الرئيسية / أدب وثقافة / مقالات / المثقف المتخيل.. في أفق ربيع مغربي ثقافي

المثقف المتخيل.. في أفق ربيع مغربي ثقافي

بقلم رضوان آيار

المثقف على حد قول “د رشيد العلوي” يفضح “تحوير الوظيفة النقدية للفضاء العمومي و توجيهه و توظيفه توظيفا إيديولوجيا و سياسيا “5 من قبل الدولة التي تركز في وعي و لاوعي الناس أن نقد الممارسة السياسية “لا يكون إلا من داخل مؤسسات الدولة و لا من خارجها “6، لابد للمثقف أن يعيد لنفسه “كاريزماه” في علاقته بالدولة ، و يرى بنكراد_و لا يسع الوقت للحديث عنه بما يليق به فقد أبهر من خلال “وهج المعاني”_، يرى أن المثقف ملزم بمناهضة العنف و السلطة/التسلط/التحكم، و بفضحها_ ربما على غرار فوكو_، حيث إن السلطة تقتل/ تخنق/ تمزق و تجعل الكل شبيها بالكل، فيضيع الفرد و الكل، و يصبح الكل نسخة من الكل فيتشظى الجميع.

” المثقف /المتخيل” في أفق “ربيع” مغربي حقيقي.

“المثقف هو الذي إذا تناقضت القيم مع المصلحة انحاز للقيم، و إذا تناقض الحق مع القانون انحاز للحق..

عدا هذا يصبح المثقف مجرد شاهد زور” .

“سعيد ناشيد”*

هذا الصباح، و كنت أرتب بعض الأغراض، وجدت مصادفة خاطرة سبق و دونتها ذات يوم و أنا في قمة الإحباط، قلت يومها ببساطة ما يلي: ” جلسة عفوية مع سائق طاكسي أو بائع خردة، أفيد و أمتع بكثير من مجالسة مناضل ثوري، الأول يتحفك بنقد ساخر لليومي، و الثاني يقصف و _يطنطن- جمجمتك بلا فائدة “..لقد بلغ الناس_مثلي_ فعلا هذه القناعة حتى صار تجاوزها صعبا للغاية، حيث يعيبون على المثقفين عموما، أنهم كائنات كلامية فقط ، ربما يخشون أن تتسخ بدلاتهم الأنيقة بتراب الواقع و تغبر أحذيتهم، لذلك يعتزلونه و يترفعون عنه، يسكنون أبراجهم العالية/العاجية ليعيشوا الترف و البذخ المعرفي، و ليلبسوا الواقع _عنوة_ ما جادت به مخيلاتهم من أحكام و تحليلات متعالية و بلغة متعجرفة . حتى أنه صار يبدو أنهم كائنات دون جدوى، نساء و رجال ينتجون حقائقهم و يروجون لها، فيتبعهم”أتباعهم”/طلبتهم/مريدوهم مصفقين و مهلليل، و لا يتجاوز تصفيقهم حجرات الدرس و المدرجات، كما يعيب الناس على ثلة منهم كونهم يلهثون وراء المناصب السياسية، و يتمسكون بها أكثر من كراسي العلم، في الوقت الذي يستنزف فيه اليومي تفاصيل عيش”الأمة “، فتتبع “الأمة” تفاصيل اليومي، و تتبعهم الدولة لترسم تفاصيل هذا اليومي…يتحول عموم الناس إلى “مجتمع فرجة”، و يتحول “المثقفون” إلى جمهور”أنيق” يرابط في المفاهيم و النظريات “يتفرج ” على”مجتمع الفرجة”، و الدولة برهان واضح لا يخرج عن مثلث تضبيع/ تبضيع /تضييع الجمهور، تستمر/تستثمر/ تصوغ لعموم “المتفرجين” تفاصيل اليومي..

و حتى ننسل من المهزلة، نطرح في هذه الورقة سؤال المثقف /الذي نشتهيه،الذي نريده، ذاك الذي يراهن عليه بلد من الممزقين ، سؤال البروفايل، المثقف/ كما نتخيله، النموذج المثالي بلغة “ماكس فيبر”/ ربيع المثقف..

نطرح السؤال على مثقفين مخضرمين بحمولة/ تراكمات سنوات البحث و الفعل، و على مثقفين شباب/جيل جديد من الرؤى و الرهانات و من “تكتيكات” الفعل، نطرح مشكلة الراهن، و مشكلة المثقف /الرهينة.

من هو المثقف بالتحديد يا ترى؟ ما المطلوب منه فعلا في ظل الجري السريع جدا للمجتمعات في اتجاه المجهول/الارتطام بالحائط ربما؟ ما الذي يمنعه من أن يصير “عضويا” فعلا و أن يخلق ” ربيع الفلسفة ” و الفن و العلم و السياسة، الفكر و العمل ؟ هل عزلته اختيار أم أنها قدر مقدر ؟ حتى لا نساهم في التحامل عليه، أم أنه الرأسمال يعصر / يدمر/ يدجن، و يرسم منتهى المطامح فيقتل المثقف و من خلاله يقتل بلدا من الممزقين ؟
في حوار معه، لامس د عبد الله حمودي/ هذا الرجل الشامخ نقطتين حساستين و مهمتين جدا لمقاربة وضعية المثقف داخل النسق الاجتماعي حيث :

أولا، لابد من الإقرار أن البلد لا يخلو من مثقفين، لسنا بصدد أزمة مثقفين – إنهم كالفطر في كل مكان- ، غير أن تصنيفهم مفيد منهجيا، و منه يصير بوسعنا أن نحكم، فقد تروج خطابات مفادها أن في البلد صراع بين قوى واضحة الأفق، الأولى عقلانية متنورة حداثية، و الأخرى إما ظلامية أو شعبوية و غير عقلانية، غير أن هذا التشخيص غير مقنع، لابد أن ننظر بلا خجل إلى المرآة..ليست هنالك دلائل واضحة على هكذا تمييز، لسنا بصدد مشروعين ثقافيين مختلفين و متصارعين، كل ما يمكن أن يقال هو أن هنالك حضورا لهذا في عمق ذاك..هنالك خطاب عقلاني و ممارسات سياسية غير عقلانية لدى من يدعون العقلانية، كما و أن في تفاصيل حياة الأصوليين خطاب عقلاني..بمعنى أن هناك استعمال للعقلانية / العقلنة / العقل على أساس الهوى، فتارة بالتحرير / التحرر / الحرية، و تارة برسم الحدود /التهميش /الاستبعاد..و الأساسي جدا_منهجيا_ أنه ليس هنالك صدام جاد بين توجهين واضحين…التغيير يستلزم الوضوح أولا .

ثانيا: إن العزلة التي يعيشها المثقف المغربي في علاقته بالجمهور هي من مهدت الطريق لقوى متكالبة و متهافتة لاستقطاب أفراد المجتمع لكن لا تتحمل الدولة وحدها مسؤولية خنق المثقف و عزله و استبعاده و تعميق الهوة بينه و بين المجتمع، هذا حتى لا يتم دائما تسييد خطاب المظلومية /البكاء / المؤامرة دائما..القوى المتكالبة استقطبت أكيد، و قد تم الاستقطاب إما بالعنف و القمع و الترهيب و هي من طبيعة اشتغال الدولة، و إما بالإغراءات /الامتيازات /الإعانات /شبكات الزبونية و هي تقنيات القوى الاصولية و الانتهازية المراهنة عل الكم و توسيع الكثل الناخبة استعدادا لمزيد من النهب..يعيش المثقف عزلة في كثير من الأحيان يفرضها هو على ذاته و لا يلزمه بها أحد. فهو إما حبيس عالمه الخاص إذ يرفض العمل من داخل الأحزاب و النقابات، و إما انه داخل الحزب و النقابة بعد قبوله بالأفق المحدود و الخطوط الحمراء كشرط، و بتواصل موسمي مع الجماهير مرتبط أساسا بالحملات الانتخابية، و هو ما يعني قبوله طوعا / طمعا بأن يتحول إلى مجرد أداة .

لذلك أكد السي “حمودي”، على أن المثقفين بوسعهم أن يكونوا ما يرجوه الناس منهم ، شرط أن يقرروا:

أولا: الاشتغال ” بالثقافة و أن يمارسوا المعرفة التي تساعدهم على بلورة توجهات و أهداف سياسية قادرة على تغيير الواقع”1 بوسعهم أن يشكلوا بؤر التغيير” لكن شرط أن يعطوا القيمة المستحقة للمعرفة و ألا يوظفوها دون قيد أو شرط لصالح نوع من السياسة” 2أن لا يتاجروا بالمعرفة / أن يأتوها حقها /أن يقعدوا لعملهم و لنشاطاتهم /”
تانيا : أن لا يسعى المثقفون و المثقفات إلى المناصب السياسية بأي شكل من الإشكال..رغم أنه في آخر المطاف اختيار شخصي /حق مشروع .
سعيد بنكراد / هذا الهادئ /الكوني ، انطلق لمقاربة الإشكال من تعريف للمثقف باعتماد تقنية السلب، حيث يرى أن المثقف ليس فيلسوفا و لا فقيها..الطبيب ليس مثقفا، و الأستاذ الجامعي كذلك ليس مثقفا ، و لا المحامي و لا المهندس و لا الطالب ، و لا من يلقنون المعارف في المدارس و في المساجد..كل هؤلاء ليسوا مثقفين، حيث لا يصير الواحد منا مثقفا فقط بالعودة إلى “مهنته”، المهنة ليست مرجعا و لا دليلا، فمدرس الفلسفة مثلا هو مدرس فلسفة فقط و ليس فيلسوفا و لا مثقفا بالضرورة، نحن لا نكون مثقفين لمجرد أننا نحمل سلطة معرفية ما في عيون تلامذتنا، أو نتملك شهادات جامعية ، أو التهمنا من الكتب أكثر من الآخرين ، لا، لا، لا، المثقف مختلف تماما ، نحن نصير مثقفين بجهد السنين و بالفاعلية، المثقف “فاعل” هذا هو الجوهر، و “فاعل أخلاقي بالدرجة الأولى”4 ، أنه فاعل / كوني، لا يتقيد بانتماء عرقي أو مذهبي، لا يتعصب لموقف..ربما لهذا ينادي آلان تورين بعودة الفاعل ، نحن في حاجة لمثقف / إنسان استدمج كل القيم النبيلة التي أنتجتها الإنسانية الممتدة عميقا في التاريخ، إنسان/إنساني..لا يليق بالمثقف أن يدين بالولاء لشخص/موقف/ إيديولوجيا..و لا لقبيلة/حزب/أو دولة ، حيث إن الولاء نقيض للنقد و لا يسمح به، الولاء تسليع للمثقف و استثمار لفكره و لسانه..المثقف ينتمي للإنسانية / يتسع باله و فكره للكل، لا يهادن و لا يتمسح، لا يبيع و لا يباع، المثقف لا يتحيز إلا لقيم الإنسانية، للعدل/المساواة/الحب و الحرية، لذلك فإذا كان الأستاذ الجامعي أستاذا فقط سيبتلعه النسيان و سيطاله الصدأ في ركن المقهى. المثقف التزام..الإبداع من أجل مجرد الإبداع أسطورة بالية..لا يمكن للمثقف أن يكون محايدا في بلد تخترقه الصراعات..إن المثقف هو العين التي لا تنام..اذا كان خارج الحزب _و هو حق له_يقرأ الممارسة الحزبية ، و إذا انخرط في العمل الحزبي فهو يراقب الايدولوجيا و عصى الراحة فيها، و يراقب الممارسة، يراقب إنضاجها و تمييعها، و يحتج..المثقف سيدة أو رجل يحتج/ يدافع عن” فضاء عمومي أبيض” / نقي / خال من القناعات المعممة و أحكام القيمة و من التنميط و القولبة و خال من اللصوص، فضاء يحتمي فيه الفرد ليمارس قناعاته، دون محاكم تفتيش.. المثقف على حد قول “د رشيد العلوي” يفضح “تحوير الوظيفة النقدية للفضاء العمومي و توجيهه و توظيفه توظيفا إيديولوجيا و سياسيا “5 من قبل الدولة التي تركز في وعي و لاوعي الناس أن نقد الممارسة السياسية “لا يكون إلا من داخل مؤسسات الدولة و لا من خارجها “6، لابد للمثقف أن يعيد لنفسه “كاريزماه” في علاقته بالدولة ، و يرى بنكراد_و لا يسع الوقت للحديث عنه بما يليق به فقد أبهر من خلال “وهج المعاني”_، يرى أن المثقف ملزم بمناهضة العنف و السلطة/التسلط/التحكم، و بفضحها_ ربما على غرار فوكو_، حيث إن السلطة تقتل/ تخنق/ تمزق و تجعل الكل شبيها بالكل، فيضيع الفرد و الكل، و يصبح الكل نسخة من الكل فيتشظى الجميع.

محمد منير الحجوجي ، هذا الهادف/الصارم منهجيا و الكوني أيضا، يورد في مقدمة كتابه “حول القوات المسلحة الإيديولوجية موقف “هوسرل” من المثقف ليطوره ، فهو بالنسبة له ” ليس العالم المختص / المتخصص ، ليس هو من ينتحر داخل/من أجل نظرية ما ، و لا هو من يعلن استعداده أن يقتل من أجل إنقاذ ابستمولوجيا ما”7، انه موظف البشرية، انه ذاك الذي يتجاوز مجرد مطامحه الفردية ليلتحم بالبشرية، و ليس ذاك الذي يغسل يده من العالم و يتفرج على البلد و هو يمشي مسرعا نحو هاوية ما..المثقف ليس هو ذاك الذي يروج لمخدرات الدولة، و لا ذاك الذي يلعب وظيفة رجل الإطفاء، ينزع فتيل التوترات، يشوه فهم الواقع، يشوه تصور الناس للعطب و لباب الخروج من العطب، يعتبر و يحرض طلبته و قراءه على أن يعتبروا كل ما وقع و ما يقع و ما سيقع مجرد أحداث عابرة عادية طبيعية متوقعة، و يعرف و نعرف أن خصم السوسيولوجيا و الفلسفة موت “الدهشة” أو خنقها..” دور المفكر مثلما يقول الكاتب العظيم “غنترغراس” هو الاصطفاف إلى جانب المهزومين، بنقل همومهم للعالم و بفضح من يسحقهم “.8و كل من يدير ظهره للبشرية عن وعي أو لا وعي هو جزء ممن يخربونها، ممن يساهمون في دفعها…إلى الرفيق الأعلى “..إن “مهمة المثقف هي بالضبط كما طلبه مفكك خبث العالم الأول” بيير بورديو” : أن يفسد على السلطة حفلاتها التنكرية “9
رشيد العلوي، و هو باحث أكاديمي في مجال الفلسفة/ ناشط و فاعل حقوقي ، يرى على الشباب في المغرب في الآونة الأخيرة شكل “القوة المحرّكة للمجتمع في مختلف المحطات الكبرى من تاريخه المعاصر، وها هو اليوم يعود بقوة إلى جبهة الصراع الثقافي –الفكري، لغاية خوض معركة تنوير العقول وتطوير الأذهان”8، لذلك لابد أن ننظر بعين الرضى لما هو بصدد التشكل/ التحقق ، لابد من الوعي بأن ثمة دينامية حقيقية يشهدها البلد انطلقت منذ مدة، و تجد توهجها اليوم مع استفاقة الفلسفة من سبات السنين..و يؤكد على أنه لابد لهذه الدينامية من دعمها، و دعمها هو تحصينها، فقد فطن هذا الجيل الثائر_و هذا مهم جدا_إلى فشل المطالبة بالتغيّير السيّاسي..بل ومحدوديّة المطالبة بالتغيّير السيّاسي دون خوض المعركة الثقافيّة.”10،_و هو بالمناسبة ما نبه إليه “بول باسكون” ذات يوم و لم ينتبه أحد_ ، لابد من العودة إلى التفكير /التأمل/الجدية والى الالتزام في الطرح،” فلم يعد من المستصاغ ترك سؤال الوجود والبحث عن معنى للحياة أمام تغوّل”الجهل المقدس”، وزحف الأصوليّات المتواصل وهجومها الجارف على كل مساحات العقل والحياة.”11لابد من الانخراط، و الحث على الانخراط الفاعل، لا يجب أن يستثنى أحد..لابد من الاشتغال في السينما /المسرح/الزنقة كفضاء عمومي..لابد من الاشتغال مع الشباب و إلى جوارهم، و مع الأطفال و لم لا التفكير و النضال في أفق ” تدريس الفلسفة للأطفال ” من أجل ديناميّة لا تتوقف، إن لم تكن لحسم المعركة مرحليا فعلى الأقل لغرض “المقاومة الفكريّة والممانعة الثقافيّة للمد الأصولي المتزمِّت الذي اجتاح هذه الرقعة قادما إليها من كل حدبِ وصوب”.
إذا توفرت كل الشروط التي أسلفنا ، إذا أحس المثقف بثقل مسؤولياته و بشروط خدمته للبلد، فلا نعتقد أنه سيستمر في التباكي و في عزل ذاته، و أكيد سيكون حضوره وازنا و مجديا .

للمزيد ، أنظر :
* الشذرة هي ل سعيد ناشيد : أستاذ /باحث في قضايا الاصلاح الديني
1/2/3/ص 26 دفاتر وجهة نظر 5، مصير المجتمع المغربي، رؤية انثروبولوجية لقضايا الثقافة و السياسة و الدين و العنف ،
حوار و إعداد توفيق بوعشرين و محمد زرنين
/4/سعيد بنكراد ، وهج المعاني، سيميائيات الانساق الثقافية ،المركز الثقافي العربي ..أنظر محور “المثقف و السلطة ” .
/5/6/ رشيد العلوي ، بحث حول : الفضاء العمومي من هابرماس إلى نانسي فريزر
/7/8/9/محمد منير الحجوجي ، القوات المسلحة الإيديولوجية.، دفاتر وجهة نظر ، العدد 34..أنظر محور”نقطة تكسير النظام ”
/10/11/رشيد العلوي، ربيع الفلسفة، مقال منشور بعدة مواقع الكترونية مهتمة بالشأن الفلسفي .

شاهد أيضاً

شذرات فلسفية حول مشكلة القيم

بقلم: يونس فارس شكل موضوع القيم ولا يزال مجالا خصبا للدراسات الفلسفية التي تقوم على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *