ولما رتَّبوه بهذا الترتيب من الحمد إلى المعوذتين، ولما دوَّنوه في مصحف واحد، ولما وضعوا للسُّور أسماء ثابتة، ولما فرَّقوا بين السُّور بالبسملة، ولما أضافوا التَّنقيط والتَّنوين، ولما أقرُّوا التأريخ بالتقويم الهجري القمري، ولما نقلوا العاصمة من المدينة ( أم القرى ) إلى دمشق ثم بغداد، ثم، ثم… ولما جمعوا في الأخير أحاديث الرَّسول ودوَّنوها في أصحاح، وقد قال الرَّسول بنفسه، “لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه” (صحيح مسلم). وبالجملة المفيدة، لو تقيَّد الصحابة والتابعون بسنَّة الرسول وسيرته ووصاياه لما وُجِد شيء اسمه النص الديني، ولما وجد شيء اسمه الخلافة.

الاستنتاج: أكثر شيء يهدد هذا الدين اليوم هو الدَّعوة (للعودة) إلى الدين.

 

-2-

القاعدة الثانية: لا تدل السُّنَّة على ما فعله الرَّسول في الماضي، لكنها تدلُّ على ما يمكننا أن نفعله اليوم.

التحليل: بحيث أن السنَّة لا تنتسب إلى الرَّسول على وجه الحصر؛ فهي في الخطاب القرآني تدل على كافة الديانات السماوية “سنَّةُ الله في الذين خلوا من قبل” (الأحزاب 62)؛ “سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً” (الإسراء 77)؛ “قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” (آل عمران 137)؛ “يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ” (النساء 26). وفي الأقوال المنسوبة للرسول – بصرف النظر عن صحتها – فالسنَّة لا تدل على أفعال الرسول حصرًا. مثل ذلك قوله : “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الرَّاشدين المهديين من بعدي”. بل السنَّة أوسع من ذلك إذ تدل على أي فعل يبدعه أي شخص فيغدو قدوة للآخرين، سواء بالمعنى السلبي أو بالمعنى الإيجابي. فقد روي عن الرَّسول أن قال : “من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة”. ما يعني أنَّ بوسع أيِّ شخص أن يسنَّ سنَّة حسنة تبعًا للظروف والسياق والأحوال. وفي رواية أخرى “من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا”. ما يعني أن السنَّة سلوك يحدثه ويبدعه شخص ما في زمن معين فيصبح قدوة للآخرين على مدى زمني قد يطول وقد يقصر، سواء سلبًا أم إيجابًا.

الاستنتاج: السُّنَّة هي ما نسنُّه من سلوك مناسب لنا.

 

-3-

القاعدة الثالثة: أحكام القرآن نسبية.

التحليل: يقوم الخطاب القرآني على قابلية أحكامه للنسخ والتعديل والتعطيل. فقد نُسخت بعض أحكام القرآن بفعل آيات جديدة : “ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها…” (البقرة 106). وهذا ما أقرَّه الفقهاء وعلماء القرآن، بصرف النظر عن أنواع النسخ والإنساء؛ وقد نُسخت أخرى بسبب تبدُّل الأحوال وانتفاء العلل، مثل الآيات التي تدعو المسلمين إلى الهجرة من مكة للمدينة (وهي كثيرة) ومن المنطقي أن يكون حكمها قد أُلغي تلقائيًا عقب فتح مكة، ومثل الآيات القرآنية التي تخاطب النبيَّ حصرًا، أو زوجاته حصرًا، أو بعض الصحابة في سياقات محددة، والتي من الطبيعي أن يزول حكمها بزوال المعنيين بالأمر. وكذلك، أو بالأحرى، مثل آيات القتال التي كانت تهيئ المسلمين لغاية الهدف الأكبر، فتح مكة، ومن ثم العودة من الهجرة والمنفى إلى أم القرى. لذلك، وبعد الفتح لم تنزل أي آية من آيات القتال. وفي كل الأحوال فإن النسخ إما بسبب تغيُّر النص أو بسبب تبدُّل الأحوال وانتفاء العلل يعني أن الأحكام القرآنية نسبية، وهي تخص المخاطبين في سياق التنزيل وزمن النزول. وأما نحن اليوم، فلا تشملنا أحكام القرآن بأي حال من الأحوال، وإنما تشملنا القيم الوجدانية الكلية، من قبيل “العفو عن الناس”، و”كظم الغيظ”، و”المجادلة بالحسنى” و”العِشْرة بالمعروف”، ونحو ذلك من القيم الوجدانية التي أغفلها الموروث الديني، وكان لهذا الإغفال ثمن باهظ الكلفة.

 

الاستنتاج: أحكام القرآن جزئية عرضية ظرفية ينسخها الزمن، وليس يبقى من الخطاب القرآني غير القيم الوجدانية الكلية.

 

-4-

القاعدة الرَّابعة: بعد فتح مكة في العام الثامن الهجري، انتهت مشروعية الفتوحات.

التحليل: كثيرًا ما نواجه أسئلة حول الموقف ممَّا يُعرف بالفتوحات الإسلامية، هل كانت واجبًا دينيًا أم اجتهادًا دنيويًا أم أنها مجرد جموح استعماري؟ من الواضح أن غاية الفتوحات بالمعنى القرآني كانت هي فتح مكة على وجه التحديد. لذلك، مباشرة بعد تحقق الهدف، فتح مكة، نزلت الآية “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي” (المائدة 3)، رغم استمرار بعض المناوشات في حدود منطقة مكة وما حولها، وذلك تماشيًا مع الجملة المتكررة في القرآن الكريم والتي حددت غاية الدعوة في عبارة “لتنذر أم القرى ومن حولها” (الأنعام 92)، و(الشورى 7)، إلخ. ولأجل ذلك كان الخطاب القرآني واضحًا حين نسخ كل الوظائف والمهام القتالية والجهادية والدعوية في قوله: “إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا” (سورة النصر). هذه السورة القصيرة التي نزلت بعد فتح مكة تؤكد أمرين إثنين : أولهما أن نصر الله قد تحقق تحققًا كاملاً بعد فتح مكة، ولم يعد هناك من نصر آخر مأمول؛ وثانيهما، أن الوظائف الجهادية والقتالية للرسول قد انتهت، ولم يبق أمام الرسول الأمين غير أن يسبح ويستغفر ربه، بمعنى أن يطلب غفران الله جراء الأخطاء المرتبطة بمرحلة الصراع على مكة. وهذا ما يتناغم أيضًا مع مضامين خطبة الوداع.

الاستنتاج: إن كان الإسلام قد انتشر في بعض الدول بفعل العنف كما في المغرب وإيران وأفغانستان، وانتشر أيضًا بنحو سلمي في دول أخرى مثل السينغال وأندونيسيا (لا ننكر هذا)، فإن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن منح الغطاء الديني للفتوحات كان خطيئة دينية أخرجت ديننا الحنيف من حلقة الرحمة وقادته إلى دائرة العنف الأممي اليوم.

 

-5-

القاعدة الخامسة: تعدُّد الزوجات ليس سُّنَّة.

التحليل: يقدم لنا الموروث الديني صورة رسول مهجوس بالجنس والنساء، لدرجة أنه “كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة”، وفق رواية البخاري. بحيث لم يكن الصحابة يتورعون عن القول، كانت “له قوة عشرين رجلاً في الجماع”، حسب البخاري، وما إلى ذلك من صور مسيئة لرسول الإسلام، لدرجة أصبح فيها النكاح هوسًا في المتخيل الديني، بل هوسًا عصابيًا جماعيًا يتسرَّب عبر الخطاب الديني إلى المؤمنين من الرجال. لكننا حين نراجع الموروث الديني نفسه بعين فاحصة نجد الأمر مجرد تضخيم ممتزج بأهواء الرواة والفقهاء. فالرَّسول (ص) في زواجه الأول من خديجة لم يمارس التعدُّد، وقد كان في ريعان شبابه، وسوف لن يلجأ للتعدُّد إلا بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على وفاة خديجة (ولا ننس أنها تُعتبر في الحديث ثاني سيدات أهل الجنة بعد مريم، بخلاف اللائحة “الرسمية” للعشرة المبشرين بالجنة والتي لا تضم أي امرأة على الإطلاق). بعد ذلك، كان طبيعيًا أن يفكر الرسول في تكوين أسرة جديدة، لا سيما عقب زواج ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء، ومكوثه وحيدًا في البيت. لكن الأقدار شاءت ألا يكون له أي ولد من كافة زوجاته بصرف النظر عن عددهن بالجمع أو بالتوالي. لذلك نفهم رده القوي على عائشة حين لاحظت تعلقه بذكرى خديجة بعد انقضاء سنوات طويلة عن وفاتها، فقالت له ما معناه: أبدلك الله خيرًا منها. مستعملة حسب بعض الروايات عبارات قاسية في حق خديجة. لكن الرسول أجابها بصرامة: “ما أبدلني الله عز وجل خيرًا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد الناس” رواه أحمد. هذا الجواب يضعنا فعلاً أمام فرضية معقولة تقول : إن كل ما كان يبحث عنه الرَّسول هو الإنجاب، لا غير.

الاستنتاج: سيرة الرسول لا تعكس حياة رجل مهجوس بالجنس والتعدد كما يصور لنا المتخيل الفقهي. كل ما في الأمر أن “أبا الزهراء” كان يبحث عن أولاد من صلبه، إما لأسباب وجودية، أو لاعتبارات اجتماعية. وهو ما لم يُكتب له رغم كل محاولاته.

 

-6-

القاعدة السَّادسة: الرَّسول إنسان غير معصوم عن الخطأ.

التحليل: الرَّأي الرَّائج أن الرَّسول (ص) معصوم عن الخطأ، والدليل الشائع الآية “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي”، لكن بهذا القياس المقلوب يختلط كلام الوحي بكلام الرسول، حتى أن البعض جعل الحديث رتبة من مراتب الوحي، بل هو رتبتان أعلاهما “الأحاديث القدسية”، إلى أن أصبحت السنَّة من نفس مرتبة القرآن مع المذاهب الرئيسية، أي أقنومًا ثانيًا من أقانيم الألوهية، ثم صارت بعض أحكام السنَّة ناسخة لبعض أحكام القرآن، كما في مذهب ابن حنبل. خلاف ذلك فإن الخطاب القرآني يقدم لنا رسولاً غير معصوم، قام الوحي مرارًا بتأنيبه، مثل قوله “عبس وتولى أن جاءه الأعمى” (عبس 1، 2). ومثل قوله “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ، تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” (التحريم، 1). ووجه له تحذيرات قوية في عدد من الآيات، مثل قوله “ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلا” (الإسراء، 73)، بل وجه له تهديدًا صريحًا في بعض الأحيان، مثل قوله “ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين” (الحاقة 44، 46). وإذا كان الوحي قد حذر وعاتب الرسول في أمور تتعلق بالدين، فإن الرسول لم يكن معصومًا عن الأخطاء في أمور الدنيا. ومن ذلك حادثة تأبير النخل الشهيرة، إذ “قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ : (مَا تَصْنَعُونَ؟) قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا)، فَتَرَكُوهُ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ… فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)” رواه مسلم، والطبراني. ولنا في “الآيات الشيطانية” (الغرانيق) التي تسربت في لحظة نفسية خاطفة إلى المتن القرآني قبل نسخها باللفظ وبالمعنى، وكما أوردها الطبري في تاريخه، حجة أضافية، بل لعلها حجة كافية.

الاستنتاج: الرَّسول إنسان غير معصوم قد يصيب وقد يخطئ.

 

-7-

القاعدة السَّابعة: لا شيء مقدَّس في الإسلام.

التحليل: أوَّلاً لم يصف القرآن نفسه بأنه كتاب مقدَّس، وقد ألقى على نفسه العديد من الصفات (الحكيم، المبين، الفرقان، إلخ)؛ لم يوصف الرسول بأنه شخص مقدَّس، وقد وُصف بالعديد من الأوصاف (الصادق، الأمين، المصطفى، إلخ)؛ لم يتم إضفاء طابع القداسة على أي مصحف من المصاحف التي دوَّنها كتبة الوحي بأيديهم، وقد بقيت شبه مهملة إلى غاية حرقها في عهد عثمان، ولهذا نفهم كيف لم يشكل ذلك الحرق أي صدمة للمسلمين؛ لم توصف الكعبة بأنها بيت مقدس، وقد وصفت بالعديد من الأوصاف في القرآن (البيت العتيق، البيت الحرام، البيت المعمور، البيت المحرم، إلخ)؛ ثم أن الكعبة التي هي قبلة الصلاة وحولها يطوف الحجاج، عبارة عن مكعب كبير الحجم فارغ إلا من الهواء، ليس بداخلها أي شيء يحيل إلى قداسة ما، سواء بالمعنى المادي أو بالمعنى الرمزي، ما يفسر لنا كيف ضربت بالمنجنيق مرَّتين على الأقل، الأولى في عهد يزيد بن معاوية والثانية في عهد عبد الملك بن مروان لأجل إخماد التمرد، دون أن يمثل ذلك صدمة كبرى في وعي المسلمين؛ وأخيرًا لم يتعرض قبر الرسول لأي تقديس، ما يفسر كيف مرت عملية هدمه وتسويته بالأرض من طرف الوهابيين في أواسط القرن الماضي، بدون أي ارتدادات عنيفة. غير أن لهذا الفراغ في القداسة وجهان: وجه يجعل المسلم يشعر بنوع من الحرية في علاقته بالمجال ما يسهل اندماجه في العالم وفي الثقافة العالمية، وهذا ما كنا نأمله، ووجه ثان يجعل المسلم يشعر بنوع من فقد الهوية والضياع ما يسبب له خصامًا دائمًا مع العالم. وإن كان الوجه الثاني هو الغالب، فيبقى الوجه الأول ضمن أفق الإصلاح المرتقب للعقل والدين.

الاستنتاج: القداسة في الإسلام مكان فارغ.

يتبع

شاهد أيضاً

الوصايا العشر للفلسفة… الجزء الأول

سعيد ناشيد الوصية الأولى: اعرف نفسك بنفسك يتعلق الأمر بعبارة قالها سقراط مستلهما إياها من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *