الرئيسية / منتخبات / أنشطة / قيمنا وقيمهم

قيمنا وقيمهم

العلوي رشيد – باحث في الفلسفة السياسية

مداخلتي في ندوة تازة حول الفلسفة والقيم – الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة فرع تازة

تازة 15 ابريل 2017

كل الشكر لفرع الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بإقليم تازة، وأنا جد مسرور بوجودي في هذا العرس الفلسفي الذي يجمع بين أجيال عدة من مدرسي الفلسفة والمشتغلين بالفكر الفلسفي، وإلى اللجنة المنظمة كل الفضل في إعداد هذا اللقاء.

في البداية أشير إلى أن موضوعي الذي عنونته بقيمنا وقيمهم يحمل هما لا ينفصل عن اللحظة التاريخية التي يعيشها مجتمعنا والتي لا شك في ذلك ستكون مفصلية بقوة التاريخ. من جهة أن هناك شرخ واضح وبين بين خطابين متمايزين كل منهم يوظف مسألة القيم بطريقة مختلفة، هذا من جهة، أما من جهة أخرى، رغم أن صديقي محمد خطار حثني على معالجة مسألة التسامح إلا أن ظروفي وانشغالاتي لا تسمح لي بذلك بحيث وجدت نفسي سأكرر ما استجد في نظر هابرماس لسؤال التسامح لا أقل ولا أكثر وكان اختياري أول الأمر هو معالجة سؤال قيمة التعاون عند الفيلسوف وعالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سينيت وعدلت عن الأمر غير أنني سأنشرها كاملة في القادم من الأيام. ومن جهة ثالثة فإن القيم المراد الحديث عنها هنا هي القيم الأخلاقية تحديداً لأن القيم الجمالية والمتعلقة بالذوق تكاد تكون في حكم المعدوم في نقاشاتنا، وأقصد بالأخلاق هنا – تمييزا لها عن الاثيقا بما هي أخلاق نظريَّة – مجموع القيم والمُثل التي توجه السلوك البشري نحو الخير وتجنبه الشَّر… لذا فالسؤال يتعلق بالسلوك الجيد والعادات الحسنة، والأعمال المقبولة، أي بكل ما يمكننا اعتباره لائِقاً ومقبولاً في العلاقات الاجتماعية، لهذا تتطلب الأخلاق وعياً أخلاقيّاً واجتماعياً عالياً، في حين تتطلب السيَّاسة الشجاعة والتحلي بالمسؤوليَّة العظمى. أما المقاربة القانونية المعياريَّة فهي مجرد مقاربة نِسبيَّة لا يُمكنها في جميع الأحوال أن تضمن التوازن بين الأخلاق والسيَّاسة رغم ضرورتها كأداة للتخويف وليس للإكراه أو الخضوع.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

من المؤكد والبديهي جداً، أن مبحث القيم ومنها بطبيعة الحال القيم الأخلاقيَّة تحديداً، هي قيم متغيرة، تخضع لسلسلة تبدلات وتحولات لا تنفك تجد أساسها المادي في طبيعة المجتمع بما هو بناء متعدد ومتغير بدوره، مما يفيد أن الطابع الفطري للأخلاق كما ينادي البعض أمر مشكوك فيه. لهذا يستمد كلامي أساسه من المعرفة الأخلاقيَّة بدل المعرفة الدينيَّة / اللاَّهوتيَّة.

سأميز أول الأمر بين ثلاثة مجالات كبرى حكمت مجال الأكسيولوجيا (الحق، الخير، الجمال) إلى حدود نهاية القرن الثامن عشر من جهة أن غاية كل القيم هو بلوغ السعادة (أي سعادة البشر)، ويتعلق الأمر بمجال العلم الذي يختص تحديداً في البحث عن الحقيقة ومجال الفن الذي يبحث في الذوق ومجال الأخلاق الذي يروم بلوغ العدالة وتحقيقها. لأن الأخلاق عموماً بعد ذلك انتسبت إلى دائرة المعرفة وانفصلت بشكل كبير عن دائرة الإيمان (التي يحكمها التشريع الإلهي) وعن دائرة العلاقات الاجتماعيَّة (التي يحكمها القانون).

قد يتساءل الحضور الكريم من خلال عنوان مداخلتي من المعني؟ في عنوان المداخلة بهم ونحن، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا التصنيف بين طرف وطرف آخر فيه نوع من المغامرة كما أخبرني صديق عزيز وغالي، لذا أقول بصريح العبارة أننا في الوقت الراهن بين خطابين متمايزين في سياقنا الراهن، ويتعلق الأمر بالخطاب الدِّيني (أي الخطاب الذي يتخذ من الدين ومن التشريع الالهي أساسا له وقاعدة لكل سلوك) وبالخطاب العلماني أو المُعلمَن (الذي يتخذ من التشريع الوضعي أساسا وقاعدة لكل سلوك الناس)، لا يستند هذا التصنيف بين نوعي الخطابين على أساس طبقي أو اجتماعي معين، ولكنه يتخذ أساسه من السيَّاسة كما نعيشها اليوم في مجتمعنا، بحيث يسود الخطابين بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعيَّة المنتسبة إليه: فأكيد أن البرجوازية المُحافظة تتماثل مع جماهير الأرياف وهوامش المدن في خطابها المُحافظ ويعود الفضل إلى الفئات المتوسطة والنخبة المحافظة في جعل هؤلاء رغم تناقضاتهم يتفقون على نوعيَّة الخطاب، لذا نتساءل: لماذا يجد الخطاب الديني قبولاً لدى الطبقة العاملة مثلاً؟

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

في فترات الأزمات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة يتم اللجوء إلى الخطاب الديني بما هو المنقذ الأوحد من الضلال اعتقاداً أن الخلاص يكمن في قوة خارقة وخارجة عن إرادة البشر.

يطرح المسألة أعلاه، رهانات كبرى تشترط في الكشف عنها تحليلاً مُفصلاً وبحثاً رصيناً لطبيعة بيئتِنا الأخلاقيَّة إن صح بطبيعة الحال الحديث عن بنية واحدة وموحدة تجمع المغاربة جميعاً لأن نظريَّة العقل التي انتجت ونظرت للعقل الأخلاقي العربي تنطلق من مسلمة أن بنيتنا الأخلاقيَّة لها مرجعيَّة واضِحة وواحدة تجد منطلقها من اللغة العربية ومن الدين الإسلامي ومن الثقافات المختلفة المتعايشة مع المنظومة الإسلاميَّة. لست هنا بصدد مراجعة دقيقة لنظريَّة العقل كما هي رائجة في الفكر العربي المعاصر، ولكني على الأقل استعمل مؤقتا – إلى حين التحقق – مفهوماً واضحاً: الخطاب المغربي، فما المقصود بالخطاب المغربي؟

ليس الخطاب المغربي خطاباً متجانساً ولا واحداً، بل هو خطابات تختلف باختلاف المرجعيَّات الثقافيَّة والدينيَّة واللّغويَّة وباختلاف رؤى العالم، وأشدِدُ على رُؤى العالم لأنها لا يمكن أن تجمع أفراداً مُختلفين من ثقافات ولغات مختلفة، لذا سأركز اهتمامي – على وجه الدِّقة – على الرُؤيّة الدِّينيَّة التي ينطلق منها الخِطاب الدّيني، وعلى الرُؤيَّة المُعلمَنة التي يرتكز عليها الخطاب العَلمانِي، باعتبارهما رؤيتين تحكمان نظراً متبايناً ومغايراً للمسائِل الأخلاقيَّة والسيَّاسيَّة عندنا، فالخطاب السَّائد في المغرب – كما أشرنا – هو خطاب مزدوج: ديني وعلماني في الآن ذاته، غير أن الخطاب الديني ليس واحداً: هناك خطاب ديني – رسمي، خطاب ديني – صوفي،  وخطاب – حركات الاسلام السيَّاسي (متعدد بطبيعته بحسب تعدد تيارات الإسلام السيَّاسي)…

أنطلق من ثلاث فرضيَّات تخُص الخطاب الدّيني من جهة، وثلاث فرضيات تخُص الخطاب العَلماني من جهة أخرى ولكن بنفس المنطق:

  • قد يكون الخطاب الديني إما:
  1. مصدر قوةٍ: لأنه يوحِّدُ وجهات النَّظر حول العالم ويربِط أفراد المجتمع بالحياة الأخلاقيَّة؛
  2. مصدر ضعفٍ أو خطر: لأنه ينظُر إلى الفكر النقدي (التفكير) باعتباره خيانةً وتهديداً؛
  3. مصدر إلهام: يُشرِّعُ لرؤيةٍ عن الحياة الخيرة.
  • وقد يكون الخطاب العَلمانِي إما:
  1. مصدر قوةٍ: لأنه يبنِي وجهة نظر حول العالم ولا يستثني البُعد الأخلاقي في الحياة؛
  2. مصدر ضعفٍ أو خطر: لأنه ينظُر إلى الفكر الديني باعتباره فكراً ميتافيزيقياً متجاوزا؛
  3. مصدر إلهام: لأنه يُشرِّعُ لرؤية خيِّرة للحياة ويضمن سلام الناس وأمنهم.

يعتبر الخطاب الأخلاقي في نظر هابرماس أساس الاندماج الاجتماعي لأنه خطابٌ مناسِب تماماً للمجتمعات المتنوعة ثقافيّاً، إلا أن هذا الخطاب يظلُ نسبيّاً لا لعدم صحة القواعد العامة والشموليَّة إلى أقصى درجةٍ ممكنة، وإنما لأن البشر فيه اعوجاج في سلوكه وممارساته التي تحظى فيها الذاتيَّة والفرديَّة بالمنزلة الكبرى، فقد تكون تلك القواعد صحيحة، لكنه تنتُج عنها سُلوكات خاطِئة تماماً وغير خيِّرة. لذا يتوجب أن يترافق الخطاب الأخلاقي بخطابٍ قانوني وسيَّاسي عقلاني، وما يعنيه ذلك من تلازم حقيقي بين السيَّاسة والقانون والأخلاق.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

لنفترض أنك تعرفت على شخص من أطيب خلق الناس، شخص متخلق يتميز بسمات لم يسبق لك أن وجدتها حتى في أقرب الناس إليك، لذا قرَّرت أن تتخِذهُ صديقاً حميماً ووطدت معه صحبتك بفضل تعامله الراقي وأخلاقه العاليَّة، فماذا يمكنك أن تفعل حينما يُخبِرك أحدٌ ما أن صديقك الفاضِل والمتخلِّق والطيِّب هو المسؤول عن إبادة جماعيَّة لقبيلتك أو لشعب تنتمي إليه: ماذا سيكون رد فعلك حينها؟

يتضح أن المسؤول عن أبشع الممارسات ضد الإنسانيَّة ليس بالضرورة شخصاً سيِّئاً أو فاسداً أو شرِّيراً، بل قد يتصرف عكس ذلك تماماً مع علاقاتِه اليوميَّة وداخل أسرته وعائلته، وهذا ما تسميه آرنت في حالة ايخمان ب “التبرير الأخلاقي للواجب الكانطي”.

الفرق هنا بيِّنٌ بين المجال الأخلاقي والمجال القانوني، وهو الأمر أيضا بالنسبة للجلاد: فعلاقته في المعيش مع المحيطين به ليست هي علاقته مع ضحاياه، مما يعني أن القانون ليس وحده كافياً لجعل سلوك الناس الأخلاقي سلوكاً خيِّراً أو لدفعهم إلى التصرف الحسن والقويم، فمهما كانت عقوبات مدونات الأحوال الشخصية والقوانين التنظيمية الملحقة بخصوص الاغتصاب أو الاعتداءات الجنسية على القاصر، فإن سلوك بعض الأفراد غير القويم يستوجب وجود تربيَّة أخلاقيَّة صارمة وخيَّرة. وقد نجد في التعذيب الذي يمارس على المتهم أثناء الاستنطاق والتحقيق بغرض الاعتراف خير مثال على هذه المفارقة.

النتيجة التالية: ليس القانون وحده كافياً لضمان سُلوكٍ أخلاقي حسن للمواطِن مجرد نتيجة مؤقتة، فلننظر فيما إذا كانت السيَّاسة تستطيع أن تضمن سلوكاً أخلاقيّاً حسناً وقويماً للمواطن؟

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

سيظهر التميِّيز بين التبرير العَلماني والتبرير الديني في قضايا أخلاقيَّة كبرى مع العلم أن الفاعل السيَّاسي بغضِّ النَّظر عن انتماءِه أو رؤيته للعالم فإن تصويته على هذا القرار أو ذاك إنما تحكمه قوانين اللُّعبة أو فن التحايل فلنأخذ على سبيل المثال: قضيَّة الإجهاض أو الاعتراف بحق الأمومة للأمهات العازبات وبحقهن في الاندماج الاجتماعي، على أي حال لا يمكن الوقوف على مختلف الأمثلة: سأكتفي بالحق في الإجهاض: لا يهم كثيراً إن كانت هناك قوانين تضمن هذا الحق أم لا لأنه غير مقبول أخلاقيا بالنظر إلى ما ينتج عنه من نتائج اجتماعيَّة وظواهر تتناسل وتنبث كما ينبث العشب، بحيث ينتج أغلب الظن عن علاقات جنسية غير شرعية من منظور الخطاب الديني، ناهيك عن أن وجود هذه الظاهرة بل وتزايدها ليس بعيداً عن لعبة المصالح: كم من عمليَّات الإجهاض تجرى يوميّاً وكم من الأموال تذهب إلى السوق السوداء…

يختلف الخطاب الدِّيني عن الخطاب العلماني في طبيعة المبررات التي يقدمها كل خطاب لأنصاره للحفاظ على مصالحه السيَّاسيَّة حول مسألة الإجهاض، ولكن في نهاية الأمر يتفق السيَّاسيون من كِلا الخطابين على قرارات سيَّاسيَّة قد تتعارض مع القيَّم الأخلاقيَّة التي تدعو إليها تلك الخطابات في صفوف أنصارها وفي المجتمع ككل.

يمثل النقاش في المغرب على ضعفه حول المساواة في الإرث نموذجاً صريحاً، فالخطاب الديني لا يستسيغه لأنه يتعارض مع أحكام الشريعة، ولكنه كخطاب يعرف جيّداً أن مبدأ المساواة في الإرث هو أساس الحياة المعاصرة ولا يمكن تجاهله. هذا ناهيك أن الانفصام من خصائص الخطاب المغربي، فقد تجد من انصار الخطاب الديني من يلجأ إلى الخطاب العلماني، وفي صفوف أنصار هذا الأخير من يلجأ إلى الخطاب الديني.

الخلاصة: لا يهم القرار السيَّاسي ما ان كان له أثر في الفعل الأخلاقي أم لا، لذا فالناس يستنكرون ظواهر أخلاقيَّة متنامية في المجتمع ويسكتون على أخرى أشد منها فضاعة: يستنكرون وجود المتشردين في الشارع العام وتنامي ظاهرة التسول، وتفشي الدعارة والاعتداء بالسلاح الأبيض، ويقبلون قمع المظاهرات…

قد تبرر الأخلاق سلوكات سيَّاسيَّة غير مقبولة، وقد تبرر السيَّاسة سلوكات أخلاقيَّة غير مقبولة، أما القانون فلا يمكنه بتاتاً ضمان سلوك أخلاقي أو سيَّاسي سليم، لذا أقول أن النقاش في خطابِنا المغربي حول هذه المعضلة لا يزال ضعيفاً جداً.

ما نتلمسه أن منظومتنا الأخلاقيَّة والسيَّاسيَّة معاً تتعرض لانهيار شاملٍ يفعل الانفتاح السيَّاسي في عصر العولمة ومجتمع المعرفة لأن السلطة صارت معولمة وكونيَّة في حين أن السيَّاسة صارت ضيِّقة أكثر فأكثر وانحبست في مجال الدولة الواحدة، وهذا الطلاق البائن بين السُّلطة والسيَّاسة قد يفضي إلى نتائج يصعب على المنظومتين السيَّاسيَّة والأخلاقيَّة معاً أن تجيب عنها: فلنتجرأ على استعمال العقل ولنطرح السؤال بصوت مرتفع؟

 

شاهد أيضاً

قبائل المؤمنين والملحدين

سامي عبد العال سامي عبد العال         من دواعي التعبيرات اللغوية: أنَّه حينما يُقال” مؤمن” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *