Warning: include_once(analyticstracking.php): failed to open stream: No such file or directory in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31

Warning: include_once(): Failed opening 'analyticstracking.php' for inclusion (include_path='.:/opt/cpanel/ea-php73/root/usr/share/pear') in /home/couuacom/public_html/wp-content/themes/sahifa/header.php on line 31
الرئيسية / منتخبات / عامة / شوبنهاور، حــرية الإرادة، العالم إرادة وامتثال: برهان شاوي

شوبنهاور، حــرية الإرادة، العالم إرادة وامتثال: برهان شاوي

من كتاب ” وهم الحرية”

حينما كان (آراتور شوبنهاور 1788- 1860) في الحادية والثلاثين من عمره نشر كتابه (العالم إرادة و إمتثال) الذي لم يلق النجاح في حينه لكنه صار من الكتب الكلاسيكية في الفلسفة الحديثة، وفي العام 1839 أعلنت الجمعية الملكية للعلوم في النرويج عن مسابقة في موضوع (الحرية)، فتقدم (شوبنهاور) برسالة عنوانها (حرية الإرادة) ففاز بالجائزة.

يقدم شوبنهاور في كتابه (العالم إرادة وامتثال) فلسفة تقوم على قاعدتين هما: إن العالم امتثال، والثانية: إن العالم إرادة.

ولا نريد هنا أن نستعرض فلسفته بكاملها، بل ما يهمنا هنا ما له علاقته بفلسفة الحرية، لكن هذه الفلسفة عنده لا يمكن تصورها دون رؤية عامة أو الخطوط الهيكلية الأساس لمجمل منظومته الفلسفية، علما أن جميع من بحث وفسر فلسفته يؤكد بأنها واضحة المصادر:

ديكارت، سبينوزا، ايمانويل كانت، أفلاطون، الأوبانيشاد الهندي.

في التصنيف التقليدي المدرسي في الفلسفية تنتمي فلسفة (شوبنهاور) إلى (المثالية الذاتية) من حيث أنه يؤكد بأن كل وجود خارجي يعود إلى الذات، وهذا يعني بأن كل قوانين العالم تنبع من الذات، كما أنه يجعل المادة من صنع العقل، والمادة من ناحية أخرى هي (العلية)، وبالتالي هي الشكل القبلي الوحيد للعقل، وبالتالي يقع في تناقض فاضح في هذه المسألة.

لكنه أيضا يطرح سؤالا ً: هل يسير العالم على نظام؟

ويجيب بنفسه على هذا السؤال بأن العالم يسير على قانون، وهذا القانون هو مبدأ (العلة الكافية). فكل إمتثالاتنا مرتبطة ومرتبة ببعضها بعلاقة سببية، ولا شيء منها يقوم مستقلا بنفسه أو منفصلا ً عن غيره.

ولدى (شوبنهاور) أربعة أنواع من الإمتثالات أو الموضوعات: التأثيرات الحسية، التصورات، الزمان والمكان أو ما تسمى بالعيانات المجردة، ثم المشيئات.

لكن هذه الامتثالات ليست مستقلة الواحد عن الآخر، بل هي أشكال مختلفة لمبدأ واحد هو مبدأ (العلة الكافية).

العالـــم إرادة

(شوبنهاور) يقع في تناقض أوضح حينما يطفر مباشرة إلى (الإرادة) باعتبارها عقلاً يفكر ويمتثل تبعاً لمبدأ (العلية الكافية) أيضاً، وبالتالي فليس الإنسان عقلاً فحسب وإنما هو (فرد) في هذا العالم يمتد بجذوره فيه على هيئة بدن (جسم).

ف(البدن) هو (الإرادة) منظوراً إليه من الباطن، و(الإرادة) هي البدن منظوراً إليه من الخارج. وعلى هذا الأساس فأن كل حركة للبدن هي حركة للإرادة ، وكل حركة للإرادة تتجسد في حركة البدن، وبالتالي فأن (الإرادة) و(البدن) صنوان، أو شيء واحد له مظهران: مظهر مباشر هو الإرادة، ومظهر غير مباشر هو (البدن)، وفعل الإرادة هو عينه فعل البدن، أي أن الإرادة والفعل شيء واحد، لكن النظر العقلي هو الذي يفصل بينهما.

يؤكد (شوبنهاور) بأن (الإرادة) هي جوهر الوجود الإنساني، فهي (الشيء في ذاته)، وهي (الجوهر الخالد غير القابل للفناء عنده، وهي أساس مبدأ الحياة عنده.

بيد أن مفهوم (الإرادة) عند (شوبنهاور) يختلف كثيراً عما هو لدى الفلاسفة الآخرين، فهي ليست تلك (القوة النفسية) التي تأتمر بالعقل وتصدر عندما تتجسد في أفعال عن بواعث يمليها العقل وأحكامه، وإنما هي (غير عاقلة) ، (عمياء)، وأن العقل ثانوي بالنسبة إليها.. لكن الرغم من هذا علينا أن نوضح بأن لدى (شوبنهاور) تفريقاً بين الإرادة بالمعنى العام، وبين الإرادة المحدودة بالبواعث والتي تسمى (الاختيار)، فمثل هذه الإرادة عاقلة، أما الإرادة بالمعنى العام فليست عاقلة، لأن (الإرادة المختارة) أو (الاختيار) تؤدي عملها تبعاً لبواعث والبواعث (إمتثالات)، والامتثالات مركزها (المخ)، والحركة التي يقوم بها الإنسان على أساس هذه البواعث هي التي تنتسب لعملية (الاختيار).

أما (الأفعال) التي لا تصدر عن بواعث فتنتسب إلى الإرادة بالمعنى العام لها. لذلك فان (الإرادة) بهذا المعنى تضاف أيضا إلى الكائنات التي لا إمتثالات لها، أي إلى الجمادات.

ويقدم (شوبنهاور) أمثلة على ذلك: فالقوة التي بها ينمو النبات، ويتبلور المعدن، والتي توجه الإبرة الممغنطة صوب القطب الشمالي، والتي بها تتجاذب الأجسام والمعادن، أو تتنافر، أو تتجه إلى مركز الأرض في الجاذبية، هذه القوة هي (الإرادة) وقد تحققت في مظاهر متعددة.

(الإرادة) لدى (شوبنهاور) ليست هي القوة، وإنما على العكس أن كل أنواع القوى تدخل تحت مفهوم الإرادة، من حيث أن تصور (القوة) يقوم على المعرفة العيانيه للعالم الموضوعي، وبالتالي فنحن نستخلص تصورنا عن القوة من علاقة العلة بالمعلول، بينما تصور (الإرادة) لا يقوم على معرفة عيانية وإنما ينبثق من أعماق الشعور المباشر للفرد.

لكن (الفرد) ليس هو (الإرادة)، وإنما هو ظاهرة من ظواهر الإرادة. فالإرادة هي الشيء في ذاته، وهي بالتالي خارج الزمان والمكان. وهي منفصلة عن ظاهراتها، فلا تعرف الكثرة، فهي إذن واحدة، ولكنها ليست واحدة كما يكون الفرد واحداً أو التصور واحداً، ولكنها واحدة كشيء يكون مبدأ الفردية، وهو شرط الكثرة، غريبا عنها.

العقــل والإرادة

هناك تناقض واضح لدى (شوبنهاور) في ما يخص علاقة (العقل) و (الإرادة)، فالأول (العقل) هو شرط أساسي لظهور درجات موضوعية الإرادة، و(الإرادة) هي شرط أساسي لظهور (العقل) بوصفه الدرجة الأخيرة من درجات موضوعية الإرادة.

وهذه النظرة تجد جذورها بل وأصولها عند (أفلاطون) و(كانت)، بل إنه قام بنفسه بالإشارة إلى ذلك حيث كتب: ( إن المثل الأفلاطونية والشيء في ذاته عند كانت أشبه بطريقين يفضيان إلى غاية واحدة، فكانت يقول عن الشيء في ذاته: ليس المكان والزمان والعلية من صفات الشيء في ذاته، ولكنها لا تنتسب إلا إلى ظاهرته باعتبارها أشكالا للمعرفة. ولكن حيثما أن كل كثرة، وكل بداية ونهاية لا تكون إلا بالزمان والمكان والعلية، فينتج عن ذلك أن الكثرة والبداية والنهاية تتعلق بالظاهرة لا بالشيء في ذاته على الإطلاق. ولما كانت معرفتنا مشروطة بهذه الأشكال، والتجربة بأسرها ليست غير معرفة بالظاهرة لا بالشيء في ذاته فإننا لا نستطيع أن نطبق القوانين تطبيقاً مشروعاً على الشيء في ذاته. وهذا النقد يشمل ذاتنا نفسها، فنحن لا ندركها إلا في ظاهرتها، لا في حقيقتها أن تنطوي عليها في ذاتها).

(شوبنهاور) يؤكد على أولوية الإرادة على العقل، فهي، الجوهر الحقيقي الباطن للشخصية، وليس العقل أو المعرفة، بينما كان الفلاسفة قبله ينظرون إلى (العقل) على أنه (الجوهر).

هنا يجب التوضيح بأن (شوبنهاور) يتوقف عند مفهوم (الفرد) أكثر مما يتوقف عند مفهوم (الشخصية)، فكما يوضح (فؤاد كامل) في كتابه (الفرد في فلسفة شوبنهور – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1991) : ( لا وجود للأفراد إلا في الدرجات العليا الثلاث من درجات الوجود، وهي العضوية، والحياة ، والتفكير، أما الطبيعة الجامدة فلا وجود فيها لغير (العينات)، غير أن هذه الدرجات الثلاث وإن كان لا يمكن انقسامها في كائن معين، تشارك فيها في الوقت نفسه كائنات متعددة، وأنواع متعددة، وأجناس متعددة أيضاً، فلا بد لنا من شيء أكثر من هذا نستطيع أن نميز به الأفراد المتماثلين الذين يندرجون تحت نوع واحد، فالعضوية والحياة والتفكير تمثل لنا الشروط العامة للفردية أو الحدود التي لا يمكن أن يقوم خارجها أي وجود فردي).

فالفرق بين (الفرد) و(الشخصية)، فالأول حقيقة بيولوجية طبيعية، بينما الثاني حقيقة روحية، أي الروح كما تتحقق في الطبيعة. (وقد يكون الفرد الموهوب بلا شخصية، بمعنى أنه لا يستطيع أن يبذل من المجهود ما يحقق به شخصيته، فالإنسان قد يفتقر الى الشخصية ولكنه يظل مع افتقاره هذا فرداً لا نستطيع أن ننزع عنه فرديته) كما يذهب الى ذلك (فؤاد كامل) في كتابه الآنف الذكر.

يمكننا أن نوضح هنا أيضا بأن موقف (شوبنهاور) متطرف في ما يخص تغليب الإرادة على العقل، لكن هذا يقود إلى موقف فلسفي جديد بالكامل، هو ( اللامعقولية الوجودية )، فهو يقضي على مسألة سيادة العقل حينما جعل للإرادة السيادة على الحياة النفسية وعلى الوجود بكامله.

وهو بهذا يناقض (هيغل) بالكامل الذي كان يرى بأن (الوجود) هو تطور للفكرة المطلقة أو اللوغوس (العقل)، وربما هنا يمكن الإشارة إلى الغيرة الشديدة والكراهية التي كان يكنها (شوبنهاور) ل(هيغل) فقد كان الثاني مشهوراً جداً وكان قبلة أنظار المفكرين وطلاب العلم والفلسفة في زمانه، بينما كان (شوبنهاور) يحاضر في الجامعة ولا يحضر القاعة أفراد هم أقل من أصابع اليدين. عموما لم تعد هذه النظرة تفسر حركة الوجود وفق قواعد عقلية منطقية محكمة.

يشير (فؤاد كامل ) في كتابه (الفرد في فلسفة شوبنهور) : ( إن الإرادة قد خلقت العقل لكي يحافظ على بقاء إحدى درجات تحققها، وأعني بها الصورة الإنسانية… فالعقل تابع للإرادة خلقته كي تشعر بوجودها، وهو يسارع إلى خدمتها أينما طلبت منه ذلك. بيد أن العقل – هذا المخلوق الضعيف – يستطيع أن يرمي عن كاهله هذه العبودية وأن يتحرر من ربقتها، لكي يظل نفسه فحسب، مستقلا عن كل غاية إرادية، وكأنه مرآة صافية ينعكس عليها العالم، وهذا هو الفن. كما أنه يستطيع أن يحطم الإرادة تحطيماً كاملاً، ويزهد في كل ما تشير به الإرادة وهذه هي القداسة أو الخلاص من هذا العالم. وهكذا نرى أن الحياة الأخلاقية بمعناها الصحيح ما هي إلا صراع بين الإرادة والعقل، بين التابع والمتبوع، بين الخادم والسيد).

وحـــــدة الـوجـــــود

إلى جانب أن هذه النظرة تمنح (الإرادة) خاصية أخرى هي ( الوحدة )، من حيث أنه يؤكد وحدة الإرادة في الوجود كله، أي (وحدة الوجود)، على طريقة (الفيدا) الهندية، أو (سبينوزا)، لكن بطريقة مختلفة. فكما يؤكد (د. عبد الرحمن بدوي) في (الموسوعة الفلسفية – ج2) : ( إن الإرادة عند شوبنهاور وحدة، لكن لا بالمعنى العددي، ولكن بالمعنى الوجودي، والمعنى العددي هو الذي يقال في مقابل الكثرة، أما المعنى الوجودي فيقال على سبيل الإطلاق، لا نسبياً، ويدل على البساطة وعدم القابلية للتجزئة والانقسام…. إذن فهو من القائلين بوحدة الوجود بالمعنى الفلسفي الخالص، لا بالمعنى الديني، أعني بمعنى أن هذا الوجود له مبدأ واحد وحدة مطلقة في ذاته، وإن تعددت المظاهر التي يتحقق عليها موضوعياً. وهذا المبدأ هو الإرادة، الإرادة العمياء المندفعة. ونراه ينكر وحدة الوجود بالمعنى الديني، أي بمعنى أن العالم هو الله الواحد وما الأشياء الحسية إلا مظاهر متعددة لوحدته المطلقة. ويسوق البراهين التالية: (الأول): أن “الله” غير المشخص ليس بإله، بل هذا تناقض في الحدود غير معقول ولا مفهوم. ولهذا فأن وحدة الوجود بالمعنى الديني هي في نظر شوبنهور ” تعبير مؤدب ” ولفظ مهذب لكلمة: “إلحاد”. (الثاني) لأن وحدة الوجود بالمعنى الديني تتنافى مع الكمال الواجب لله، وإلا فما هذا الإله الذي يظهر في صورة هذا العالم الفاسد الرهيب، وفي شخص الملايين التعسة المعذبة وكأنهم زنوج عبيد محكوم عليهم بأشق الأعمال بلا غاية ولا فائدة؟ و(الثالث) لأن الأخلاق لن يكون هناك مبرر لوجودها داخل مذهب يقول بوحدة الوجود. فلم يكن في وسع شوبنهور، واتجاهه الأخلاقي الأصيل، أن يقول بمثل هذا المذهب. فهو إذن يقول بوحدة الوجود، ولكن بمعنى خاص، هو المعنى الفلسفي الخالص).

إرادة الحيــــاة … حفــظ النـــــوع

الإرادة، كما أكد (شوبنهاور) هي اندفاع أعمى بلا غاية أو هدف. لكنه يتوقف عند الموجودات ليرى تدافعها من أجل البقاء، وكما يؤكد بأننا نرى ( كائنات تتوثب في نشوة وحماسة فائضة مؤكدة لذاتها في العيش، وصائحة ملء فيها: الحياة ، الحياة..! إنها تعبر إذن عن شعور واحد هو الشعور بالحياة، وتنساق في تيار واحد هو سياق الحياة، ويحدوها ويدفعها دافع هو دافع الحياة. فهي إذن لا تمثل غير إرادة واحدة، ألا وهي: إرادة الحياة، وإن تعددت المظاهر التي تتخذها والشكول التي تعلن بها عن نفسها، واللغات التي تتحدث بها. وإلا، فعلام كل هذا الجزع ولماذا كل هذا العذاب والألم، والصراع والاندفاع، والعطف والإشفاق، لماذا هذا كله يرتبط بحادث أو ظاهرة في غاية البساطة هي شعور حياة فردية بأنها مهددة بالفناء؟ انه لسبب واحد هو إرادة الحياة).

شوبنهاور يرى أن غاية الطبيعة هو (حفظ النوع)، فما مظاهر الإفراط الشديد في إنتاج البذور، عنف الغريزة الجنسية، ومهارة فائقة في تكييف هذه الغريزة مع جميع الأحوال والظروف والتجائها إلى أغرب الوسائل من أجل مقاصدها، إلا الدليل على أن غاية الطبيعة في كل سيرها ونضالها هو (حفظ النوع).

أما (الفرد) فلا تكاد الطبيعة أن تحفل به في ذاته، وإنما كل قيمته عندها أنه وسيلة من أجل الاحتفاظ بالنوع، حتى إذا ما أصبح غير قادر على تحقيق ذلك، قذفت به إلى الفناء. وهذه هي علة وجود الفرد كما يراها. أما العلة من استمرار النوع والحفاظ عليه فلا يقدم (شوبنهاور) أية إجابة بل إنه يؤكد بأن الطبيعة نفسها لا تقدم لنا أي جواب، ومن العبث أن ننشد الإجابة، لأن حياة الأفراد وموتهم ينفقان بأسرهما في الاحتفاظ بالبقاء، بقاء الفرد في نفسه، وفي ذريته من بعده، أي في الاحتفاظ بالنوع.

كما أنه يتوقف عند حيوان (الخلد) متسائلاً أية غاية ينشد هذا الحيوان الأعمى الذي يعيش تحت الأرض، ولا عمل له طوال حياته غير أن يحفر الأرض بمشقة، وهو الذي يعيش في الظلام، غير الغذاء والجماع، اي حفظ النوع.

إن (شوبنهاور) يتوقف بعناد وشجاعة ليطرح السؤال حول مصدر هذا التعلق الشديد بالحياة؟ ما مصدر هذا الاندفاع للتعلق بهذه الفترة القصيرة التي يقضيها المرء في الوجود والتي يسميها (الحياة)، والتي تبدو لا شيء يذكر وسط تيار الزمان اللانهائي؟ .

وفي إجابته على هذه الأسئلة يؤكد ( إن هذا التعلق بالحياة هو حركة عمياء غير عاقلة، ولا تفسير لها إلا أن كياننا كله إرادة للحياة خالصة، وأن الحياة، تبعا لهذا، يجب أن تُعد الخير الأسمى، مهما يكن من مرارتها وقصرها واضطرابها، وغن هذه الإرادة في ذاتها وبطبيعتها عمياء خالية من كل عقل ومعرفة. أما المعرفة، فعلى العكس من ذلك أبعد ما تكون عن هذا التعلق بالحياة. ولهذا تفعل العكس: تكشف لنا عما لهذه الحياة من ضآلة قيمة. وبهذا تحارب الخوف من الموت).

وفيما يخص (الموت) فأنه، حسب رأيه، لا يصيب (إرادة الحياة)، وإنما يتعلق بمظاهرها العرضية الزائلة كي يجددها باستمرار، من حيث أن (إرادة الحياة) خالدة، والطبيعة ضمنت لها هذا الخلود من خلال (الغريزة الجنسية) التي هي أوضح وأعنف مظاهر (إرادة الحياة)، بل هي (سر السر في الطبيعة). لذلك فهو نظر إلى (الحب) نظرة جنسية خالصة رابطا إياه بالغريزة الجنسية، (فالحب مهما تسامى وتلطف ينبع من الغريزة الجنسية أو هو الغريزة الجنسية نفسها واضحة ومشخصة. وواهم كل الوهم من يزعم أنه يقوم أو يمكن أن يقوم على الحب الخالص الذي يؤدي إلى السعادة الشخصية لكلا الطرفين).

الإرادة … الخطيئـــة

يؤكد (شوبنهاور) ما أكده (ديكارت) قبله بأن (الإرادة) هي مصدر الخطيئة، لكنه يختلف عنه في التفسير، من حيث (ديكارت) استند على الفكرة المسيحية عن (الخطيئة) بينما (شوبنهاور) يؤكد : (لما انبثقت الإرادة من أعماق اللاشعور كي تستيقظ على الحياة، وجدت نفسها، كفرد في عالم لا نهاية له ولا حدود، وسط حشد هائل من الأفراد المجهدين المتألمين الضالين، ولما كانت منساقة خلال حلم رهيب فأنها تهرع كي تدخل من جديد في لا شعورها الأصيل. وحتى تصل إلى هذه الغاية، كانت رغباتها غير متناهية ودعاواها لا تنقضي، وكل إشباع لشهوة يولد شهوة جديدة، ولا مرضاة أرضية قادرة على تهدئة جموحها ونوازعها، أو القضاء نهائيا على مقتضياتها أو تملئه هاوية قلبها السحيقة).

إنه يرى الحياة شر، وان الإرادة هي الأصل، فالإنسان يتحمل العذاب والآلام، باذلا كل ما في وسعه للحفاظ على هذه الحياة القصيرة البائسة التافهة، بينما الموت ماثل أمام عينيه في كل فعل وكل شهيق وزفير، متسائلا ألا يؤكد كل هذا بأن السعادة الدنيوية وهم يجب الاعتراف به، وأن جوهر هذا الوجود هو الشقاء والألم؟ وأن هذه السعادة النسبية التي يعيشها البعض ما هي إلا وهم أيضا، لأن كل لذة تتذبذب بين حالتين: حالة الألم قبل أن تدرك، وحالة الملال بعد أن تشبع. وكلتا الحالتين عذاب. ففي الملال يشعر الإنسان بالخلاء، وعدم الاكتراث، والضجر. ومكافحة الملال والضجر أشق من مكافحة الألم، لأنه مجهول الموضوع فلا يعرف الإنسان كيف يصده، ولا يقوى الإنسان على الخلاص منه، وان تخلص منه فما ذلك إلا بإثارة رغبات جديدة توّلد بدورها لألم وحرمان: إذن نحن ندور في عجلة الألم باستمرار.

لذلك فان الفضيلة الأسمى عنده هي إنكار الحياة أو (الزهد) أو (القداسة). وهذا الأمر يتحقق لديه في مظاهر عدة هي : العفة الإرادية، والامتناع عن الخضوع للغريزة الجنسية، الفقر الاختياري المتعمد، قبول الأذى من الآخرين..! ولما لم يكن الزاهد مهتما بشخصه، متنكرا لإرادته فإنه لا يعترض ولا يشكو.

ويعتقد (شوبنهاور) أن أعظم الظواهر وأكثرها أهمية وأبعدها دلالة ليست هي ظاهرة (الفاتح) وإنما ظاهرة (الزاهد) لأن (الزاهد) لا ينتصر على هذا القائد أو ذاك، وإنما ينتصر على (إرادة الحياة) نفسها بكل ما فيها من قوة وعنف.

بيد أن (شوبنهاور) لا يتحدث عن (الزهد) المتعمد فقط وإنما يتحدث عن نوع آخر من (الزهد) الذي ندفع إليه الآلام حينما يصبها القدر أو المصير على نفس من النفوس البشرية، وهذا النوع هو الأكثر شيوعا:

( فالشعور العميق بالألم يعود في أغلب الأحيان إلى الزهد، وكثيرا ما يكون عند اقتراب الموت، حينما تحطم وطأة الآلام إرادة الحياة وهكذا ينقلب الفرد بين يوم وليلة فيسمو فوق نفسه وفوق آلامه، وكأنما طهرته الآلآم، وباركته وقدسته، ويحيا حياة لا يستطيع الألم أو الشكوى النفاذ إليها أو إزعاجها، ويستقبل الموت دون خوف).

حـــرية الإرادة

بما أن (الإرادة) هي اندفاع أعمى بلا غاية أو هدف، ولا تحكمها الضرورة، إذن فهي حرة. (الفرد) هو معقل الضرورة والحرية في آن واحد، فهو حر تماما لأنه ينتمي من الباطن للإرادة، لكنه أيضا خاضع لضرورة مطلقة تلك التي ترتبط بها دوافعه وأعماله.

وكما تبين لنا إن الإرادة هي التي تتخذ القرارات، إذن فالإنسان حر في إرادته. وقد بين (شوبنهاور) ذلك قائلاً : ( يخيل للمرء أن العقل يستطيع الاختيار ولكنه في الواقع لا يختار ولا يستطيع الاختيار، وأما الذي يختار ويرجح دافع على آخر هي الإرادة، والإرادة وحدها، وإنما موقف العقل فإنه موقف الانتظار، بحيث تبدو له القرارات جميعاً ممكنة. وهكذا يتولد لدينا الوهم الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بالحرية التجريبية. فقررات الإرادة لا تتكشف للعقل إلا بالتجربة الصرف، وهي لا تصدر إلا عن أعمق أغوار النفس، أي عن الطبع المعقول في صراعه مع الظروف الخارجية، وتكون النتيجة في هذه الحالة ضرورية ويقتصر عمل العقل في هذه اللحظات على إضاءة الدوافع من جميع نواحيها، أما اتخاذ قرار معين فهذا ما يخرج عن نطاق عمله، فلا نفاذ له إلى الإرادة، ولا قدرة له على اختراق أستارها المسدلة دونه).

إن (الحرية) عند (شوبنهاور) تتخذ مفهوماً جديداً، فهي ليست قدرة الفرد على الاختيار، وإنما هي عنده عدم الخضوع لمبدأ العلة الكافية، أي انعدام الضرورة، فهي بهذا المعنى سلبية، لأنها سلب للضرورة، وانتفاء للرابطة بين المبدأ والنتيجة. فهو يؤكد (إن العلل في الحياة الإنسانية، وهي الدوافع، قد تكون نظراً لتعقد هذه الحياة خافية لا ظاهرة، وبذلك نتوهم أن الإنسان حر. ولو أننا قبلنا مبدأ حرية الاختيار لكان معنى ذلك أن يبدو كل فعل إنساني وكأنه معجزة لا يمكن تفسيرها أو تعليلها إذ تكون حينئذ نتيجة بلا علة، وتكون الحياة الإنسانية خاضعة للمصادفة المطلقة وهذه الفكرة تشل الروح تماماً).

شاهد أيضاً

النقـش على الحَجـر (1)

سامي عبد العال سامي عبد العال ” أنت في الجنة،  أنت تعيش مع الأطفال في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *