الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث /  النساء والفلسفة: الفيلسوفة آين راند

 النساء والفلسفة: الفيلسوفة آين راند

مريم الرئيس – المغرب

يقال أن الفلسفة حِكْرٌ على الرجال، لكن التاريخ يشهد بخلاف هذا الأمر، فقد عرف القرن السادس الميلادي نساء فيلسوفات فيثتاغوريات أمثال إيزارا اللوكانية، وبركتيوني، و اسبازيا  وهيباتيا فيلسوفة الإسكندرية وغيرهن، و قد تفلسفن حول قضايا شائكة عديدة، كالعدالة والأخلاق والحب، ومسألة الخلود بالإضافة إلى مواضيع أخرى. وعلاوة على ما تقدم، لا زالت النساء حاضرات بشكل قوي في الحقل الفكري والفلسفي، ولازال عصرنا الحالي يشهد أسماء لنساء أبدعن وأسهمن بشكل كبير في هذا المجال، مثال الفيلسوفة سيمون دو بوفوار وحنة أرندت، وجوديت بتلر وميشيلا مارزينو وغيرهن..

و لعل من بين أهم هذه الأسماء النسائية السالف ذكرها، نجد الفيلسوفة النابغة أليسا زينوفيفنا روزنباوم، والتي تروم هذه المقالة المختصرة الوقوف عند بعض أفكارها، وإنتاجها وعطائها في كل من المجال الفلسفي والأدبي، وكل هذا من  أجل محاولة تصحيح ذلك التصور السلبي الشائع في أوساط بعض الدارسين الذي ينفي قدرة النساء على الإسهام في هذا المجال، ويختزل دورهن في أعمال لا تتطلب نشاطا ذهنيا.

و آين راند -كما هو معلوم- هي فيلسوفة  معاصرة وروائية وكاتبة مسرحية وكاتبة سيناريو أمريكية من أصل روسي، إلا أنها لم تشتهر في الساحة الأدبية بهذا الإسم، وإنما عرفت باسم آخر و هو  “آين راند”. و قد كانت ولادتها في بداية العقد الأول من القرن الماضي، وبالتحديد في سنة 1905،  أما وفاتها فقد كانت في سنة 1982 بسبب إصابتها  بنوبة قلبية بعد مسيرة فكرية و علمية حافلة بالإنتاج والعطاء والإبداع. وبعد هذه النبذة الموجزة التي عرضنا فيها لترجمة الفيلسوفة الأمريكية آين راند باختصار شديد، إنه من اللزام علينا الآن أن نشير إلى بعض من ثراثها الفكري الذي تجسده مؤلفاتها، والذي كان سببا مباشرا في شهرتها و شعبيتها الساحقة خاصة في المجال التداولي الأمريكي، ودليل ذلك أنه قد بيع من كتبها اثنان وعشرون مليون نسخة، بل إن كتابها الشهير ب “أطلس لامباليا”  «ATLAS SHPUGGED»، بلغت مبيعاته في العام 2002 مائة وأربعين ألف نسخة، ووفقاً لاستطلاع خاص بمكتبة الكونغرس، فإنه احتل المرتبة الثانية بعد الإنجيل، بوصفه الكتاب الأكثر تأثيراً على القراء في أمريكا،   وتعتبر هذه الرواية من أبرز وأهم أعمال الفيلسوفة،  إلى جانب أعمال قيمة و إنتاجات فريدة أخرى، نذكر منها على سبيل المثال “فضيلة الأنانية”، و”في سبيل نخبة جديدة”.

ومما يجدر بنا التنبيه إليه ما دُمْنَا نتحدث في سياق الترجمة و التعريف بآين راند، هو ذلك الجدل القائم المتعلق بما إذا كانت راند فيلسوفة أم روائية، أم أنها تشتغل بالمجالين معا، فكل هذه أسئلة قد تحضر ذهن كل من له اهتمام بإنتاج هذه المرأة، و من حسن الحظ أن الجواب جاء على لسانها حيث تقول باللفظ :  “يطلبون مني ما إذا كنت روائية أو فيلسوفة، وأجيب الاثنين معا، وبمعنى من المعاني فكل روائية فيلسوفة، لأننا لا نستطيع أن نقدم صورة عن الوجود البشري دون إطار فلسفي، فقبل أن أحدد وأشرح تصوري للانسان، علي أن أكون فيلسوفة بالمعنى الدقيق”.

تنبني فلسفة راند على فكرة أن الواقع موجود بشكل موضوعي، وترفض أن تسمى فلسفتها بـ”الراندية” باعتبار أن هذه الفلسفة هي فلسفة موضوعية، والموضوعية هي فلسفة مبنية على فكرة أن الحقيقة توجد منفصلة عن الوعي وأن مفهوم الكون موجود بموضوعية مطلقة، والسبيل الوحيد لتحصيل المعرفة هو العقل والمنطق، وتصر راند على أن الفلسفة الموضوعية هي المرشد للعيش هنا، والسبيل نحو حياة سعيدة..

هذه الرؤية العقلانية للوجود، انعكست أيضا على الجانب المتعلق بالقيم الأخلاقية، فحتى الأخلاق تمت عَقْلَنَتَهَا، فبخلاف الأخلاق السائدة سعت راند إلى تأسيس أخلاق جديدة، قائمة على الأنانية، باعتبارها قيمة نبيلة في مقابل قيم التضحية والإيثار باعتبارها قيم زائفة وغير أخلاقية، لكن السؤال المطروح كيف يمكن اعتبار الأنانية قيمة أخلاقية نبيلة مع العلم أن الأنانية تتعارض والأخلاق؟ وكيف يمكن اعتبار قيم التضحية والإيثار التي من المعلوم أنها قيم نبيلة إنسانية، أن تعد -حسب راند- قيما غير أخلاقية؟

الأنانية بحسب تعبير راند لا تعني استغلال الآخرين لأجل المصلحة الذاتية، بل تعني إدراك المرء لقدراته القصوى، من خلال طرق عقلانية، وأن يعيش المرء مع الآخرين وذلك باحترام حقهم في العيش وتحقيقهم لسعادتهم. فتعتبر أن المصلحة الذاتية فوق مصلحة الآخرين، وأن المرء غير ملزم للتضحية من أجل الآخرين، فلا يوجد سبب يبرر ضرورة أن يكون الإنسان وصيا لأخيه الإنسان، ويشكل هذا الأمر تهديدا للقانون الأخلاقي للغيرية السائد، الذي تتبناه مجموعة من الأديان على رأسها المسيحية، ومجموعة من الفلسفات التقليدية. راند ترمي بسهامها في قلب المسيحية، وفي قلب كل هذه الفلسفات، وتعتبر أن قيم الإيثار والتضحية عبارة عن قيم زائفة، بل أكثر من ذلك تعتبرها مستحيلة. فما معنى أن يضحي المرء من أجل الآخرين؟ معنى ذلك أن الإنسان يسعى لتبرير وجوده وفق هذه القيم، بالإضافة إلى أنه يوجد في قلب هذه التضحية نوع من الأنانية، وتبرز ذلك راند في مثال طرحته في إحدى اللقاءات التلفزيونية، يتمثل في أنه يستطيع رجل ما أن يضحي من أجل حياة زوجته، إذا كان يحبها، ليس لأجل التضحية في حد ذاتها، أو لأجل حياة زوجته، بل لأنه قد فكر في حياته هو قبل حياة زوجته، أي أنه إذ لم ينقذ حياة زوجته سيعاني من فقدانها وفراقها، وبالتالي فهو يضحي أولا لأجل نفسه، وهنا تأكيد على أن التضحية من أجل الآخرين مستحيلة، لكن يمكن الحديث عن التضحية حسب راند، حين سيقدم المرء حياته لآخرين لا يعرفهم ولا تربطه بهم أي صلة، فهذا الزوج على سبيل المثال لا يمكن أن يضحي بحياة زوجته لأجل حياة نساء أخريات، هن على حافة الموت، ولو كان عددهم يتعدى المئات، فهو دوما سيفكر في مصلحته، وهي حياة زوجته وضرورة بقائها، لأن الأخريات لا تمثلن شيئا بالنسبة له، ووجودهن كعدمه في مقابل وجود زوجته.

القانون الأخلاقي للغيرية المتمثل في التضحية والإيثار والعيش لأجل الغير، هو قانون يجعل من المرء حيوانا قابلا للتضحية به حسب تعبير راند، فهي تؤكد أن الإنسان ملزم بسعادته الشخصية، ويجب أن يجعلها هدفه وغايته الأولى، لكن ليس على حساب الآخرين، بل أن يسعى إلى ذلك بنفسه لا أن يطالب الآخرين بالتضحية من أجله في سبيل تحقيق سعادته، وكذلك لا يقدم حياته للآخرين ويضحي لأجلهم. و لكن السؤال المطروح هنا، ألا تتعارض هذه الفلسفة مع الحب باعتبار أن هذا الأخير فوق المصلحة الذاتية؟ تجيب راند أن الحب إذا ما تم تقديمه على الذات فهو حب غير أخلاقي، فحب الذات أولا وقبل كل شيء، فالمرء الذي لا يحب نفسه أولا لا يمكنه أن يحب الآخرين، ولا يمكن أن يكون هذا الحب بدون معايير أو أسباب، والإنسان غير ملزم بحب الجميع بل الحب سيعد مستحيلا في هذه الحالة،  فلا يمكن أن تحب الجميع دون معايير وبدون سبب، بل ستحبهم لقيمهم وفضائلهم، أن تحب أولئك الذين يستحقون ذلك الحب فقط، أما الحب الذي تتحدث عنه المسيحية وغيرها من الأديان والفلسفات وتدعو له، ليس سوى قيمة زائفة لا معنى لها. وحسب راند فإن الإنسان الضعيف لا يستحق الحب، ولا ينبغي له أن يتوقعه من غير استحقاق.

التمسك بأخلاقيات الإيثار، ينجم عنه عواقب عديدة حسب راند  ذكرتها في إحدى مقالاتها، تتمثل هذه العواقب في غياب عزة النفس، وذلك بفقدان المرء احترامه لذاته، فعوض أن يجعل اهتمامه متمركزا حول الكيفية التي يعيش بها حياته، سيركز على كيفية التضحية بهذه الحياة. ومن جهة أخرى ينجم عن هذه الأخلاقيات غياب احترام الآخرين، حيث سينظر إلى البشر على أنهم مجموعة من القطيع يصرخون طلبا لعون الآخرين، إضافة إلى ذلك ستتكون نظرة سوداوية وكابوسية للوجود، تتمثل في اعتبار الكون مكان يعم بالشر والكوارث التي ستشكل الهم الأساسي للجميع. ثم لا مبالاة مرضية تجاه الأخلاق وحس لا أخلاقي ميؤوس منه، حيث أن أسئلة المرء ستدور حول مواقف يستبعد أن يواجهها ولا علاقة لها بالمشكلات الحقيقية لحياته الشخصية مما سيجعله يعيش دون أي مبادئ أخلاقية.

تعد رواية “أطلس لا مباليا” لراند تجسيدا لهذه الفلسفة، فشخصيات الرواية تعرف بعقلانيتها وازدراءها للعاطفة في محاولاتها لبلوغ أهدافها وتحقيق رؤاها، يأتي على لسان “جون غولد” وهو بطل الرواية حيث يقول: “أقسم بحياتي وحبي لها، بأن لا أعيش أبدا من أجل إنسان آخر، ولن أسأل إنسانا آخرا أن يعيش لأجلي”..إذن فهذه الفلسفة هي سبيل نحو تحقيق السعادة والعيش وفق قيم أخلاقية ممكنة وحقيقية، ينجم عنها احترام الذات.. أما قيم الإيثار فهي تهدد وجود وحياة الإنسان، وهنا تدعو راند إلى العيش واستثمار هذه الحياة لأنها هي كل ما يملك الإنسان،  عوض التضحية بها تقول:”إذا كنت تعلم أن هذه الحياة هي كل ما تملك ألن تستغلها”؟

أما موقف الفيلسوفة السياسي، فيتمثل في دفاعها عن الأقليات، حيث تعتبر الفرد أصغر أقلية ينبغي احترامها، تقول في ذلك: ” أصغر أقلية على وجه الأرض هي الفرد، وهؤلاء الذين ينكرون حقوق الفرد لا يمكنهم أن يزعموا أنهم حماة الأقليات”. وتصرح أنه ليس للأغلبية الحق في التصويت على حياة الفرد أو ملكيته أو حريته بمعزل عن قراره، وتؤمن أن فكرة تصويت الأغلبية في أي قضية لا يجعل من هذه القضية عادلة. لا ترفض أرند العملية الديمقراطية في السياسة، شرط أن تكون السلطة الممنوحة للحكومة والمسؤولين محدودة، وأن لا يستخدم هؤلاء العنف ضد أي مواطن، أو تستخدم الدولة ذلك لأجل مصلحتها، لكن يمكنها معاقبة المواطنين في حالة ارتكابهم لجريمة ما.

أما في ما يتعلق بالإيمان والدين، فراند ترى أنهما يشكلان خطورة، حيث تقول: “الإيمان خطير، لأن أي إنسان يسمح لنفسه بتفصيل بعض مسائل الواقع عن العقل وأن يؤمن بإله بالرغم أنه يعلم أنه لا يوجد أي سبب للإيمان بالله، ولا يوجد دليل على وجوده ذاك هو الخطر سيكولوجيكيا هذا الإنسان غير عقلاني، أو سيعاني من نزاع فظيع”. وبالتالي  ترى أنه لا ينبغي التسليم بكل ما هو متجاوز للعقل والواقع، هناك بعض الأمور التي يعجز العقل عن إدراكها، وقد يسميها البعض ألغازا، راند ترفض هذا المصطلح وترى أن لا وجود للألغاز، وإنما هناك أشياء عظيمة ينبغي اكتشافها، ولهذا السبب وجد العلم. فعجز العقل عن إدراك بعض الأمور أمر طبيعي كون العقل ليس كلي العلم والمعرفة، لكن هذا الأمر لا يعني القبول بخلق عوالم خيالية لتفسير ما نعجز عن تفسيره ماديا، فالتفسيرات ينبغي أن تكون مادية لا تتجاوز المعقول، بمعنى رفض كل التفسيرات الميتافيزيقية والمفارقة والمتعالية عن الواقع. ومن جهة أخرى ترى راند أن فكرة الله ليست سوى انعكاس لشعور الإنسان بقصوره، حيث تقول: “فكرة قبول كائن غير محدود أعظم منك في كل شيء، حتى لا يمكنك بلوغ ذاك الكمال هو فقط صيغة لعقدة نقص نفسية”. لكن على الرغم من ذلك تؤكد راند على أنه من حق كل شخص اعتناق الدين الذي يريده بالحق القانوني والأخلاقي والفلسفي.

 

شاهد أيضاً

فلسطين، أل 48، تحتفي بالأديب المغربي المائز ياسين عدنان

تحت التّسمية، “ياسين عدنان في وُجوهِ سَفَرِه.. “..ثُم رحَلْنا إلى جنَّة النار|  كنتُ أحملُ|  سماءً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *