الرئيسية / منشورات / مجلات / الفلسفة بالفعل في أثر موليم العروسي

الفلسفة بالفعل في أثر موليم العروسي

العلوي رشيد

 نشر في مجلة أفكار العدد 13 فبراير 2017

“يحدث أن تنفعل أو تفعل أو تتفاعل وتضع كل هذا

في لمسة فرشاة على فضاء هيء بمتعة بالغة تماما”

الفضاء والجسد، ص 13.

أي مدخل ممكن لفهم أثر وأعمال المفكر موليم العروسي؟

يتمحور عمل الفرد المستقل من طِينة موليم العروسي حول ثلاثة مجالات كبرى: تتعلق الأولى ببرُوزِه كذاتٍ مُستقلة، والثانيَّة، كفاعِل اجتماعي وسيَّاسي بغضِّ النَّظر عن القيَّم والحُمولات الثقافيَّة، يتفاعل وينفعل مع مجموع التغيُّرات والأحداث الجاريَّة، والثالِثة كمُعبِرٍ يُجسَّدُ الفهم الذاتي للعالم وللأشياء. وقد ارتبط هذا الفهم لعمل الفرد بولادة الحداثة جراء الرؤيَّة المُعلمَنَة للعالم، حيث تم تقويض أُسًس الميتافيزيقا، والفهم الأسطوري للعالم، والانتقال إلى الفكر ما بعد الميتافيزيقي، ويمكن مقاربة هذا المدخل وفق ثنائيات دالة ومعبرة، رغم أن فكر وأثر موليم لا يقبل المنطق الثنائي: الكونيَّة والخصوصيَّة، الهدم والبناء، الحضور والغياب.

 

تغطي أعمال هذا المفكر مجالات شتى: الأدب (الرواية)، الفلسفة، التحليل النفسي، النقد: الجمالي والفني والسيَّاسة… هي إذن أربعة مجالات كبرى كانت حاضرة بهذا القدر أو ذاك في فكر هذا الرجل الذي كرس حياته وجهده ونضاله في سبيل مجتمع مغربي متنور وحر وأفق إنساني كوني واسع ورحب، وإذ أنا فخور بالإدلاء بهذه الشهادة في حقه، فإني أريدها أن تعبر عما يخالجني من شعور وإحساس لأني رافقته بضع سنوات، وحظيت بتأطيره وتوجيهاته النبيلة والعميقة، ورغم فارق السن بيننا فإني لم أحس يوماً باتساع الهُوَّة بين جيله وجيلي، هو صديق أعتز بصداقته، وأستاذ لي شرف التعلم منه، ورفيق مسيرة النضال في سبيل مجتمع متنور، يشرفني أن أكون من المحظوظين في احتضانه لي وإعطائي الحق للحديث عن أثره، وهو الحظ الذي اعتبرته بمثابة توريط بما في الكلمة من معنى: توريط لست متأكداً ما إن كنت سأفي بهذا الدين اتجاهي.

يمكن أن ألخص جملة ما سأقوله اليوم في مفهوم واحد أجدُه معبراً عن مسار هذا المناضل رغم إيماني أنه ليس كافياً لاختزال كل ما قدَّمه لأنه لا يختزل، ولكنه فاتحة لاستكشاف مفاهيم أخرى قادرة على فهم ما يبتغيه وراء أثره، ويتعلق الأمر بالفلسفة فعليّاً، الفلسفة في الواقع والمعيش وليس فلسفة فعل كما جاء في العنوان أي ليست فلسفة تنظر في الفعل وتتأمله لتنظر له، بل بفلسفة فاعلة مرتبطة بقضايا الذات والوطن وهم شعب بأكمله، فلسفة نابِعة من عقلانيَّة ما بعد حداثيَّة تتجاوز الفكر الميتافيزيقي في كل أبعاده ولا تعيره الاهتمام من جهة أن الفكر الميتافيزيقي جوهر لا يفي بقناعات الذات الفاعلة هنا أقصد قناعة موليم العروسي الذي يحتفظ لنفسه بالكثير والكثير من سر عطاءه وابداعه.

ليست فلسفة الفعل المقصودة هنا بنوع الفلسفة التي تبحث عن مفاهيم ميتافيزيقية أو مجردة أو مقولات وجودية تسعى إلى فهم جوهر الدازاين من الخارج بل ينغمس في هذا الدازاين بحثا عن معنى الحياة، رغم أن مرحلة مهمة من مساره الفكر والسياسي والفلسفي كان غارقاً في الايديولوجية التي أعاد فيها النظر بفضل ألتوسير. وإنما هي فلسفة متصلة بجوهر المعيش وكنهه، متصلة بالواقع الذي يحيى فيه الفرد ويساهم فيه بكل تجاربه واحساساته وجوارحه، فلسفة ليست من نوع الفلسفة الموجهة للبراكسيس، بل النابعة من عمق التجربة الانسانيَّة، من صلب الممارسة البشريَّة المحسوسة، فلسفة فاعِلة في واقعها وتربتها، تقرأ الجاري كما هو لتضفي معنى عن حياة الأفراد والأشياء وأثرهم.

يستوجب الفعل بما هو ملتصق بالفاعل حضور الانفعال والتفاعل، في فضاء اختاره موليم أن يكون خاصاً جداً، لأن فضاءات موليم مهيئة بعناية ومختارة عن قصد، وفضاءه هو فضاء الصديقة الفاضلة كنزة بنجلون التي رافقتها مدة قصيرة في عِزِّ حِراك 20 فبراير وأدركتُ معها العديد من التضحيَّات التي تُقدِّمُها في تعليم الشباب، والتضحيَّة بنفسِها في سبيل التعبير الحُر والجريء في الشارع العام، وكان ذلك بالنِّسبة لي حقاً مجالاً جديداً لم يسبِق لي أن حاولت اكتشافه. كان معرضها “قاضي المدونة”، محطة هامَّة لمُساءلَة الذُكوريَّة والتحرش الجنسي ووضعيَّة المرأة وما تتعرض له من تسلِيعٍ بَشِعٍ، فعربتُها التي تحيل على عربة الأسواق المُمتاز تحمِلُ جسداً أُنثويّاً معرُوضاً لِلبيع، في إشارة إلى تسليع وتشيء المرأة التي يُنظّرُ إليها في مجتمعنا بما هي مشبع الرَّغبَات، لأن الرجل لا يرى فيها إلاَّ كذلك بفضل ثِقلِ التقليد والإرث المُحافظ ناهيك عن تخلف بنيات التنشِئة التي لم تتعرض بعد للتحديث. هل سيتعامل الرجل مع المرأة المغربيَّة بما هي مُواطِن لها كامِل الحقوق التي له أو بحوزته؟ تُدركُ كنزة جيِّداً حجم التضحيَّة من خلال تعبيرها الفني الجريء، لأن إرث المُحافظة الذي تحمله الإيديولوجيَّة التقليديَّة والدِّينيَّة كما تقول يحاول أن يُنمِّطَ حياتنا ومجتمعاتنا وفق نموذج وسطوي.

ألخص أثر موليم وفلسفته بالفعل في:

1 – الكتابة الجارحة: أي قدرته على نسغ كتابة فريدة في مجال الروايَّة، أسميها الكتابة الجارحة: كتابة نابعة من الصميم، كتابة جارحة للذات ووعيها، ولكنها في الواقع أسمى تعبير حقيقي عن الذات في عمق معاناتها، ولأنها كتابة تنتمي إلى مجال الاحساس والشعور؛ جارحة لأنها تستسلم أحيانا للاشعور وللخيال وللسرد وللشفوي وللمعيش كما هو؛ جارحة لأنها صميميَّة وعميقة وانغماسيَّة، ورغم كل ذلك استطاعت كتابته أن تحول الوقائع التاريخيَّة والمشكلات السيَّاسيَّة والمعرفيَّة والايديولوجيَّة إلى حكي سردي قادر على صوغ الأفكار في حكاية: هي حكاية ليست من نوع السرديات الكبرى كما عرفناها في فكر ما بعد الحداثة، إلا أنها ستصير حتماً محكيَّة تاريخيَّة بفعل وقوة التاريخ، هكذا فضل التعبير الدَّال: أنا حكواتي في الفلسفة، وفيلسوف في الإبداع، بحيث لا يفصل بين الفلسفة وباقي التخصصات، بل هدم الجدران المؤسساتية بين الأدب والفنون والفلسفة.

2 – نقدية جمالية فاعلة وحية: وفائه لمجال تخصصه وتجديد المعاني القابعة في الأثر الفني المغربي واعطائِها أبعاداً جماليَّة وفلسفيَّة في الآن ذاته، بحيث تتبع أعمال الفنانين المغاربة لما يقارب نصف قرن، بحثاً عن معنى الفرد وعن تجل الفردانيَّة وحداثة ونبل التعبيرات التي تحبل بها، دون أن ننسى أثر الايديولوجيَّة في الفن المغربي المعاصر، لذلك سبر أغوار حياة فنانين مغاربة كبار في أدق تفاصيلها الجارحة والقاتلة وليس بهين أن تعيش مأساة فنَّانٍ مبدع ومعاناته في الزمان والمكان كما فعل هو. ولهذا ظل سؤال التنوير والحداثة حاضراً بقوة في كتاباته في مجال النقد الجمالي والفني كهاجس يحرك أثر فلسفة موليم التي هي بكل تأكيد فلسفة فاعلة، وهو الذي يحث على أن الفلسفة “أصبحت مثلاً تتجه إلى أن تكون علماً دقيقاً لا يهتم إلا بالمفاهيم، مفاهيم لا تصلح لشيء غير أنها تدرس لأشخاص سوف يدرسونها بدورهم وابتعدت بذلك عن الاهتمام بالشأن العام. لم ينتج هذا عن طبيعة الفلسفة بما هي كذلك بل عن طبيعة المتفلسفين الذين شأنهم شأن باقي المثقفين والمبدعين رأوا في تصالحهم مع النظام مصلحة في أن يغيروا اتجاه اهتمامهم”، ففيما تصلح إذن المفاهيم الفلسفيَّة إذا لم تكن محايثة للبراكسيس، وتدفعنا إلى إضفاء المعنى على الحياة؟ هكذا يجمع موليم بين الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي: ففي مارس 2011 تتبعت معه النقاش في مجموعة “أصدقاء الشعب يريد”، حول الفاعل الديني ودوره في الربيع الديمقراطي: هم التنوير والحداثة السياسية، والذي أثمر بحثي الذي أشتغل عليه منذ تلك الفترة إلى اليوم بفضل توجيهه وتأطيره. لقد جلنا معه مختلف أزقة البيضاء تعبيراً وسعياً نحو إعلان نهاية الذكوريَّة أو يقول: ” يبدو لي اليوم أن هناك تربة، وخصوصاً بعد حراك سنة 2011 بالمغرب، صالحة لكي تعيد الفكر والثقافة والفلسفة إلى قلب الأسئلة الحيَّة في المجتمع”.

3 – الالتزام بالفعل: لم يكتفي وهو المثقف العضوي (خارج أي حزب أو أية زاوية) الذي انخرط في كافة قضايا مجتمعنا، لا يتتبع أثر الأعمال الفنيَّة فقط بل ساهم في مراحل مختلفة في إعطاء معنى للفن المعاصر (الجيل الثالث) الذي تمرد على الفن التجريدي نحو تعبيرات معاصرة تحاكي الفن العالمي، ولعل العديد من المعارض التي رأت النور بفضله ونضاله خير مثال على ذلك. وفي مقاربته لسؤال الجسد ودور الحس والشعور في التعبير حاول موليم أن يقوض الفكر الدوغمائي في العقلانيَّة الأكثر شهرة: عقلانية ديكارت.

في التأمل الثالث يصرف ديكارت النظر عن الجسم وكل الاحساسات لأنها تُفسِد عمليَّة التفكير: “سأغمض الآن عينيّ، وسأصم أذنيّ، وسأنصرف كل حواسي، وسأمحي حتى من فكري كل صور الأشياء الجسمية، أو على الأقل، لأن هذا قد لا يكاد يحدث، فإني سأعتبرها باطلة وخاطئة؛ وسأحاول، محافظاٍ فقط على ذاتي، ومتأملا داخلي، أن أغدو شيئاٍ فشيئاً معروفاً أكثر ومألوفاً أكثر لدى ذاتي. فأنا شيء يفكر”، لأن الحقيقة عند ديكارت ترتبط بالتفكير الذي هو من خصائص النفس المتميزة عن الجسم (الفكر والامتداد كجوهران متمايزان)، وقد حاول ايجاد الاتحاد بين الروح والجسد رغم كونهما متمايزان، من خلال الغذة الصنوبرية التي اكتشفها ويليام هارفي (1578 – 1657) طبيب انجليزي، مؤسس علم وظائف الأعضاء، ويعود له الفضل في استئناف البحث في التشريح ووظيفة القلب والدورة الدمويَّة بعد أن توقفت سنة 1400 وقد كلفه ذلك 12 سنة قضاها في محاولة لإقناع الكليَّة الطبيَّة الملكيَّة في لندن بجدوى تجاربه وأبحاثه)، غير أن سبينوزا وإن كان حبيس الواحديَّة الديكارتيَّة فقد كتب في الاتيقا: “النفس والجسم هما فرد واحد وذاته منظوراً إليه تارة، تحت صفة الفكر وتارة تحت صفة الامتداد”. أما الاختزاليَّة الماديَّة عند لاميتري كأقصى تجلٍّ لفلسفة ديكارت فقد اختزلت الإنسان في المادة وفق فيزياء العصر ليلغي النَّفس اللاَّماديَّة (كتاب الإنسان – الآلة 1747).

كانت أبحاث هارفي وغيره من ميكانيكيي القرن السادس عشر مجرد بداية، تواصلت في خضم الصراع مع الكنيسة لتزيح القلب كعضو محوري في الجسم – الآلة لصالح الدماغ محور الجسم – الأعصاب الذي اعتبر مع بداية القرن العشرين مركز المعرفة والانفعال، وتنامى اكتشاف خلايا الجهاز العصبي “العصبونات” مع غولجي وكاجال 1906 والتي ساهمت في نمو وتطور بيولوجيا الأعصاب مع جون بيير شونجو الذي ربط الوعي والحالات العقليَّة بالسُيالات العصبيَّة. وساهمت فينومينولوجيا هوسرل في وضع فلسفة حقيقيَّة للجسد، كما غيرت نظرة ميرلوبونتي للجسد العديد من الأفكار من منطلق أن الجسد هو بوابة الذات نحو العالم والآخرين والوسيلة العامة لامتلاك الأشياء بفضل ما تمنحه من معانٍ للعالم والأشياء معاً. وبفضلهما تصور لفيناس منذ كتابه “الزمن والآخر” الجسد على أنه: ما يتجاوز السيطرة والملكيَّة من خلال الشعور؛ وما يعرض أمام النظر قابليَّة الكائن البشري للجُرح وهشاشته مدى الحياة. غير أن موليم في سعيه لتفكيك الجسد الذي تعبر منه كل الانفعالات والتفاعلات Interférences (بحمولتها الدولوزيَّة)، يحثنا على ضرورة الإعلاء من شأو الأجساد لأنها تحمل معها جُرحها الغائر وتحاول أن تقدم كل ما لديها من تعبير داخلي صادق، كما هو حال الفنان في الابداع الجارح والعميق، والحكواتي في ذاتيته الجارحة، وألمها المستمر هنا وهناك، هكذا يصير الجسد عند موليم الخيط الناظم للبعد الكوني والخصوصي.

4 – نقض التقليدانيَّة والنزعة المحافظة: تعبيره السياسي في شكل صورة أربك حسابات التيَّارات المحافظة التي حاولت أن تقدم لنا دروسا في التقيَّة دون جدوى، ونموذجاً ايديولوجيّاً لا علاقة له بتاريخ المغرب. فقُبلة سبيدرمان التي تتذكرونها جميعاً هي مسمار في نعش دعاة التقليدانيَّة والفكر المُحافظ، ورغم ما نتج عنها من ألم فقد كانت قُبلة كل شباب المغرب قُبلة مغرب متنور يؤمن بالفكر الحر كما نظَّر له موليم، ولي شرف متابعة بعض لحظاته مع “منتدى الفكر الحر”، فالفكر الحر في نظره: “هو ذلك الفكر الذي لا يتردد في وضع المعرفة المكتسبة أياً كانت على محك السؤال والنظر”. أي أنه “فكر يوجد على النقيض من الفكر المتزمت الذي يعيش تحت سلطة ووصاية التقليد الأعمى”. ولهذا يشدد موليم على أن”أن الشعب الأمي أحسن بكثير من الشعب نصف المتعلم. أفضل الفلاح الذي يرتبط بالأرض ويتعامل مع الفصول ويقاوم شراسة الطبيعة هذا الفلاح أقرب إلى الفكر العقلاني من ذلك الذي غادر المدرسة في منتصف أو في نهاية التعليم الابتدائي والذي انتقل إلى المدينة لبيع التين الهندي (الهندية) أو الأقراص المدمجة لدعاة القتل والدمار والذي وقع فريسة أفكار تخرب الذهن والبدن والذي أصبح يطلق العنان للسانه لكي يُفتي في أمور الدنيا والدين. فبينما تجد الفلاح ينتبه الآن لنشرة الأحوال الجويَّة في الراديو والتلفزيون لينظم نفسه ويتعامل مع الطوارئ الجويَّة بنوع من العقلانيَّة تجِدُ النَّوع الثاني يُفسِّر كل شيء بخرافات التوكل والخوارق. إذن لو قدر لنا في يوم من الأيام أن نشرح العلمانيَّة أو مشكلة فصل الدين عن السياسية فلا يجب أن نتيه في النظريَّات وإنما أن نركز على ما هو عملي”.

كانت هذه الاشارة نبراساً لِي في مساري وبحثي الذي لا أزال منغمساً فيه منذ ما يقارب نصف عقد من الزمن، لأني أدركت مع موليم معنى تكويني وكيف تم تكويني لأكون ما كنت عليه وأحاول تغييره جذريّاً، فمنذ التحاقي بهذه الكليَّة سنة 2008 أدركت الفرق بين ما تلقيته في مساري الاكاديمي بجامعة محمد الخامس وما أتلقاه في بنمسيك وأن الفاعل في اعطاء معنى جديد وملموس للفلسفة إنما مرتبط أشد الارتباط بهذا الشخص من الثمانينيات مع “محترف الجماليَّات” أو حلقة الجماليات (الحاضرة لا المفقودة)حيث خط مسار مثقف ومفكر نقدي بامتياز، محترف الجماليَّات هاهنا في هذا المكان، حقق الدمج بين درس علم الجمال والفنون ودرس الفلسفة ودرس الأدب: فالالتصاق بالنصوص – كما تعلمنا في الرباط – فيما يشبه الشرح الممل والتفسير الحذر، كانت من التقاليد التي رسخها دعاة التراث في مسارنا الأكاديمي، ويمثل الخروج عن هذا التقليد خيانة لا تغتفر، إلى درجة أننا حفظنا الأقوال بما يكفي وحتى أرقام الصفحات ندققها بعناية قصوى خوفاً من سلطة النص ومن سلطة من يرعاه والذي ربما تملك النص وفرض عليه وصاية أكثر مما تملكه صاحبه.

– الهدم والبناء: قدرته على هدم الحواجز المنهجيَّة (المُنمَّطة) والعقديَّة بين مختلف التعبيرات البشريَّة، وعبارة “أنا حكواتي في الفلسفة وفيلسوف في الابداع” أصدق تعبير عن أثره في فلسفة عمليَّة وفاعِلة في واقعها وتربتها ووطنها تحمل هموم الذات التي تعبر عنها. لأن إعادة الاعتبار للحكي في الفلسفة وللحكايَّة وللسرديَّة، إنما يلخص تصوراً عميقاً ونوعيّاً لنمط الفلسفة التي يسعى وراءها، ولغاية التفكير والابداع عموماً، بحيث نجد في حكاية الفلسفة تعبيراً صادِقاً عن هدم الحواجز بين الفلسفة وبين مختلف التعبيرات الانسانية: الأسطورة، الأدب، الفن… وهدم لنظريَّة العقل المتعششة في العقول والتي تمجد التراث وتفضل العيش مع الأموات بدل الأحياء، هكذا يتزامن مع موليم فعل الهدم بما هو بناء، لأن تشييد الجديد يترافق مع الهدم الحثيث للقديم.

فعل موليم العروسي هو فعل ممتد سيتواصل بفضل قدرة الذات وإصرارها على شق طريق خاص بها طريق ممنهج وضعته لنفسها كذات فاعلة ومنفعلة ومتأثرة بما يجري في حق الوطن والشعب معاً، إنه فعل تعويضي (وأشدد على هذا اللَّفظ): فماذا يمكنك أيها الحضور أنت وأنا أن تقوم به حينما تكون قد عوضت ذاتك الأخرى، أناك الأخرى، أنا أخيك المفقود بسبب المرض؟ ماذا يمكنك أن تفعل أيها الحضور لو قُتِلت أنت وأنا وعِشت حياتَك بعد موتك؟ بطبيعة الحال الفعل التعويضي لا ينتهي ولن ينتهي ما دمت يا موليم أنك لست أنتَ إلا كما أريد لك أن تكون، فأن تكون أخوك الآخر هي أسمى السمات. التعويض ناتج عن التماهي الكامل بين الذات الحاضرة والفاعلة الآن وهنا وبين الذات الغائِبة التي حملت همها وصفاتِها وكل ما نُسِب إليها. وحتى الآمال المعقودة عليها. وفي هذا التعويض بين الغائب والحاضر، يسعى الحاضر إلى تأكيد ذاته، وإعطاء معنى للوجود، وللحياة قد لا يستطيع أحد توفرت له كل الوسائل في هذا الوجود كموجود أن يقوم به. في هذا الغياب – الحضور، تجسيدٌ للذات بما هي ذات وتوكيد لها، ذات قائمة وحاضرة لا ذات غائِبة يتم تعويضها، لذا فأسمى ما تجسَّدَ لنا هو هذه الذات الحاضرة والفاعلة في زمانها ومكانها ونعم الاثبات ونعم موليم: “عدت إلى الحياة – يقول موليم – كأنني بطريقة لا واعيَّة جِئتُ من الموت بدل الحياة”، دامت لك الحياة ودمت لنا أيها العزيز: إننا نحبك كما تحب الحياة والعطاء اللامتناهي.

الدار البيضاء: 22 دجنبر 2016.

شاهد أيضاً

ميشال أونفري: الرواقية كوصفة وجودية

يوسف اسحيردة “الرواقية هي فلسفة الفلاح الذي، من خلال احتكاكه بالطبيعة كل يوم، قد فهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *